الفصل الخامس

(١) مُشْطُ «جَلِفَر»

كان من عادَتِي أَن أَذهبَ إلى الْملِكِ عندَ اسْتِيقاظِه منَ النَّوْم في الصَّباحِ، مرَّةً أو مَرَّتَيْنِ في كلِّ أُسبوعٍ، وكثيرًا ما رأيتُ الْحَلَّاقَ عندَهُ وهو يَحْلِقُ لِحْيَتَهُ، وأَذكرُ أَنني حينَ رأَيتُهُ في الْمَرَّةِ الْأُولَى — والْحَلَّاقُ جادٌّ في حَلْقِ لِحْيَتِهِ — امْتلأتْ نفسي رُعْبًا وهَلَعًا؛ فقد كان طولُ الْمُوسَى أَكبرَ من ضِعفِ طولِ المِنْجَلِ عندَنا.

وكان مِن عادَةِ جلالتِه أن يَحْلِقَ لِحْيَتَه مرَّتينِ في كلِّ أُسبوعٍ، على حَسَبِ تَقاليدِ هذِه البِلادِ وعاداتِها.

وقد طلبتُ من الْحَلَّاقِ — ذاتَ مرَّةٍ — أن يُعْطِيَنِي عِدَّةَ شَعَراتٍ من لِحْيَةِ الْملكِ، فلم يتردَّدْ في إِجابتي إلى طَلَبِي، فأخذتُ قطعةً صغيرةً منَ الْخَشَبِ وثَقَّبتُها — بإبْرَةٍ — عِدَّةَ ثُقوبٍ على مسافاتٍ متساويةٍ منتظِمةٍ ثم أَدْخَلْتُ — في تلك الثُّقوبِ — ما أَخذتُه من شَعَراتِ الْملِكِ بدقَّةٍ وانْتِظَامٍ، وتمَّ لي صُنْعُ المُشْطِ الَّذِي أَرَدْتُه. وكان الْمُشْطُ الَّذي أَحضرْتُهُ معي من بِلادِي قدِ انْكَسَرَ؛ فاسْتَبْدَلْتُ بهِ هذا الْمُشْطَ الْمَتِينَ، بعدَ أنْ عَجَزْتُ عن الظَّفَر بِمُشْطٍ صَغِيرٍ، ويئِستُ من الْعُثورِ على عاملٍ كُفْءٍ يَصْنَعُ لِيَ الْمُشْطَ الذي يُلائِمُني.

(٢) كُرْسِيُّ «جَلِفَر»

وما إنْ ظَفِرْتُ بتحقيقِ هذهِ الرَّغْبَةِ، حتى سَنَحَ لي خاطِرٌ آخرُ، فَرَجَوْتُ إحدَى خادِماتِ الْمَلِكةِ أَنْ تَلْتَقِطَ لِي ما يسقطُ من رَأْسِها من شَعَراتٍ — فِي أَثْناءِ امْتِشاطِها — فَلبَّتْ طلبي، وأحضرتْ لي عددًا كبيرًا من شَعَراتِ الْملكة، فأعطيتُها للنَّجَّارِ ليصنعَ لِي كُرْسِيَّينِ يُناسِبانِ ضَآلَة جسمي، وأَرْشَدْتُه إلى طريقَةِ صُنْعِهما، وأَوْصَيْتُه أن يكونا في حَجْمِ الْكرْسِيَّيْنِ اللَّذَيْنَ صَنَعَهُما من قَبْلُ، وأن يثقُبَ الْخشبَ عدةَ ثُقوبٍ منتظمةً، فلمَّا أتَمَّهما ملأتُ ثقوبَهما بِشَعَراتِ الْملكةِ؛ فأصبح عندي مَقْعدان فاخِرانِ وَفْقَ ما أَشْتَهي وأُرِيدُ، ثم أَهديتُهما إلى الْملكةِ؛ ففرِحَتْ بِهما ووضعتْهما في خِزانَتِها، بعدَ أنْ شكرتْ لِي أن أَهْدَيْتُ إليها هاتينِ الطُّرْفَتَينِ الثَّمِينَتَيْنِ.

وأذكرُ أنَّها طلبَتْ إليَّ — ذاتَ يومٍ — أَنْ أَجلسَ على أَحَدِهما، فاعْتَذَرْتُ لها قائِلًا: «لَنْ تَصِلَ بِيَ الْجُرْأةُ وسوءُ الأَدبِ إلى حَدِّ أنْ أَجْلِسَ على هذه الشَّعراتِ الْمُحْتَرَمَةِ الَّتي زَيَّنَتْ — مِنْ قَبلُ — رَأسَ الْمَلِكةِ الْجليلَ.»

وبعدَ أَيامٍ صنعْتُ من شعرِها كِيسًا جميلًا طولُه ذِراعانِ، وطَرَّزْتُه باسْمِها بِحُروفٍ مِنَ الذَّهَبِ. ثم اسْتَأذنْتُها في إهْدائِهِ إلى الْحاضنَةِ؛ فأذِنَتْ لِي في ذلك، وَهي مسرورةٌ بإخْلاصي، وحُسْنِ وفائِي لهذهِ الْحاضِنَةِ الوَفِيَّةِ.

