حالة الشعب في عهد «إخناتون» وتأثير ديانته في نفوس الشعب

لقد كان من جراء قيام مذهب «إخناتون» أن وقف مجرى سير الحياة الدينية فجأة، وحوِّل إلى اتجاه غريب، على الرغم من قوة اندفاعه التي كانت لا تقاوَم لتؤصل العقائد القديمة في نفوس الشعب عدة آلاف من السنين، فقد خربت أماكنهم الطاهرة، ودنست مزاراتهم المقدسة، وأوصدت معابدهم، وطردت كهنتها، وانمحى ذلك النظام العتيق جملة، وقد كانت الجماعات العظيمة العدد في كل مكان تسير مدفوعة بالغرائز التي كانت مشبعة بها عقولهم منذ قرون يخطئها العد وفق عادات وأخلاق موروثة، فلما ذهبوا لزيارة أماكنهم المقدسة بعد قيام مذهب «إخناتون» وجدوها كأن لم تغن بالأمس، ينعق فيها البوم والغربان، فوقفوا في عرصاتها ذاهلي العقول أمام تلك المعابد الموصدة الأبواب في وجوههم، ولعمري فإن هذه الردهات المحترمة، والقاعات الفسيحة الأرجاء التي تحتويها تلك المعابد القديمة التي كانت تزخر بجماهير الشعب، وتقام فيها الأفراح أيام الأعياد المقدسة في عهد طفولتهم في «أسيوط»، وغيرها — كما فصلنا ذلك — قد أصبحت الآن صامتة خاوية. وهكذا نرى أن الإله «أوزير» الذي كان يعد الملجأ، والمعزي، والصاحب، والمدافع عن الأموات أمام كل خطر قد نُفي من الأرض، ولم يعد في إمكان إنسان أن يذكر اسمه حتى في الأيمان التي كان يعقدها القوم، تلك الأيمان التي كانت قد اختلطت في دمائهم مع لبان أمهاتهم في الرضاعة، فقد كان محظورًا عليهم أن تنبس شفاههم بتلك الأسماء التي تنطلق بها ألسنتهم عفوًا، فكان لا بد ألا يشمل اليمين القديم أمام القاضي في المحكمة إلا اسم «آتون» فقط. وكان كل ذلك في نظر القوم كما لو طُلب الآن إلى رجل من عصرنا أن يعبد الله، ويحلف باسم صنم. ولا بد أن كثيرًا من الكهنة المتذمرين الذين كانوا يكظمون غيظهم الشديد في صدورهم قد مزجوا غيظهم ذلك بغيظ جمٍّ غفير من جماعات بأسرها من التجار الحانقين كالجنازيين الذين لم يعودوا يكسبون عيشهم من بيع فطائر الشعائر الدينية، كما كانوا يفعلون قديمًا خلال أيام الأعياد التي كانت تقام في المعابد. وهكذا كان حنق الصناع الذين لم يعد في مقدورهم الآن بيع تعاويذ الآلهة القدامى عند أبواب المعابد كما كان يحصل قديمًا.

وناهيك بحقد الحفارين والمثَّالين المرتزقة الذين كانوا يصنعون تماثيل الإله «أوزير»، فقد أصبحت مصفوفة مكدسة تحت الأتربة المتراكمة في كثير من المعامل التي أصبح عاليها سافلها، وكذلك الحجارين الذين وجدوا أن ما صنعوه من شواهد قبور مزخرفة بنقوش خالية من كل ذوق نقلوها من كتاب الموتى قد استبعد من مدينة الأموات، ثم الكتَّاب الذين كانت إضماماتهم البردية المخطوطة المنقولة من «كتاب الموتى» تعد في ذلك الوقت لعنة لمن يستعملها؛ لأنها مفعمة بأسماء الآلهة القدامى، أو لأنها كانت تشمل كلمة الآلهة في صيغة الجمع، هذا إلى رجال الكهانة المسرحيين والممثلين الذين طُردوا من تلك الأماكن المقدسة في الأيام التي اعتادوا فيها أن يمثلوا للشعب تمثيلية (موت «أوزير» وبعثه ثانية)، وطوائف الحجاج المتذمرين الذين كانوا يحجون إلى «العرابة المدفونة»، وهم الذين كان من أقدس واجباتهم أن يشتركوا في تلك التمثيلية التي تعبر عن حياة «أوزير» وموته، ثم بعثه من بعد الموت بصفة مؤثرة خلابة، وكذلك الأطباء الذين حُرموا كل أسهم تجارتهم الخاصة بالأحفال السحرية التي كانت تستعمل بنجاح منذ أقدم العهود؛ أي قبل ألفي سنة من العصر الذي نحن بصدده، فقد كان حنقهم وغيظهم شديدًا. ولا يفوتنا ذكر الرعاة الذين أصبحوا لا يجسرون بعد أن يضعوا رغيفًا معه إناء من الماء تحت شجرة راجين بذلك الفرار من غضب الآلهة ساكني الشجرة، وهي التي كان في مقدورها، على حسب الاعتقادات القديمة، أن تنزل المرض بأهل المنزل عند غضبها، وكذلك الفلاحون الذين كانوا يخافون أن ينصبوا صورة ساذجة للإله «أوزير» في الحقل ليطردوا بها الشياطين المؤذية المسببة للجدب والقحط، هذا إلى الأمهات اللائي يدللن أطفالهن عند الشفق، وهن خائفات أن ينطقن بتلك الأسماء المقدسة القديمة، وبالصلوات التي تعلمنها في طفولتهنَّ؛ حتى يبعدن عن أطفالهن شياطين الظلام الراصدة لاختطافهم.

وفي هذا الوسط المظلم الملبَّد بسحب التذمر الخانق ضرب هذا الملك الشاب المدهش هو وطائفة انتخبها من بين بطانته، وحاشيته المحيطة به سرادق مذهبه الجديد في رائعة النهار في هدوء لا شعور معه بذلك الظلام الدامس المتراكم طبقات بعضها فوق بعض، وهو الذي شمل كل ما حوله، غير أنه كان في الوقت نفسه يزداد ظلمة في كل يوم منذرًا بشرٍّ مستطير، ونهاية محتومة؛ لأنها سرادق أقيم على شفا جرف هار.

وإذا نظرنا إلى حركة «إخناتون» وما قام به من انقلاب ديني في ذاته عظيم، على أساس ذلك التذمر الشعبي الذي وصفناه، ثم أضفنا إلى تلك الصورة معارضة الكهانة القديمة التي كانت تقوم في الخفاء، وكانت خطرًا مباشرًا عظيمًا، ومعارضة حزب «آمون» الذي لم يكن قد غُلب على أمره تمامًا، ومعارضة طائفة الجنود الأقوياء الذين كانوا ساخطين على سياسة الملك السلمية في آسيا، وقبضهم على زمام الأمور في داخل البلاد أدركنا شيئًا عن تلك الشخصية القوية التي كان يحملها في نفسه ذلك القائد الروحي الأول في تاريخ الإنسانية بقدر ما وصلت إليه معلوماتنا المستقاة من المصادر الأصلية المدونة على الآثار.

ويعد حكمه أقدم محاولة لسيطرة الآراء الفردية التي لا تحفل بحالة الشعب الذي فُرضت عليه تلك الآراء، وبدون معرفة مدى استعداده لقبولها أو رفضها. وقد عبر عن ذلك الكاتب الإنجليزي «مثيو أرنولد Mathew Arnold» تعبيرًا حسنًا عند تعليقه على الثورة الفرنسية المشهورة بقوله:

ولكن الولع بالإسراع في القيام بتطبيق سياسي لكل تلك الآراء الجميلة التي كان يمليها العقل كان خطرًا … فالأفكار لا يمكن أن تُقدر فوق قيمتها بمفردها، أو في حد ذاتها. كما أنه لا يستطيع الإنسان أن يعيش في حدودها أكثر مما يجب. ولكن إذا نقلت تلك الأفكار فُجاءة إلى تجربة سياسية وخبرة حيوية بقصد قلب نظام العالم بما تحويه من الأوامر، فإنها تحدث نتيجة أخرى بالمرة.

والواقع أنه لم يكُن لدى «إخناتون» ماضٍ يسير على هداه مثل الماضي الذي كان خلف الثورة الفرنسية يرجع إليه، بل كان هو نفسه أول ثوري عالمي، وقد كان مقتنعًا في قرارة نفسه تمامًا بأنه في مقدوره أن يضع عالم الديانة، والفكر، والفن، والحياة في قالب جديد بعزم ثابت لا يقهر، وذلك بجعل آرائه ذات تأثير فعلي في الحال بتنفيذها بكل ما أوتي من قوة، ومضاء عزيمة.

وعلى هذا الأساس أقام مدينة «إخناتون» الجميلة، فكانت جزيرة خيالية للمنعمين، ولكن في وسط بحر من التذمر والسخط، بل كانت حلمًا جميلًا مملوءًا بالآمال المحببة لدى عقل غاب عنه تمامًا أن الماضي لا يمكن محوه، وأن تجاهله لا يغني عن الحق شيئًا.

والأمر العجيب أن ظهور مثل هذا الرجل لم يكن إلا في الشرق أولًا، وبخاصة في مصر؛ حيث لم يكن فيها رجل يستطيع نسيان الماضي غير «إخناتون»، على أن أمم البحر الأبيض المتوسط التي كانت مصر تسودها وقتئذ لم تكن أحسن استعدادًا لقبول ديانة دولية أكثر من سادتها المصريين.

