الفن

أما صناعة نحت التماثيل وصقلها فإنها كانت تتضاءل أمام فن الرسم، ولكن كان يوجد بلا شك في هذه الفترة بجانب صناعة التماثيل الهائلة عدد عظيم من التماثيل بالحجم الطبعي للفرعون والآلهة على السواء قد أبدع في إخراجها، ونخص بالذكر منها تمثال «رعمسيس الثاني» الجالس، وهو محفوظ الآن بمتحف «تورين»، وقد استطاع المفتن أن يصور في محياه الأريحية والجلال الممتاز، والنشاط بدرجة عظيمة من الإتقان والدقة، ولكن مع ذلك لا نجد التمثيل الصادق الذي كان يطبعه المثال في محيا ملوك الأسرة الثانية عشرة من ألم وحزن، وتقدم في السن، وشباب غض، وغير ذلك من الملامح التي كان ينفرد بها مثالو الدولة الوسطى، يضاف إلى ذلك أن مثالي عصر «رعمسيس» لم يصلوا في تعبيراتهم إلى تصوير تلك السحنة التي يمكن للإنسان أن يرى من خلفها روح الحاكم التي كانت تميز تماثيل «إخناتون»، وغيرها من صور هذا العهد الذي امتاز بصدق التعبير، ومحاكاة الطبيعة.

(١) نظام العمل، والعمال المفتنون

وقد أتحفنا «رعمسيس» نفسه بلوحة مؤرخة بالسنة الثامنة من حكمه عثر عليها في منشية الصدر (راجع Hamada A. S. XXXVIII, p. 217. ff.) تحدثنا عن الأعمال المختلفة التي كانت تجري في الأحجار المتنوعة، وعن شغف «رعمسيس» العظيم بالحصول على محاجر جديدة تساعده على إقامة آثار باضطراد متزايد، كما تخبرنا عن الهدايا التي كان يوزعها على مهرة عماله وصناعه. ومن جهة أخرى تظهر لنا شغف العمال بإنتاج أعمال غاية في الإتقان، ثم تتحدث لنا النقوش كذلك عن الأوضاع المختلفة التي كانت تمثل فيها تماثيل العصر، وعن المعابد التي كانت تهدى إليها هذه التماثيل، ثم تنتقل النقوش إلى الكلام عن أنواع الأطعمة المختلفة التي كانت تقدم للعمال في المحاجر؛ وفضلًا عن كل ذلك تكشف لنا هذه اللوحة عن مقدار القوة والسلطان، والثروة التي كان يتمتع بها «رعمسيس»؛ فكان في مقدوره أن يصدر الأوامر لآلاف من العمال بنحت تماثيل له، وليس له غرض من هذا إلا إشباع رغباته، وصلفه، وحب العظمة الذي كان يطغى على كل مشاعره لدرجة أنه ألَّه نفسه، وعبد صورته، ويمكن أن يدل إغفال ذكر أسماء المفتنين الذين كانوا يعملون للفرعون على تفسير الفكرة السائدة وقتئذ، وهي أنه لا يوجد فرد في الأمة صاحب مكانة أو قدر إلا الفرعون الذي كان يمثل نظام «ماعت» في الأرض، وهو النظام الذي وصفه والده «رع» أول ملك حكم على الأرض، وقد بني على العدل، والحق، والصدق، وأداء الواجب.
هذا مغزى ما جاء في هذه اللوحة، وتدل شواهد الأحوال على أنه من المحتمل جدًّا أن هذا هو الدافع الحقيقي إلى عدم ذكر أسماء المفتنين، غير أنَّا وجدنا هذه الظاهرة سائدة في كل عصور التاريخ المصري، اللهم إلا شواذ قليلة نجد الكثير منها في عهد «إخناتون»، ولما كان هذا المتن يكشف لنا عن حقائق ممتعة عن العمل والعمال والفن، فضلًا عن أطماع «رعمسيس»، فإنا سنورده هنا، فاستمع لما جاء فيه:

السنة الثامنة، الشهر الثاني من فصل الشتاء، اليوم الثامن من حكم ملك الوجه القبلي والوجه البحري «وسر ماعت رع ستبن رع بن رع رعمسيس محبوب آمون»، في هذا اليوم عندما كان جلالته في «هليوبوليس» يقوم بأداء الأحفال لوالده «حور اختي»، وللإله «آتوم» رب «هليوبوليس»، وحينما كان جلالته يسير في صحراء «هليوبوليس» جنوبًا من معبد «رع»، وشمالًا من معبد التاسوع، وأمام معبد «حتحور» سيدة الجبل الأحمر؛ إذ ذاك عثر جلالته على قطعة حجر ضخمة في محاجر «بيا» لم يوجد مثيلها منذ زمن رع، وكان ارتفاعها أعظم من ارتفاع مسلة من الجرانيت الأحمر، وقد كان الكاشف لها هو جلالته نفسه عندما كانت تسطع مثل أفقه، وعندئذ سلمها جلالته لنخبة رجال مهرة في السنة الثامنة، الشهر الثالث من فصل الصيف، اليوم الواحد والعشرين. وفي السنة التاسعة، الشهر الثالث من فصل الصيف، اليوم الثامن عشر — أي مدة سنة — قد تم تمثال عظيم ﻟ «رعمسيس محبوب آمون»؛ وبذلك أصبح الإله في عالم الوجود لأجله، وعلى ذلك كافأ جلالته المشرف على العمال هذا، والصناع الشجعان الذين كانوا يصنعونه بكثير من الفضة والذهب، وبالعطف الملكي، ولما كان جلالته يحميهم دائمًا فإنهم كانوا يعملون لجلالته — أي ملك الوجه القبلي والوجه البحري رب الأرضين «رعمسيس محبوب آمون» — بقلوب مُحبة، وعندما وجد جلالته بجواره (أي الحجر) محجرًا آخر (صالحًا) لعمل تماثيل من حجر «بيا» الذي يفوق شجرة الصنوبر (في متانته)، فإنه أهداه لمعبد «بتاح»، وقد أطلق عليهم اسم جلالته العظيم أي «رعمسيس محبوب آمون» بن «بتاح»، وقد أهدى بعض تماثيل أخرى منه لمعبد «آمون رعمسيس مري آمون»، ولمعبد «رعمسيس مري آمون»، في مدينة «بررعمسيس». وقد ملأت معبد «رع» بتماثيل «بو الهول» عديدة، وبالتماثيل التي نُحتت في وضع تقدم فيه الزيت، ومقربة طبقًا فيه طعام.

