الفصل السادس

(١) اعتراضاتُ الْملِكِ

يَأْبَى عَلَيَّ إخلاصِي للحقيقَةِ أن أكْتُمَ ما جَرى بيْنِي وبينَ جلالةِ الْمَلِكِ منَ الْحديثِ، كما يَأبَى عليَّ إخْلاصِي لِوَطَنِي أن أراه يحقِّرُهُ ويُزْرِي به مِنْ غيرِ أنْ أُدَافِعَ عنْ شرفِهِ.

لقد أجَبْتُ عن أسئلتِهِ بمهارَةٍ، ووصفْتُ له كلَّ شيءٍ في بلادي بأحسنِ ما يَصِفُه به مُحِبٌّ لوطنِهِ، وتلمَّستُ من مَزاياهُ وحَسَناتِه كلَّ ما اسْتطعتُ. ولم يكنْ دِفاعي عنْ وطنِي ليمنَعنِي الْإِخلاصَ للحقيقةِ، والْإصْغاءَ إلى كلِّ رأْيٍ صحيحٍ واضحِ الْمَحَجَّةِ. وعلى هذا لمْ أَشَأْ أنْ أُغْضِيَ على مناقَشاتِ الْملكِ، وتَحَيَّنْتُ الْفُرَصَ للرَّدِّ على أقوالِهِ، وصبَرتُ مُرْتَقِبًا يومًا آخرَ يكونُ أكثرَ ملاءَمَةً لإزالةِ ما عَلِقَ بنفسِه منَ الْأوهامِ والشُّكوكِ، وقد بذلْتُ جُهدِي في إقْناعِ ذلك الْمَلِكِ الذَّكيِّ الْحصِيفِ، ولكنني — لِسُوءِ حظِّي — لمْ أشعرْ بشيءٍ منَ النَّجاحِ، بلْ أخْفَقْتُ في غَرضي كلَّ الإخْفاقِ. على أَنَّنِي التمسْتُ لهُ شيئًا منَ العُذْرِ، لأنه إنما يعيشُ في عُزْلةٍ تامَّةٍ عن الْعالَمِ، فهو لذلك يجْهَلُ — بطبيعتِه — أخلاقَ الْأمم الْأخْرى وعاداتِهم وتقاليدَهم. وكثيرًا ما ينشأُ عنِ الْعُزْلَةِ والْجهلِ بتقاليدِ الشُّعوبِ الْخطأُ في الأحكامِ، والِاسْتِسْلامُ إلى الْخيالِ والْوَهْم.

ومنَ البلاهةِ أن نأخذَ كلَّ اعْتراضاتِ هذا المَلِك وانتقاداتِه وآرائه في فهم الفضيلةِ والرَّذيلةِ أُسُسًا نَبْنِي عليها نُظُمَنَا وتقاليدَنا؛ فَهي آراءٌ بعيدةٌ عنِ التَّجرِبَةِ والتَّمْحِيصِ.

والْحَقُّ أنَّ بينَ تفكيرِنا وتفكيرِهِ هُوَةً سحيقةً، فهو — بطبيعةِ نشْأتِهِ وعُزْلَتِهِ — يرَى في كثير من قضايا الِاجْتماعِ والسِّياسَةِ عكسَ ما نَرى ….