ويعيد إلى ذاكرتنا خيال «إخناتون» الدولي بآمال «الإسكندر الأكبر» الذي جاء بعده بألف سنة تقريبًا، ولكنه كان سابقًا لعصره بعدة قرون، على أن الحقيقة التي كانت تحيط به والمركز المهدد الذي دعا حزبه لتبصره يوميًّا قد صور في وصف كتبه «توت عنخ آمون» بعد موته بمدة، فاستمع إليه: «وعندما أشرق جلالته الآن ملكًا كانت معابد الآلهة والإلهات من بداية «إلفنتين» حتى مناقع الدلتا قد أهمل شأنها؛ إذ قد أصبحت محاريبها خاوية، وصارت أراضي تغشاها أعشاب «كات» (؟)، ومعابدهم أصبحت كأن لم تغن بالأمس، وحجراتهم كانت طرقًا معبدة، والبلاد كانت في ارتباك، وهجرت الآلهة الأرض، وإذا أرسل جيش (؟) إلى «زاهي» ليمد من حدود مصر لم ينَل أي نجاح قط؛ وإذا دعا اللهَ إنسان ليطلب إليه حاجة، فإنه لا يأتي إليه بأية حال، وإذا تضرع إنسان لآلهة فإنها كذلك لا تجيب تضرعه بأية حال؛ لأن قلوبهم كانت ضعيفة من نفسها بالغضب؛ فخربوا ما عمل» (راجع الجزء الخامس). وكان أتباع «إخناتون» يدعون في أحوال مثل هذه أن يستمر حكمه حتى تصير البجعة سوداء ويصير الغراب أبيض، ويستنوق الجمل، وإلى أن ترتفع الجبال وتسير، ويصعد الماء إلى التل!

والواقع أن سقوط هذا الثوري العظيم، والمبتكر الفذ يحوطه الغموض التام.

وكانت النتيجة المباشرة لسقوطه — وقد كان ذلك طبعيًّا — هي إعادة عبادة «آمون» على يد خلفه «توت عنخ آمون»، ذلك الشاب الضعيف زوج ابنته «عنخس ان آمون»، ثم إرجاع النظام الديني القديم بأكمله إلى ما كان عليه قبل تولي «إخناتون» عرش الملك.

والبيان الذي فاه به «توت عنخ آمون» عن إعادة عبادة الآلهة الأقدمين يعد إعلانًا هامًّا عن الحالة العقلية والدينية لقادة رجال الأعمال عندما اختفى «إخناتون» من مسرح الحياة؛ إذ يشير «توت عنخ آمون» في لوحته المشهورة لنفسه قائلًا عن الإله «آمون»: «إنه الحاكم الطيب الذي يعمل الأشياء النافعة لوالده «آمون»، ولكل الآلهة، وهو الذي جعل ما خرب صالحًا بمثابة أثر خالد مدى الدهر، وقضى على الأعمال الخاطئة في كل الأرضين، ووطد الحق، وجعل الكذب ممقوتًا في كل البلاد، كما كانت الحال في بادئ الأمر.»

وبذلك كان يعد سقوط «إخناتون» في نظر أعدائه المنتصرين إعادة للنظام الخلقي القديم، وهو العدالة «ماعت»، وإقصاء للظلم. وبعد ذلك أخذ «توت عنخ آمون» يصف تلك الحالة — كما ذكرنا آنفًا — (راجع الجزء الخامس)، وهكذا شاءت سخرية القدر أن تلعن ذكرى ذلك الرجل العظيم صاحب المثل الأعلى في التدين الحقيقي الذي يسير عليه العالم الآن في مجموعه، ولم يسمح ملوك مصر بأن يظهر اسم «إخناتون» في القوائم العظيمة المسجلة على الآثار، وفي إضمامات البردي بين أسماء ملوك مصر السالفين، وأدهى من ذلك أنه إذا حتمت الأحوال ذكر اسمه في الوثائق الحكومية في عهد الفراعنة الذين خلفوه كان ينبذ باسم «مجرم» (إخناتون). ولسنا في حاجة إلى القول بأن فرح كهنة «آمون» باسترداد سلطانهم كان عظيمًا، ولدينا أنشودة ﻟ «آمون» من ذلك العهد دوَّن فيها فوز أتباعه، وتظهر فيها شماتتهم بأعدائهم، فاستمع لما جاء فيها خاصًّا بذلك:
إنك تصل إلى من يبغي عليك؛ والويل لمن يهاجمك، ومدينتك تبقى، ولكن من يهاجمك يهوى؛ وشمس من لا يعرفك تغيب … «يآمون»! من يعرفك يضيء، ومعبد من هاجمك في ظلمة، حينما تكون جميع الأرض في نور.١
(راجع British Mus. Ostracon 5656. A z. XIII, p.106). ففي هذه الأنشودة يظهر جليًّا حقد أعداء «إخناتون» المشبع بالانتقام والسخرية المملوءة بالشماتة عندما يقول: «وشمس من لا يعرفك (يعني «إخناتون») تغيب … «يآمون».» ومعبد من هاجمك (يعني «إخناتون») في ظلمة. وهكذا كانت حالة معبد الشمس «بتل العمارنة» الذي كان مفتنو «إخناتون» يصورونه دائمًا منغمسًا في بحر لجيٍّ من ضوء الشمس عندما كان «آتون» مشرقًا فوقه بأشعته العظيمة التي كانت تحيط به، وتغمره ضامَّة إياه في أحضانها.

ولم يبقَ حتى الآن شيء من معبد ذلك النور الأبدي، الذي كان يومًا ما ساطعًا مشرقًا إلا دمنه الأساسية، التي تشبه الوشم في اليد. والآن نتساءل: هل بقي شيء آخر من آثار هذا الأثر العقلي، وهل تجرى أقدم ثورة فكرية للعقل الإنساني مجراها دون أن تترك خلفها نتيجة باقية؟

حقًّا إن ثورة «إخناتون» كانت عنيفة إلى أبعد حد في طرقها، ومن أجل ذلك لم يخلد ما أحدثته من انقلاب، فالفن المدهش الذي أحدثته كان مهذبًا أكثر مما كان يلزم في التصور، وقوة النظام؛ ولذلك لم يستمر، ولم يعِش طويلًا جميعه. وقد كشفت لنا مصانع «إخناتون» «بتل العمارنة» حب المفتنين الملكيين المدهش لهذا الفن الذي لقنه لهم هذا الفرعون نفسه، وقد ترك عملهم هذا أثره في فن العصر الذي جاء بعد اختفاء هذا الفرعون، وإن كان فنا النحت والتلوين لم يستردا قط تلك الحرية التامة التي تمتعا بها في عهد «إخناتون»، كما أنهما لم يشعرا ثانية بتلك الحقيقة الدقيقة التي كانت تدب في فن معامل «تل العمارنة» أمثال معمل «تحتمس» وغيره. أما في الأخلاق فلم يعد تعظيم الصدق الذي كان شعار «إخناتون» بتلك الدرجة السامية التي بلغتها في تصور هذا الفرعون الموحد، ولا جدال في أن ميله العاطفي نحو الجمال والخير اللذين شاهدناهما في أعماله الإلهية قد تركا أثرًا؛ فلم يكن من السهل نسيانهما دفعة واحدة، وليس في استطاعتنا أن نشك في أن تلك الأنشودة التي تتحدث عن وحدانية الله قد بقيت موجودة في شكل ما بعد موت «إخناتون»، حتى إنها كانت معروفة بعد موته بقرون عند العبرانيين، وقد استعملها مؤلف المزمار الرابع بعد المائة — كما ذكرنا آنفًا، وبذلك نعلم أن روح «آتون» لم يختفِ دفعة واحدة. وسنذكر فيما يلي برهانًا آخر عن تأثيره.

ومهما يكن من أمر، فإن عنف هجوم «إخناتون» الذي كان ينم عن تعصبه لمذهبه بشدة بالغة على التقاليد الموروثة قد جعل من الطبعي أن ينزل عليه وعلى حركته التي كان يريد بها الإصلاح، الانتقام الجزائي الذي كانت خاتمته الدمار التام لمذهبه، وخراب البلاد في الداخل والخارج. ولذلك لا يمكننا أن نعجب من هبوب تلك العاصفة الهوجاء التي اكتسحت في طريقها على وجه التقريب كل الآثار التي أسسها أقدم باحث عن المثل الأعلى. وليس لدينا في الواقع ما نقصه عنه إلا القليل خلافًا لما أبقته يد التخريب من بقايا مدينة «إخناتون» التي كانت مركزًا منعزلًا للمثل العليا التي لم يدركها غيره، ولم يعرفها إلا بعد مضي قرون عدة، حينما تألف أولئك البدو الذين كانوا إذ ذاك ينزحون إلى أقاليم «إخناتون» الفلسطينية، وكونوا لهم أمَّة كان لها ما لها من الطموح الاجتماعي، والخلقي والديني، وكان من نتائجها ظهور أولئك الرسل العبرانيين، وأصحاب المزامير ليسيروا بالروح والرؤيا اللذين سبق بهما أصحاب الأحلام الاجتماعيون من المصريين القدامى.

