الفصل الرابع

التحضيرات

عندما ظهر إعلان في صحيفة «نيوزبيبر بروبريتور» كان نصه:

للبيع: مُنشأة زنكوغراف قديمة التأسيس مع مصنعٍ جديد رائع ومخزونٍ كبير من المواد الكيميائية.

قال كل المشتغلين في مجال الطباعة والحفر إن هذه المنشأة المُعلَن عنها هي مؤسسة «إثيرنجتون». للمبتدئين في المجال، كانت ورشة الحفر الضوئي عبارة عن آلات حفر، ومناشيرَ كهربائية، ومباردِ رصاص، ومخارطَ مزعجة، ومصابيحَ قوسيةٍ متوهجة ضخمة.

أما للمُلمِّين بالمجال، فكانت ورشة الحفر الضوئي عبارةً عن مكانٍ يُعاد فيه إنتاج أعمالٍ فنية بواسطة التصوير على ألواح الزنك، ومن ثَمَّ تُستخدَم لأغراض الطباعة.

كان الخبراء في مجال الطباعة يعلمون أن مؤسسة «إثيرنجتون» من أسوأ المؤسسات في هذا المجال؛ فمع أن صورها الزنكوغرافية كانت أقل جودة وإتقانًا، إلا أنها كانت أغلى ثمنًا.

ظلت مؤسسة «إثيرنجتون» معروضة للبيع لمدة ثلاثة أشهر (بأمر من الحراس القضائيين)، ولكن من ناحيةٍ بسبب بعدُها عن شارع فليت (حيث كانت تقع في شارع كارنابي)، ومن ناحيةٍ أخرى بسبب الحال المتهالكة للآلات (وهو ما يدل على أنه حتى الحارس القضائي لم يكن لديه حِسٌّ أخلاقي في صيغة الإعلان)، لم يتقدم أيُّ مزايدين للشراء.

عَلِم مانفريد، الذي تقابل في شارع كاري مع الحارس القضائي، أن المؤسسة يمكن أن تُؤجَّر أو تُباع، وأن تسليمها في أيٍّ من الحالَين سيتم فورًا، وأنه يُوجد أعلى المبنى مكان لإقامة المشرفين عليه، وأن كل المطلوب كوسيلة ضمانٍ هو استعلامٌ مصرفي من أحد البنوك.

قال الحارس القضائي أثناء اجتماعه بالدائنين ذات يومٍ بعد مقابلةِ مانفريد له: «يا له من شخصٍ مهووس واهم! يظن أنه سيجني ثروة من الحفر الضوئي لنسخ صور موريللو وبيعها بأسعارٍ مناسبة لمن يفتقرون إلى المهارة الفنية. إنه يقول لي إنه يؤسس شركةً صغيرة لمباشرة العمل، وإنه بمجرد تأسيسها سيعود لشراء المصنع بكامله.»

وبالفعل في اليوم نفسه ذهب كلٌّ من التاجر توماس براون، والسيد آرثر دبليو نايت، والفنان جيمس سيلكيرك، والوكيل المالي أندرو كوهين، والفنان جيمس لييتش، وسجَّلوا أنفسهم في شركات بورصة الأوراق المالية، وطلبوا أن يُشكِّلوا شركةَ توصيةٍ محدودة بغرض مباشرة أعمال الزنكوغراف، ولذلك الغرض تقاسموا فيما بينهم أسهم هذه الشركة كما هو مُدوَّن في عقد تأسيسها.

(ملاحظة جانبية؛ كان مانفريد فنَّانًا عظيمًا.)

وقبل خمسة أيام من عرض مشروع قانون تسليم الأجانب للقراءة أمام البرلمان، كانت المجموعة قد شغلَت مقرها الجديد استعدادًا لبدء العمل.

قال مانفريد: «منذ سنوات، عندما قدِمت إلى لندن لأول مرة، عرفتُ أن أسهل طريقةٍ يُخفي بها المرء هُويته هي أن يتنكر في هيئة عدو للشعب. إن كلمة «محدودة» تنطوي على قدرٍ هائل من الاحترام، ومظاهر الأُبَّهة التي تضفيها إدارة شركة تُبعد الشكوك، حتى لو كانت تسترعي الانتباه.»