(٢) اخْتراعُ الْبارودِ

ولقد أردتُ أنْ أكسِبَ عَطْفَه، وأتحبَّبَ إليه؛ فذكرتُ لهُ مُخْتَرَعًا ظفِرنا به — منذُ أربعةِ قُرونٍ — وقلتُ له إنه مَسْحُوقٌ أسودُ تُلْهِبُهُ شرارةٌ صَغِيرةٌ في لحظةٍ، فيَنسِفُ — إذا شئتَ — جِبَالًا راسخةً، وتَسْمَعُ لِفرقعَتِهِ دَوِيًّا أَشَدَّ من جَلْجَلَةِ الرُّعودِ، وذكرْتُ له أنَّ منَ الْميسورِ أن يضعَ شيئًا من هذا الْمسحوقِ في أُنبوبَةٍ — صغيرةٍ أو كبيرةٍ — منَ الْبرُنْزِ أو الحديدِ، فَيَنْسِفَ ما أمامَه، ولا يَصُدّ قُوَّتَهُ شيءٌ بالغةٌ ما بلغَتْ صَلابَتُهُ. وذكرْتُ لهُ أنَّ بعضَ هذه القذائفِ تفتِكُ بالْجيوشِ الْكثيرةِ الْعَددِ، وتَدُكُّ أقْوَى الْحُصُونِ، وتَنْسِفُ أَضْخَمَ الْبُروجِ، وتُغْرِقُ أكبرَ السُّفُنِ، وتُدَمِّرُ أعْظمَ الْمُدنِ، فإذا وُضِعَ هذا المسحوقُ في كرةٍ منَ الْحديدِ، وَقُذِفَ بِهَا الأعداءُ فتكَتْ بهم فَتكًا ذريعًا، ودمَّرَتْ مساكِنَهُم وتناثَرتْ شَظاياها — في كلِّ ناحيةٍ — فأهلكتْ كلَّ منْ أصابَتْهُ، وسحقَتْ كلَّ ما يعترِضُهَا في طريقِها. وقد ذكرتُ لهُ أنني جِدُّ خبيرٍ بأسرارِ هذا الْمسحوقِ وطريقةِ تركيبِهِ، وأنَّ ذلك لنْ يكلِّفَني أيَّ عَناء؛ لأنهُ يتألفُ منْ موادَّ معروفةٍ يسهُلُ الْعثورُ عليها في كلِّ مكانٍ، وَهيَ لا تكلِّفُ مَنْ يَشْتَرِيها إلا ثمنًا قليلًا، فإذا أذنَ لِي جلالتُه، أذَعْتُ لهُ أسْرارَ هذا الِاخْتراعِ، ومتى عَرَفَ جلالته ذلك السِّرَّ أصْبَحَ قادِرًا على تدميرِ أقْوَى الْمُدنِ، وأمْنَعِ الْحصونِ، وإِخْمادِ أيةِ ثورةٍ في زمنٍ يَسِيرٍ، والتَّغَلُّبِ على الأعداءِ من غيرِ مقاومةٍ. وختَمتُ كلامي بقولي: «وإني مستعدٌّ لتقديمِ هذه الْهديةِ الصَّغِيرةِ إلى جلالتِكم، اعْترافًا مني بما غَمَرْتَنِي به منَ الرِّعايةِ والْعَطْفِ الْعَظِيمَيْنِ.»

(٣) آراءُ الْمَلِكِ

وما سمِعَ الْملكُ هذا الحديثَ، حتى بَدَتْ على أساريرِهِ أَمَارَاتُ الدَّهْشةِ والعجَبِ مما سمِعه من أسرارِ هذا الْمسحُوقِ الْمدَمِّرِ. وزادَ دهْشَتَهُ أنه لم يكنْ يدورُ بِخَلَدِهِ أنَّ حَشَرَةً آدَمِيةً — غايةً في الْعجزِ والضَّعفِ والْحقارَةِ — يمكنُ أن تتخيَّلَ مثلَ هذه المفزِّعاتِ الْعظيمةِ، فتتحدَّثُ عن دكِّ الْحصونِ وَنسْفِ الْمُدنِ — في سُهولةٍ وطُمأْنينةٍ وثِقةٍ إلى ما تقولُ — ولا يُزعجُها أنْ تذكرَ التدميرَ وتخريبَ البلادِ والفتكَ بأهلِيها، لأنها تَرى — في كلِّ هذه الشَّنَع والْمذابحِ التي تَنْجُمُ عنْ هذا الِاخْتراعِ الْمُهلكِ — شيئًا تافهًا لا قيمةَ له ولا خطَرَ.

ثم قَالَ لِي الْمَلِكُ: «لستُ أَشكُّ في أَن مخترِعَ هذا الْمسحوقِ الْمُهلِكِ هو رُوحٌ شِرِّيرٌ خبيثٌ لا ضميرَ له ولا دِينَ، ولا أرتابُ في أَنَّ الشَّيطانَ عدوَّ اللهِ هو الَّذي أَلْهمه أَنْ يخترِعَ هذه الْمُهلِكاتِ.»

(٤) مَحَبَّةُ الْخيرِ

ثم قال: «إنني لا أطرَبُ إلا لِلاخْتراعاتِ النَّافعةِ التي تُفيدُ الْجِنْسَ الْإِنسانيَّ، سواءٌ أَذلَّلَتْ قُوَى الطَّبيعةِ وسخَّرتْها لخَيرِ الْإِنْسَانِ، أمْ عمِلَتْ على رُقِيِّ الْفُنونِ وتقدُّمِها، وإني لأوثرُ أنْ أَفقِدَ مُلكِي وأنزلَ عن عَرشي، على أنْ ألجأَ إلى استعمالِ هذه الاختراعاتِ الْمُهلكةِ الْمشئومَةِ، فحذارِ حذارِ أنْ يُكْشَفَ سرَّ هذا الاختراعِ لأحدٍ منَ الشَّعْبِ، فإنَّك إن فعلْتَ فليس لك عندي من جزاءٍ — على إذاعةِ هذا السِّرِّ — إلا الْقتلُ.»