وكان من جرَّاء انغماس «إخناتون» في معنويات مذهبه العظيم أن عكف على التأمل والانهماك في الأحلام بقصر الشمس في «إخناتون»، في حين أن «خيتا» أعداء البلاد الجدد، الذين كانوا قد أصبحوا ذوي بأس شديد في غربي آسيا، قد قاموا بالإغارة على دولة مصر الأسيوية، وكذلك الكهنة والجنود من بين شعبه نفسه، قد قوضوا سلطان الأسرة الثامنة عشرة تقويضًا تامًّا، وهي تلك الأسرة التي كانت سيدة الشرق، نحو مائتين وثلاثين عامًا، وبهدم سلطان «إخناتون» بدأت مصر عصرًا جديدًا، ولم يكن لها في تلك الأقاليم إلا سلطان اسمي، ولكن مع ذلك كانت أصداء مذهب «إخناتون» لم تنقطع بعد تجاربه، وكانت علاقته بالمذهب الشمسي الذي كان موطنه الأصلي في «هليوبوليس» لا يزال معترفًا بها اعترافًا غير مباشر؛ وذلك لأن نفس الأنشودة المحتوية على الفوز المفعم بالشماتة الذي أحرزه كهنة «آمون» على مذهب «إخناتون» تنمُّ عن اتصالها بالمذهب الشمسي القديم، وكذلك التعبير الأبوي عن «رع» عندما تسترسل في مديح «آمون»، وتصفه بأنه الراعي الطيب، و«النوتي». وهذه الأفكار كانت قد ظهرت في أثناء الحركة الاجتماعية التي قامت في العهد الإقطاعي المصري، كما سبق ذكره.

والواقع أنه على الرغم من إعادة عبادة «آمون»، لم تختفِ الأفكار والاتجاهات التي نشأت عنها ثورة «إخناتون» الدينية كلية، حقًّا لم يكن في الإمكان اتباعها في شكل توحيد يشمل القضاء على الآلهة القدامى، غير أن نواحي «آتون» الإنسانية والخيرية في عنايتها بكل البشر كانت قد استولت على خيال الطبقة المفكرة، وبذلك نجد نفس تلك الصفات التي كانت ﻟ «آتون» أصبحت تُنسب آنئذ إلى «آمون»، حيث كان الناس يرتلون له ما يأتي:٢
سلام لك يا «رع» رب الصدق
… … … … … … … … …
الذي أمر فوحدت الآلهة
يا «آتوم» الذي خلق الناس
والذي حدد صورهم
والذي ميز لون كل جنس عن الآخر
والذي يسمع دعوة المأسور
والذي قلبه رحيم عندما يدعوه الناس
والذي يخلص الضعيف من المستكبر
والذي يبعد الضعيف من القوي
رب المعرفة الذي في فمه الأمر السائد
رب الملاحة عظيم الحب
والذي يحيا البشر بمجيئه.

ومن ثم نرى أن الجمل الدالة على التوحيد مبعثرة في هذه الأنشودة، وهي بلا شك تتضمن ذلك، وإن كانت دائمًا تشير إلى الآلهة في صيغة الجمع:

الصورة الفريدة الخالق لكل كائن
الواحد الأحد الفرد الصمد، خالق كل موجود
والذي نشأ الناس من عينيه
وخرجت من فمه الآلهة
وصانع الأعشاب للماشية
وشجرة الحياة لبني الإنسان
والذي يضع قوت السمك في النهر
والطيور التي تخترق السماء
والذي يمنح ما يوجد في البيضة النفس
ويجعل ابن الدودة يعيش
والذي يصنع ما يعيش عليه النمل
وكذلك الدود والحشرات
والذي يمد الفيران بحاجاتها في أجحارها
والذي يعول الطير في كل شجرة فتعيش
… … … … … … … … …
سلام عليك يا من خلقت كل ذلك
أنت يا واحد يا أحد، يا ذا الأذرع العديدة
وأنت — يا نائم — تيقظ مع أن كل الناس نيام
فالماشية جميعها تقول: السلام عليك
وكل مملكة تقول: السرور لك
بمقدار علو السماء، وعرض الأرض، وعمق البحر.

ولدينا أنشودة، أو عدة أناشيد للإله «آمون رع» كُتبت بعد عهد «إخناتون»، ولكنا نرى فيها تأثير ديانة هذا المصلح الداعية للتوحيد، وإن كانت باسم «آمون»، وذكرت فيها آلهة أخرى.

وسنذكر هنا أنشودة «آمون» العظمى، ثم نقفوها بأناشيد لهذا الإله نفسه كُشف عنها حديثًا؛ ليرى القارئ مقدار تأثير ديانة «إخناتون» في عقائد القوم بعد القضاء على مذهبه، وإن كنا في الواقع نجد أن بعض الأفكار التي جاءت في هذه القصائد لم تكن من أثر عبادة «إخناتون» مباشرة، بل كانت ترجع إلى عهود أقدم من زمنه، كما شرحت ذلك في كتاب الأدب (ج٢ ص٩٢–٩٤)؛ إذ أثبتنا وجود رواية أخرى لأنشودة «آمون» الكبرى سنذكرها هنا، وهذه الرواية نُقشت على قاعدة تمثال يرجع عهده إلى أواخر عهد الهكسوس. نص قصيدة «آمون رع الكبرى»:

(١) متن الأنشودة «آمون رع»

  • المقطوعة الأولى: (راجع كتاب الأدب المصري القديم جزء ٢ ص٩٤ إلخ).
    الحمد لك يا «آمون رع» رب «الكرنك» الذي يسيطر على «طيبة»! ثور أمه، والأول في حقله،٣ واسع الخطى، والأول في مصر العليا، رب أرض «المازوي»،٤ وأمير «بنت» أكبر الأجسام السماوية، وأسنُّ من في الأرض، رب الكائنات الذي يسكن في كل شيء.
    والوحيد في طبيعته … بين الآلهة، وثور تسعة الآلهة الطيب،٥ ورئيس كل الآلهة.

    رب الصدق، ووالد الآلهة الذي خلق بني الإنسان وسوَّى الحيوان.

    رب كل الكائنات الذي يخلق شجرة الفاكهة، والذي من عينه خرجت الأعشاب التي تزوِّد الماشية.

    وهو الصورة الجميلة التي سواها «بتاح»،٦ والشاب الجميل المحبوب الذي تثني عليه الآلهة، وهو الذي خلق من هم أسفل، ومن هم أعلى.٧
    والذي يضيء الأرضين، وهو الذي يخترق القبة الزرقاء في سلام، ملك الوجه القبلي والوجه البحري «رع» المنتصر.٨

    رئيس رؤساء الأرضين، عظيم القوة، الذي يبعث على الاحترام، والرئيس الذي برأ الأرض قاطبة.

    والذي يحسب الخطط أكثر من أي إله آخر، ومن تبتهج الآلهة بجماله، وهو الذي يقدم له الثناء في «البيت العظيم»، والذي ظهر في «بيت النار»٩ أو التقديس.
    ومن يحب الآلهة شذاه حينما يأتي من بلاد «بنت»، الأمير العظيم الشذي، حينما ينزل من بلاد «ماتو»١٠ الحسن الوجه حينما يأتي من أرض الإله (بلاد بنت)، ومن يسجد عند قدميه الآلهة حينما يعرفون أن جلالته هو سيدهم، وهو رب الخوف العظيم الإرادة، القوي الطلعة، النضر القرابين، وخالق الطعام عندما تهلل لك الناس.

    يا خالق الآلهة، ورافع السموات، وباسط الأرض.

  • المقطوعة الثانية: أنت يا من استيقظ معافى! يا «مين آمون»، يا رب الأزلية، وخالق الأبدية! ورب المديح الذي يسيطر على تاسوع الآلهة.١١

    صاحب الذيل المستعار، الحسن الوجه، رب التاج «وررت» (أي العظيم)، طويل الريشتين، ومن له شريط جميل، وتاج أبيض عالٍ، ومن على جبينه الصل «محنت»، وثعبانا «بوتو»، ومن شعره ذكر العطر، ومن يجعل التاج المزدوج ولباس الرأس، والتاج الأزرق قوية، الحسن الوجه، الذي يتسلم التاج «آتف»، ومن يحبه تاج الوجه القبلي وتاج الوجه البحري، رب التاج المزدوج الذي يتسلم الصولجان «آمس»، رب جعبة الوثائق، ومالك السوط «نخخ».

    الأمير الجميل الذي يظهر بالتاج الأبيض، رب الأشعة، خالق النور الذي يقدم له الآلهة الثناء، والذي يمد يده (أشعة الشمس) لمن يحبه، ومن يحرق أعداءه بالنار، ومن عينه١٢ تقهر الثائرين، وترشق حربتها فيمن ابتلع المحيط السماوي، وتجعل الثعبان (نيك)١٣ يلفظ ما ابتلعه.
    الحمد لك يا «رع»، يا رب إلهة الصدق (ماعت)، يا من مقصورته خفية، يا رب الآلهة، يأيها الإله «خبر»١٤ في سفينته، والذي يلحظ الكلام، وبه يخلق الإله، أنت يا «آتوم» خالق الإنسانية ومميز أخلاقهم، وبارئ الحياة، والذي فصل الألوان الواحد عن الآخر،١٥ سامع تضرعات من في السجن، الشفيق القلب عندما يناديه إنسان.

    ومن ينجي الخائف من الظالم، والقاضي بين التعس والقوي.