وهذا ما يقوله «وسر ماعت رع ستبن رع رعمسيس مري آمون»: أنتم يأيها العمال الشجعان المهرة الذين يقطعون لي آثارًا بكل كمية؛ وأنتم يا من يعشقون العمل في الحجر الثمين الممتاز، ويا من يتعمقون في شغل الجرانيت الأحمر، والمتمرنين على حجر «بيا»، ومن هم أصحاب شجاعة وقوة في صنع الآثار لأملأ بها كل معابدي التي أبنيها مدة حياتهم، أنتم يأيها الرجال الطيبون، يا من لا يعرفون التعب، ويا حراس العمل طول الوقت، ويا من ينفذون تمامًا وبإتقان واجباتهم، وأنتم يا من يقولون إننا نعمل بعد التروي للذهاب لهذه الخدمات في الجبال المقدسة، لقد سمع ما يقوله بعضكم لبعض، وإن فيكم لبركة؛ لأن الأخلاق تظهر على حسب الكلام، وإني «رعمسيس مري آمون» الذي ينشئ الشباب بإطعامهم، والأغذية وفيرة أمامكم، وليس بينكم من يرغب فيها بشدة، والطعام غزير حولكم، ولقد كفيت حوائجكم من كل وجه صحيح حتى تعملوا لي بقلوب محبة، وإني دائمًا المحافظ على حوائجكم، وإن المؤن قد أصبحت لديكم أثقل من العمل نفسه؛ لأجل أن تتغذوا وتصبحوا عمالًا صالحين للعمل؛ لأنى أعرف تمامًا وجيدًا عملكم الذي يمكن أن ينشرح له كل من يعمل فيه عندما يكون البطن مملوءًا، فالمخازن مكدسة بالغلال لكم حتى لا يمر عليكم يوم تحتاجون فيه للطعام، وكل واحد منكم عليه عمل شهر، ولقد ملأت لكم المخازن من كل شيء من خبز، ولحم، وفطائر، ونعال، وملابس، وعطور لتعطير رءوسكم كل أسبوع (الأسبوع عشرة أيام)، ولأجل كسائكم كل سنة، ولأجل أن تكون أخمص أقدامكم صلبة دائمًا، وليس من بينكم من يمضي الليل يئن من الفقر، ولقد عينت خلقًا كثيرًا ليموِّنوكم من الجوع، وكذلك سماكين ليحضروا لكم سمكًا وآخرين بمثابة بستانيين لينبتوا لكم الكروم، وصنعت أواني واسعة على عجلة صانع الفخار، مسويًا بذلك أوعية لتبريد الماء لكم في فصل الصيف، والوجه القبلي يحمل لكم حبًّا للوجه البحري، والوجه البحري يحمل للوجه القبلي حبًّا وقمحًا وملحًا وفولًا بكميات وفيرة، ولقد قمت بعمل كل هذا لأجل أن تسعدوا وأنتم تعملون لي بقلب واحد. وعندما ذهبت إلى «إلفنتين» انتخبت جبلًا طيبًا لأجل أن أسلم لكم العمل في محجره، ثم أمرتكم أن تعملوا في المحجر الذي يحمل اسمي، ويسمى محجر «رعمسيس مري آمون المحبوب مثل رع»، وقد عثرت لكم على محجر بجواره فيه جرانيت أسود يصلح لعمل تماثيل كبيرة منه، وتيجانها المزدوجة تكون من حجر «بيا»، وهو الذي يسمى محجر «رعمسيس مري آمون حاكم الأرضين»، وعثرت لكم على محجر آخر يحتوي على … لونه مثل الفضة النظيفة، ويسمى محجر «رعمسيس الثاني مري آمون المحبوب مثل بتاح»؛ أي ملك الوجه القبلي والوجه البحري «وسر ماعت رع ستبن رع رعمسيس مري آمون معطي الحياة».
تعليق: ولسنا في حاجة إلى التعليق على ما جاء في هذا النص عن نشاط «رعمسيس» في إقامة التماثيل، والمعابد، ومعاملته لطبقة العمال الذين يعملون لحسابه، ولن نكون مبالغين إذا قلنا إن هذه المعاملة هي التي تصبو إليها نفوس عمال أرقى دول العالم؛ إذ هي في الواقع معاملة نموذجية، فالغذاء والكساء، والتشجيع الأدبي، والراحة بالتناوب كانت كلها متوفرة بدرجة لا يكاد الإنسان أن يصدق وجودها في تلك الأزمان العتيقة، ولا غرابة إذن في أن نجد الإنتاج في عصر «رعمسيس الثاني» قد ضرب الرقم القياسي في كل عصور التاريخ المصري القديم، ويرجع الفضل في ذلك إلى توفير كل أسباب السعادة لطبقة العمال الذين كانوا يعملون له بقلوب مفعمة بالحب والإخلاص العميق، وقد كان كلما بالغ «رعمسيس» في راحتهم والسهر على مصالحهم؛ ازداد إنتاجهم؛ مما شجع الفرعون من جهة أخرى على البحث لهم عن محاجر جديدة في طول البلاد وعرضها ليصنعوا له ولآلهته التماثيل، ويقيموا لهم من المعابد ما يجلب رضاهم، ويرفع من شأن الفرعون نفسه. وإذا صدقنا كل ما جاء في هذه اللوحة من حسن معاملة العمال، فإن ما ينسبه الخلف من سخرة وظلم للفراعنة يصبح لا أساس له من الصحة.