طبع جونزاليس إعلانًا أنيقًا مفاده أن مؤسسة «إعادة إنتاج الفنون الجميلة» ستبدأ أعمالها في الأول من أكتوبر، ولافتةً أنيقة أخرى مكتوبًا عليها «لا تُوجد وظائف خالية»، وإعلانًا مقتضبًا آخر مفاده أنه لا يمكن إجراء أي مقابلات إلا بموعدٍ مسبق، وأن جميع المراسلات يجب أن تُوَجَّه إلى المدير.

كانت واجهة المؤسسة عادية، وكان لها قبوٌ عميق مزدحم بآلات المنشأة الصناعية المتداعية التي تركَها صاحب العمل السابق الذي كان قد صفَّى أعماله. وكان الطابق الأرضي فيما مضى مستعملًا للمكاتب، وكان يحتوي على أثاثٍ مهمل، وتناثرت فيه سجلاتٌ كئيبة.

كانت تُوجد أرففٌ ممتلئة بألواحٍ قديمة، وأرففٌ أخرى ممتلئة بفواتيرَ مُغبرة، وأرففٌ تحوي كل المخلَّفات التي تراكمَت في مكتب بواسطة محاسب كان يتقاضى راتبًا تأخَّر دفعه.

كان الطابق الأول عبارة عن ورشة، أما الثاني فكان مخزنًا، أما ثالث الطوابق وأهمها جميعًا فكان الطابق الذي يحوي الكاميرات الضخمة والمصابيح القوسية القوية التي كانت أدوات مساعِدة ضرورية جدًّا للعمل.

وفي مؤخرة هذا الطابق كانت تُوجد الغرف الثلاث الصغيرة التي كانت تخدم أغراض المشرف السابق.

في إحدى هذه الغرف، بعد يومَين من شَغْل المؤسسة، جلس رجال قادِس الأربعة.

كان الخريف قد أتى قبل أوانه هذا العام، وكان مطرٌ بارد غزير يسقط في الخارج، وأضفت النيران، التي كانت تتوهَّج في موقد المدفأة الجورجي الطراز، على الغرفة جوًّا من الراحة.

كانت هذه الغرفة وحدها قد أُخليت من المخلَّفات، وأُثِّثَت بأفضل أثاثٍ عرفَتْه المنشأة، وعلى طاولة الكتابة، الملطَّخة بالحبر، التي شغلت مركز الغرفة، كانت تُوجد بقايا غداءٍ فاخر نوعًا ما.

كان جونزاليس يقرأ كتابًا صغيرًا أحمر اللون، وقد تجدر الإشارة إلى أنه كان يرتدي نظارةً ذهبية الإطار، وبويكارت كان يرسم في ركن من الطاولة، وكان مانفريد يُدخِّن سيجارًا طويلًا رفيعًا ويدرس قائمةَ أسعارِ إحدى شركات تصنيع الكيماويات. أما تيري فهو الوحيد الذي كان جالسًا لا يفعل شيئًا ومتكومًا على نفسه أمام نيران المدفأة، يعبث في أصابعه، ويُحدِّق بشرود في لهب الموقد المتراقص.

كان الحديث يدور بينهم متقطعًا، مثلما يدور بين رجالٍ أذهانهم مشغولة بأفكارٍ مختلفة. استقطب تيري انتباه الثلاثة عندما تكلم مباشرةً في الموضوع. توقَّف عن تأمله في اللهب واستدار وتساءل فجأة:

«إلى متى ستُبقونني محبوسًا هنا؟»

رفع بويكارت نظره عن رسمه وعلق قائلًا:

«هذه هي المرة الثالثة التي يسأل فيها هذا السؤال اليوم.»

صاح تيري منفعلًا: «تكلم بالإسبانية! لقد سئمتُ من هذه اللغة الجديدة. لا أستطيع أن أفهمها، كما لا يمكنني أن أفهمكم.»

قال مانفريد، بلهجة الباتوا الأندلسية المتقطعة: «سوف تنتظر هنا حتى ينتهي الأمر. لقد قلنا لك ذلك.»