    رب العظمة، ومن فمه السلطة، ومن يأتي النيل الحلو حبًّا فيه، والمحبوب كثيرًا، وعندما يأتي تحيا الناس.

    هو الذي يجعل كل العيون تفتح … وكرمه يخلق النور، الآلهة يبتهجون بجماله، وقلوبهم تحيا حينما يشاهدونه.

  • المقطوعة الثالثة: إيه يا «رع» المبجل في الكرنك، ومن يظهر عظيمًا من بيت «بنبن»، يا صاحب «عين شمس»، يا رب اليوم التاسع من الشهر، ومن يحتفل الناس إكرامًا له باليوم السادس واليوم السابع من الشهر.
    أيها الملك رب كل الآلهة، والصقر في وسط الأفق، سيد بني الإنسان … اسمه مخفي عن أولاده، باسمه «آمون».١٦

    الحمد لك يا حسن الحظ … يا رب السرور، القوي في طلعته، رب التاج، السامي الريش، ذا الإكليل الجميل، والتاج الأبيض الطويل.

    الآلهة يعشقون التأمل فيك، حينما يكون التاج المزدوج على جبهتك.

    حبك منتشر في كل الأرضين، وأشعتك تضيء في العيون.

    إنها نفحة للإنسانية عندما تشرق، والوحوش تتباطأ حينما تضيء،١٧ إنك محبوب في السماء الجنوبية، ولطيف في السماء الشمالية، جمالك يأسر القلوب، وحبك يجعل الأذرع متباطئة، وشكلك الجميل يجعل الأيدي ضعيفة، والقلب ينسى حينما ينظر الإنسان إليك.١٨
    إنك أنت الواحد الأحد الذي خلق كل الكائنات، وإنك الواحد الأحد الذي صنع كل ما يوجد. الناس خُلقوا (خرجوا) من عينه، ومن فمه أتت١٩ الآلهة إلى بارئ الكلأ للماشية، وشجر الفاكهة للإنسان، خالق ما يعيش عليه السمك في النهر، والطيور في القبة الزرقاء، مانح النفس من في البيضة، ومغذي ابن الدودة، صانع ما يحيا به النمل، والدود والذباب أيضًا، صانع ما تحتاج إليه الفيران في أجحارها، ومغذي الطيور على كل شجرة.
    الحمد لك يا صانع كل هذا، الواحد الأحد فحسب، والممتاز بالأيدي العديدة الذي يقضي الليل ساهرًا باحثًا عن أحسن الأشياء لماشيته٢٠ حينما يكون الناس نيامًا.

    يا «آمون» الذي يسكن في جميع الأشياء! يا «آتوم»! يا «حور اختي»! احترام لك في كل ما يلفظون به ابتهالًا لك؛ لأنك تتعب نفسك معنا! وخشوع لك لأنك خلقتنا، وكل وحش يقول (؟) الثناء عليك، وكل قفر ارتفاعه السماء، وعرضه الأرض، وعمقه البحر، يقول ابتهالًا بك: الآلهة يخشعون طوعًا لجلالتك، ويتمدحون بقوة خالقهم، ويفرحون حينما يقترب منهم خالقهم، وهم يقولون لك: مرحبًا في سلام، يا والد آباء كل الآلهة، يا من رفعت السموات، وبسطت الأرض، وصنعت كل كائن، وخالق كل ما يوجد.

    يأيها الملك رئيس الآلهة، إنا نحترم قوتك لأنك خلقتنا، إنا نصيح فرحًا بك؛ لأنك سويتنا، إنا نقدم الحمد لأنك أجهدت نفسك معنا. الحمد لك يا خالق كل كائن، يا رب الصدق، ووالد الآلهة، بارئ الإنسان، وخالق الحيوان، رب الحب، وموجد زاد وحوش الصحراء.

    يا «آمون»، أيها الثور ذو المحيا الجميل،٢١ العزيز في الكرنك، وعظيم الطلعة في بيت «بنبن» المتوج ثانية في «عين شمس»، والذي قد حكم بين الاثنين٢٢ في القاعة العظمى، ورئيس التاسوع الأعظم الواحد الأحد لا غيره، المنقطع النظير، المتربع في «طيبة»، و«الهليو بوليتي»، وأول تاسوعه، والذي يعيش يوميًّا على الصدق.٢٣
    يا ساكن الأفق، ويا «حور» الشرق!٢٤ والصحراء تُخلق له (تُخرِج له) الفضة والذهب واللازورد الحقيقي حبًّا فيه، والعطر والبخور المخلوطين من بلاد «مازوي»، والعطر الجيد لأنفك، يا حسن الوجه حينما يأتي من بلاد «المازوي»!

    يا «آمون رع»، يا رب الكرنك المتربع في «طيبة» «الهليو بوليتي» المهيمن على حرسه (؟)!

  • المقطوعة الرابعة: أنت أيها الملك الأحد … بين الآلهة، المتعددة أسماؤها التي لا يعرف لها عدد، المشرق في الأفق الشرقي، والغائب في الأفق الغربي، المولود مبكرًا كل صباح، القاهر أعداءه كل يوم.
    الإله «تحوت» يرفع عينه،٢٥ ويبهجه بسموه، والآلهة تتمتع بجماله، والقردة «هتت» تهلل بمديحه.٢٦
    رب سفينة الليل، وسفينة الصباح٢٧ اللتين تسبحان في «نون» من أجلك في سلام، بحارتك يفرحون حينما يرون كيف هزم عدوك،٢٨ وكيف قطعت أوصاله بالمدية، وقد التهمته النار، وعذبت روحه أكثر من جسمه.

    وهذا المارد قد قضي على ذهابه، والآلهة تصيح فرحًا وبحارة «رع» مرتاحة من أجل ذلك.

    إن «عين شمس منشرحة»؛ لأن عدو «آتوم» هزم، و«طيبة» مسرورة، و«عين شمس» مبتهجة أيضًا لذلك، و«سيدة الحياة»٢٩ مرحة؛ لأن عدد سيدها قد هزم، وآلهة «بابليون» في ابتهاج، وآلهة «ليتوبوليس»٣٠ يقبِّلون الأرض حينما يرونه، وإنه قوي في سلطانه، وأعظم الآلهة بطشًا، الواحد العادل (؟)، رب «طيبة»، باسمك يا من خلقت العدل أو الحق.

    يا رب الزاد، وثور الأرزاق باسمك هذا «ثور أمه».

    خالق جميع الناس الكائنين، وبارئ كل كائن، باسمك «آتوم خبر»، يأيها الصقر العظيم الذي يجعل الجسم مبتهجًا!٣١ الحسن الوجه، والمُدخل الفرح على الصدر، ذو الشكل اللطيف، والريش السامي … الصلان على جبهته.

    ومن تسكن قلوب الناس حوله، والذي أذن لبني الإنسان أن يخرجوا منه، ومن يسر الأرضين بطلعته.

    الحمد لك يا «آمون رع»، يا رب «الكرنك» الذي تحب مدينة إشراقه.

    أما الأناشيد الأخرى للإله «آمون» التي كُشف عنها حديثًا فهي:

(٢) أناشيد للإله «آمون رع»٣٢

«الحمد لك يا «آمون-رع-حور اختي».

الذي تكلم بفمه، ومن ثم خلق بني الإنسان، والآلهة، والماشية، والماعز جميعها، وكل ما يطير وما يحط.

أنت الذي خلقت الأمطار، وجزر البحر الأبيض المتوسط، وأهلها قاطنون في بلادهم، وكذلك جعلت المراعي خصبة بوساطة «نون»،٣٣ ثم آتت أكلها فيما بعد، وكذلك خلقت الأشياء الحسنة التي لا حد لتعدادها لتكون رزقًا للأحياء.

وإنك راعٍ شجاع ترعاهم إلى أبد الآبدين، وبذلك أصبحت الأجسام مملوءة بجمالك، والعيون تبصر بك، وسرى الخوف منك إلى كل الناس، وقلوبهم تتطلع إليك، وإنك طيب في كل زمان، وكل بني الإنسان يعيشون لمشاهدتهم إياك.

وكل إنسان يقول: إننا ملكك؛ يتساوى في ذلك الشجاع والجبان، والغني والفقير بصوت واحد، وهكذا يقول كل شيء، ورقتك في قلوبهم، وكل إنسان يرى جمالك.

ألم تقل الأرامل: «إنك لنا زوج»، والأطفال: «إنك لنا أب وأم»؟ والغني يتفاخر بجمالك، والفقير يتعبد إلى وجهك، والسجين يتطلع إليك، والذي أصابه المرض يناديك.

اسمك سيكون حاميًا لكل وحيد، وصحة وعافية لمن يسبح على المياه، منجيًّا إياه من التمساح، وهو ذكرى نافعة في وقت الشدة، منجيًّا إياه من فم الحمَّى، وكل إنسان يلتجئ إلى حضرتك ليتضرع إليك.

وأذناك مفتوحتان لتسمعا، وتعملا حسب رغبتهم (أي الناس)، يا إلهنا «بتاح» الذي يحب صناعته، والراعي الذي يحب رعيته. حقًّا إن جائزته هي أن يمنح القلب الذي يرتاح إلى الحق دفنًا طيبًا.

وغرامه أن يكون قمرًا في مستهله، يرقص له كل بني الإنسان، والمتكففون يجتمعون في حضرته، وسيكشف خبايا القلوب، والأشياء النامية تتحول شطره لتصير مزدهرة، والزئبق يفرح به.