(٣) مُوسِيقى الْعَمالِقَةِ

وكان لِمَلِك «برُبْدِنْجَاجَ» شَغَفٌ شديدٌ بالْمُوسيقَى. وقد شَهِدتُ كثيرًا مِنَ الْحَفَلاتِ المُوسِيقِيَّةِ الَّتي أَقامَها. وكنتُ أَشهدُ تلك الْحفلاتِ — وأَنا في عُلْبَتِي — ولكنَّ مُوسِيقاهُم كانت تُزْعِجُنِي أَشَدَّ الإزْعاج، لأَنَّ أَصْواتَها شديدةُ الارْتفاع.

ولم أكنْ أَستطيعُ تَمْييزَ النَّغَماتِ بينَ هذا الصَّخَبِ — وهيَ على مَقْرَبَةٍ مِنْ أُذُني — ولمْ أُطِقْ صَبْرًا على سَماعِ الطُّبُولِ.

فقد كنتُ أَسْمَعُ لها دَوِيًّا هائِلًا مُزعجًا، ولم يكنْ في قدرتِي أنْ أَحتَمِلَ أصْواتَ أَبْواقِهم المُفْزِعَةَ، فاسْتَأذَنْتُ الْمَلِكَ أنْ أكونَ في عُلبتي على مسافةٍ بعيدةٍ مِنَ الْمُوسِيقَى، فكنتُ أُقْفِلُ عليَّ بابَ عُلبتي ونافِذَتَيْها. وأُسْدِلُ أَسْتارَها، فيَخِفُّ الصَّوتُ والضَّوضَاءُ، وبِذلك يَتَسَنَّى لِيَ التَّمْييزُ بينَ أَنْغَامِهَا الْمُخْتلِفَةِ.

•••

وكنتُ على شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ بالْمُوسيقى؛ فقد تَعلَّمْتُ — في حَدَاثَتَي — الإيقاعَ على الْمَعازِفِ. ورَأيْتُ في غُرْفَةِ الْحاضنَةِ مِعْزَفًا تتعلَّمُ الْعَزْفَ عليه، وكان أحدُ مُدَرِّسِي الْموسِيقَى يتعهَّدُها، ويُخَصِّصُ لِتعليمِها دَرْسَيْن في كلِّ أُسْبوعٍ.

وقد عَنَّ لِي أَنْ أَعْزِفَ لَحْنًا مُوسيقِيًّا أَمامَ جلالَتَيْ الْمَلِكِ والْمَلِكةِ، ولكنَّ ذلك لمْ يكنْ بالأَمْرِ الْيَسِيرِ الْهَيِّنِ؛ فقد كان طولُ كلِّ دَسْتَانٍ من الدَّسَاتِينِ سِتِّينَ قَدَمًا، وعَرْضُه ثلاثون قدمًا، وكنتُ — إذا بَسَطْتُ ذِراعِيَّ كلَّ الْبَسْطِ — لا أستطيعُ أن أَلْمسَ أكثرَ مِنْ خمسةِ دَساتِينَ، وكنتُ — إلى ذلك — لا أَسْتَطِيعُ أنْ أُحَرِّكَ الدَّسْتَانَ بإصْبَعِي؛ لأنَّ إخْراجَ النَّغْمَةِ المُوسيقِيَّةِ على هذا الدَّسْتانِ الضَّخْمِ الْعظيمِ يُكَلِّفُني أن أَضرِبَ عليه بجُمْعِ يدي ضربةً شديدةً.

وبعدَ فِكْرٍ طويلٍ اهْتديتُ إلى طريقةٍ ناجِحةٍ؛ فأحضرتُ عَصَوْيِنِ — في مِثْلِ ضَخَامَةِ عِصيِّنا الْمعتادةِ — ثم غَشَّيْتُ طرفَيْهِما بِجلْدِ فأْرَةٍ، حتى يتسنَّى لِي أَنْ أَعْزِفَ بهما على الدَّساتِين. ودعوتُ الملكَ والْملكةَ، بعدَ أن أَتيتُ بِمَقْعدٍ طويلٍ؛ فأدْنَيْتُهُ من الدَّساتِين، ثم وقفتُ عليه، وظَلِلْتُ أَجْري — في رَشاقةٍ وسُرْعَةٍ — على ذلك الْمَقْعَدِ الْمُسْتَطيلِ، وأنا أَدُقُّ الدَّساتينَ بِعَصَوَيَّ دَقًّا شديدًا بِكلِّ قوَّتِي، حتى أَتْمَمْتُ عَزْفَ لَحْنٍ مُوسِيقيٍّ رائعٍ، أمامَ الْمَلِكَين (الْمَلِكِ والْمَلِكةِ). وقد أُعْجِبَا بِهذَا اللَّحْنِ الذي كلَّفنِي جُهْدًا مُضْنِيًا، وإني أُؤَكِّدُ لِلقارئِ أنَّني لمْ أتكبَّدْ في حياتي كلِّها — مِنَ الْجُهْدِ وَالْعَنَاءِ — مِثْلَ ما تكبَّدْتُه في ذلك الْيَوْمِ.

