الفصل السابع

مبعوث الأربعة

كان لا يزال ثمة رسالة أخرى ستُسَلَّم إلى الوزير المنكوب. في الرسالة الأخيرة التي كان قد تسلمها ورَدَت هذه الجملة: «سوف تتلقَّى تحذيرًا آخر، ولكي نتيقن من أن رسالتنا الأخيرة لن تضيع، ستُسَلَّم إليك يدًا بيد بواسطة واحد منا بنفسه.»

كانت هذه الفقرة مصدرًا لاطمئنان الشرطة أكثر من أيِّ حدث آخر منذ بداية حالة الذعر. فقد وثقوا ثقةً غريبةً في صدق رجال العدالة الأربعة؛ إذ أدركوا أن هؤلاء ليسوا مجرمين عاديِّين وأنهم سيَلتزمون بتعهدهم. في الواقع، لو كانوا ظنوا خلاف ذلك، ما كانوا سيتخذون الاحتياطات المعقدة التي اتخذوها لضمان سلامة السير فيليب. لقد كان صدق رجال العدالة الأربعة هو أفظع صفاتهم.

في هذه الحالة عَمِل صدقهم على إحياء أمل واهن في أن الرجال الذين كانوا يتحدُّون سيادة القانون سيَفشل مسعاهم. كانت الرسالة التي تحمل هذه الفقرة هي التي كان السير فيليب قد أشار إليها باستخفاف أثناء حديثه مع سكرتيره. كانت قد وصلَت بالبريد، تحمل الختم البريدي «بَلهام، ١٢.١٥».

تساءل فالموث في حيرة: «السؤال المُهم هو: هل نُشدد الحراسة عليك، حتى لا يكون ثمة أي احتمال في تمكُّن هؤلاء الرجال من تنفيذ تهديدهم؟ أم نتظاهر بالتراخي في يقظتنا لنجتذب أحد الأربعة إلى هلاكه؟»

وُجِّه السؤال إلى السير فيليب رامون بينما كان جالسًا مُتكوِّمًا على نفسه وغائصًا في كرسي مكتبه.

سأله بحدَّة: «أتُريد أن تستخدمني طُعمًا؟»

احتجَّ رجل المباحث على قوله.

«ليس بالضبط، يا سيدي؛ نُريد أن نُعطيَ هؤلاء الرجال فرصة …»

قال الوزير، مُظهرًا بعض الحنق: «إنني أفهم تمامًا ما تعنيه.»

استأنف رجل المباحث حديثه:

«نحن نعرف الآن كيف هُرِّبَت القنبلة الزمنية إلى داخل مبنى البرلمان؛ ففي اليوم الذي ارتُكِب فيه الاعتداء، شُوهد السيد باسكو العجوز، النائب عن نُورث تورينجتون، يدخل مبنى البرلمان.»

تساءل السير فيليب في دهشة: «وماذا في ذلك؟»

قال رجل المباحث بهدوء: «لقد كان السيد باسكو يبعد أكثر من مائة ميل عن نطاق مجلس العموم في ذلك التاريخ. كان من المُمكن ألا نَكتشِف الأمر أبدًا؛ لأن اسمه لم يظهر في قائمة الاقتراع. لقد كنا نعمل في صمت منذئذٍ لكشف غموض مسألة مجلس العموم تلك، واكتشفنا الأمر منذ يومين فقط.»

قفز السير فيليب من كرسيه وأخذ يَذرع الغرفة بعصبية جيئة وذهابًا.

قال مؤكدًا وليس متسائلًا: «إذن فمن المؤكد أنهم مُلمُّون إلمامًا تامًّا بظروف الحياة في إنجلترا.»

«من المؤكَّد ذلك؛ إنهم مُحيطون بالوضع على الأرض، وذلك هو أحد الأخطار المتعلِّقة بالموقف.»

قال الآخر عابسًا: «ولكنَّك قلت لي إنه لا توجد أخطار، لا توجد أخطار حقيقية.»