زمجر تيري وأشاح بوجهه نحو موقد المدفأة.

قال في تملمُل: «لقد سئمت هذه الحياة. أريد أن أتمشى في الأنحاء دون حراسة؛ أريد أن أعود إلى جيريز، حيث كنت أعيش حُرًّا. إنني آسف على أنني تركتها.»

قال مانفريد بهدوء: «وأنا أيضًا، لكنني لست آسفًا للدرجة، وآمل لمصلحتك ألا يشتد أسفي.»

انفجر تيري، بعد برهة من الصمت، قائلًا: «من أنت؟ ومن أنتم؟ لماذا تريدون أن تقتلوا؟ هل أنتم أناركيون؟ ما المال الذي ستجنُونه من هذا؟ أريد أن أعرف.»

لم يُبدِ بويكارت ولا جونزاليس ولا مانفريد أيَّ امتعاضٍ من الطلب القاطع الآمر الذي صدَع به مُجنَّدُهم الجديد. اختلج وجه جونزاليس الحليق، المُدبَّب الذقن بإثارةٍ مبهجة، وضاقت عيناه الزرقاوان الباردتان.

تمتَم، وهو يراقب وجه الرجل الآخر: «ممتاز! ممتاز! أنفٌ مدبَّبة، وجبهةٌ صغيرة، و… (وانطلق يتحدث باللاتينية).»

ربما كان خبير الوجوه سيستطرد في وصف سينيكا للرجل الغاضب، لولا أن تيري انتفَض واقفًا ونظَر بحنق إلى الثلاثة.

تساءل ببطء: «من أنتم؟ كيف أعرف أنكم لن تحصلوا على أموالٍ مقابل هذا؟ أريد أن أعرف لماذا تُبقونني سجينًا؟ لماذا لا تتركونني أطلع على الصحف؟ لماذا لا تسمحون لي مطلقًا بأن أتمشَّى وحدي في الشارع، أو أتحدَّث إلى أحدٍ ما يعرف لغتي؟ أنتَ لستَ من إسبانيا، ولا أنت، ولا أنت. إن لغتكم الإسبانية، أجل، لكنني أعرف أنكم لستم من أبناء البلد. تُريدونني أن أقتل، لكنكم لن تقولوا لي كيف.»

رفع مانفريد يده ووضعها على كتف تيري.

قال، وعيناه تخلوان من أي تعبيرٍ سوى اللطف: «تمالك نفسك، يا سنيور، وتحلَّ بالصبر، أرجوك. أؤكد لكَ مجددًا أننا لا نقتل من أجل المال. هذان السيدان اللذان تراهما يملك كل واحدٍ منهما ثروة تتجاوز ستة ملايين بيزيتا، وأنا أغنى منهما؛ نحن نقتل وسوف نقتل لأن كل واحدٍ منا عانى من أعمال الظلم، التي عجز القانون عن مداواتها. إذا، إذا» تردَّد قليلًا، وهو لا يزال يُثَبِّت عينَيه برباطة جأشٍ في وجه الإسباني، ثم تابع قائلًا بلطف: «إذا ما قتلناكَ فسيكون هذا أول عمل نرتكبه من هذا النوع.»

كان تيري واقفًا، يزمجر والشحوب يعلو وجهه، وظهره إلى الحائط، وكذئبٍ محاصر في زاوية، أخذ ينتقل بنظره من واحد إلى الآخر بتشكُّكٍ شديد.

قال وهو يلهث: «أنا، أنا! تقتلونني أنا؟»

لم يتحرك أحدٌ من الرجال الثلاثة عدا مانفريد، الذي بسَط يده في اتجاهه.

أومأ برأسه وهو يقول: «أجل، أنت. إن قتلناك فستكون سابقةً لنا؛ لأننا لم نقتل من قبلُ إلا من أجل العدالة؛ وقتلُك سيكون عملًا غير عادل.»

نظر بويكارت إلى تيري في إشفاق.

قال بويكارت: «لذلك اخترناك؛ لأننا كنا نخشى دومًا التعرُّض للخيانة، وارتأينا، أنه من الأفضل أن تكون أنت من نختاره.»