•••

ولقد عجبتُ أَشدَّ الْعَجَب من إصرارِهِ، وعدمِ تقديرهِ فوائدَ هذا الِاخْتراعِ الذي أَمْكَننا به التغَلُّبُ على خُصومِنَا بأيْسَرِ عناءٍ. بَيْدَ أنَّ هذا الْمَلِكَ قد تحلَّى بكلِّ الصِّفاتِ الْمحمودةِ، وتشبَّعَتْ نفسُه بالْخيرِ والرحمةِ، فأحبهُ شَعْبُهُ، وأُعجِبَ بفضائلهِ، وأشادَ بمزاياه، وأكبرَ له ذكاءه وحصافتَهُ وحِكمتَه وسَعَةَ علْمِهِ. وكان هذا المَلِكُ عادِلًا مُحِبًّا لتقدُّمِ شعبِه ورفعتِهِ، فقدَّسَتْهُ الرعيةُ كلَّ التقديسِ، ولم يكنْ مثلُ هذا الْمَلِك لَيُسْرعُ إلى انتهازِ الْفرصةِ السانِحَةِ لإرهاقِ من يخالفُهُ أو يثَوُرُ عليه، لأنه لم يكنْ يَعْنيهِ أن يُصْبِحَ سيِّدًا مستبدًّا مُطلَقَ التَّصرُّفِ والسُّلطانِ في حَيَاةِ رعِيّتِهِ وحرِّيّتِهم، ولكنْ يعنيه أن ينفَعَهم ويجلُبَ لهمُ السَّعادةَ والرَّفاهيةَ والْخيْرَ الْعميمَ، وإذا كان قد رفض الإِصغاءَ إلى نصيحتي فإن ذلك لا يَنتقصُ من فضلِهِ وذكائِه، ولا أحسَبُ الْقارِئَ يخطِّئُه في ذلك، فإنَّ سياسَةَ هذهِ الشُّعوبِ قائمةٌ على الصَّراحةِ، وهي لم تُصْبِحْ — كما هي عندَنا — فنًّا يحتاجُ إلى طُولِ الدَّرسِ والمَرانَةِ والْخِبْرَةِ ….

ولقد ذكرتُ لهُ ذاتَ يومٍ — في بعضِ حدِيثِي — أنَّ في بلادِنَا أسْفارًا ضخمةً كتَبَها مُؤلِّفوها عن فنِّ الْحُكْمِ، وأسْلوبِ سياسةِ الشُّعوبِ، فاسْتَنْتَجَ من ذلك أننا ضِعافُ الْعُقولِ، صِغَارُ الْأحلامِ، واعْتقَدَ أنَّنا أممٌ غارقةٌ في الْجَهالةِ والْهَمَجيَّةِ، وقال لي: «إنني أحتقِرُ الدَّسائسَ والْخيانةَ والجاسوسيَّةَ في أعمالِ الْمُلْكِ والدَّولةِ والْوِزارةِ، كما أحتقرُ أنْ يلجأَ الْحكَّامُ إلى الْأسرارِ الْخفيَّةِ في أعمالِهم وأحكامِهم.»

ولم يستطعْ أن يُدْرِكَ ما أَعْنِيهِ بأسرارِ الدَّولةِ، وما تنطوِي عليهِ من سياسَةٍ، وظنَّ أننا نَعني بِذلك صغارَ الْقضايا، والْأحكامَ التي لا خَطَرَ لها. ولقد قال لي، فيما قال: «إنَّ الْإِنسانَ إذا اسْتطاعَ أنْ يُنبتَ سُنبُلَتَيْنِ من الْقمحِ في أَرضٍ لا تُنْبِتُ إلا سُنْبلةً واحدةً، أو قدرَ على إنباتِ عُودَينِ من العُشْبِ في أَرضٍ لا تُنْبتُ إلا عودًا وحدًا، فهو عندي رجلٌ نافعٌ، جديرٌ بالتَّقديرِ والثَّناءِ، لأنَّه اسْتطاعَ أنْ يُؤَدِّيَ لبلادِه وإخوانِه خدمةً إِنسانيَّةً عظيمةً، هيَ أَجْدَى وأَعْوَدُ بالْفائدةِ عَليْهم منْ كلِّ ما يَعْمَلُه كِبارُ السَّاسةِ، وأساطينُ السِّياسَةِ.»