(٤) بَيْنَ «جَلِفَر» وَمَلِكِ «برُبْدِنْجَاج»

عَرفتُ الْملِك — كما أَسْلَفْتُ — واسِعَ الْعِلْمِ، مَوْفُورَ الذَّكاءِ، كَما عَرَفتُه طُلَعَةً، مُولَعًا بِتَقصِّي الْأَخْبارِ، وكان ذلك كثيرًا ما يدفعُه إلى استِدْعائِي إليْهِ، والتَّحَدُّث مَعي. وكنتُ أُحْمَلُ إليه في عُلْبتِي، ثم أُوضَعُ على الْمِنْضَدَةِ — حَيْثُ أَخْرُجُ مِنَ الْعُلْبَةِ، فأَجْلِسُ على كُرْسِيٍّ فَوْقَ الْمِنْضَدَةِ بِحَيْثُ أَكونُ منهُ وَجْهًا إلى وجهٍ — ثم نَتَجاذَبُ أَطْرافَ الْحديثِ.

وفي يومٍ مِنَ الْأَيامِ تَدَاوَلْنَا الْقَوْلَ، وشَجَّعَنِي ما رأيْتُه فيهِ من رَجاحَةِ عَقْلِهِ علَى أنْ أُكاشِفَهُ بِما في نفسِي، فقلْتُ لَهُ: إنَّ احْتقارَهُ لأَهْلِ أُورُوبا وغيرَها منْ قارَّاتِ الْعالَمِ لا يَتَّفِقُ — كما يَبْدُو لِي — معَ ذلكَ الْعقلِ الرَّاجِحِ الَّذي يَمْتازُ به على غيرِه مِنَ الْمُلوكِ. وما أَجْدَرَني أَنْ أُكاشِفَهُ بِما أَعتقِدُهُ صَوابًا، فإنِّي أَرَى أَنَّ رَجاحَةَ الْعقلِ ليس لها أَيَّةُ صِلَةٍ بضخَامةِ الْأجسامِ وكِبَرِهَا. وقد أَقْنَعَتْنَا المُلاحَظَةُ والتَّجاربُ — في بلادِنا — بِعَكْسِ ما يعتقدُه؛ فقد طالما رَأَيْنَا أنَّ أَطْوَلَ النَّاسِ قَامَةً ليس أَوْفَرَهُمْ عقلًا، وكثيرًا ما رأينا من طِوالِ النَّاسِ مَن أَصْبَحَ مَضْرِبَ الْمَثلِ في الْحَماقَةِ والغَباوةِ. وليس ذلك مَقْصُورًا على الْإِنسانِ وحدَه، بلْ يَشْرُكُهُ فيه بعضُ الْحيوانِ. وقدِ امْتَازَتِ النَّحْلَةُ كما امْتازتِ النَّمْلَةُ، على غيرِهِما مِنَ الْحيوانِ بِضُروبٍ شَتَّى من الْمَهارَةِ والذَّكاءِ يَدْهَشُ لها الْمُتَأَمِّلُ، فإذا كنتُ — كما يراني — ضَئِيلَ الْجسمِ، فليس مَعْنَى ذلك أنني ضعيفُ الْفِكْرِ؛ فقد أكونُ قادرًا على أداءِ كثيرٍ منْ جَلائِلِ الأَعْمَالِ!

وكان الْملكُ يُصْغِي إلى حديثِي بانْتِبَاهٍ شديدٍ؛ فاسْتَصْوَبَ ما قُلْتُهُ له، واقْتَنَعَ بِصَحَّتِه، وبَدأ ينظرُ إليَّ — منذُ هذِهِ اللَّحظةِ — نَظْرَةَ احْتِرام وتَقْدِيرٍ، وأَكْبَرَ عقلِي، فلمْ يَعُدْ يَقِيسُه إلى قامَتِي كما كان يفعلُ من قبلُ.

(٥) حَدِيثٌ عنِ الْوَطَنِ

وقد كان مِنْ أَثَرِ ذلك أَنْ أَمَرَنِي أَنْ أَذْكرَ له بيانًا دَقِيقًا عنْ حُكومَةِ بلادي، لِيَقْبِسَ ما يراهُ من تَقَالِيدَ صالِحَةٍ، ومَزايا نافِعَةٍ.

ومَثِّلْ لِنَفْسِكَ — أيُّها الْقَارِئُ العزيزُ — ما كنتُ أشعرُ بِهِ حينَ طَلَبَ إِلَيَّ أنْ أتحدَّثَ عنْ وطني الْعزيزِ! لَوَدِدْتُ — حينئذٍ — أنْ تكونَ لي عَبْقَرِيَّةُ «ديمُسْتِينَ» و«شِيشرُونَ»، وَرَوْعَة بيانِهِمَا؛ لأَفِيَ وطنِيَ العزيزَ بعضَ حقِّهِ — مِنَ الْوَصْفِ والتَّصْوِيرِ — حتَّى أتْرُكَ في نَفْسِ الْمَلِكِ أسْمَى فِكْرَةٍ عنْهُ.