وغرامه أن يكون ملك الآلهة في «إبت أسوت» (الكرنك)، ومحياه بهي (؟)، ومحراب ريح الشمال ملكه، والنيل تحت أصابعه يأتي من السماء كما أمر حتى يصل إلى الجبال، مقدام في قوته، ضار تحت خاتمه (سيطرته)، وبطشه سيوجه إلى الخبيث للقضاء على العصيان، والإنسان يشرب حسبما أمر، ويأكل الخبز على حسب رغبته الحسنة، والقلوب والأجسام في قبضته، ولا فرح بدونه، والسرور ملكه، والابتهاج لمن في حظوته.

وغرامه أن يكون «حور اختي» مضيئًا في أفق السماء، وكل إنسان منصرف إلى مديحه، والقلوب تبتهج به، وهو شفاء لكل العيون، وعلاج ناجع يظهر أثره في الحال، وهو مجمل منقطع القرين ساحق للمطر والعاصفة.٣٤
ألم تأتِ من حكم العالم السفلي يا «حور» الفتي، يا حامل الصولجان (؟). ألم تحمل فيك أمك «نوت» ليلًا، ووضعتك كثور صغير؟ لقد أضأت القطرين بعينيك،٣٥ والمحيط العظيم (الفرات؟) مفعم بجمالك؟

ألم تمضِ اليوم راعيًا لبني الإنسان إلى أن ارتحت في حياتك (غاب كالشمس؟)، دعنا نبتهج بك في الغرب حينما تسلمنا إلى الليل، تعال إلينا في حياة وثبات وقوة حتى تسمع شكايتنا.

إن أمك يا «آمون» هي الصدق، وهي ملكك الوحيدة الفريدة؛ أي الصدق، وأنها خرجت منك،٣٦ وثار ثائرها لتقضي على من يهاجمك، إن الصدق (ماعت) فريد يا «آمون» يعلو كل إنسان وجد.

من هذه النقطة نجد أن كل مقطوعة تبتدئ بصيغة تعجبية تُكرر غالبًا ثلاث مرات يتخللها نداء. ما أعظم ارتياحك! ما أعظم ارتياحك! يا «آمون» ما أعظم ارتياحك! لقد سرك أن تعمر القطرين، لقد نظمت عليه القوم، وثبت البلاد على حسب أمرك الصائب، إنك واحد راضٍ.

ما أعظم حرارتك!٣٧ ما أعظم حرارتك! يا «آمون»، ما أعظم حرارتك! إنك صبور، وبك تُخلق الحياة، والطيش بعيد عن جلالتك، وسيكون على الأرض وارثون، ما أطيبك! ما أطيبك! يا آمون ما أطيبك! إنك طيب لكل إنسان أنت أيها الراعي الذي يفهم الرحمة، والسامع لصياح كل من ينادي، ومن يستميل القلب، وجاعل نفس الحياة يأتي.

ما أجملك! إنك في سلام؛ لأني أتيت بكل بني الإنسان إلى الوجود، والدنيا هي جزيرتك الجميلة، والشر والعنف قد سقطا.

ما أجملك إلهًا! إن «آمون» هو «حور اختي»، مدهش سابح في السماء، حاكم على أسرار العالم السفلي، والآلهة يأتون أمام وجهك (؟)، ويتمدحون بالصور التي تقلبت فيها، فلتضئ من جديد على يد «نون»، وأنت خفي في صورة «خبري»،٣٨ وواصل إلى أبواب «نوت»،٣٩ وجميل في جسمك، وأشعتك تبشر بك في أعين الأقطار، وجزر البحر الأبيض المتوسط، وسكان العالم السفلي٤٠ يتعبدون حولك، والأحياء يخرُّون سجدًا عند إشراقك، وأهل الشمس يرقصون أمام وجهك.٤١

وعامة القوم وعِليتهم يمدحونك، والماعز والماشية تتطلع إليك، والأشياء الطائرة تنطلق عاليًا نحوك، وكل النباتات النامية تلتفت إليك لجمالك، ولا حياة لمن لا يراك.

ما أشجعك! ما أشجعك! يا إلهنا «رع» ما أشجعك! لقد حكمت العالم السفلي، ووهبت ساكنيه الحياة، واستجبت لشكايات المتعبين فيه.

ما أشجعك! ما أشجعك يا إلهنا يا «رع»! ما أشجعك بإشراقك في الصباح! أنرت المحيط، لقد أيقظت كل الأشياء التي أتت إلى الوجود، ولقد فتحت سبلها بوصفك راعيهم، ولقد بعثتها إلى الحياة مرة ثانية لأنك حاميهم.

ما أشجعك يا إلهنا يا «رع»! أنت يا رب السماء، وأنت أيها الراعي الذي يعرف كيف يكون راعيًا، أليست أذناك تميلان إلى قلوبهم؟ وإرشادك (؟) في كل جسم وبطشك متيقظ لكل سيئ النية، وليس هناك شيء تجهله على الأرض.

ما أقدسك في الغرب يا «رع»! يارب السلام، لقد فتحت أبواب «مسكت»٤٢ بينما أصبح «حور» منتصرًا، و«وننفر» (أوزير) مفعمًا بالفرح، وأرباب العالم السفلي في عيد، والأرض الصامتة في حبور بأشعتك الجميلة عالم الموتى.

ما أقدسك في الغرب! أنت يا من يغني الأبدية، والشكاوى تُجمع إليك؛ أنت يا قاضي الصدق، أنت يأيها الإله العظيم حاكم (البوابة)، يا من تميل إلى من يناديك، وعندما ينبثق فجر النهار يكون قد أفنى الأعداء الناهبين، فلا يجعل لهم وجودًا، وهو يأمر بأن يحكم الصدق في أرض الجبانة.

ما أقدسك في الغرب! أنت أيها الراعي الذي يعرف كيف يكون راعيًا، لقد وضعت السعادة على كل عين، وأعدت قاعاتهم السرية (؟)، وقد صارت قوتك حمايتهم، وأنت الذي عمله لا يخيب قط، وكل الناس الذين استولى عليهم الإغماء تعود إليهم الحياة ثانية عند شروقك.

ما أجمل شروقك في الأفق! فإننا نكون في حياة متجددة! لقد دخلنا في «نون»،٤٣ وتجدد الإنسان كما كان في الأول طفلًا، فالواحد يخلع، والآخر يلبس،٤٤ إنما نمجد جمال وجهك، ابحث عن الطريق، وأرشدنا إليه حتى نتمكن من حسبان كل يوم.
ما أجمل شروقك يا «رع»! إنك البارئ الذي يخلق السعادة، والملتفت إلى صوت كل من يصيح نجِّ أنت من … والراعي قد وضع أمامه إلى أن وصل إلى المعبد.٤٥
ما أجمل إشراقك يا «رع» يا ربي! يا من يعمل راعيًا في مراعيه، والإنسان يشرب من مائه، تأمل إنى أتنفس من الهواء الذي يمنحه، وهو مالك الحياة التي تذهب سويًّا مع حمايته (؟) إلى كل فرد يلتف حولك (؟).٤٦

ما أجمل شروقك يأيها الراعي العظيم! تعالي جميعًا، أيتها الماشية، تأملي إنك تمضين اليوم في المراعي تحت حراسته، وقد أبعد عنك كل أذى، إنه يغيب في سلام إلى أفقه، وأراضيكم …

ما أجمل إشراقك يا «رع»! إنك تجعل اللصوص يرتدون، وهاتان العينان تنظران وتبكيان (؟) … ليل نهار في الأراضي، والأرض الصامتة … صانع الجمال ألم تضئ، وبذلك تنبعث الحياة (؟) …

ما أجمل إشراقك يا «رع»! يأيها الراعي المحبوب! … والماعز، والماشية، والطيور تصيح له … مصر، ونوره الجميل يأتي إلى الوجود (؟).»

والظاهر أن معظم بقية هذه الورقة قد مُزق قصدًا أو اتفاقًا.

والواقع أن هذه الأناشيد في جملتها تشبه أناشيد ورقة «ليدن»؛ إذ نجد في هذه الورقة أن «آمون-رع» قد ذُكر باسمه الشائع هذا مرة واحدة، وإن كان هو الإله الوحيد الذي كان يقصد المؤلف تبجيله، والإشادة به، وقد ذُكر غير مرة باسم «آمون» فحسب، أو باسم «رع».

ولا غرابة في أن نراه يُذكر في بعض الأحيان في أنشودة «ليدن» باسم «حور اختي»، و«آتوم»؛ لأنه كان يمثل إله الشمس، ولكن الذي يلفت النظر هو أنه قد وصف في حالتين بأوصاف الإله «بتاح» بصفة قاطعة.