ويدل ما لدينا من الآثار على أن «رعمسيس الثاني» لم يكن يستخدم في نحت تماثيله عمالًا مصريين وحسب، بل لدينا من مظاهر الفن نفسه، وما حدث فيه من تغيير ما يدل على أنه استخدم مفتنين أجانب من البلاد الأجنبية التي جاء منها الآلهة العديدون الذين نشاهد «رعمسيس الثاني» يتعبد إليهم في عاصمة ملكه الدينية «تانيس»؛ ولذلك سنتكلم هنا عن تأثير الفن الأسيوي في نحت تماثيله، وقرنه بالفن المصري الأصيل.

(٢) تماثيل «رعمسيس الثاني»، وتأثير الفن الأسيوي فيها

تدل البحوث التي قام بها الأثريون، ورجال الفن على أن تماثيل «رعمسيس الثاني» كانت لها ميزات خاصة من حيث الضخامة والصناعة، وأنها كانت تتشكل حسب البيئة التي تحيط بها، وبخاصة تماثيله العديدة التي أقامها في مدينة «تانيس» المقدسة القريبة من حدود مصر من جهة الشمال؛ إذ نجد في تصويرها ونحتها أثرًا أجنبيًّا ناطقًا، والظاهر أن الطابع الفني الأجنبي الذي طُبعت به هذه التماثيل كان قاصرًا على عهد «رعمسيس»، وبموته اختفى هذا الطابع الخاص، وعادت صناعة التماثيل إلى ما كانت عليه من قبل.

والواقع أن أول من درس تماثيل «تانيس»، وفهم ميزاتها الخاصة هو الأثري «مسبرو» (راجع G. Maspero Essai Sur. L’art Egyptinne Paris. 1912 p. 11–15; Egypte dans Ars Una. P. IX, 201.). ومنذ عهد «مسبرو» توالت الحفائر في هذه البلدة المقدسة، وقد جاءت كلها معززة وجود تأثير أجنبي، وأنها كانت مركزًا دينيًّا هامًّا منذ عهد الدولة القديمة (راجع Montet Nouvelles Fouilles de. Tanis (1929–32) Paris 1933)؛ حيث وجدت بقايا معبد قديم (p. 164-5.) فيه آثار لكل من «خوفو»، و«خفرع»، و«بيبي الأول»، و«بيبي الثاني» من الجرانيت، ولكن لما نقل «رعمسيس الثاني» مقر حكمه إلى «بررعمسيس» اتخذ «تانيس» عاصمته الدينية في الدلتا، وعني بأمرها كل العناية، وبخاصة أنها كانت مقر عبادة «ست» الذي تُنسب إليه أسرة «رعمسيس»، وقد قطع لتماثيله الضخمة أحجارًا من محاجر الكوم الأحمر مقر عبادة الإلهة «حتحور»، كما ذكرنا من قبل، ولم يكن ذلك بالأمر الصعب عليه، كما لو كان قد قطعها من أسوان، ومن المحتمل أن «رعمسيس الثاني» كان يقصد من إقامة تماثيل له ولآلهته في هذه الجهة أن يقلد ملوك الشرق الذين كانوا لا يعقدون معاهدة إلا إذا أشهدوا عليها كل الآلهة المعروفة وغير المعروفة؛ ولذلك أراد «رعمسيس» أن يقيم في عاصمته الدينية عددًا عظيمًا من الآلهة الحامين له هناك مثل: «آتوم»، و«بتاح»، و«برع»، و«آمون»، و«وازيت»، و«عنتا»، وغيرهم.

وقد كتب على هذه التماثيل الألقاب العادية التي كان يلقب بها كل إله، فكان الإله «آتوم» يلقب مثلًا «سيد الأرضين» في «هليوبوليس»، على أن ذلك لا يعني أن هذا الأثر قد انتزع من «هليوبوليس»، ووضع في «تانيس» بل عمل محليًّا.

وسنحاول هنا أن ندرس بعض مميزات تماثيل «رعمسيس الثاني»، وبخاصة تماثيله في بلدة «تانيس» حتى يمكننا أن نصل إلى التأثير الأجنبي الذي لوحظ فيها، والواقع أن «رعمسيس الثاني» قد ترك لنا تماثيل عدة في هذه المدينة كشف منها حتى الآن ما يربى على ثلاثة وعشرين تمثالًا، وهذه التماثيل قد وجدت في ثلاث جهات من المدينة القديمة: (١) البوابة الضخمة. (٢) في داخل المعبد الكبير. (٣) وفي معبد الإلهة «عنتا»، وسنتحدث عنها فيما يلي، ثم نقرنها بتماثيله الأخرى.

