نوع من الحب

لم تكن تتصور أنه سيصيب هذا النجاح الذي أصابه، وإلا لمنعته أن يتخذ هذه الخطوة؛ فهي لا تتصور أن يعيش معها وهو غير محتاج إليها، ولا يتصور أن يكون غنيًّا بدونها، ولا تدري ماذا تقول له، إنه كان يعتب عليها كلما أنبأها عن نجاح له فتستقبل النبأ بفتور وعدم اهتمام.

كان يضيق بهذا، ولكنها لم تكن تستطيع أن تتصور أنه قادر على النجاح بدونها، إنها لا تطيق أن يمدحه أحد أمامها، لا تطيق أن ترى له نجاحًا إلا في إرضائها، لقد أخطأت الطبيعة تكوين بيتهما، كانت تريده زوجًا غنيًّا خاملًا أو فقيرًا خاملًا يعيش بما تهب له هي من أموال وليس له حياة إلا حياتها، وليس له مورد إلا يديها، وتصنعه هي على يديها، تشكِّله كما تشاء، ولم يكن في بادئ أمره إلا هكذا، وماذا يُنتظر من فتًى في الثلاثين من عمره لم يحصل على شهادة وإنما وقف بتعليمه عند المراحل الأولى من التعليم، ثم خرج يحمل إلى الحياة كمنجة يعزف عليها، ويهب لها كل حياته، وظل يعزف ولا يسمعه أحد، وحيد هو وكمنجته بلا معجبين ولا حتى مستمعين، ولكنه واثق بنفسه تلك الثقة التي يستطيع بها أبناء الفن أن يشقوا طريقهم إلى الحياة أو إلى الموت.

وكان يذهب إلى الفِرق يعرض نفسه عليها فيلتقي هناك بالهزء والسخرية، كان أضحوكة أبناء الفن، انقطع عن هذه الفِرق وذهب إلى رجل قدير من أبناء الصنعة، وانقطع له، وتعلَّم عنه كل ما يعلمه، وظن أن علمه في هذه المرة سوف يحميه من سخرية الساخرين.

ولكن السخرية استقبلته مرة أخرى، ولعلها كانت أشد مرارة وأعمق إيلامًا.

عاد إلى حجرته وحيدًا بكمنجته وظل يعزف معتمدًا على هذا المبلغ الذي يرسله له ابن عمه من ريع أرضه، مستور الحال، لا يحتاج إلى المال فيعيش، ولكنه محتاج أن يعيش، إنه لا يعيش، لقد كانت الموسيقي هي حياته، وقد كانت حياته تلك تصد عنه في صلف وتتعالى عليه في كبرياء.

وهو يعزف.

كان يعزف الألم.

وكان يعزف الأمل.

ولم يكن لعزفه من مستمع.

شيء واحد استطاع أن يحافظ عليه، لقد استطاع دائمًا أن يصد اليأس بهذه الكبرياء التي تقود الفنان إلى الحياة أو إلى الموت.

كان المصير أمامه واضحًا لا غموض فيه؛ إنه الحياة أو إنه الموت ولا وسط، لم يكن محتاجًا للموسيقى ليقتات منها؛ فقد كان ريع أرضه يقوته. ولكنه كان محتاجًا للموسيقى لتكون حياته أو تكون موته.

فهو يعزف.

في البيت الذي يقيم به أختان تقيمان في الدور العلوي.

– يعجبك عزفه؟

– لو انقطع عن العزف تهون عندي الحياة.

– إلى هذا الحد.

– أنت لا تدركين ما يقول في عزفه.

– وماذا يقول؟

– أُحس ما يقول ولا أستطيع أن أقوله.

– ماذا تحسين؟

– الحياة!

– الحياة؟!

– الحياة كلها، وأنا أستمع إليه تطيب لي الحياة.

أُحس أنها جميلة وحلوة وأريد أن أعيشها وأحس أنها جديرة أن تُعاش.

– هل ترينه؟

– أعرف شكله.

– هل تلتقين به؟

– أحب عزفه.

– إذن فلا لقاء.

– لو تكلم فلن يقول أكثر مما أسمعه منه.

– هل تحبينه؟

– أتمنى أن أحبه.

– فلماذا لا تحبينه؟

– يهيَّأ لي أنه ليس من أبناء الأرض الذين يحِبون ويحَبون.

– إنه من أبناء الأرض.

– اسمعي موسيقاه أولًا ثم احكمي.

– مهما أسمع موسيقاه إنه من أبناء الأرض.

ومرض يومًا، مرضًا لم يكن ذا شأن ولكنه مرض، وانتظرت الفتاة فلم تسمع وطال بها الانتظار.

– مَن؟

– أنا.

– أنتِ من؟

– افتح.

– أهلًا وسهلًا.

– إنها بسيمة.

– أهلًا.

– أنت لا تعرفني.