وهذه المميزات تظهر لنا ثانية في هذه الأناشيد؛ إذ نجد أن اسم «آمون رع» لم يُذكر إلا مرتين، على حين أن الاسم المركب «آمون-رع-آتوم-حور اختي» يظهر في سياق الكلام على أنه يدل على اسم واحد مسيطر؛ وقد سمى هذا الإله «بتاح» عندما نُعت بأنه الصانع العظيم، كما أنه ينعت بالنيل عندما يتخذ صفات الإله «حعبي» (أي النيل)، ولكن على الرغم من كل ذلك فإن أعظم مظهر له هو الشمس؛ إذ إنها إذا غابت انحلت قوى بني الإنسان وماتوا، وإذا أشرقت انتعشت كل المخلوقات. والواقع أن الحياة بدون الشمس المشرقة تصبح مستحيلة، وقد استمرت الصور الخرافية القديمة عن إله الشمس تُذكر في هذه الأنشودة، فهو يسبح في الماء في سفينة، ويرسل لهيبه على الثعبان «أبوبي» عدوه الأكبر الذي يعترض سيره في الماء، هذا إلى أن الإلهة «نوت» ربة الماء تحمل فيه ليلًا، وتلده كل صباح في شكل ثور صغير، ولكن إذا كان له جسم سماوي ظاهر نهارًا، فإنه في أثناء الليل يحكم في العالم السفلي، وهو كذلك يُعد كإله القمر، ويسر سرورًا خاصًّا في أن يظهر نفسه هلالًا، وربما كان ذلك إشارة للإله «خنسو» إله «طيبة» الذي كان يُعد ابن «آمون»، و«موت»، ومنهم جميعًا يتألف ثالوث «طيبة».

ونجد كذلك في هذه الأنشودة إشارة للإلهة «موت» المكملة للثالوث، فهي أم الإله المتلَون كالحرباء (أي المتعدد الصور)، وكذلك نجد في فقرة أن إلهة الصدق قد عدت أمًّا وأختًا له. وقد ذكرنا سابقًا أن الإلهة «نوت» إلهة السماء قد حملت فيه، وقد ذكرت معه عدة آلهة أخرى، غير أنها تلعب دورًا ثانويًّا، وقد جيء بذكرها هنا لتمجيد الإله الأعظم، وقد ذُكر «آمون رع» في هذه الأناشيد بوصفه إلهًا نافعًا، وقد اتصف بأنه «راعٍ طيب» مرارًا وتكرار، وأنه أقرب الأقرباء إلى بني البشر، والحيوان، والنباتات من مخلوقاته.

وهو الذي يحفظ كيان الحياة، ويمد الإنسان بأرزاقه؛ ولذلك تعبده الطبيعة كلها. وهو عدو قاسٍ للثائر والخبيث، وهو يمنح كل من يواليه الفرح والسرور، وهو قاضٍ مسيطر عادل، وأذناه مفتوحتان لتسمعا الشكايات.

على أن أكبر ظاهرة تسترعي النظر في هذه الأنشودة هي التأكيد الذي يظهره بأنه «رب الكون». ولا يغرب عن ذهن أي باحث أن يرى بشكل بارز كثرة ورود التعبيرات: «كل واحد»، و«كل إنسان»، و«كل بني الإنسان».

وكما أنه لا يفرق بين الفقر والغنى، فإنه كذلك يمد سلطانه على الأجانب خارج الحدود المصرية، وقد ذكر أهل البحر الأبيض المتوسط ثلاث مرات.

وأظن أن كل ما ذكرناه كافٍ لبيان أن فكرة الوحدانية قد عبر عنها في أناشيد «آمون رع» التي على ورقة «ليدن» بجانب فكرة تعدد الآلهة التقليدية في الديانة المصرية، وليس هناك تضارب ظاهر في التعبير عن هاتين الفكرتين في متن واحد.٤٧

ولا شك في أننا نشاهد في هذه الأناشيد تأثير فكرة التوحيد التي ظهرت في «تل العمارنة»، ومع أنها أُخمدت بكل شدة وعنف إلا أنها تركت أثرها في أذهان القوم بصفة جلية.

على أنه توجد أنشودة للإله «أوزير» من نفس ذلك العصر مخاطبة له بما يأتي:

أنت أب الناس وأمهم
وهم يعيشون من نفسك

وفي كل ذلك نجد روح العناية الإنسانية قد ظهرت مبكرة — كما ذكرنا فيما تقدم — منذ التعليم الاجتماعي في العهد الإقطاعي المصري، يضاف إلى ذلك أن تفضيل المستضعف على المستكبر والمتجبر، والأمر السائد، والمعرفة، وهي الامتيازات الملكية الإلهية، قد عثرنا عليها من قبل في المقالات الاجتماعية التي فاه بها أمثال «أبور»، و«خعخبر رع سنب»، و«نفرروهو»، وكذلك في الوثائق الحكومية، وبخاصة في الدستور الذي وضعه الفرعون للوزير في عهد الأسرة الثانية عشرة، وسار عليه الملوك فيما بعد. والحقيقة أن التعبير عن الإله بأنه هو الأب والأم لمخلوقاته يرجع إلى ما كان عليه الاعتقاد في مذهب «آتون».

ومع أن أمثال هذه الأناشيد لا تزال كذلك تحتفظ في ثناياها بالعقيدة العالمية، وبعدم الالتفات إلى حدود البلاد القومية، وبالنظرة الواسعة البعيدة المرمى، وهي الأشياء التي ذكرناها في تعاليم «إخناتون»، فإنها على الرغم من ذلك تكشف لنا عن ثقة شخصية تدل على طيبة الإله، وهي بذلك برهان هام على طموح الإنسان الشخصي في عون الله ورحمته، ومن ثم تكشف لنا عن بداية العصر الجديد للتدين الانفرادي الذاتي، وهو مناجاة الله مناجاة سامية خالصة تدل على الورع، والخوف منه، والتوسل إليه في كل ما يحيق بالإنسان من ضر.

والواقع أننا عندما ننعم النظر في العقائد البسيطة التي لا تتصل بالكهانة كثيرًا في خلال القرنين الثالث عشر والثاني عشر؛ أي في القرنين اللذين أعقبا عصر «إخناتون»، نجد أن ثقة المتعبد في عناية إله الشمس بكل المخلوقات حتى صغيرها قد تطورت إلى روح نقية خالصة، وشعور فياض من الاتصال بالذات الإلهية، وهو الذي ظهرت آثاره من قبل حينما قال «إخناتون» لإلهه: «وإلى الآن فإنك لا زلت في قلبي.»

وعلى ذلك نرى أن نفوذ مذهب «آتون» الباقي، وعقائد العدالة الاجتماعية التي تجلت في العهد الإقطاعي — عندما طالب الشعب بحقوقه — قد سمت وقتئذ بظهورها في أعمق تعبير مؤثر للروح الدينية الورعة التي لم يصل إليها قبل رجال مصر قط، يضاف إلى ذلك أنها على الرغم من تأصلها في تعاليم فئة قليلة محصورة، فإن تلك المعتقدات التي كانت ذات علاقة شخصية وثيقة بين العبد وربه قد صارت آنئذ بمرور القرون منهاجًا بطيئًا متدرِّجًا، منتشرة انتشارًا واسعًا بين الشعب، وكانت النتيجة انبثاق فجر عصر التعبد الانفرادي، والإلهام الباطني بين الله وعامة خلقه، وذلك يعني التحنف والتعبد لاستصلاح النفس والروح، وتحليتهما بالأخلاق الفاضلة عن طريق العبادة، والورع، والزهد، والتنسك، وهو ما يُعرف بالتصوف عندنا الآن.

ومما يؤسف له جد الأسف أن الوثائق التي في أيدينا عن هذا التنسك والتعبد لم نجدها حتى الآن إلا في مكان واحد وهو «طيبة»، ويمكننا أن نتعقب هذا المظهر الجديد من الديانة الحقة في تلك الجهة، ولا يخلو ذلك من فائدة؛ إذ أصبح في استطاعتنا معرفة مدى أرواح عامة الشعب الذين كانوا يملئون الطرقات والأسواق، والذين كانوا يحرثون الحقول، ويزرعونها، ونهضوا بكثير من الصناعات العالمية، وكذلك الذين كانوا يمسكون بدفاتر تدوين الحسابات، ودوَّنوا السجلات الرسمية، أو الذين كانوا يقطعون الأخشاب، ويمتحنون الماء، وغير ذلك.

وهؤلاء هم الرجال والنساء الذين وقع على كواهلهم عبء تلك الحياة المادية الشاق المنهك للقوى في حاضرة البلاد المترامية الأطراف، في خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر قبل الميلاد. فنجد مثلًا أن كاتبًا في إحدى مستودعات الخزانة في جبانة «طيبة» يدعو الإله «آمون» فيقول:

أما من جهة الذي يأتي إلى الصامت
والذي ينجي الفقير
ويعطي النفس كل إنسان يحبه
… … … … … … …
نجني واسطع عليَّ
لأنك تخلق قوَّتي
… … … … … … …
وأنت الإله الأحد لا إله غيرك
فأنت نفس «رع» الذي يشرق في السماء
و«آتوم» خالق البشر
… … … … … … …
الذي يسمع دعاء من يدعون
والذي ينجي الإنسان من المتكبر
والذي يجري النيل لأجل من هو منهم
والهادي لجميع الأنام
… … … … … … …
وعندما يشرق يعيش البشر
وقلوبهم تحيا عندما يرونه
والذي يمنح النفس ما في البيضة
والذي يجعل البشر والطيور تعيش
والذي يرزق الفيران بحاجاتها في أجحارها
والديدان والحشرات أيضًا.

ومن ذلك نفهم أن الإله الذي يوجه عنايته إلى كل شيء حتى المحافظة على العصافير، مثل «إله عيسى»، كان في استطاعة أهل «طيبة» أن يشكوا إليه مصائبهم وهمومهم في حياتهم اليومية؛ واثقين في شفقته وحنانه، وفيض رحمته.