أجاب المفتِّش، وهو ينظر إلى الوزير بثبات، مخفضًا صوته: «ثمة خطر قائم، وهو أن رجالًا لديهم القدرة على التنكر هكذا هم في الحقيقة ليسوا من زمرة المُجرمين التقليديِّين. لا أعرف ما اللعبة التي يَلعبونها، ولكن مهما كانت، فهم يلعبونها ببراعة منقطعة النظير. أحدهم فنان في هذا النوع من الأمور، وهو الرجل الذي أخشاه، اليوم.»

أرجع السير فيليب رأسه إلى الوراء فجأة بنفاد صبر.

قال: «لقد سئمت كل هذا، سئمته.» وضرب سطح مكتبه براحة يده، وتابع قائلًا: «رجال مباحث، وقتلة مُتنكِّرون ومُقنعون حتى صار الجو العام بالضبط وكأننا في ميلودراما.»

قال الضابط بصراحة: «يجب أن تتحلَّى بالصبر ليوم أو يومين.»

كان رجال العدالة الأربعة يَضغطون على أعصاب أناس آخرين بخلاف وزير الخارجية.

وأضاف: «ونحن لم نُقرِّر بعد الخطة التي سنتبعها هذه الليلة.»

قال السير فيليب باقتضاب: «افعل ما تشاء.» ثم أضاف: «هل سيُسْمَح لي بالذهاب إلى البرلمان الليلة؟»

أجاب مفتش المباحث: «لا، هذا ليس ضمن البرنامج.»

وقف السير فيليب مُفكرًا لبرهة.

«هذه الترتيبات سرية على ما أظن. أليس كذلك؟»

«بالتأكيد.»

«من لديه علمٌ بها؟»

«أنت، ومفوض الشرطة، وسكرتيرك، وأنا.»

«ولا أحد غير هؤلاء؟»

«لا أحد؛ ليس ثمة خطر يُحْتَمَل أن يأتي من ذلك المصدر. لو كانت سلامتك تَعتمِد على سرية تحركاتك لكان الأمر سهلًا.»

سأله السير فيليب: «هل سُجِّلَت هذه الترتيبات كتابةً؟»

«لا، يا سيدي؛ لم يُكْتَب أي شيء؛ لقد استقررنا على خطتنا وتناقلناها شفاهيًّا؛ وحتى رئيس الوزراء نفسه لا يعرف بشأنها.»

تنفَّس السير فيليب الصعداء.

قال، ورجل المباحث يَنهض ليُغادِر: «ذلك جيد.»

قال رجل المباحث: «لا بد أن أذهب لمقابلة مفوض الشرطة. سأغيب أقل من نصف ساعة؛ وأقترح ألا تُغادِر غرفتك خلال هذا الوقت.»

اصطحبه السير فيليب إلى غرفة الانتظار؛ حيث كان هاملتون، سكرتيره الخاص، جالسًا.

قال فالموث، بينما كان أحد رجاله يقترب منه حاملًا معطفًا طويلًا، ويساعده في ارتدائه: «لقد راوَدَني شعور بعدم الارتياح، شعور غريزي في اليوم أو اليومين الأخيرين، بأن أحدهم يراقبني ويَتبعني، لذلك أستخدم سيارةً في تحركاتي من مكان إلى آخر؛ لا يمكنهم أن يتتبعوا السيارة، دون أن يَجذبوا بعض الانتباه.» وضع يده في جيب معطفه وأخرج نظارة قيادة دراجات بخارية. ضحكَ بخجل نوعًا ما وهو يضبطها على عينيه. قال: «هذا هو التنكُّر الوحيد الذي أستعمله.» وأضاف ببعض الأسف: «وبوسعي أن أقول، يا سير فيليب، إنَّ هذه هي المرة الأولى طوال الخمسة والعشرين عامًا التي أمضيتها في الخدمة التي أتصرف فيها تصرفات حمقاء كتلك التي تصدر عمَّن يُؤدُّون أدوار المحققين على خشبة المسرح.»

بعد مغادرة فالموث عاد وزير الخارجية إلى مكتبه.