(٢-١) التماثيل التي وجدت جهة البوابة

تدل الكشوف الأثرية على أن كل التماثيل التي أقيمت في هذه الجهة قد أتي بها من جهات أخرى من المدينة؛ فنجد أن بعضها قد جاء بها الفرعون «شيشاق» الذي أقام البوابة إلى هذا المكان لتكسيرها، وللاستفادة منها، فمن ذلك التمثال الضخم المصنوع من الجرانيت الذي كان يبلغ ارتفاعه أكثر من عشرين مترًا، ولم يبقَ منه إلا بعض قطع صغيرة (راجع Petrie Tanis I, pl. 14 No. 4. p. 22; Les Nouvelles Fouilles de. Tanis Pl. 47 & p1. 17, 2.). ولم يبقَ من القطع التي عليها نقوش من هذا التمثال إلا قطعتان نقرأ عليها اسمي الإلهين اللذين يحبان الفرعون، وهما «آمون رع» ملك الآلهة، والذي في قلب «منف»؛ و«بتاح» رب العدالة، وصاحب الوجه الجميل في «عنخ تاوي»، وهذان الإلهان من آلهة «منف»، ووجودهما هنا يعزز نظرية «دارسي» القائلة بأن «تانيس» لم تلعب قط دورًا هامًّا، ولكن مما لا شك فيه أن آلهة «رعمسيس» كانوا قد ذُكروا بحروف أضخم على أجزاء أخرى من التمثال (راجع A. S. (1917) p. 164 ff.) لم تصل إلينا.
وفي هذه البقعة كذلك وجد تمثالان ضخمان من الجرانيت الوردي طول الواحد منهما حوالي سبعة أمتار، وقد نُقلا ونُصبا أمام البوابة، وقد هُشما طبعًا (راجع Les. Nouvelles Fouilles de Tanis p. 56-7 & pl. 22-23.)، ومع ذلك بقي الجزء الأعظم منهما في مكانه، ولم يوجد مستعملًا منهما إلا قطعة بمثابة عتب باب، وهذان التمثالان يمثلان الفرعون واقفًا مستندًا بظهره على عمود عريض لابسًا تاج الوجه البحري، وفي يده اليمنى أسطوانة، وكذلك وجد في هذا المكان ثالوث من الجرانيت يمثل «رعمسيس الثاني» واقفًا بين الإله «حور اختي»، والإله «بتاح» (راجع Ibid. p. 58-9, pl. 24, 25. No. 5). ومن الجائز أن هذه المجموعة كانت في مكانها الأصلي، وكذلك ثالوث آخر وجد منه رأسان واحد للملك، والآخر للإله «خبري» (راجع Ibid. p. 59 pl. 25 No. 3-4)، ولكن من المؤكد أن الملك «شيشاق» كان يقصد تكسيرها، والاستفادة منها على حسب الحاجة، هذا إلى ثالوث آخر قد وجد منه «بتري» رأسًا (راجع Petrie Ibid. I, pl. 14. No. 2). وفي الجهة الغربية على مسافة من البوابة وجد تمثالان من الحجر الرملي الملون، ويبلغ طول أحدهما على أقل تقدير نحو ثمانية أمتار؛ (Nouvelle Fouilles Ibid. p. 55. pl. 19.)، أما التمثال الثاني الذي كان في الجهة الشمالية فمن الجرانيت، وكان أقل بكثير من الأول في ارتفاعه، وقد كتب على كليهما اسم الإله «آتوم سيد الأرضين» في «هليوبوليس»، و«حور اختي» محبوب «رعمسيس».

(٢-٢) في داخل المعبد الكبير

وسنضرب صفحًا هنا عن التماثيل التي اغتصبها «رعمسيس» مثل: «بولهول» متحف اللوفر، و«بولهول» متحف القاهرة، وكذلك التمثالين رقم ٤٣٠ و٤٣٢ الموجودين بالمتحف المصري، كما سنهمل كذلك التمثال رقم ٦١٦ الذي نسبه «بورخارت» للفرعون «رعمسيس الثاني» (راجع Statuen Und. Statuetten Von. Konigen und Privaten p. 163)؛ وذلك لأنه ليس عليه ما يثبت شخصية هذا الفرعون؛ وكذلك التمثال الذي يمثل فرعونًا راكعًا يدفع رمزًا إلهيًّا أمامه، وقد نسبه «بتري» إلى هذا الفرعون، غير أننا وجدنا عليه اسم «شيشاق»، ولسنا متأكدين منه؛ هل اغتصبه هذا الفرعون، أو هو من صنعه؟ (راجع Petrie Tanis I, pl. 14. 3).
أما تماثيله الأصلية التي وُجدت في هذه البقعة، فمنها تمثالان من الثلاثة التي نقلها «برستي» إلى «المتحف المصري»، وقد دونا هناك برقمي ٥٧٣ و٥٧٥، والأول: يمثل الملك جالسًا على عرش مربع، ويداه مبسوطتان على فخذيه، أما الثاني: فقد مثل واقفًا وقابضًا على عصا بمثابة رمز في كل من يديه (راجع Jequier Les. Temples Ramesides et. Saites pl. 42).
أما التماثيل الأربعة الضخمة المصنوعة من الحجر الرملي التي عثر عليها «مريت باشا» في الأركان الأربعة للردهة الثانية فقد بقيت في مكانها (راجع Mariette Rec. Trav. IX, (1887), 12)، وقد نصب الجزء الأسفل من التمثال الذي كان في الجهة الشمالية الشرقية، ويمكن الإنسان أن يشاهد عليه صورة الملكة «مريت آمون»، وبنت ملك «خيتا»، مات «نفر ورع» زوج «رعمسيس الثاني».
fig40
شكل ١: («رعمسيس الثاني» في طفولته يحميه الإله «حورون»).
وكذلك وجد «ريفو» تمثالًا يحتمل أنه من هذه البقعة، وهو الآن بمتحف اللوفر (A 20)، وهو يمثل «رعمسيس الثاني» لابسًا على رأسه لباس الرأس المسمى «نمس»، وجالسًا على عرش بظهر قصير، ويداه مبسوطتان على فخذيه، وكذلك يوجد له تمثال في «متحف اللوفر» يقال إنه مغتصب (راجع Boreux Louvre Catalogue Guide p. 40)، غير أن ملامحه تدل على أنه ﻟ «رعمسيس الثاني».
وقد وجد في البيوت التي على حافة ردهة هذا المعبد أغرب تمثال عثر عليه ﻟ «رعمسيس الثاني» في «تانيس»، وقد كشف عنه «مونتيه» عام ١٩٣٤ ميلادية، وهو يمثل هذا الفرعون في هيئة طفل بملامح تدل على الابتهاج، تتدلى من رأسه خصلة شعر، وأعضاؤه ممتلئة؛ مما جعله يظهر صغيرًا جدًّا أمام الإله الحامي له، وهو صقر ضخم واقف فوق رأسه، على أن الفكرة القائلة بأن الفرعون هو ملاك الآلهة تصادفنا من وقت لآخر في «تانيس»؛ فنقرأ «ملاك آتوم» على إحدى المسلات (راجع A Guide to the Egyptian Galleries Sculpture 599). وقد مثل النحات المصري هذه الفكرة بصورة ساحرة في هذا التمثال، ولكنه أضاف شيئًا آخر على ذلك، فالطفل الذي يسمى بالمصرية «مس» ( ) يحمل قرص الشمس الذي يسمى «رع» ( ) على رأسه، ويقبض بيده اليسرى على نبات «سو» ( )، فإذا جمعت هذه الرموز معًا قُرأت على حسب القراءة المصرية «رع مسسو»؛ أي إن هذا الفرعون كان تحت حماية هذا الإله. والواقع أنه يوجد في المتحف البريطاني (راجع Petrie. Tanis I, pl. 10, 53) تمثال من «تل المسخوطة»؛ حيث نجد اسم «رعمسيس الثاني مري آمون» قد وضع على صقر، وهي نفس الفكرة، ولكن أخرجها مثال حرم قوة الخيال، ويلاحظ أن الإله الذي على تمثال «تانيس» — وهو الذي صور في هيئة الطائر «حور» — يحمل اسمًا غريبًا، وهو «حورون رعمسيس»، وهذا الاسم كان يطلق على تمثال «بولهول» في منطقة الجيزة، وقد كتب أيضًا «حول»، و«حورنا»، وهو من أصل كنعاني، وقد تكلمنا عنه من قبل مرارًا.