على أن أهم هذه اللوحات التي يمثل فيها التعبد والتقرُّب إلى الله زلفى لإغاثة الملهوف عند اشتداد الكرب، لوحة محفوظة الآن في متحف برلين (Berlin No. 23077)، وقد عثر عليها في مجموعة معابد مصنوعة من اللبن أقيمت للإله «آمون»، وهذه المعابد قد أقيمت لعمال الجبانة الطيبية. ويحتمل أن معظم اللوحات التي من هذا القبيل قد جيء بها من هذه الجهة. وقد أهدى الرسام «نب رع» هذه اللوحة للإله «آمون»، وقد اشترك في الإهداء ابنه «خعي»، وذلك لشفاء «نخت آمون»، وهو ابن آخر ﻟ «نب رع»، وفيها نرى بوضوح كيفية نجاة نجل هذا الرسام العظيم من مرض ألمَّ به بفضل «آمون»، وشفقته العظيمة. وقد كان «آمون» يعد في نظر ذلك الرسام الإله الجليل الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب الفقير المعذب إذا استغاث به، ويمنح من قوس الدهر قناته النفس، وهو في هذا النقش يقصُّ علينا قصة طيبة الإله «آمون» ورحمته، فاستمع إليه. في أعلى اللوحة يشاهَد «آمون» على عرشه أمام بوابة عظيمة، وعليه النقش التالي:
«آمون» رب الكرنك
والإله الأعظم في «طيبة»
والإله السامي الذي يسمع الدعاء
والذي يأتي عند نداء القانع والمعتر
والذي يمنح البائس النفس.

ويشاهَد «نب رع» راكعًا أمام «آمون»، وفوقه النقش التالي:

تقديم المديح لآمون رب «الكرنك»
وهو الذي في «طيبة»:
الخشوع ﻟ «آمون المدينة» الإله العظيم
سيد هذا المحراب العظيم والعادل
ليجعل عيني ترى جماله
لأجل روح رسام «آمون» «نب رع» المنتصر.

وفي أسفل اللوحة المتن التالي:

تقديم المديح لآمون
سأضع له الأناشيد باسمه
وسأمدحه حتى عنان السماء
وعرض الأرض
وسأعلن قوته لمن ينحدر في النهر
ومن يسبح مصعدًا
فاحذروه أنتم
وأخبروا بذلك الابن والابنة
والكبير والصغير
وحدثوا عنه أجيالًا بعد أجيال
ومن لم يوجد بعد
وعرفوا به السمك في النهر
والطيور في السماء
وقدموه لمن لا يعرفه
واحذروه أنتم!
إنه «آمون» ربك الصامت
ومن يأتي عندما يناديه المعتر
وإني أناديك عندما أكون في ضنك
وإنك تأتي حتى تنجيني
وحتى تعطي النفس لمن أصابه البؤس
وحتى تخلصني أنا الذي في الأغلال
وإنك «آمون» رب طيبة
الذي ينجي حتى من في العالم السفلي
لأنك أنت الرحيم
فإذا ناديتك
فإنك أنت الذي تأتي من بعيد.

أقامها رسام آمون في «مكان الصدق» «نب رع» المرحوم ابن الرسام في مكان الصدق «باي» المرحوم باسم سيده «آمون»، رب طيبة الذي يأتي عند سماع صوت المتواضع.

لقد وضع الأناشيد باسمه
بسبب عظم قوته
وقدم التضرعات الخاشعة أمامه
أمام كل الأرض
لأجل الرسام «نخت آمون» المرحوم
الذي رقد مريضًا حتى الموت
والذي كان في قبضة سلطان «آمون» بسبب إثمه.

وقد وجدت أن رب الآلهة قد أتى مثل النسيم، والرياح الجميلة أمامه بغية أن يشفي «نخت آمون» رسام الإله «آمون» المرحوم ابن رسام «آمون» في مكان الصدق «نب رع» المرحوم، وهو الذي وضعته السيدة «بشد» المرحومة، فيقول:

على الرغم من أن الخادم كان ميالًا لفعل الشر
فإن الرب كان مهيأ ليكون رحيمًا
ولن يمضي رب «طيبة» يومًا كاملًا في حنق
إذ إن حنقه ينصرف في لحظة، ولا يبقى منه شيء
ويعود الهواء ثانية برحمته
ويعود «آمون» بهوائه
وبحياة روحك كن رحيمًا!
وليت ما قد أبعد لا يعود!
وعلى ذلك قال الرسام في «مكان الصدق» «نب رع» المرحوم:
سأقيم هذا التذكار باسمك
وأضع لك هذه الأنشودة مدونة عليه
لأنك شفيت لي الرسَّام «نخت آمون»
وهكذا قلت أنا، وقد أصغيت لي
فاعلم الآن أني أنفذ ما قد قلته
وأنك رب من يناديك
مرتاح في الصدق يا رب «طيبة».

وهكذا صار إله الشمس، أو «آمون» الذي يقوم مقامه؛ لأنه يسمى كذلك «آمون رع» ملاذ المحزونين، ويسمع الشكوى، ويجيب دعاء من يستغيث به، وهو الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وهو الذي يقبل صلاة المصلين، ويمد يده إلى الفقير والمعتر، ويشفي المريض، ويعفو عن المذنب.

والواقع أن العدالة الاجتماعية التي أنتجتها الثورة الاجتماعية في العهد الإقطاعي كانت آنئذ حقًّا يدافع عنه كل فقير أمام الإله الذي صار هو نفسه قاضيًا عادلًا لا يقبل رشوة، رافعًا من شأن الحقير، وحاميًا الفقير، غير باسط يده للغني.

ولدينا نص يحدثنا عن ذلك فاستمع لما جاء فيه:٤٨ «يا «آمون»، أعِر أذنك فردًا واقفًا وحده في المحكمة (خصمه) غني، والمحكمة تظلمه بالفضة والذهب إلى كاتب الحساب، والملابس إلى الحجاب (هذه هي الرشوة التي يطلبونها)، غير أنه عرف أن «آمون» يحول نفسه إلى وزير — وكان يعد القاضي الأعلى — ليجعل الرجل الفقير ينتصر، وقد وجد أن الرجل الفقير قد أُنصف، وأن هذا الفقير قد تفوق على الغني. أنت يأيها النوتي الذي يعرف الماء! «آمون» يأيها المجداف المحرِّك … الذي يعطي الخير من ليس عنده، وكذلك يغذي خادم بيته، إني لا أتخذ عظيمًا ليحميني في كل … إني أعرف واحدًا قويًّا، وإنه لخادم قوي الساعد، وهو وحده القوي، أنت يا «آمون» الذي يعرف الخير (؟) أنت … من يناديه «آمون»، يا ملك الآلهة، أنت أيها الثور القوي الساعد، ومحب القوة.»

ومن هذا النص نفهم أن كلًّا من الغني والفقير يحيق بهما غضب الإله على السواء إذا وقعت منهما خطيئة.

وكذلك نجد أن اليمين الذي يصدر استخفافًا أو كذبًا يجلب غضب الإله؛ إذ يصيب الحانث المرض، أو العمى، وذلك لا يمكن النجاة منه إلا إذا أتبع الإنسان ذلك بالتوبة والندم، ثم التجأ إلى التذلل والخضوع؛ ليحوز عطف إلهه.

ولدينا الأمثلة الكثيرة على ذلك، ففي «المتحف البريطاني» لوحة لشخص يُدعى «نفرابو»، قدمها للإله «بتاح»، جاء على أحد وجهيها ما يأتي:٤٩
إهداء الحمد ﻟ «بتاح» رب الصدق، وملك الشاطئين
جميل الوجه الذي على عرشه العظيم، والإله الواحد بين التاسوع، والمحبوب بوصفه ملك الأرضين
ليته يمنح الحياة، والفلاح، والصحة، والذكاء، والحظوة، والحب
وليت عيني ترى «آمون» كل يوم (يقصد الشمس)
كما يعمل لرجل عادل
يضع «آمون» في قلبه
وبذلك يكون الخادم في «بيت الصدق» «نفرابو» منتصرًا.

وعلى ظهر نفس اللوحة نقرأ: هنا يبتدئ الاعتراف بقوة «بتاح» القاطن جنوبي جداره من الخادم في «بيت الصدق» في غربي «طيبة»، المسمى «نفرابو» المرحوم، فيقول:

إني رجل قد حلف كذبًا بالإله «بتاح»، رب الصدق
ولذلك جعلني أرى ظلامًا خلال النهار
وإني سأعلن قوته لمن لا يعرفه، ولمن يعرفه
واحذروا «بتاح» رب الصدق
فإنه لن يترك جانبًا موتى أي رجل
فأعرضوا عن النطق باسم «بتاح» كذبًا
تأمل، فإن من ينطق به بهتانًا
يسقط في الهاوية
فقد جعلني مثل كلاب الشارع
وقد كنت في قبضته
وقد جعل الناس والآلهة ينبذونني
بوصفي رجلًا قد أذنب في حق سيده
وقد كان «بتاح» رب الصدق عادلًا معي
وعندما عاقبني.
فكن رحيمًا بي، وانظر إلي لترحمني!
ومن هذا نجد لأول مرة أن الوعي قد تحرَّر تمامًا؛ لأن المخطئ يعتذر عن جهله، وارتكابه للإثم، ويدل على ذلك — فضلًا عما ذكرنا — أنشودة استغفار للإله «رع»؛٥٠ إذ يقول المذنب: «أنت أيها الواحد الأحد، لا أحد غيره، يا حامي آلاف الآلاف، ومخلص من يناديه، يا رب عين شمس لا تعاقبني من أجل ذنوبي الكثيرة، إنني شخص لا يعرف نفسه (؟)، وإنني رجل لا عقل له؛ إذ أتبع فمي طول اليوم كالثور الذي تبع علفه …»

ومما تجدر ملاحظته هنا على الفور المقابلة الظاهرة بين ذلك الاعتراف، وما جاء في «كتاب الموتى» الذي لا يعترف فيه الروح بأي خطيئة، بل يدعي البراءة التامة من كل الآثام الإنسانية، ولكن هذا الموقف الذي يعترف فيه الإنسان بخطيئته مع التذلل والخضوع والمسكنة لأكبر دليل على وجود اتصال بين العبد وربه آناء الليل وأطراف النهار.