كان يكره البقاء وحيدًا؛ إذ كان ذلك يُشعرُه بالخوف. لم يُبدد علمه بوجود أربعين من رجال المباحث، على أهبة الاستعداد في مبني وزارة الخارجية، شعوره بالوحدة. كان الرعب من رجال العدالة الأربعة يُلازمه، وأثَّر ذلك على أعصابه؛ حتى إن أبسط ضوضاء كانت تستفزُّه. أخذ يلعب بحامل الأقلام الذي كان موضوعًا على مكتبه، ويُشخبِط شخبطةً بلا مغزى على النشافة التي كانت أمامه، وانزعج حين وجد أن تلك الشخبطة قد اتخذت شكل أعداد على هيئة الرقم أربعة.

هل كان مشروع القانون يستحق ذلك؟ هل الأمر يَستدعي التضحية؟ هل هذا القانون بذلك القدر من الأهمية لدرجة أن يُبرِّر المخاطرة؟ أخذ يسأل نفسه هذه الأسئلة مرارًا وتكرارًا، ثم على الفور سأل نفسه: «أي تضحية؟ وأي مُخاطرة؟»

تمتم، مُخاطبًا نفسه، وهو يُلقي بالقلم جانبًا، ويتحوَّل بجذعِه مُستديرًا نصف استدارة بعيدًا عن طاولة الكتابة: «إنني أبالغ أكثر من اللازم في اعتبار العاقبة أمرًا مُسلَّمًا به. ليس من المؤكَّد أنهم سيُنفذون وعيدهم؛ هراء! من المستحيل أن …»

سمع صوت طرق على الباب.

قال وزير الخارجية، والطارق يدخل: «مرحبًا، أيها المفتِّش. لقد عُدْتَ سريعًا!»

أخرج المفتش من جيبه مظروفًا أزرق يبدو كالمظاريف الحكومية، وأخذ يَمسح بهمةٍ الغبار عن شاربه بمنديل.

قال، مُخْفِضًا صوته: «ارتأيت أنَّ من الأفضل أنْ أترك هذا في عهدتك؛ لقد تبادَرَ ذلك إلى ذهني بعد أن غادرتُ مباشرةً؛ فالحوادث واردة الحدوث، كما تعلم.»

أخذ الوزير منه الوثيقة.

سأله: «ما هذا؟»

قال المفتِّش، وهو يستدير ليُغادر: «إنه شيء يُمكن أن يسبب لي كارثةً محققةً إن تصادف وعُثِر عليه في حوزتي.»

«وماذا عساي أن أفعل به؟»

قال المفتِّش: «سأكون مدينًا لك بفضلٍ عظيمٍ إن وضعته في درج مكتبك حتى أعود.» ودخل المفتِّش إلى غرفة الانتظار، وأغلق الباب خلفه، وبعد أن ردَّ تحية الضابط ذي الملابس المدنية الذي كان يَحرس الباب الخارجي، توجَّه إلى السيارة التي كانت تُنتظرُه.

نظر السير فيليب إلى المظروف في عُبوس وحيرة.

كان مُعنونًا بكلمة «سري» ومكتوب عليه العنوان التالي: «الإدارة «أ»، سكوتلاند يارد.»

قال السير فيليب في نفسه، مُفكِّرًا: «يبدو أنه تقرير سري.» وامتلأ عقلُه بشكٍّ غاضِب في احتمال أن يكون مُتضمنًا تفاصيل ترتيبات الشرطة الخاصة بسلامته. كان قد أصاب مصادفةً كبد الحقيقة وليتَه كان يعرف. فقد كان المظروف يحتوي على تلك التفاصيل.

وضع الخطاب في أحد أدراج مكتبه، وتناول بعض الأوراق.

كانت عبارة عن نسخ من مشروع القانون الذي كان موقنًا أنه سيمرره.

لم تكن وثيقة طويلة. كانت البنود قليلة العدد، أما الأهداف، المذكورة باقتضابٍ في الديباجة، فكانت محدَّدة بإيجاز بليغ. لم يكن ثمة خوف من الفشل في تمرير مشروع القانون هذا يوم غد. فقد صار الحصول على أصوات الأغلبية الموالية للحكومة مؤكدًا. كان الرجال قد استُدعوا إلى المدينة، وأُجبِر الشاردُون على العودة إلى الصف، واستعانَت الحكومة بالمناشَدَة والتَّهديد على حدٍّ سواء في تركيز قوَّتها، الآخذة في التضاؤل بسُرعة، في هذا الجهد المبذول لتمرير هذا التشريع؛ وحقَّق الفضول ما فشلت في تدبيره المناشَدَات المحمومة لأعضاء أيٍّ من الحزبَين، المسئولين عن ضمان تصويت أعضائه في البرلمان بما يَتماشى مع سياسة الحزب؛ إذ كان أعضاء الحزبين يُهرعون إلى المدينة ليكونوا حاضرين لمشهد قد يكون تاريخيًّا، ومأساويًّا، كما كان كثيرون يَخشَون.