(٥) آدابُ الْعمالقةِ

أَما أدبُ هذا الشَّعب، فهو أدبٌ ضَئِيلٌ، ولَيْسَ في لُغَتِهم مِنَ الأَلْفَاظِ إلا ما يَدُلُّون به على الأخلاقِ والتاريخِ والشِّعرِ والرياضةِ، وهم يُجِيدون هذه العلومَ الأربعةَ إجادةً تامّةً. ولا يُعنَوْنَ بالعلُومِ الْعقليةِ والْفَلسفِيَّةِ وما إلى ذلك، ولا تتجاوزُ حروفُهم الْهِجائيةُ أربعةً وعشرين حرفًا، وقوانينُهم مُجْمَلةٌ شديدةُ الإيجازِ واضحةُ الأداءِ، يَفهمُها كلُّ إِنْسَانٍ بِأَيْسَرِ نَظَرٍ وأدنَى فِكْرٍ. وهم لا يحتاجون إلى شرح قانونِهم، فإن لكلِّ جريمةٍ عقابًا لا يَقبلُ تأْويلًا ولا فلسفةً، وليسَ يُمَيِّزُهم ذكاءٌ نادرٌ.

أما الْمطابعُ، فقدِ اهْتدَوْا إليها قبلَ عهدِ التارِيخ — كما اهْتدى إليها الصينيُّونَ — ولكنك لا تجدُ عندَهم مَكتباتٍ كبيرةً، فإن مكتبةَ الْمَلِك — وهي أكبرُ مكتبةٍ في تلك الْبلادِ — لا تحوِي أكثرَ منْ ألفِ سِفْرٍ. وهي في خِزانةٍ طولُها ألفُ قدمٍ ومِائتا قدمٍ. وقد أذِنَ لي في أن أقرأَ منْها ما أشاءُ. وكنتُ إذا أردْتُ أنْ أقرأَ كتابًا، أمر جلالتُه بوضعِه على مائدةٍ كبيرةٍ، فأقفُ فوقَ صَفَحاتِه العظيمةِ، وأمْشِي عليها ثمانِيَ خُطُواتٍ أو عشرًا — على حسبِ طولِ سُطورِه — فإذا انتهيْتُ من قراءةِ الصَّفْحَةِ، رفعتُها بِكِلتا يديَّ لِثِقَلِ حجمِها، وثَخانةِ ورَقِها.

أما أُسلوبُهم في الكتابةِ فهو واضحٌ سهلٌ، لا تكلُّفَ فيهِ ولا لَبْسَ، وهم لا يُعْنَوْنَ بالاِفْتنانِ في الأداءِ، ولا يَلجئونَ إلى الْمُترادِفاتِ، ولا يُغيِّرونَ أساليبَهم في التَّعبيرِ، ولا يَزيدُون في كتاباتِهم لفظًا واحدًا لا يحتاجُ إليه الْمعنَى. وقد تصفحتُ كثيرًا من كتبِهم، ولا سيَّما كتبُ التَّاريخِ والْأَخلاقِ، وقرأْتُ رسالةً صَغِيرةً قديمةً — كانتْ في غرفةِ الْحاضنةِ — عنوانُها: «رسالةٌ في ضعفِ الْجنسِ الْإِنسانيِّ»، وهذه الرِّسالة ذائعةٌ مشهورةٌ في تلك الْبلادِ، تُقْبِلُ على قراءتها النِّساءُ وعامَّةُ الشَّعبِ.

(٦) فصلٌ من كتابٍ

ولقد شاقنِي أن أقرأَ فصلًا من هذا الْكتابِ الذي ألَّفَهُ أحدُ هؤلاءِ الْعمالقةِ في إظْهارِ ضَعْفِ الْجِنْسِ الْإِنسانيِّ وعجزِه؛ فرأيتُ الْمؤلِّفَ يدلِّلُ فيهِ على عجزِ الْإِنسانِ وحقارتِهِ — أمامَ سلطانِ الطَّبيعةِ وجَبَرُوتِها، وقوةِ الْحيواناتِ الْمفترِسَةِ وَبَطْشِها — بِأنَّ بعضَ الحَيَوَاناتِ يَفُوقُه قوةً وسرعةً، وبعضَها يَفُوقُه ذكاءً ومهارةً وحُسْنَ نِظامٍ.