(٦) دارُ النِّيَابَةِ

وقد بدأتُ حَديثِي بِالْكلامِ عَنْ مَوقِعِ بِلادِي الْجُغْرافِيِّ، وذَكرْتُ لَهُ أنَّ بلادَنَا تتَألَّفُ من جَزِيرَتَيْنِ تَحْوِيَانِ ثلاثَ مَمالِكَ قَوِيَّةٍ، يَحْكُمُها ملِكٌ واحدٌ، وأنَّ لَنا — إلى ذلك — مُسْتَعْمَراتٍ في خَارِجِ بِلادِنا. ثم حَدَّثْتُهُ عن خِصْبِ أَرْضِنا، وعَنْ أَجْوائِها وأَهْوِيَتِها، ووصفْتُ له دارَ النِّيابةِ عنْدَنا، وكيف تتألَّفُ منْ مَجْلِسَيْنِ، أحدُهُما نُطْلِقُ عليْهِ اسْمَ «مَجْلِس الْأَعْيَانِ» والثَّاني «مَجْلِس الْعُمُومِ»، وأنَّ الْمَجْلِسَ الأوَّلَ يَضُمُّ سَراةَ البِلادِ ونُبَلاءَها وأشْرافَها الذين نَشَأُوا من أَعْرَقِ الأُسَرِ الْكرِيمَةِ حَسَبًا وأشْرفها نَسَبًا، بعْدَ أنْ يأْخُذُوا بِأَوْفَرِ قِسْطٍ منَ الثَّقافَةِ والتَّربِيَةِ العِلْمِيَّةِ والْحَرْبِيَةِ والسِّيَاسِيَّةِ، حتى يَنْضجَ عَقْلُهم وتَسْتَقِيمَ فِطْرَتُهُمْ، ويُصْبِحُوا أَهلًا لِتَمْثيلِ البلادِ، فيكونَ لهم نصيبٌ في إدارةِ الْحكومةِ، ويكونوا موضِعَ ثِقةِ الْبلادِ التي تُعِدُّهم للاسْتِشارةِ في أكْبَرِ مُعْضِلاتها، وحَلِّ أَزَمَاتِها، والدِّفاعِ عن شرفِها، ثم تَخْتَارُهم أعضاءً في مَحكمةِ الْعَدالةِ التي لا مُعَقِّبَ لأَحْكامِها.

وهؤلاءِ هم فَخْرُ الْبلادِ وزينتُها، وأبرُّ أبنائِها بِها، وأكرمُهُم عليها، وهذا الْمَجلِسُ يَضُمُّ — إلى تلكَ الصَّفْوَةِ الْمُختارَةِ من سادةِ الْبلادِ وحُكَّامِها — عددًا كبيرًا من صفْوةِ رجالِ الدِّينِ وعلمائِه الْمُمتازينَ، وهؤلاء مَعْنِيُّونَ بالسَّهَرِ على الْأَخلاقِ ونُصْرَةِ الشَّريعةِ. وهم يجْمعونَ — إلى متانةِ الْخُلُقِ — سَعَةَ الاطِّلاعِ، ورَجاحةَ الْعَقْلِ، وبذلك كانوا أهلًا لهذا الْمَركَزِ السَّامِي الذي رَفَعَتْهُمْ إليه الْبلادُ.

•••

أما الْمَجْلِسُ الثَّاني — أعني «مجلسَ الْعُمومِ» — فَهُوَ يتألَّفُ منْ أفذاذِ الْمُفكِّرينَ ورجالِ الْعَمَلِ الذين يخْتَارُهم الشَّعبُ، ويُولِيهِمْ ثقَتَهُ، وينيبُهمْ عَنْهُ، بعْدَ الذي عَرَفَهُ فيهِم منَ الْمواهِبِ السَّامِيَةِ، والْمزايا الْفَريدَةِ، والْكفاياتِ النَّادرةِ، والتَّفانِي في نصرةِ الْوَطَنِ، وهذا المجلسُ يمثِّلُ حكمةَ الشَّعْبِ ودِرَايَتَهُ.

وذكرتُ له أنَّ هذينِ المجلِسَيْنِ يُكَوِّنانِ أكبرَ مجلِسٍ نيابِيٍّ في الْعالَمِ، وهذا الْمجلِسُ — وعلى رَأْسِهِ جلالةُ الْملِكِ — يُشْرِفُ على كلِّ شُئُونِ الْمملكَةِ، ويَسُنُّ لها النُّظُمَ التَّشْريعيَّةَ، ويَقْضِي في كُبْرَيَاتِ الْمسائِلِ الْجَوْهَرِيَّةِ التي تَشْغَلُ بالَ الدَّولَةِ.