بينما كان السير فيليب يفحص الورقة بعناية شكَّل تلقائيًّا في ذهنه خط الهجوم؛ فسواء كان ذلك مأساويًّا أم لا، فقد كان السماح بتمرير مشروع القانون دون جدال عاصف يضر بمصالح كثيرة جدًّا في البرلمان. كان خبيرًا في الجدال، وبارعًا في الاحتيال الشرعي، ويُجيد صياغة عبارات صادمة ولاذعة. لم يكن يوجد ما يخشاه في المناقشة. تمنَّى لو أن … آلَمَه التفكير في رجال العدالة الأربعة. ليس لأنهم هدَّدُوا حياته، فقد كان قد تجاوَزَ ذلك الأمر؛ لكن لمجرد التفكير في أن عاملًا جديدًا قد دخل في حساباته، قوة جديدة ومُفزعة، لم يكن من الممكن هزيمتها بالمجادلة أو تحييدها بمُزحة لاذعة، ولا الكيد لها، ولا تقويمها بأي وسيلة برلمانية. لم يجُل بخاطره اللجوء إلى تسوية. فاحتمال التوصُّل إلى اتِّفاقٍ لم يخطر بباله ولو مرَّة واحدة.

صاح: «سأمضي في الأمر مهما كانت الصعاب!» ليس مرة بل مرات كثيرة؛ «سأمضي في الأمر مهما كانت الصعاب!» والآن، مع اقتراب اللحظة الحاسمة، أصبح تصميمه على الدخول في صراع مع هذه القوة العالَمية الجديدة أشد من أي وقت مضى.

كان جالسًا على مكتبِه ورأسه مدفون بين يديه، عندما رَنَّ جرس الهاتف الذي كان ملاصقًا لمرفقه، رفع المسماع. ذَكَّره صوت كبير خدمه بأنه كان قد رتَّب لإعطاء تعليمات بغلقِ منزله في بورتلاند بليس.

كان ينوي إخلاء منزله ليومَين أو ثلاثة، أو حتى يَنحسِر هذا الإرهاب. ما كان ليُخاطرَ بحياة خدمه. إذا انتوى الأربعة أن يُنفِّذُوا خطتهم فلن يعرضوا أنفسهم لاحتمالات الفشل، وإن كانت الطريقة التي سيَلجئون إليها هي استعمال قنبلة، عندئذٍ، من أجل أن يتأكَّدُوا تمام التأكد من نجاح مُخطَّطهم، من المحتمل أن يَتزامن حدوث تفجير في داوننج ستريت مع اعتداء على منزله في بورتلاند بليس.

كان قد أنهى حديثه في الهاتف، وأعاد مِسماعه عندما أنبأ طرقٌ على الباب بدخول مفتش المباحث.

نظر بقلق إلى الوزير.

وسأله: «ألم يأتِ أحدٌ، يا سيدي؟»

ابتسم السير فيليب.

«إذا كنت تقصد إن كان أحدٌ من «الأربعة» قد أتى وسَلَّم إنذارهم الأخير شخصيًّا، فيمكنك أن تهدأ بالًا؛ لم يَفعلُوا.»

ظهر ارتياحٌ واضحٌ على وجه رجل المباحث.

قال في حماس شديد: «حمدًا للرب! لقد كان لديَّ خوفٌ فظيع من أن يحدث شيءٌ وأنا غائب. ولَكِن لديَّ أخبارٌ لك، يا سيدي.»

«حقًّا؟!»