تابع مانفريد بهدوء: «عليك أن تفهم أننا لن نمسَّ شعرةً من رأسكَ إذا كنت مخلصًا، وأنك ستنالُ مكافأةً ستتيح لك الحياة في بحبوحة. تَذَكَّر فتاتك التي في جيريز.»

عاوَد تيري الجلوس وهو يهزُّ كتفَيه في عدم اكتراث لكنَّ يدَيه كانتا ترتجفان وهو يشعل سيجارته بعود ثقاب.

«سنعطيك مزيدًا من الحرية. ستخرج كل يوم. بعد بضعة أيام سنعود إلى إسبانيا. لقد كانوا يُطلِقون عليك لقب «الرجل الصامت» في سجن جرانادا. ونحن نعتقد أنك ستظل هكذا.»

بعد هذا القول لم يفهم الإسباني حرفًا من الحديث الذي دار بين الثلاثة، لدرجة أنه ظن أنه كان باليونانية؛ إذ كان الرجال يتبادلون الحديث باللغة الإنجليزية.

قال جونزاليس: «إنه لا يُسبِّب لنا قدرًا كبيرًا من المتاعب. وبعد أن ألبسناه ملابسَ إنجليزية وبدا كالإنجليز، أصبح لا يلفت الانتباه. إنه لا يحب أن يحلق ذقنه كل يوم، ولكن هذا ضروري، ولحسن الحظ أنه ذو بشرةٍ فاتحة. لا أسمح له بأن يتكلم في الشارع، وهذا يضايقه نوعًا ما.»

حوَّل مانفريد مجرى الحديث إلى أمرٍ أكثر جدية.

«سأرسل إنذارَين آخرَين، ولا بد من إيصال أحدهما إلى عقر داره. إنه رجلٌ شجاع.»

تساءل بويكارت: «ماذا عن جارسيا؟»

ضحك مانفريد.

«لقد رأيتُه ليلة الأحد. إنه رجلٌ كهل لطيف متقد الحماس وخطيبٌ مفوه. جلستُ في مؤخرة قاعةٍ صغيرة وهو يخطب ببلاغةٍ فائقة بالفرنسية عن حقوق الإنسان. كان مثل جان جاك روسو وميرابو، وكان ذا نظرةٍ شاملة مثل برايت، وكان معظم الجمهور من شبان من الكوكني، الذين أتوا حتى يمكنهم أن يتفاخروا بأنهم قد وقفوا في معبد الأناركية.»

أخذ بويكارت ينقر على الطاولة بنفاد صبر.

«لماذا، يا جورج، تُقْحِم موضوعًا تافهًا وسط كل هذه الأمور؟»

فضحك مانفريد.

«أتذكر أندرسون؟ عندما كمَّمناه وأوثقناه في الكرسي، وأخبرناه بالسبب الذي كان لا بد أن يموت من أجله. عندما لم يكن ثَمَّةَ شيءٌ سوى عينَي المدان المتوسلتَين، وغرفة شبهِ معتمة ليس فيها إلا سراج يخفق ضوءُه بإضاءةٍ خافتة، وأنت وليون وكلاريس المسكينة تضعون الأقنعة وصامتون، وكنتُ أنا للتو قد حكمتُ عليه بالموت؛ تَذْكُرُ كيف تسلَّلَت إلى الغرفة رائحة بصلٍ مقلي من المطبخ بالأسفل.»

قال ليون: «أنا أيضًا أتذكَّر واقعة الاغتيال الملكي.»

أومأ بويكارت برأسه دلالة على الموافقة.

قال: «تقصد مشدَّات الخصر النسائية؟» فأومأ الاثنان برأسهما وضحكا.

قال مانفريد: «ستظل التفاهة دومًا تقتحم الأمور الجادة؛ كأن يكون مصير أمة بين يدَي جارسيا المسكين، مثار تندُّر لبائعاتِ متجر؛ مأساة ورائحة بصل؛ سيف طِعَان ذو حدَّين ومشدَّات خصرٍ مصنوعة من عظم الحوت؛ إنهما أمران لا يمكن الفصل بينهما.»

وطيلة هذا الحديث كان تيري يُدخِّن السجائر، وينظر إلى النيران ورأسه بين راحتَيه.