وقد رأَيْتُ مؤلِّفَ الْكتابِ يَميلُ إلى الْحُكْمِ بأنَّ الطَّبيعةَ قد فَسَدتْ في الْقُرُونِ الْأخيرةِ، وأنَّ العالَمَ سائرٌ إلى الضَّعفِ والانْحِلالِ؛ لأن قوانينَ الطبيعةِ — في زعمِهِ — كانت تقضي بإيجادِ الْأجناسِ الْبشريَّةِ الْقويَّةِ، ذاتِ الأجسامِ الضخمَةِ والقاماتِ المرتفعَةِ، وكان الناسُ مُنْذُ بدءِ الْحياةِ في الْقُرونِ الغابرةِ أقوياءَ أَصِحَّاءَ، وكانوا — لِقُوَّتِهم وصحتِهم — آمنينَ منَ الأخطار والتغيُّراتِ الْفُجائيةِ التي كثيرًا ما أودتْ بِنَا لِضَعْفِنَا وضَآلَةِ أجسامِنَا.

ثم يقولُ: «أَما نحنُ فغايةٌ في الضَّعفِ، وإن حَجرًا منَ الآجُرِّ يُلْقَى علينا منْ أعلى منزلٍ — أو يقذِفُنا به غلامٌ صَغِيرٌ — لا يلبثُ أن يوديَ بحياتِنا، وربما غرِقَ أحدُنا — لضآلتِه — في نُهَيْرٍ.» وقد اسْتنتجَ الْمؤلِّفُ من ذلك الضعفِ عدةَ قوانينَ رآها نافعةً للسيرِ في هذه الْحياةِ باعتدالٍ.

(٧) حَقارةُ الإِنسانِ

أما أنا فقد غرِقْتُ في بحرٍ من التفكيرِ، وطافتْ بذهنِي شَتَّى الْمعانِي والعِظاتِ، حين رأيْتُ جَمِيعَ النَّاس يَنْزِعُونَ بطبعِهِمْ إلى الشكوَى مِنَ الطَّبيعةِ، ويَعْزُونَ إليها أكثرَ السَّيِّئاتِ والعُيوبِ، ويُحَمِّلُون الزمَنَ أوْزارَ ما يتألَّمونَ منه.

وذكرْتُ أن هؤلاءِ الْعمالقةَ — على ما وصلوا إليه، من ضخامَةٍ وقوةٍ — لا يزالُون يجدُون أنفسَهمْ صِغارًا ضعَافًا، فكيف بأمْثالي مِنْ بَنِي الْإِنسانِ الَّذين لا يُقاسُون إلى هؤلاءِ المَرَدَةِ؟ ورأيْتُ ذلك المؤلِّفَ يقولُ: «إن بني الْإِنسانِ ليسُوا إلا حشرات ضئِيلةً على وجهِ الأرْضِ، ودِيدانًا لا خطرَ لَها، وليس الْإِنسانُ في هذه الدُّنيا إلا ذَرَّةً حقيرةً، غايةً في الضعفِ والهوانِ.»

فامْتلأت نفسي حزنًا وأَسفًا حينَ قرأْتُ هذا الْكلامَ، وقلْتُ لنفسي: «وا أَسَفا علينا! إذا كان هؤلاءِ الْعمالقةُ الجبابرةُ يرونَ أنْفُسَهُمْ غايةً في القماءَةِ والضَّعفِ، فكيف بِنا ولَسْنَا شَيْئًا مَذْكُورًا بِالْقياسِ إلى هؤلاءِ الْمَرَدَةِ؟»