«أجل، يا سيدي. لقد تلقى مفوض الشرطة برقية طويلة من أمريكا. منذ وقوع جريمتَي القتل في ذلك البلد انهمَكَ أحد رجال بينكرتون في جمع البيانات. لأعوام ظل يُجَمِّع الأدلة المفكَّكة التي تمكَّن من التوصُّل إليها، وها هي برقيته.» أخرج المفتش ورقةً من جيبه وبسَطَها على المكتب وقرأ:

بينكرتون، شيكاغو، إلى مُفوض الشُّرطة، سكوتلاند يارد، لندن

حَذِّروا رامون أن رجال العدالة الأربعة لا يَتراجعُون عن وعيدهم. إن هدَّدُوا بالقتل بطريقة معيَّنة وفي وقتٍ مُعيَّن فسيُنفِّذون تهديدهم بدقة تامة. لدينا ما يُثبِت هذه الخصلة فيهم. بعدما لقي أندرسون حتفه اكتُشِفت مفكرةٌ، كان من الواضح أنها تُرِكَت عمدًا، خارج نافذة إحدى الغرف. كانت المفكِّرة فارغة عدا ثلاث صفحات، كانت مملوءة بمُذكِّرات مكتوبة بخط منمق ومعنونة بعبارة «ست طرق للاغتيال». كانت موقَّعة بحرف «سي» (الحرف الثالث في الأبجدية). حَذِّروا رامون مما يلي: شُرب القهوة بأي طريقة كانت، فتح رسائل أو طرود، استخدام صابون إلا إذا كان من صنع مصدر موثوق به، الجلوس في أي غرفة بخلاف غرفة يشغلها ليل نهار أحد ضباط الشرطة. فتِّشوا غرفة نومه؛ تأكدوا مما إذا كان ثمة أي طريقة يمكن بها إقحام غازات ثقيلة. لقد أرسلنا اثنين من رجالنا على الباخرة «لوكانيا» لحراسته.

انتهى المفتش من القراءة. لم تكن كلمة «لحراسته» هي آخر كلمة في الرسالة الأصلية، كما كان يعرف. كانت تتبعها ملاحظة مشئومة هي «نخشى أن يصلا بعد فوات الأوان.»

سأله رجل الدولة: «إذن أنت تظن؟»

أجاب المفتش: «إن الخطر الذي أنت مُعرضٌ له يكمن في أحد الأشياء التي يحذرنا بينكرتون منها. لا خوف من أن تكون الشرطة الأمريكية تتكلم عبثًا. لقد استندوا في تحذيرهم إلى معرفة مؤكدة؛ ولهذا أعتبر برقيتهم مهمة.»

كان ثمة طرق حاد على اللوح الزجاجي للباب، ودون انتظار لدعوته للدخول، دخل السكرتير الخاص إلى الغرفة، مُلوِّحًا بحماس بصحيفة.

صاح قائلًا: «انظرا إلى هذا! اقرأ هذا! لقد اعترف «الأربعة» بفشلِهم.»

صاح المُفتِّش، وهو يمدُّ يده ليأخذ الصحيفة: «ماذا؟!»

تساءل السير فيليب بحدة: «ماذا يعني هذا؟»

«لا يعني، يا سيدي، إلا أنَّ هؤلاء الرجال، على ما يبدو، قد نشروا بالفعل مقالًا في هذه الصحيفة عن «رسالتهم».»

«في أيِّ صحيفة؟»

«صحيفة «ميجافون». يبدو أنهم عندما استعادُوا تيري، طلب رئيس التحرير من الرجل المقنَّع أن يَكتب له مقالًا عن نفسه، وقد فعلُوا؛ وها هي هنا، وقد اعترفوا فيها بفشلهم، أيضًا. أيضًا …»

كان المُفتِّش قد أمسكَ بالصحيفة وقاطع حديث السكرتير غير المُترابط.

قرأ مكتوبًا: «عقيدة رجال العدالة الأربعة». «أين اعترافهم بالفشل؟»

قال السكرتير الشاب: «في منتصف العمود. لقد وضعت عليها علامة. هنا.» وأشار الشاب بإصبع مرتجف إلى الفقرة.