•••

ثم ذكرتُ له مَحاكِمَنَا وما تمتازُ بهِ من الْحِرْصِ على الْعدْلِ، والْفَصلِ في منازَعاتِ الأفرادِ، وتَوَخِّي النَّزاهَةِ والإنصافِ في الْأحكامِ، ومعاقبةِ الْمجرمينَ، وحِمايةِ الْأبرياءِ. وامْتدَحْتُ لهُ حُسْنَ إدارتِنَا الْمالِيَّةَ، وما يَتَوَخَّاهُ رجالُ الِاقْتِصادِ عندَنا من الْحِكْمةِ في إنْفاقِ أموالِ الدولةِ في كلِّ ما يعودُ عليها بالفائدةِ والخيرِ العميم. ووصفْتُ لهُ مزايا رجالِ الجيْشِ منَ الْجنودِ البَرِّيَّةِ والْبَحْريَّة، ومَا يُظهرونه من البَسالَةِ والِاستهانةِ بالموتِ، وبذْلِ أرواحِهم رَخِيصةً في الذَّوْدِ عن الوطنِ وحمايَتِه من غاراتِ الأعداءِ، وما امْتازُوا به من الشّجاعَةِ والْإِقدامِ، وقلتُ له — فيما قلتُ — إن شَعْبَنا يتألَّف من ملايينِ الرِّجالِ وشتَّى الْأحْزابِ السِّياسيةِ والْأديانِ الْمُختلِفةِ. وحدثْتُهُ عن ألعابِنَا وَمَلاهِينَا، ولمْ أُغْفِلْ شَيئًا منْ خصائِصِنَا ومَزَايَانَا الْمُشَرِّفَةَ. وخَتَمْتُ حديثي بِالْإِلْمَامِ بما وقع في بلادِنا من الثَّوراتِ مُنْذُ مائةِ عامٍ، وتَوَخَّيْتُ — في ذلك — الإيجازَ والدِّقَّةَ وحُسْنَ الْبيانِ.

وقد استغرقَتْ هذه الْمحَاضَراتُ خمْسَ جلَساتٍ كاملةً، كنتُ أتحدَّثُ في كلِّ جلسةٍ منْها عِدَّةَ ساعاتٍ. وكان الْمَلِكُ يُصْغِي إلى أقْوالِي في انْتباهٍ وَيَقَظَةٍ دائمين، ويَكْتُبُ خُلاصَةَ ما أقولُ لِيُنَاقِشَهُ فيما بعدُ.

(٧) أسئلةٌ وانْتِقاداتٌ

فلمَّا كان الْيوْم السادسُ بدأَ الْمَلِكُ يناقشُني في كلِّ ما ذكرْتُه لَهُ مناقَشةً دقيقةً، وكان قد أعَدَّ ملاحظاتِهِ وأسئلَتَهُ، فأفْضى إِلَيَّ بِدِخْلَةِ نَفْسِهِ، وكاشَفني بِمَا يساوِرُهُ منَ الشُّكوكِ والرَّيبِ فيما قلْتُه لهُ. ولقد كان — في الحقِّ — دقيقًا في ملاحَظاتِهِ، قاسيًا في أحكامِهِ، ولم يكنْ منَ الْمَيْسُورِ أنْ أُقْنِعَهُ بخَطَلِ رَأْيِهِ وبُعْدِهِ عنِ الصَّوابِ.

(٨) أَعْيَانُ الدَّوْلَةِ

وإلى الْقَارِئ مَا قالَه لي في حِوارٍ طويلٍ: «ما هي الوسائِلُ التي تَتَّبِعونَها في تثقيفِ أبناءِ الْعُظَماءِ والنُّبلاءِ؟ وماذا تصنعونَ بالأُسَرِ النبيلةِ التي يُسْلِمُهَا جَدُّها الْعاثرُ إلى التدهْوُرِ والخَرَابِ، وهو أمرٌ — كما تعلمُ — مألوفٌ كثيرُ الحُدوثِ؟ وأيُّ الْمزايا تَشْتَرِطُونَ فيمن ترشِّحونَه لِمَراتِبِ الْأعيانِ؟ وَهَلْ تظنُّ أنَّ للملِكِ يدًا في اختيارِهمْ، وأن لأهْواءِ الْأُمراءِ أثرًا في تعيينِهم — بمَا لديهم من مالٍ ونفوذٍ — ليخْلُقوا منهم حِزْبًا قَويًّا يؤيَدُهُم وينصُرُ سياستَهم، ويُحَقِّقُ لهمْ ما تَصْبُو إليه نفُوسهم من أمانِيَّ وأغْراضٍ، وإن عارَضَ ذلك مصْلحةَ الشَّعبِ؟ وما هو مَبْلَغُ عِلْمِ هؤلاءِ الأعيانِ بقوانينِ بلادِهم؟ ولماذا خَصَصْتُمُوهُمْ بتلكَ الثِّقةِ الْعظيمَةِ، وتركْتُم لهُم الْقولَ الْفَصْلَ، وجعلتُموهُمُ الْمَرْجِعَ الْأخيرَ في أهمِّ شُئُونِ الْوَطَنِ؟ أتظنُّونَ أنهم — لِغِناهُمْ وَجاهِهِم — قد خلَصَتْ نفوسُهم من الشَّوائبِ والأَغراضِ؟»

(٩) رِجالُ الدِّينِ

ثمَّ قالَ: «وماذَا تَرى في عُلَمَاءِ الدِّينِ؟ أتعتقدُ أنهمْ قد وصلُوا إلى مراكزِهم في دارِ النِّيابةِ بما امتازوا به من علمٍ وفضْل، وصَلاحٍ وتقوَى؟ وهلْ تظنُّ أن إخلاصَهم وقداسَتَهُم وطهارةَ نفوسِهم هي التي أكسبَتْهُم هذا المركَزَ الرفيعَ؟ وهل تعتقدُ أنهم خَلَصُوا من الضَّغائِنِ، وتَجرَّدوا مِنَ الأهواءِ والنَّقائصِ، ولم يرتكِبُوا — منذُ نَشاءَتِهم — شيئًا من جرائمِ الْغِشِّ والْخِداعِ والخيانةِ، ولم يتمَلَّقُوا أحدًا من الأُمراءِ والْأعْيانِ، لِيَصِلوا بِذلك إلى أعلى مناصبِ الدَّولةِ الدينيَّةِ، حَيْثُ يرْتقُون إلى مجلِسِ الأعيانِ؟»