•••

وَقد عَرَضَ مؤلِّفُ الكتابِ للكلامِ في الْكِبرياءِ والزّهوِ، وأَنْحَى باللَّائمةِ على الناسِ لوُلُوعِهِم بالْأوصافِ الْفارغةِ، وتهافُتِهِمْ على أنْ يُوصَفُوا بألقابِ السُّموِّ والعظَمةِ، ورأَى أَنَّ منَ الْمُحزِن المؤْسِفِ أن يفخَرَ إِنسانٌ ضعيفٌ — من بني جنسِهِ — بهذِهِ الْألقابِ، وهو لا يزيدُ في طولِه على مائةٍ وخمسينَ قَدمًا، وأنْ يُدِلَّ بطولِهِ وضخَامتِهِ، وهو لا يزالُ قَزَمًا ضعيفًا، فقلتُ في نفْسي: «إذا صَدَقَ هذا المؤلِّفُ في قولِهِ، فماذا يقولُ أُمراؤُنَا وعظماؤُنَا إذا قرءُوا هذا الكلامَ؟ وماذا يَصنعُون، وهمْ لا يزيدُون — في ارْتِفَاعِ قاماتِهم — على خمسِ أَقدامٍ وبِضعِ أَصابعَ، ثم تتطلَّعُ نفوسُهم إلى أَلقابِ السُّموِّ والْعَظَمَةِ؟ ولسْتُ أدْري لِماذا لا ينشُدونَ أَلقابَ الضَّخامَةِ والْعَرْضِ والْكثافَةِ؟ ولعل أَحدَهم يُجيبُ على اعْتراضي بأن السُموَّ والْعظمةَ خاصَّان بالرُّوحِ لا بالْجِسْمِ، فإذا صحَّ قولُهم هذا، فما بالُهم لا يَتَخَيَّرُونَ لهمْ ألقابًا صريحةً في أَداءِ هذه الْمعاني بِجَلاءٍ ووضُوحٍ؟ وما بالُهم لا يقولُون: «صاحبُ الْحكمةِ، وصاحبُ الذَّكاءِ، وصاحِبُ التَّبصُّرِ، وصاحِبُ الكرمِ، وصاحِبُ الطِّيبةِ، وصاحِبُ الضَّميرِ» بدلَ قولهم: «صاحِبُ الرِّياسةِ، والْعَظَمَةِ، والْفَخامَةِ» وما إلى تلك.

يجبُ أنْ نعترِفَ بأنَّ تلك الألقابَ أجملُ وأشرفُ من هذه، وفيها رقَّةٌ ولُطفٌ إذا حُيُّوا بِها مِمَّنْ همْ دونهم مقامًا. أما أنْ يصفُوا أنفسَهم بالرِّفعةِ والسُّموِّ والْعظمةِ، وهمْ على مثْلِ ما نَرى منْ ضعفٍ وضَآلَةٍ، فذلك تناقضٌ مضحكٌ عجيبٌ!»

(٨) نظرةٌ عامَّةٌ

أما علومُ أولئكَ الْعمالقةِ في الطبِّ والْجراحَةِ والصَّيدلةِ، فقد بَرعوا فيها بمقدارٍ يناسِبُ حاجاتِ البلادِ، وأما جيشُهم فهو مؤلفٌ مِنِ اثْنينِ وثلاثينَ ألفًا مِنَ الفُرْسانِ، وهُمْ منَ التُّجَّارِ والْفلاحينَ، وقُوَّادُهم منَ النُّبلاءِ والْأعيانِ. وهم لا يتقاضَوْن على ذلك أَجرًا، فإنَّ كلًّا منهم منصرفٌ إلى عملِهِ، وكلُّ فلَّاحٍ تحتَ إمْرَةِ أحدِ الأَعيانِ؛ فإذا جَدَّ الْجِدُّ، جُنِّدَ منْهم جيشٌ يبلغُ هذا العددَ.

وقد عَجِبْتُ لماذا يُعنى الْملِكُ بتدريبِ هذا الْجيشِ على الحربِ وهو آمنٌ من غاراتِ الأعداءِ، ولكنني — بعد أن درَستُ تاريخَهم — عَلمْتُ أن هذا الشعبَ لم يَسْلَمْ — فيما مضَى من الزَّمنِ — مِمَّا أُصيبَ به غيرُه من الشعوبِ الأخرَى، أعني الحربَ الأهليةَ، وتنازُعَ الأعيانِ والنُّبلاءِ على الحكمِ، وتَطَلُّعَ الشَّعْبِ إلى الْحرِّيَّةِ، ورغبةَ الْمَلِكِ في الاسْتِئثارِ بالْحُكْمِ والسلطانِ.

•••

على أن قوانينَ الْمملكَةِ الحكيمةِ، وتقديسَ الشعبِ لِمَليكِهِ القائِمِ قَضَيا على هذه الْفِتَنِ الداخلِيَّةِ، وأصبحتِ البلادُ في أَمانٍ من الْمُنازَعاتِ المُقْلِقَةِ والاضْطِراباتِ العنيفةِ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