وكما أننا نجد العبري التقي يحب بيت المقدس، والمسلم الورع يتجه بقلبه إلى الكعبة بمكة، كذلك كان المصري القديم يولي وجهه شطر مدينة عين شمس العظيمة التي نشأ منها مذهب آبائه منذ أقدم العهود، فاستمع لأحد الأفراد، وهو يقدم صلاته للإله «رع»، موليًّا وجهه شطر عين شمس إذ يقول:

تعالَ إلي يا «رع حور اختي» لترشدني، إنك أنت الفعال، وليس أحد سواك يفعل شيئًا، إنك أنت فحسب الذي يفعل كل شيء.

تعالَ إلي يا «آتوم» … إنك أنت الإله السامي، وإن قلبي يتطلع نحو عين شمس، ونفسي سعيدة ولبي منشرح.

إن التماساتي تسمع، وكذلك تضرعاتي اليومية (لديك)، وإن صلواتي بالليل، وأدعيتي التي لا ينفك فمي يرددها تسمع اليوم.٥١

فنجد في تلك الأناشيد القديمة التي كانت في الواقع تتألف من أوصاف ظاهرة، ومقتبسات من الأساطير، ومن إشارات إلى حوادث خرافية عتيقة، وكلها أمور خارجية بالنسبة لحياة المتعبد، إنه كان في مقدور كل إنسان أن يؤدي نفس الصلاة، غير أن هذه الصلاة صارت وقتئذ بمثابة محاسبة باطنية، أي إنها كانت تعبيرًا يقصد به الاتصال المباشر الذاتي بين العبد وربه، وهذا الاتصال هو الذي يرى فيه العبد أن ربه واحد يغذي روحه، كما يغذي الراعي قطعانه، فنجد مثلًا لذلك فيما يأتي:

يا «آمون»، أنت يا مخرج القطعان في الصباح
ومرشد المتألم إلى المرعى
وكما يقود الراعي القطعان إلى المرعى تفعل فأنت كذلك
يا «آمون»، أرشد المتألم إلى الطعام؛ لأن «آمون رع»
يرعى من يتكل عليه
يا «آمون رع»، إني أحبك، وقد ملأت قلبي بك
وستنجني من أفواه الناس في اليوم الذي سيفترون فيه عليَّ الكذب
لأن رب الحق يعيش في الحق
وإني لن أستسلم للخوف الذي في قلبي
لأن ما قاله «آمون» فيه فلاح.
١  راجع كتاب الأدب جزء ٢ ص١٤٩.
٢  راجع كتاب الأدب المصري القديم جزء ٢ ص٩٩، ١٢٧ إلخ. الأناشيد التي ذكرت بعد عهد «إخناتون»، وتأثير ديانته فيها.
٣  الشمس زوج إلهة السماء، وفي الوقت نفسه ابنها بوصفه شمس اليوم التالي، وهو كثور يسيطر على الحقل؛ حيث يوجد المرعى، وعلى ذلك فهو يسيطر كذلك على السماء كأكبر جسم فيها.
٤  «المازوي»: أقوام من بلاد النوبة، أما «بنت»، فهي بلد الروائح العطرية.
٥  أي الزعيم، وبطل الآلهة الكبيرة.
٦  «بتاح» إله الحرف قد منح «آمون» صورته، ولذلك يسمى «بتاح جميل الوجه».
٧  أي الرجال والنجوم.
٨  تنصرف الإشارة هنا إلى الملك الراحل بوصفه إله الشمس «رع» يغيب في الغرب، ويحيا ثانية في الشرق.
٩  «البيت العظيم»: اسم محراب يرجع تاريخه إلى عصر ما قبل التاريخ خاص بالوجه القبلي، ومكانه «هيراكنوبوليس» (الكاب الحالية)، أما «بيت النار» فهو كذلك اسم محراب الوجه البحري، ومكانه «بوتو» أي «أبطو» الحالية القريبة من «دسوق»، ويحتمل أن هذه الجملة تشير إلى ملك، وقد استولى على البلدين بعد أن انتصر على أعدائه (راجع Les Hymnes, Religieux du Moyen Empire p. 166).
١٠  إن الإله «مين» الذي يقع محرابه في «قفط» التي تخرج منها الطرق المؤدية إلى أصقاع الصحراء الشرقية كان يعتبر حامي هذه الطرق، فكان هو الذي يجلب العطور.
١١  الذي يشاهد مدلى من حزام الملك، وما يليه يصف تاج الإله مزينًا بالقرون، والريش، والتيجان، والثعابين.
١٢  عين الشمس كأنها إلهة الحرب.
١٣  ثعبان (نيك) صورة من الثعبان «أبوبي» الذي يشرب المحيط السماوي؛ حتى لا تستطيع سفينة الشمس أن تسبح عليه.
١٤  «خبر» هو الشمس في الصباح.
١٥  هي الفكرة التي تكررت بوضوح في نشيد العمارنة حتى البرابرة هم أبناء الإله الذي يعولهم.
١٦  يقصد هنا تورية؛ لأن «آمون» يمكن أن تؤدي معنى «الواحد الحق».
١٧  هنا وفي المقطوعة التي تليها يظهر أن التعبير «تصبح متباطئة» يقصد به معنى حسنًا.
١٨  أي للآلهة التي تسكن هناك.
١٩  على حسب الأسطورة: خُلقت الناس من دموع إله الشمس والإلهان «شو» و«تفنوت» من عظمته وتفلته.
٢٠  هو راعٍ حتى في الليل يبحث عن مكان فيه أكل لماشيته التي لا بد أن تكون للإله لأجل أن يخلق تلك الأشياء الكثيرة للناس.
٢١  في جهة أخرى هذه هي صيغة «بتاح» إله الخلق.
٢٢  «خور» و«ست».
٢٣  وهذا هو مبدأ حياته.
٢٤  ما يتبعه ينطبق عليه، راعي الصحراء الشرقية، والبلاد التي تؤدي إليها طرقها.
٢٥  المعنى غامض.
٢٦  القردة التي تحيي الشمس عند شروقها، وكذلك عند غروبها.
٢٧  سفينتا إله الشمس، أما «نون» فهو المحيط الأزلي.
٢٨  الثعبان «أبوبي» عدو الشمس.
٢٩  ثعبان الشمس.
٣٠  مدينتان قريبتان من القاهرة الحديثة (مصر عتيقة، وأوسيم).
٣١  أشعته تدفئ الجسم.
٣٢  راجع كتاب الأدب المصري القديم جزء ٢ ص١٣٦.
٣٣  يعني النيل هنا.
٣٤  يظهر من هذه الكلمات الأخيرة أن «شفاء» و«علاج» و«مجمل» مستعملة هنا مجازًا، وأن الإشارة الحقيقية هنا هي لإله الشمس بوصفه متغلبًا على الجو الرديء.
٣٥  الشمس والقمر: فالعين اليمنى هي النهار، واليسرى هي الليل.
٣٦  لقد جعل المؤلف هنا الصدق أم الإله وابنته.
٣٧  المقصود هنا الحرارة الطبيعية التي تسبب الخصب والنماء؛ لأنه هنا يعتبر إله الشمس.
٣٨  اسم للشمس في الصباح.
٣٩  السماء.
٤٠  المتوفون.
٤١  يقصد هنا الماء الذي يحيط بالعلم أي «نون».
٤٢  إقليم في السماء ربما كان الأفق.
٤٣  الظاهر أن الفكرة في ذلك هي أن مصير الإنسان يتبع إله الشمس الذي يدخل في نون (محيط العالم السفلي) ليلًا، ثم يولد ثانية طفلًا ممتلئًا حياة في الصباح.
٤٤  أي إن الرجل المسن يلقي به في عالم الآخرة والصغير يلبس ليكون في الحياة الدنيا.
٤٥  المعنى غامض.
٤٦  المعنى غامض.
٤٧  وهذا يطابق ما نشاهده عند عامة الشعب المصري الجاهل، فإنهم يعتقدون بوحدانية الله، ولكنهم في آن واحد يتوسلون إلى أولياء الله معتقدين أنهم ينفعونهم، أو يضرونهم.
٤٨  راجع: Pap. Anastasi. II, 8, 5. ff..
٤٩  راجع: (J. F. A. Vol. III, p. 88).
٥٠  راجع: Pap. Anastasi IV, 10, 5 ff..
٥١  راجع: Pap Anastasi II, 10. 1 ff..

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١