قال جونزاليس: «لنعُد إلى الحديث عن الشأن الذي بين أيدينا. أظن أنه لا يُوجد ما يمكن فعله أكثر مما فعلنا حتى. اليوم الموعود!»

«أجل، لا شيء.»

«وبعد ذلك؟»

«يوجد إنتاجنا للفنون الجميلة.»

ألحَّ بويكارت في السؤال: «وبعد ذلك؟»

«ثَمَّةَ مهمة في هولندا، تحديدًا هيرمانوس فان دير بيل، ولكنها سوف تكون مهمةً سهلة، ولن تكون ثَمَّةَ ضرورة لإنذاره.»

اكتسى وجه بويكارت بالجدية.

«أنا مسرور لأنك اقترحتَ فان دير بيل، كان ينبغي التعامل معه قبلًا؛ هوك أوف هولاند أم فليسينجين؟»

«إن كان لدينا وقت، فأقترح هوك أوف هولاند بالتأكيد.»

«وتيري؟»

قال جونزاليس ببساطة: «سأرى ما سأفعل بشأنه.» وأضاف ضاحكًا: «سنذهب إلى جيريز، حيث تعيش الفتاة.»

فَرغَ الشخصُ موضوعُ نقاشهم من سيجارته العاشرة واعتَدلَ في جلسته على مقعده وهو يدمدم بكلماتٍ غير مفهومة.

تابع ليون الحديث قائلًا: «نسيتُ أن أقول لكما إن اليوم، عندما كنا نتريَّض، كان تيري مهتمًّا جدًّا بالملصقات التي رآها في كل مكان، وبوجهٍ خاص كان لديه فضول لمعرفة السبب في أن أناسًا كثيرين كانوا يقرءُونها. اضطُرِرتُ إلى العثور على كذبةٍ أرتجلُها له على الفور، وأنا أكره الكذب!» كان جونزاليس صادقًا في كلامه تمامًا «اخترعتُ قصةً عن سباقٍ أو يانصيب أو شيءٍ من هذا القبيل، واقتنَع بما قلتُه له.»

كان تيري قد التقَط اسمَه بلفظته الإنجليزية، فنظر إليهم متسائلًا.

قال مانفريد، وهو ينهض: «سنتركك مع صديقنا لتُسَرِّي عنه. أما أنا وبويكارت فلدينا بعض التجارب التي سنُجريها.»

غادر الاثنان الغرفة، وعبرا الممر الضيق، وتوقَّفا أمام بابٍ صغير في نهايته. كان ثَمَّةَ بابٌ أكبر إلى اليمين، مغلق بقفل وقضيبٍ حديدي، ويؤدي إلى الاستوديو. أخرج مانفريد مفتاحًا صغيرًا من جيبه وفتح الباب، ودلَف إلى الغرفة، ثم أضاء النور الذي سطع باهتًا من مصباحٍ مغطًّى بالغبار. جرت بعض محاولات التخلُّص من الفوضى واستعادة النظام. كان رَفَّان قد أُخليا من الخردة، ووُضِع عليهما صفوفٌ من قواريرَ لامعةٍ صغيرة، كلٌّ منها يحمل رقمًا. وكانت طاولةٌ غير مصقولة قد دُفِعَت إلى الحائط أسفل الرَّفَين، وعلى نسيج الجوخ الأخضر، الذي غُطِّيَت به الطاولة، كانت تُوجد مجموعةٌ من المكاييل المُدرَّجة، وأنابيب الاختبار، والمكثِّفات، والموازين الحسَّاسة، وآلتان زجاجيَّتان غريبتا الشكل، تُشبِهان مُولِّدات الغاز.

سحب بويكارت كرسيًّا إلى الطاولة، ورفع بحذرٍ شديد قدحًا معدنيًّا كان موضوعًا في وعاء ماء. عَلَّق مانفريد، وهو ينظر خَلْفه، مبديًا ملاحظةً عن قوام السائل الذي ملأ نصف القدح، فأحنى بويكارت رأسه موافقًا على الملاحظة كما لو كان من قبيل المجاملة.