(١٠) انتخابُ النُّوَّابِ

ثم سألَني عن مَجْلِسِ النُّوَّابِ، فقال: «وماذا تَرى في المجلِسِ الثاني الَّذِي ذكرته لي؟ أراضٍ أنت عنه وعنْ طريقةِ انْتخابِه؟ ألَيس منَ الْمُمكِنِ الْمحتَملِ أن يَجيءَ رجلٌ مجهولٌ — وفي يده كيسٌ مملوءٌ ذهبًا — فيشتريَ بِهِ أصواتَ ناخِبيهِ، فيكسِبَ بالذَّهَبِ ما لا يَكْسِبُ بالمواهِبِ والْمزايا الْباهِرَةِ، ويُفَضِّلَه ناخِبُوه على مُنَافِسِهِ الْكفْءِ الْجديرِ بالنِّيابةِ عنهم؟ ولماذا يتَهافتُ مُواطِنُوكم على الِانْتخابِ ويتناحَرُون في سبيلِه، لولا ثِقَتُهم بِأنهم — بعد أن يُصْبِحُوا نُوَّابًا — سَيُعَوِّضُون من كلِّ ما خَسِرُوه من الْمالِ في مَعْرَكةِ الِانْتخابِ؟ ولا شَكَّ أنهم سيَتَناسَوْنَ في سبيلِ ذلك مصالحَ الْبلادِ، تَقَرُّبًا إلى ذَوِي النُّفوذِ والْجاهِ من الْأُمراءِ والْأَعيانِ ومن إليهم؟»

وقدِ انْساقَ في تَعدادِ هذه الْملاحَظاتِ الْقاسيةِ وأمثالِها، وانْدفع يَحمِلُ — بلا رَوِيَّةٍ — على نُظُمِنَا وتقاليدِنا حَمَلاتٍ قاسيةً، وليس من الْحَزْمِ ولا مِنَ الْخيرِ أن أذكرَها في هذا الكِتابِ.

(١١) دُورُ الْقَضاء

ثم انْتقل إلى مَحاكِمِنا فانْتقدَها، وسألَني في شأْنِها، وكم تَسْتَغْرِقُ منَ الوقتِ في درسِ القضيةِ والحُكم فيها؟ وكم تَبلغُ نفقاتُ الدِّفاعِ؟ وكيف يَقْبَلُ المُحامون أنْ يُدافعوا عن قضايا خاسِرَةٍ يعتقدون أنها لا تتفقُ هي والْحقيقةُ؟ وهل تتأثَّرُ هذِه الْمَحاكِمُ في أحكامِهَا بِحِزْبٍ بعَينِهِ؟ أو تَخْضَعُ لرأْيِ عظيمٍ من ذَوِي النُّفُوذِ والْجاهِ؟ وهل يَحْتَكِمُ الْقُضاةُ إلى نُصوصِ الْقانُونِ وحْدَها؟ أوْ يتأوَّلون فيها وَفْقَ ما يَرَوْنَهُ من شَتَّى ضُرُوبِ الشَّرْحِ والتَّأوِيلِ؟ وهل تَتَّفِقُ أحكامُ الْمحاكمِ الْمختلِفةِ في قضيةٍ بِعَيْنِها، أو تتناقَضُ في أحكامِها، لاخْتِلافِ آراءِ الْقُضاةِ، وتبايُنِ الشُّروحِ والتأْويلاتِ الْكَثِيرَة لنُصُوصِ الْقَانونِ؟

وقد كان في وُسعي أن أُفِيضَ في الكلامِ عن الْمَحاكمِ وأُصَحِّحَ آراءهُ فيها؛ فقد خَبرتُها في قضيةٍ كَسَبْتُها — بعد زَمنٍ طويلٍ — وقَضَتْ لي المحكمةُ بِحَقِّي، وبما تكبَّدْتُه في سبيلِ الْحصولِ عليه من المالِ، بَعْدَ أنْ أشرفْتُ على الْخرابِ والْإِفلاسِ، ولكنني لم أرَ فائدةً في مناقشتِهِ وتصحيحِ آرائِهِ، بعدَ أنْ وجدْتُ إقناعَه منَ الْمُستَحِيلِ ….