(٢-٣) معبد «عنتا»

ومعبد الإلهة «عنتا» الأسيوية الأصل يقع في الجهة الجنوبية القريبة من المعبد الكبير، وقد بقي لنا فيه تمثالان من الجرانيت الأسود يشبه أحدهما الآخر تقريبًا، ويمثلان «رعمسيس» جالسًا على قاعدة مربعة، ويدا كل منهما قد وُضعتا على فخذيه مبسوطتين والتمثالان يعيدان إلى الذاكرة التمثال رقم ٥٧٣ المحفوظ في المتحف المصري، وكذلك التمثال (A. 20) الموجود «باللوفر»، ونقرأ في نقوشهما اسمي الإلهين «رع»، و«آتوم». وكذلك استخرج من نفس المكان أربع مجاميع من التماثيل؛ حيث نجد في كلٍّ أن «رعمسيس» قد مثل مع آلهة: (١) فنجد «رعمسيس»، والإلهة «وازيت» من الحجر الرملي بحجم أصغر من الطبعي بكثير، والمجموعة مشوهة جدًّا. (٢) و«عنتا»، و«رعمسيس» من الجرانيت الرمادي، وهنا تضع الإلهة «عنتا» يدها على كتف الملك، وتسمى «ملكة السماء، وسيدة آلهة «رعمسيس»» (راجع Les Nouvelles Fouilles Ibid p. 107, pl. 47, 2; 53; 55.). (٣) و«عنتا»، و«رعمسيس» بالحجم الطبعي (راجع.Ibid p. 125 pl. 70–2). (٤) والآلهة «سخمت» و«رعمسيس» جالسين متجاورين، وهما من الجرانيت الوردي (راجع Ibid p. 113, pl. 55, 59, 60).

(٢-٤) طراز تماثيل «رعمسيس» وصناعتها

يلاحظ أن بعض هذه التماثيل يستند على عمود مستطيل وعريض كان يستعمل وجهه لكتابة النقوش، فكان يكتب عليه ألقاب الفرعون التي كانت تشغل جزءًا كبيرًا من كل سطر بوجه عام، ومن ذلك التمثالان المصنوعان من الجرانيت الوردي الموجودان في المدخل، وكذلك المجاميع التي هناك. ولكن في استطاعة الإنسان أن ينشر العمود الذي تستند عليه التماثيل دون الإضرار بجسم المجموعة. وقد وجدنا في الدولة القديمة تماثيل تستند على عمد مثل هذه عريضة، ولكن أخذت هذه العمد تضيق شيئًا فشيئًا حتى اختفت في نهاية الأمر، وأصبح التمثال بلا عمود؛ ولذلك نجد أن المثَّالين العظام في الدولة الحديثة قد وصلوا إلى الاستغناء عن العمود في كثير من الحالات، وعلى الرغم مما نجده من نقوش تدل على أن هذين التمثالين من عمل «رعمسيس»، فإنه من المحتمل إذن أنهما من صناعة العهود القديمة، والواقع أن الوجه الأكثر حفظًا منهما يدل على أنه من صناعة الدولة القديمة، أو بداية الدولة الوسطى أكثر مما يدل على وجه «رعمسيس».

والمجاميع التي تشمل «رعمسيس» مع إله أو أكثر قد صُنعت بطريقة مغايرة لذلك، فمثلًا في الثالوث العظيم الذي في المدخل، ويتألف من «بتاح»، و«رعمسيس»، و«حور اختي» نجد أن البارز من جسمهم جزء يسير؛ لأن معظم أجسامهم قد غار في السنادة التي وراء ظهرهم، فأجسامهم لا تكاد تبرز إلا بضعة سنتيمترات من حجر السناد، وكذلك يلحظ أن الذراعين واليدين لم تظهر بصورة واضحة في التمثيل، وأن السيقان اليمنى قد بقيت حبيسة في الحجر، والأقدام اليسرى تخطو إلى الأمام بصورة أقل من المعتاد، وتظهر الرءوس مفرطحة، ولا نزاع في أن مثل هذه الصناعة تُنسب إلى صناعة الحفر أكثر منها إلى صناعة التماثيل المجسمة، غير أنها مع ذلك لا تخضع لقوانين الحفر البارز عند المصريين، وهي التي تضع رأسًا مصورًا تصويرًا جانبيًّا على كتفين مصورتين تصويرًا كاملًا. وتلفت اليدين اللتين صُورتا تصويرًا كاملًا، والقدمين اللتين صورتا جانبيًّا، ولكنا هنا في هذه المجاميع لا نرى أي اعوجاج في التمثيل؛ إذ نجد الشخصيات الثلاثة ينظرون إلى الناظر إليهم بوجوههم كاملة، والوجه والجذع، وكل الأعضاء تُرى من الأمام واليدان مفتوحتان، ويلحظ أن الجوانب الصغيرة للأثر تخضع لنفس الصناعة، فعلى اليمين نشاهد الإله «حور اختي»، وعلى اليسار صورة «بتاح»، وقد مثلا بالنقش البارز دون أي تشويه؛ إذ نجد الكتف في مكانه الحقيقي.