قرأ المفتش: «إننا لا نترك شيئًا للصدفة. إن حدَثَ أدنى خطأ، أو أُجهِضَت أقل تفصيلة في خطتنا، فإننا نُقر بالهزيمة. ومن فرط تأكُّدنا من أن وجودنا على وجه الأرض ضروري لتنفيذ خطة عظيمة، وثقتنا في كونِنا أدوات لا غِنى عنها في يد عناية إلهية، لا نَجرُؤ، في سبيل قضيتنا، على القبول بأي مجازَفات غير ضرورية. ومِن ثَمَّ فمن الضروري أن تُنَفَّذ الاستعدادات المختلفة لكلِّ عملية اغتيال تنفيذًا كاملًا. مثال ذلك، سيكون من الضروري لنا أن نُسَلِّم إنذارنا الأخير إلى السير فيليب رامون؛ وأن نُضيف نقطة إلى هذا الإنذار، وهي نقطة، حسب شِرْعَتِنا، جوهرية لدرجة أن ذلك الإنذار لا بدَّ أن يُسَلِّمه واحدٌ منا بشخصه إلى الوزير. اتُّخِذَت جميع الترتيبات لوضع هذا الجزء من برنامجنا موضع التنفيذ. لكن مقتضيات نظامنا الاستثنائية هي أنه إذا تَعَذَّر تسليم هذا الإنذار إلى السير فيليب وفقًا لتعهُّدنا، وقبل الساعة الثامنة هذا المساء، فإن ترتيباتنا تنهار، ويتعيَّن عندئذٍ الامتناع عن تنفيذ عملية الاغتيال التي خطَّطنا لها.»

توقف المفتش عن القراءة، وخيبة الأمل بادية على كل قَسمات وجهِه.

«لقد ظننتُ، يا سيدي، من الطريقة التي كنتَ تتصرَّف بها أنك قد اكتشفتَ شيئًا جديدًا. لقد قرأتُ كل هذا؛ فقد أُرْسِلَت نسخة من المَقال إلى سكوتلاند يارد فور خروجها من المطبعة.»

ضرب السكرتير المكتب بقبضته بنفادِ صبر.

وصاح: «ولكن ألا ترى؟! ألا تَفهم أنه لم تَعُد تُوجَد أي حاجة لحراسة السير فيليب، وأنه لا يوجد سبب لاستخدامه طُعْمًا، أو في الواقع، لفعل أي شيء إن كنَّا نَعتقِد أن هؤلاء الرجال. انظر إلى الوقت.»

بسرعة اتَّجهت يد المفتش إلى جيبه، وأخرج ساعته، ونظر إلى عقاربها، وصَفَّر مُندهِشًا.

تمتَمَ مَشدوهًا: «الثامنة والنصف، عجبًا!» وخيَّم على الثلاثة الصمت في ذهول.

قطع السير فيليب حبلَ الصمت.

قال بصوتٍ مبحوح: «أهيَ حيلة لجَعلِنا نتخلَّى عن حذرنا؟»

أجاب المُفتِّش ببطء: «لا أظن ذلك، أنا واثق من أن الأمر ليس كذلك؛ ولن أُخفِّف من حراستي، لكنَّني مُقتنعٌ تمام الاقتناع بنزاهة هؤلاء الرجال، ولست أعرف لماذا أقول هذا؛ ذلك لأنني تعاملتُ مع المُجرمين طيلة الخمسة والعشرين عامًا الماضية، ولم أُولِ مثقال ذرة من ثقةٍ مطلقًا لكلمة أفضلهم، لكنني بطريقة ما لا أستطيع أن أُكَذِّب هؤلاء الرجال. إن كانوا قد فشلوا في توصيل رسالتهم فلن يُزعجونا مجددًا.»

أخذ رامون يَذرع الغرفة جيئة وذهابًا بخطوات سريعة وعصبية.

تمتم قائلًا: «أتمنى أن أصدق ذلك؛ أتمنى لو كان عندي ثقتك تلك.»

سمعوا صوتَ نَقرٍ على لوح الباب.

قال خادم رمادي الشعر: «برقيةٌ عاجلةٌ للسِّير فيليب.»

مدَّ الوزير يده ليأخذَها، لكن المُفتِّش سبقه إليها.

قال له، وهو يفضُّ المظروف البني: «تذكر برقية بينكرتون، يا سيدي.»