(١٢) أموالُ الدولةِ

ثم انْتقل إلى سُؤالِي عن إدارةِ الْمَالِيَّةِ، فقالَ: «إنَّكَ — فيما يَبْدُو لِي — قد أَخطأْتَ في حِسابِك، فإنك لم تقدِّرِ الضَّرائبَ بأكثرَ من خمسة ملايين أو ستَّةٍ، على حينَ أنك تذكرُ لي أَنَّ ما تُنْفِقُه الدَّوْلَةُ يتجاوزُ بكثيرٍ دَخْلَها الذي ذكرتَه لي؟ ولستُ أَستطيعُ أن أُدْرِكَ كيف تُنْفقُ الدولةُ كلَّ دَخْلِها، ثم تتخطَّى ذلك إلى الاستِدانَةِ من غيرِها، كما يفعلُ الرَّجلُ المُبذِّرُ سواءً بسَواءٍ؟

ثم خبِّرنِي — أيها الْعزيزُ — مَنْ هم دائِنوكم؟ وكيف تُؤَدُّون لهم دُيونَهم بعدَ أن خرجتم عن جادَّةِ الْقصدِ إلى الإسرافِ، وبعد أن تمرَّدْتُمْ على قوانينِ الطبيعةِ، وتَخَطَّيتم سُبُلَ الْحِكْمَةِ والسَّدادِ؟»

(١٣) نفقاتُ الْجَيشِ

ثم أبْدَى لي دَهشتَهُ مما سمِعهُ مِنّي في شأنِ الْأموالِ الطَّائلةِ الَّتي أنفقْناها في الْحروبِ، فقال: «لا شكَّ أَنكم مُشاغِبونَ تَنْزِعُونَ إلى الشَّرِّ، أو أَنَّ جيرانكم أَشرارٌ خُبثاءُ! ثم خبِّرنِي: ما أنتُم ومُنازعاتُ الْبلادِ الْأجنبيَّةِ ومُشْكِلاتِها، وهي لا تَمُتُّ إليكم بِنَسَبٍ؟ لعلَّكم تريدون أن يكونَ لكم — في خارجِ بلادِكم — صِلاتٌ أُخرَى غيرُ صِلاتِ التِّجارةِ؟ وما أَحسَبُكم إلَّا طامِعينَ في الْفتحِ والْغَزْوِ؟ وما كان أجدَرَكم أن توجِّهوا جُهودَكم كلَّها لإسعادِ بلادِكم، والدِّفاعِ عن مَرافئِكم، من غيرِ أن تتطلَّعَ نُفُوسُكم إلى ما في أَيدي غيرِكم منَ الأُممِ.

ثم خَبِّرْني — أيها الصَّديقُ — بَعْدَ ذلك: ما فائدةُ هذا الْجيشِ الْكبيرِ الَّذِي تُنفِقون عليه في وقتِ السِّلمِ، ما دام شَعْبُكم حُرًّا راضيًا عن حكومتِه ونُظُمِه وتقاليدِه؟ وأيُّ نَفْعٍ لهذا الْجيشِ؟ ولماذا عُنِيتُم به؟ وعَمَّنْ يُدافعُ؟ وأيَّ الْأُممِ يُحارِبُ؟ ألَيس من الْخيرِ أنْ يُدافعَ سُكَّانُ كلِّ بيتٍ عن بَيتِهم، وأن تَشتَرِكَ الْأُسرةُ ومَنْ في الْبيتِ مِنْ أولادٍ وخَدم في حِمايةِ أنفُسِهم، فيكونَ ذلك أَجْدَى عليهم، وأَعْوَدَ بِالْفائدةِ مِنْ أن يَكِلُوا حِمايَتَهُم والدِّفاعَ عنهم إلى جماعةٍ من اللُّصوصِ والْأشرارِ، يُؤلَّفونَ منْ حُثالَةِ الشَّعْبِ ودَهْمائه، ويتقاضَوْن عَلى حمايتِهم أجرًا زهيدًا يُغْرِيهِم بالرِّشْوَةِ والْفسادِ، إذ يَرَوْنَ أَنَّ في وُسعِهم أن يذبحوهم ويَرْبَحُوا من ذلك مالًا كثيرًا يُرْبِي على ما يَأْخُذُونه من الْأَجْر مائةَ مرةٍ؟»

(١٤) ملاحَظاتٌ عامةٌ

ثم ناقشَني فيما ذكرتُه لَهُ منِ اخْتِلافِ أحْزابِ الشَّعبِ ونزعاته السِّياسيَّةِ، وتعدُّدِ أديانِهِ ومِلَلِهِ ونِحَلِهِ، وانْتقلَ من ذلك إلى ما ذكرتُه لهُ منْ أساليبِ اللَّهوِ التي يَقْضِي سَراتُنا وأعيانُنا كثيرًا من أوْقاتِهِم فيها، فقالَ: «خَبِّرْني، في أَيّةِ سِنٍّ تبدأ أَلْعابُ الْمُراهَنَةِ؟ وفي أَيَّةِ سنِّ يُقلِعون عنها؟ وكم ساعةً من الزَّمَنِ تستغرِقُ منهم كلَّ يومٍ؟ وإلى أيِّ مَدَى تؤثِّرُ في ثروتِهم، وتُبَدِّدُ من أموالِهم، وتدفعُ بهم إلى الْفاقةِ — بِخُطًى سريعةٍ — وتسُوقُهم إلَى ارْتكابِ الدَّنايا والآثام؟ أَلستَ تَرَى أنَّ كَثيرًا منَ الأدنياء السَّفَلَةِ الذين لا عمل لهم، والَّذِين فَرَغُوا من مُشكِلاتِ الْحياةِ، وَرَصَدُوا أوقاتَهم لهذهِ الألْعابِ، يستطيعونَ أن يَغْبِنُوهم فيها، فيَجنُوا بمهارتِهِم وحِذْقِهم من هؤلاء الْأَغرارِ ثروةً عظيمةً تسلكُهم في عِدادِ الْأَعيانِ والنُّبلاءِ، وتجعلُهم يتحكَّمون في سادَتِهم بعدَ أن يُشْرِفُوا على الْخرابِ والإفلاسِ؟ أَلا تَرَى أَنَّ مِنَ الْحِكمةِ وأَصالةِ الرَّأيِ أن تَقْضِيَ الدولةُ على مِثْلِ هذا اللَّهْوِ الآثمِ المُزْرِي؟»