– أهلًا.

– هل أتفضل؟

– تفضلي.

– لماذا لم تعزف اليوم؟

– أنت …

– في الدور العلوي.

– و…

– أستمع لك كل يوم.

– هل …

– لم أستطيع أن أتصور انقطاعك عن العزف.

– إذن ﻓ…

– أظن أنت لا تحتاج إلى رأيي.

– بل أنا في أشد الحاجة إليه.

– أليس لك معجبون؟

– أنت الأولى.

– لن أكون الأخيرة.

– كنت مريضًا قبل أن تأتي.

– إذن فقد شفيت.

– لقد ظللت سنوات طويلة أنتظر هذه الجملة.

– سوف تمل من سماعها.

– لن أملَّ، عمري جميعه ذهب في سبيل أن أسمعها، لن أمل.

وكثر مجيء بسيمة إلى حجرتي، وبدأت بيننا هذه العلاقة من الألفة التي قد تؤدي إلى الحب، لم أكن أتصور أنها ستحبني، ولكن أختها — زوجتي — كانت أكثر مني علمًا بأختها وبالحياة، وجدت نفسي مدعوًّا إلى بيتهما، دعاني أبوهما.

بسيمة هي الصغرى وأختها زوجتي هي الكبرى طبعًا.

لماذا نقول كلامًا لا لزوم له؟ ما دمت قلت إن بسيمة هي الصغرى فما الداعي أن أقول إن بثينة أختها زوجتي هي الكبرى؟ كلام كثير لا معنى له ونقوله، ولكن بثينة لا تقول شيئًا إلا وتريد من ورائه شيئًا آخر، بثينة زوجتي، إني أدرك كل شيء، أعرف كل ما في نفسها، أنت يا بثينة لم تحبيني في يوم من الأيام، لقد وجدت فيَّ ضالتك المنشودة التي تعرفين أنك تريدينها؛ شاب من الأرياف أختك تحبه، وقد كان هذا هو الدافع الأول الذي جعل بثينة تنظر إليَّ، ما دامت بسيمة تحبه فلا بد أن تحرم بسيمة منه، ثم هو موسيقي فاشل، وسيظل فاشلًا، فما دام قد بلغ هذا العمر ولم ينجح فلا نجاح له من بعد، أستطيع أن أشكِّله كما أشاء، أجعل منه زوجًا ولا زوج، رجلًا ولا رجل، وهو مستور الحال، لست أدري كيف كانت بسيمة تخجل، فقد كانت تحبني وتخشى أن تكثر من النزول إليَّ حتى لا أكشف حبها، ولم تكن بثينة تخجل ولا كانت تحبني، فهي تكثر من النزول إليَّ، اهتمام كبير بشأني، بجميع شأني، نعم أعرف، أعرف يا زوجتي العزيزة، كنت تسألين عن تقدمي في فني، اليوم أعرف سبب أسئلتك؛ كان الواضح من السؤال أنك كنت تريدين الاطمئنان على نجاحي، اليوم أعلم أنك كنت تريدين الاطمئنان على فشلي، ولم تكن أنباء نجاحي موجودة، وكانت أنباء فشلي هذه الحاضرة في ذلك الحين، وكنت في هذه الأيام تستطيعين أن تصبغي صوتك بهذه الرنة الآسية الحزينة، كانت بارعة، أو لعلني كنت مغفلًا، خطبتك وتزوجنا، وعرفتك، شيء واحد استطعت أن أرغمك عليه، هو أن أعزف، وقد عزفت وظللت أعزف، وفجأة وجدت نفسي أريد أن أؤلف موسيقى، وألَّفت، ألَّفت قطعتي الأولى، ولم أُسمعها لزوجتي فهي لا تريد أن تسمع شيئًا إلا نفسها، خرجت في بهيم الليل وهممت أن أذهب إلى بسيمة وأطرق الباب عليها ولكن تذكرت أن أباها في البيت، عدت إلى حجرتي القديمة وفتحت نوافذها وعزفت، وحين انتهيت سمعت تصفيقًا، ولم أقل شيئًا، رحت أعيد ما عزفت وأعيده حتى بدأ الصباح واتجهت من فوري إلى الإذاعة.

لم أكن أتصور أن هذا «السنكوح» سيصبح في يوم من الأيام هذا الموسيقار الذي يملأ الدنيا بنجاحه، لو كنت أعلم ما تزوجته؛ إنني أريد زوجي، زوجي فقط، ولا أريده شيئًا آخر، لم تعد بسيمة تهمني؛ فقد تزوجته وقُضي الأمر، ولكن كيف نجح، ماذا يجد الناس في موسيقاه؟ ماذا يجد الناس؟ لماذا لا يتركونه لي؟ إنه لم يصبح زوجي، لقد أصبح الموسيقار الشهير، ولكنه أبدًا ليس زوجي!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