وقرأ ما يلي:
تلقَّينا للتوِّ برقية تلغرافية سُلِّمَت في مكتب برقيات شيرنج كروس.
٧:٥٢ بداية البرقية: «لقد سَلَّمنا رسالتنا الأخيرة إلى وزير الخارجية، توقيع: رجال العدالة الأربعة.» نهاية البرقية. هل هذا صحيح؟
رئيس التحرير، صحيفة ميجافون

عندما انتهى فالموث من القراءة، تساءل في حيرة: «ماذا يعني هذا؟»

أجاب السير فيليب بحدة: «يعني يا عزيزي السيد فالموث أن أصحابك «الأربعة» الشُّرفاء كاذبون ومُدَّعون بالإضافة إلى كونهم قتلة؛ ويَعني في الوقت نفسه، حسبما آمُل، نهاية ثقتك السخيفة في نزاهتهم.»

لم يُجِب مفتش المباحث، لكن وجهه اكفهرَّ وعضَّ على شفتَيه في حيرة.

تساءل: «ألم يأتِ أحدٌ بعد مُغادرتي؟»

«لا، لم يأتِ أحد.»

«ألم ترَ أحدًا بخلافي أنا وسكرتيرك؟»

أجاب رامون باقتضاب: «لم يتحدَّث معي أحدٌ على الإطلاق، ولم يدنُ منِّي أحدٌ مسافة عشر ياردات.»

هزَّ فالموث رأسه في إحباط.

تساءل، وكأنَّما يُوجه حديثه إلى نفسه أكثر من كونه يُخاطب أيَّ أحد في الغرفة، وهو متَّجه نحو الباب: «حسنًا. أنا. أين نحن؟»

عندئذٍ تذكَّر السير فيليب الحزمة التي تُرِكَت في عُهدته.

قال، وهو يَفتح درج مكتبه ويُلقي بالحزمة التي تُرِكَت في عهدته على الطاولة: «يَحْسُن أن تأخذ وثائقك الثمينة.»

تطلَّع مفتش المباحث متحيرًا.

وتساءل، وهو يَلتقِط المظروف: «ما هذا؟»

قال السير فيليب: «يَبدو أن صدمة اكتشافِك أنك خُدِعت في تقديرك للبغاة على شخصي قد أذهلتك.» وأضاف بصراحة: «لا بد أن أطلب من مفوض الشرطة أن يبعث بضابط يتمتع بفهم أفضل للعقلية الإجرامية، وثقة طفولية أقل في شرف القتلة.»

قال فالموث: «فيما يختصُّ بهذا الشأن، يجب أن تفعل ما ترى أنه الأصلح. لقد أديتُ واجبي على نحوٍ يُرضيني؛ ولا رقيب عليَّ ينتقدني أكثر من نفسي. لكن ما أنا أكثر تلهفًا إلى سماعه هو ما تَعنيه بالضبط بقولك إنني تركت في عُهدتك أوراقًا.»

حملق وزير الخارجية عبر الطاولة في ضابط الشرطة الهادِئ.

قال بخُشونة: «إنني أُشير، يا سيد، إلى المظروف الذي عدتَ لتتركه في عهدتي.»

حدَّق مُفتِّش المباحث في استغراب.

قال بصوت مُتوتِّر: «أنا، لم، أعد. لم أُسلِّمك أي أوراق.» التقط الحزمة من فوق الطاولة، وفضها، وكشف عن مظروفٍ آخر بداخلِها. وعندما وقعت عيناه على الغُلاف الرمادي المُخضرِّ أطلق صيحة حادَّة.

قال فالموث: «هذه رسالة الأربعة.»

ترنَّح وزير الخارجية مُتراجعًا إلى الوراء خُطوة، وقد علاه الشُّحوب.

قال وهو يَشهق: «وماذا عن الرجل الذي سلَّمها لي؟»

قال مُفتِّش المباحث في تجهُّم: «كان واحدًا من رجال العدالة الأربعة. لقد أَوفَوا بعهدهم.»

خطا خطوةً سريعةً نحو الباب، ومر عبره إلى غرفة الانتظار واستدعى الضابط ذي اللباس المدني الذي كان يَحرس الباب الخارجي.