ثم انْتقل إلى مناقشتِي فيما سَمِعَهُ من الحوادثِ الْمُفْزِعَةِ في تاريخِ الْقرنِ الْماضي، ودَهِشَ أَشَدَّ الدهْشةِ من تلكَ الثَّوْراتِ والْفِتَنِ والْمؤامراتِ، وما انْتَهَتْ إليهِ من قَتْلٍ وتدْميرٍ، ونَفْيٍ وتعذيبٍ، وقال لي: «إنَّها دليلٌ على اللُّؤْمِ، والْقَسْوَةِ والْحِقْدِ، والطَّمعِ، والْجُنونِ!»

(١٥) خاتِمَةُ المناقشةِ

وفي الْيومِ التَّالي أَجْمَلَ جلالَتُهُ ما سَمِعَه مِنِّي، وما قالهُ لي، ووازنَ بين أسئلتِهِ وأجوِبَتي، وكان مُمْسِكًا بي بينَ يَدَيْهِ وهو يُداعِبُنِي ويلاطِفُنِي. ثم ختم محاضرَتَه بهذه الْكلماتِ الْقارِعَةِ التي لا أنْساها ما حَيِيتُ، ولا أَنْسَى قَسوةَ لهْجَتِهِ وهو ينطِقُ بها، إذ قال: «لقد مدحتَ وطنَكَ — يا عزيزي — مدحًا مُسْتفِيضًا، وفضَّلْتَهُ على كلِّ البلادِ، فَدَللتَنِي على أن الجهلَ والْكسلَ والرذيلةَ يُمْكِنُ أن تُعَدَّ — في بعضِ البلادِ — من المَزايا الباهرةِ النادرةِ الَّتي يمتازُ بِها السّراةُ والحكامُ، ورأيْتُ أنَّ الْقوانينَ قد انتُقِصَتْ، وتَأَوَّلَ رجالُكم في تفسيرِها ما شاءَ لهمُ الْهوَى والْفائدَةُ واللَّباقَةُ، حتى أفسدُوها وأخرجُوها عَمَّا وُضِعَتْ له، وقد علمتُ أن في بلادِكم نظامًا ربَّما توخَّى به واضعُه غرضًا نَبيلًا، ولكنَّ فَسادَ النفوسِ قد شوَّهه كلَّ التَّشْويهِ. ولقد أيقنتُ — بِما سمعْتُ منك — أن الفضيلَةَ عندَكم لا قِيمةَ لها؛ فإنني لم أَجِدْ مَزِيَّةً واحدةً من مزايا الْفَضْلِ ترفعُ صاحِبَها إلى أَيّةِ مَرْتَبةٍ منْ مراتِبِ الرِّفْعَةِ والشَّرفِ؛ فالنُّوَّابُ لم يصلِوا إلى مكانتِهم من النِّيابَةِ بإخْلاصِهِمْ وفضيلتِهم، ورجالُ الدِّينِ لمْ يَرْتَقُوا بوَرَعِهِمْ وزُهْدِهِمْ وعِلْمِهِم، والجنودُ لمْ يَسْمُوا بشجاعتِهم وإقدامِهِم، والقضاةُ لمْ يدركُوا مناصبَهم بجدارَتِهم وعدلِهم، والشُّيوخُ لم ينالُوا مكانَتَهم بما أُشْرِبَتْهُ نُفُوسُهم منْ حُبِّ الْوَطَنِ، ورِجالُ الحكومةِ لم يظفَروا بِمناصِبِهِم بما أُوتُوهُ من دُرْبَةٍ وَحِكمَةٍ وتجرِبةٍ!»

ثم أنْهى حَديثَه قائِلًا: «أما أنت — يا عزيزي — فقد قضيتَ أكثرَ حياتِك في التَّجْوالِ والأَسفَارِ؛ فلمْ تَسْرِ إليك — فيما أَظُنُّ — عَدْوَى هذه النقائِصِ والرَّذائلِ التي انْغمَسَ فيها أبناءُ وَطنِك. على أنني — بَعْدَ ما سمعتُه من أقوالِكَ، ومن إجاباتِك عن أسئلتِي — أَستطِيعُ أن أُقررَ لك مُتَثَبِّتًا ممَّا أقولُ: أن قومَك جديرونَ أنْ يُوصَفُوا بأنهم أَحَطُّ أنْواعِ الْحشراتِ الْحقيرةِ التي تَدِبُّ على وَجْهِ الأَرْضِ!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