والملاحظات السابقة تنطبق على المجموعتين الأخريين اللتين لم يبقَ منهما إلا قطع، وكذلك على المجموعة التي مثل فيها الآلهة «عنتا»، و«رعمسيس» المحفوظة «بمتحف اللوفر»، وتمثال «رعمسيس الثاني» «بمتحف القاهرة» الذي يحمل رقم ٥٧٥ قد صُنع بهذه الطريقة أيضًا، وصور الأناث اللائي نقشن بصحبة التماثيل الضخمة المصنوعة من الحجر الرملي الموجودة في الردهة الثانية، وكذلك صورة الملكة «مريت آمون» مع التمثال الذي في الجنوب الشرقي، وصورة الملكة «بنت عنتا» على التمثال الذي في الجنوب الغربي، كل هذه قد مثلت بالحفر من غير تشويه؛ والمجموعتان الجالستان وهما: «عنتا»، و«رعمسيس»، و«سخمت»، و«رعمسيس» يظهر أنهما تؤلفان مجموعتين أمرهما وسط بين التمثيل بالحفر نصف البارز، والتماثيل المجسمة فعلًا؛ إذ نجد أن السنادة التي يرتكز عليها التمثالان ليست على قدر عرضهما، فالكتف اليسرى للآلهة، والكتف اليمنى للملك تشاهَد كلها منفصلة تمامًا من الحجر، ولكن المثَّال قد حفر الرقعة التي بين التمثالين حفرًا غير متقن، وقد عمل الجزء الأوسط كله بالحفر، وقد مثل مثالو الدولة الحديثة في معظم الأحيان المجاميع التي وجدت خارج «تانيس» مرتكزة تماثيلها إما على سنادة أو على الجدار الخلفي لكوَّة، وهذه التماثيل قد عملت مجسمة كما كانت الحال في العصور السالفة، ولكن عندما كان المثال لا يهتم بالتعمق في رقعة الحجر — وذلك إما لتراخيه، وإما لعدم حذقه — فإن الأشخاص الممثلين يظهرون كأن نصفهم مختفٍ في الحجر، مثال ذلك: التماثيل التي تحمل الأرقام التالية بمتحف القاهرة: ٤٢٠٦٥، ٤٢٠٦٦، ٤٢٠٨٠، ٤٢٠٩٧، وكلهم من عهد الأسرة الثامنة عشرة، وقد عثر عليهم في «الكرنك».

وكذلك لدينا مجموعة «بمتحف اللوفر» (A. 47.) (راجع Boreux Ibid I, p. 52)؛ ويحتمل أنها من عهد الأسرة الثانية عشرة، وتمثال في متحف القاهرة (يحمل رقم ٦٠٥)، وتعد ضمن الحفر البارز وحسب، وعلى أية حال يجب أن تنتظر حتى عهد «رعمسيس الثاني» لنجد تماثيل صُنعت على غرار مجاميع «تانيس»، ففي «أهناسيا المدينة» عثر على ثالوث ضخم يمثل «رعمسيس» بين الإله «بتاح»، والإلهة «سخمت» زوجه وهو موجود «بمتحف القاهرة» (راجع Jequier Les. Temples ramesides et. Saites pl. 42)، ويكاد يكون صورة مطابقة لثالوث «تانيس»؛ إذ نجد أن ثلاثة الأشخاص الذين مثلوا في الحجر قد التصقوا فيه، ويظهرون بوجوههم كاملة للناظر، هذا إلى أن الأيدي والأذرع قد مثلت بسمك بسيط بارز من الحجر، وتوجد مجموعة صغيرة الحجم ضمن آثار «تجران» (راجع Danios Pacha Collection d’Antiquités Egyptiennes de. Tigrane Pacha d’Ako Paris Leroux 1911 pl. 27-28 p. 9. No. 69)، ونشاهد فيها «رعمسيس الثاني» ممسكًا بيده الإله «حور اختي»، والإلهة «باستت» سيدة «بوبسطة»، وهؤلاء الأشخاص الثلاثة قد حفروا بالطريقة السالفة، ولا شك في أنه توجد أمثلة أخرى من هذا الطراز، ولكن تدل شواهد الأحوال على أنها لم تكثر منذ الآن إلا في عهد «رعمسيس الثاني» وحسب، وبخاصة في «تانيس». والواقع أنها نشأت في مدينة هذا الفرعون المقدسة، ومن ثم انتشرت أولًا في المدن المجاورة مثل «بوبسطة»، ووصلت إلى أماكن أخرى بعيدة، غير أنه لم يكن لها شأن يذكر في «طيبة»، وقد ظهر من بين تماثيل خبيئة الكرنك تماثيل كبيرة وصغيرة من عهد الرعامسة تمثل شخصًا ممسكًا في يده مذبحًا، أو محرابًا صغيرًا فيه تمثالان، أو ثلاثة لآلهة جالسين أو واقفين منفردين، أو يمسك بعضهم بأيدي بعض (راجع Legrain Stat. II, 42111, 42144, 42153, 42176, 42178).

وهذه التماثيل قد نُحتت مجسمة، وأجسامها وأعضاؤها مثلت بحجمها الطبعي.