قال بارتياح: «نعم، إنه نجاحٌ تام، التركيبة مضبوطة تمامًا. قد نحتاج يومًا ما إلى استخدام هذا.»

أعاد وضع القدح في حمَّامه المائي، ثم مد يده أسفل الطاولة وأخرج من دلوٍ حفنةً من مسحوق الثلج، وبحرصٍ أحاط به الوعاء.

قال: «إنني أعتبر تلك المادة من المواد المتفجرة التي تُحدِث كميةٌ صغيرة منها تأثيرًا هائلًا.» ثم أنزل قارورةً صغيرةً من فوق الرف، ورفع سدادتها بعقف إصبعه الصغير، وصَبَّ قطراتٍ قليلة من السائل الضارب إلى البياض في القدح المعدني.

قال بويكارت: «ذلك يُبطِل مفعول العناصر.» وأطلق تنهيدة ارتياح، واستطرد: «أنا لست رجلًا عصبيًّا، لكن اللحظة الحالية هي أول لحظةِ ارتياحٍ شعَرتُ بها طيلة اليومَين الماضيَين.»

قال مانفريد، وهو يضع منديله على أنفه: «إن الرائحة المتصاعدة منه كريهة للغاية.»

كان خيطٌ رفيع من الدخان يتصاعد من القدح.

أجاب بويكارت، وهو يغمس عُصيَّةً زجاجية رفيعة في الخليط: «لا أكترث أبدًا بتلك الأشياء.» أخرج العُصيَّة الزجاجية، وأخذ يُراقب قطراتٍ بنية تتساقط من طرفها.

قال: «هذا حسنٌ.»

سأله مانفريد: «لم تَعُد المادة متفجرةً الآن؟»

«إنها عديمة الضرر كقدحٍ من الشيكولاتة.»

مسح بويكارت العُصيَّة بخِرْقةٍ، وأعاد القارورة، ثم التفَت إلى رفيقه.

سأله: «ماذا الآن؟»

لم يُجِب مانفريد، لكنه فتح خزانةً عتيقة الطراز كانت في ركن الغرفة. أخرج منها صندوقًا من خشبٍ مصقول. فتَح الصندوق وكشَف عن محتوياته.

قال: «إن كان تيري حِرفيًّا ماهرًا كما يزعُم، فها هو الطُّعم الذي سيستدرج السير فيليب رامون إلى حتفه.»

نظر بويكارت إلى محتويات الصندوق، وكان تعليقه الوحيد هو «عبقريٌّ جدًّا.» ثم قال: «هل يعرف تيري أيَّ شيء عن الضجة التي أحدثها هذا الأمر؟»

أغلَق مانفريد الغطاء وأعاد الصندوق قبل أن يُجيب.

تساءل قائلًا: «هل يعرف تيري أنه رابع «رجال العدالة الأربعة»؟» ثم أردف ببطء: «لا أظن ذلك، ومن الأفضل ألا يعرف؛ إن ألف جنيهٍ إسترليني تعادل تقريبًا ثلاثةً وثلاثين ألف بيزيتا، هذا إلى جانب العفو الشامل. وفتاته في مدينة جيريز!» وأضاف العبارة الأخيرة مُفكرًا برَوِيَّة وتأمُّل.

تفتَّق ذهنُ الصحفي سميث عن فكرةٍ عبقرية، وحملَها إلى رئيس التحرير ليعرضها عليه.

قال رئيس التحرير: «لا بأس.» وهو ما كان يعني أن الفكرة كانت جيدةً جدًّا حقًّا، وأردف: «لا بأس على الإطلاق.»

قال الصحفي مُمْتنًّا: «لقد خطر لي أن واحدًا أو اثنَين من الأربعة يمكن أن يكونا من الأجانب الذين لا يفقهون كلمةً إنجليزيةً واحدة.»

قال رئيس التحرير: «بالضبط، أشكرك على هذا الاقتراح. سأجعلهم يُنفِّذونه الليلة.»

يُفسِّر هذا الحوار ظهور صحيفة «ميجافون» في الصباح التالي وعلى صفحاتها إخطار الشرطة مترجمًا باللغات الفرنسية، والإيطالية، والألمانية … والإسبانية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١