سأله: «هل تذكر أنك رأيتني أغادر؟»

«نعم، يا سيدي؛ في كلتا المرتَين.»

قال فالموث بمرارة: «كلتا المرتين، نعم! وكيف بدوتُ في المرة الثانية؟»

تحير مرءوسُه من صيغة السؤال.

قال بتلعثم: «كالمعتاد، يا سيدي.»

«ماذا كنتُ أرتدي؟»

فكر الشرطي لبرهة.

ثم قال: «معطفك الطويل الواقي من الغبار.»

«وأظن أنني كنت أضع نظارتي الواقية، أليس كذلك؟»

«أجل، يا سيدي.»

تمتم فالموث بغضب: «ظننتُ ذلك.» ونزل بسرعة على السلالم الرخامية المُؤدِّية إلى بهو المدخل. هناك كان يقف في الخدمة أربعة رجال، أدوا له التحية العسكرية وهو يقترب منهم.

سأل الرقيب المسئول عنهم: «أتذكر أنك رأيتني أُغادِر؟»

أجاب الشرطي: «أجل، يا سيدي؛ في كلتا المرتَين.»

زمجر فالموث قائلًا: «اللعنة على «كلتا المرتَين» تلك! كم استغرقتُ من الوقت منذ غادرتُ في المرة الأولى وحتى عودتي؟»

أجاب الشرطي مُندهِشًا: «خمس دقائق، يا سيدي.»

تمتم فالموث محدِّثًا نفسه: «لقد أعطوا أنفسهم الوقت الكافي لإنجاز مهمتهم.» ثم قال جهرًا: «هل عُدتُ في سيارتي؟»

«أجل، يا سيدي.»

«آه!» بدأ الأمل يُراوِد مفتش المباحث، فتساءل، وهو يكاد يخشى سماع الإجابة: «وهل لاحظت رقمها؟»

«نعم!»

كاد المفتش يعانق الشرطي المتبلد الحس عندما سمع الإجابة.

«حَسَنٌ، وما هو؟»

«إيه ١٧١٦٤.»

دَوَّن المفتش رقم السيارة على ورقة.

نادى قائلًا: «جاكسون.» فتقدم نحوه أحد الرجال الذين كانوا يلبسون ملابس مدنيةً وأدى التحية العسكرية.

«اذهب إلى سكوتلاند يارد، واستخرج من السجلات اسم مالك هذه السيارة. وعندما تتوصَّل إلى هُويتِه اذهب إليه، واطلب منه أن يشرح لك تحركاته؛ وإن لزم الأمر فاعتقله.»

عاد فالموث أدراجه إلى مكتب السير فيليب، ووجده لا يزال يذرع الغرفة جيئة وذهابًا بانفعال شديد، والسكرتير ينقر بأصابعه بعصبية على الطاولة، والرسالة ما زالت لم تُفْتَح.

شرح فالموث قائلًا: «كما ظننت، الرجل الذي رأيتَه كان أحد الأربعة متنكرًا في هيئتي. اختار الرجل توقيته على نحو مُثير للإعجاب؛ وقد انخدع رجالي أنفسهم بمظهره. لقد تمكَّنوا من الحصول على سيارة كسيارتي تمامًا من حيث الهيكل واللون، وبعد أن تحينوا فرصتهم، توجهوا بالسيارة إلى داوننج ستريت بعد مغادرتي ببضع دقائق. أمامنا فرصة أخيرة للقبض عليه؛ لحسن الحظ، لاحظ الرقيب المنوط بالخدمة رقم اللوحات المعدنية للسيارة، وقد نتمكَّن من تتبعه عن طريق ذلك … مرحبًا.» كان أحد الخدم واقفًا على الباب.

قال: «هل يأذن المُفتِّش بمقابلة المحقِّق جاكسون؟»

انتظر فالموث في البهو بالأسفل.

أدى جاكسون التحية العسكرية، وقال: «أستميحك عذرًا، يا سيدي، ولكن ألا يوجد خطأ في هذا الرقم؟»

سأله المفتش بحدة: «لماذا؟»

قال الرجل: «لأنَّ رقم إيه ١٧١٦٤ هو رقم اللوحات المعدنية لسيارتك.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١