ومما يلفت النظر أن وجوه «رعمسيس» في كل تماثيله في «تانيس» ليست موحدة، ولكن كثيرًا منها يشبه بعضه بعضًا، فالتمثال الضخم الجميل الذي في المدخل المصنوع من الحجر الرملي، والتماثيل الأربعة الضخمة التي في الردهة الثانية، والتمثال رقم ٥٧٣ «بمتحف القاهرة»، والتمثال (A. 20.) الموجود «بمتحف اللوفر»، وتمثالا «رعمسيس» الجالسان بمعبد «عنتا»، وتمثال «رعمسيس» الجالس في مجموعة «عنتا» «رعمسيس»، كل هذه يظهر فيها وجه «رعمسيس» كبيرًا وممتلئًا، وملامحه ليست بارزة تمامًا، فالعينان قد مثلتا أحيانًا طبعيتين، وأحيانًا مكحلتين ومعبرتين عن الرزانة والطيبة معًا، وهذا الوصف ينطبق على تماثيل «منف» الضخمة، وعلى تماثيل الأقصر، وعلى التمثال رقم ٥٨٣ الموجود «بالمتحف البريطاني» الذي أُتي به من «الرمسيوم» (راجع Egyptian Sculp. In Br. Mus. Pl. XXl,). وعلى ذلك نجد أن معظم المثالين في «تانيس» قد نحتوا تماثيلهم عن أصل ثابت، ومع ذلك فإن التمثالين الجالسين في معبد «عنتا» ليسا موحدين في التمثيل، فنجد على الأقل أن الذي نحت التمثال الأكثر حفظًا منهما لم يصل مثل زميله إلى نقل النموذج الذي كان أمامه؛ إذ نجد أنه قد مثل الفرعون — على غير رغبة منه — بملامح قبيحة، والعينين بخاصة مثلتا بارزتين كما تمثلان في الحفر، وعلى المسلات، وعلى لوحات «تانيس» (راجع Kemi Iv, 195).
وفي مقابل هذه السلسلة نجد في مجموعة «رعمسيس»، والإله «خبري»، ومجموعة «رعمسيس وسخمت»، وتمثال القاهرة رقم ٥٧٥ أن «رعمسيس» قد مثل فيها بوجه عرضه أكبر من طوله، وكذلك مثلت العينان صغيرتين، والشفتان غليظتين، ومنخفضتين في نهايتهما، على أن ما يبرز وجه الشبه في هذه التماثيل الثلاثة ﻟ «رعمسيس» هو أن لباس الرأس موحد فيها جميعًا، ويشمل شعرًا مستعارًا ثقيلًا يغطي الأذنين، ويؤلف على الجبهة كتلة من الشعر أفقية، على أن كثيرًا من تماثيل ملوك الدولة الحديثة قد تحلَّت بلباس الرأس هذا، ولكن يجب أن نقرن بتماثيل «تانيس» تمثالين ﻟ «رعمسيس الثاني» محفوظين «بالمتحف المصري»، وأعني بذلك الرأس الذي يحمل رقم ٦٤٠ المستخرج من تل «نبيشة» على مسيرة أربعة عشر كيلومترًا من «صان الحجر» (تانيس)، والرأس رقم ٦٣٦ الذي وجد في «تل بسطة» (راجع Borcharat Stat. u. Statuellen S. V,)، فنشاهد فيهما نفس الوجه الذي عرضه أكبر من طوله، والمثلث الهيئة، وكذلك نجد أن رسم العينين والشفتين واحد، ومن المدهش أن سكان «صان الحجر» الحاليين قد فطنوا في الحال عند كشف المجموعة «رعمسيس سخمت»، و«خبري، رعمسيس» وجه الشبه الذي بين المجموعتين، والواقع أن جسم التمثال في كلٍّ قد أُبرز بصورة قوية، وإن كانت التفاصيل فيه مختصرة بعض الشيء. والواقع أن كتفي تمثال «عنتا» جديرتان بأن تكونا كتفي محارب، ولكن الجسم دقيق وجذاب. هذا ويلاحظ على تمثال «متحف القاهرة» رقم ٥٧٣، وتمثال «متحف اللوفر» رقم (A 20)، والتمثالين الجالسين، وكل التماثيل الضخمة المصنوعة من الحجر الرملي أنه يوجد على كل كتف من أكتافها علامة مؤلفة من ثلاث إشارات محفورة بعمق يخيل للإنسان أنها تؤلف العلامة تقريبًا. والواقع أنه لا يوجد تمثال فيه هذه العلامة خلاف تماثيل «تانيس» إلا تمثال واحد، وهو كذلك تمثال ﻟ «رعمسيس الثاني» عثر عليه في «الإسكندرية» عند عمود «بمبي» (Ibid II, 165-6). وكذلك يلاحظ أن سمَّانَتي الساقين في كل من تمثالي «رعمسيس» الجالسين، اللذين عثر عليهما في معبد «عنتا» قد مثل عليهما خط مستقيم في طولهما يشبه العصا، وكذلك في التماثيل الضخمة الجالسة المصنوعة من الحجر الرملي.

وهذا اصطلاح قد شاع كذلك في عهد «رعمسيس الثاني»، ولكنه لم يقتصر على تماثيل «رعمسيس» في «تانيس»، أو الدلتا الشرقية، بل نشاهده على تمثال الإسكندرية، وتماثيل «ميت رهينة» الضخمة، وكذلك في أقاصي الإمبراطورية المصرية جنوبًا، على تماثيل معبد «بو سمبل» الضخمة.

أما تمثال «رعمسيس» في مجموعة «حورون»، فلا يعد بين واحدة من هاتين السلسلتين، بل من المحتمل أنه التمثال الوحيد في «تانيس»، الذي يقدم لنا صورة تشبه الفرعون؛ إذ لا يعد صورة منقولة عن نموذج عام متفق عليه، أو صورة من طراز محلي، وهذه الميزة تقرِّبه من تمثال «رعمسيس» الجميل، المنقطع القرين، المحفوظ في «تورين» الآن. غير أن تمثال «تورين» يمثل الملك وهو في عنفوان الشباب، في حين أن التمثال الذي يحميه الإله «حورون» قد مثل في هيئة طفل، وقد كان في مقدور المثَّال أن يوضح تصوير عمر تمثاله بالعلامتين الخاصتين، اللتين تدلان على الطفولة، وهما خصلة الشعر، والأصبع التي توضع في الفمِّ، ولكنه قد أفلح فلاحًا عظيمًا في تمثيل جسم ممتلئ قوي لطفل قد بلغ الثانية عشرة من عمره، وأسبغ على وجهه الإشراق والحيوية اللذين ينطبقان على وجه أمير فتيٍّ عزيز على الآلهة.

وخلاصة القول في كل ما ذكرنا: أن الآلهة الذين صُوروا بجانب الملك، أو ذُكرت أسماؤهم على قواعد تماثيله، أو على العمد التي تستند عليها مجاميع تماثيل الآلهة والملك، لم تكن قد اختيرت عفو الخاطر، فصورة الإلهة «عنتا» — الدالة على الأمومة، عندما تضع يدها على كتف «رعمسيس»، أو عندما يضع الملك يده عليها، فهي إلهة كنعانية، وهي زوج الإله «ميكال» رب «بيسان» (راجع R. P. V incent, Le Baal Cananeen de. Beisan et. Sa. Paredre, Revue Biblique (1929) 512–544). أما وجود الإله «حورون»، فقد جاء ذكره في «أورشليم» وفي «صيدا»، وكما ذكرنا كان يُعبد في مصر في صورة «بولهول»، والواقع أن آلهة هذه الأقطار الأسيوية، كانت لهم مكانة ممتازة في عاصمة «رعمسيس» كما ذكرنا، وكذلك نقرأ على المسلات، وعلى واجهات المعابد، وعلى اللوحات أن الملك هو رضيع «عنتا» (راجع Les Nouvelles Fouilles de. Tanis p. 70)، ومحبوب «عشتارت»، أما الإله «ست»، وهو على ما يظهر أخ لبعلات سوريا، فقد كان جد أسرة «رعمسيس» كما فصلنا القول في ذلك، ولكنه من أصل مصري بحت، ولم يكن له أية علاقة بالآلهة الأجنبية في بادئ الأمر إنما جاء ذلك بعد.
والآلهة المصريون الذين نُحتوا بجانب «رعمسيس الثاني» مثل: «بتاح»، و«حور اختي»، و«خبري»، و«سخمت»، و«وازيت»، وكذلك الذين ذُكرت أسماؤهم مع العمد، التي تستند عليها التماثيل، مثل: «آتوم»، و«آمون رع»، هم نفس الآلهة الذين يراهم الإنسان غالبًا على المسلات، وفي الحفر، وكلهم آلهة الدلتا، فنجد «خبري» مع ثالوث تل «المسخوطة» (راجع Petrie Tanis I, pl. 16 No. 3)، والإلهة «وازيت» كانت تقدس في المدينة القريبة من «أميت» (إبطو الحالية) (راجع Petrie Tanis II, Nebesheh pl. X-XI)، كما أن الكاهن الأكبر للإله «ست» في «أواريس» كان المكلف بإقامة الاحتفالات له، والإلهة «سخمت» كانت من أعظم الإلهات في «بوبسطة»، وفي «تانيس» نفسها قد وجدت بقايا ستة تماثيل في معبد «عنتا» تمثلها، وكذلك يوجد لها تمثال آخر في المعبد الكبير (راجع Rec. Trav. IX. (1887) p. 13). أما الإله «آمون رع» هنا، فليس برب «الكرنك»، الذي كان يخشى الفرعون أطماعه، بل هو رب سكان «منف»، ولا نجد شاذًّا عن كل ما ذكرنا إلا التمثال رقم ٥٧٥ الذي أقامه الأمير «مرنبتاح» لوالده، وقد جاء فيه ذكر الإلهين «وبوات»، و«حتحور»، وهما إلها مقاطعة «أسيوط».
والواقع أن تماثيل بلدة «تانيس»، يوجد أوجه شبه بينهما وبين تماثيل «رعمسيس»، التي عثر عليها في مدن أخرى من مدن الدلتا، وتفسير ذلك هو إما أن المثالين الذين كانوا في المدن المجاورة ﻟ «تانيس»، قد أسرعوا في تقليد ما كان يُصنع في العاصمة، أو أن «رعمسيس» في الوقت الذي جمع فيه آلهة الدلتا في عاصمة ملكه الدينية، قد جمع فيها مفتني هذه المدن الذين كانوا يسيرون على حسب تقاليد واحدة، وطرق واحدة، في تمثيلهم لهذه الصور، وإذا كان هذا التفسير مقبولًا وجب علينا كذلك أن نتساءل إذا كانت مدينة مثل «تانيس» التي فتحت بصدر رحب أبوابها لهذا العدد العظيم من الآلهة الأجنبية، الذين يعملون على حسب عوائد كنعانية، مثل الضحية التي كانوا يضعونها ضمن ودائع الأساس، وهو ما يتنافى مع العادات المصرية، لم يتأثر المثالون المصريون فيها بأولئك المفتنين الذين وفدوا من البلاد التي تعبد فيها الإلهة: «عنتا»، و«عشتارت»، و«بعل»، و«حورون»؟ والواقع أن مصر في عهد الدولة الحديثة منذ بداية حكم «تحتمس الثالث»، كانت قد غرقت في بحر من المنتجات السورية، وتدل النقوش التي على جدران مقابر «طيبة» ومعابدها، على أن الإله «آمون» رب «الكرنك»، قد جمع منها ثروة عظيمة، ولكن في عهد «رعمسيس الثاني» نجد أن الكثير من هذه المنتجات لم يتعد حدود العاصمة الشمالية التي كان يمكث فيها الفرعون طويلًا، وحيث استقبل الأميرة الخيتية، وكل الهدايا التي جاءت في ركابها، ولا نزاع في أن المفتنين الشرقيين كانوا يعرفون رسم الأجسام بوجوه كاملة، ولا أدل على ذلك من نقوش «خورساباد»، التي تمثل «جلجمش» وهو يخنق أسدًا. (راجع Contenau. L’art de. L’Asie Occidentale Ancienne Paris (1928) pl. 38). وهذا نقش حديث نسبيًّا، ولكن الأسطوانات السورية الخيتية، تظهر لنا أن هذا الطراز كان موجودًا منذ الأزمان التي أوغلت في القدم، وأن هناك أشخاصًا آخرين من ملوك وآلهة، قد مثلوا بالحفر بوجوه كاملة. (راجع Contenau Manuel d’Archeologie Orientale Paris 1931 P. 611 ff, 686–91)، وكذلك نجد في «ببلوص»،١ و«زنديرلي»،٢ و«أرسلان تاش»،٣ و«بوغازكوي»،٤ تماثيل «بولهول»، وأسودًا وملائكة، تؤلف جزءًا من الآثار التي تحرسها، كما يؤلف ثالوث «تانيس»، جزءًا من الآثار التي تؤلف جزءًا منها.

وهكذا نجد في «تانيس» أن الفن يلقي ضوءًا على مهام الفرعون السياسية والدينية، فلأجل أن يحوز المفتن رضى الفرعون، نجده قد مثله في هيئة ابن خاضع مبجل للآلهة الأجنبية، وقد استفاد فن هذه الممالك من التقديس الذي كان لهذه الآلهة، وهكذا أصبح هذا الطراز هو الشائع لمدة قصيرة في الصور الممثلة بالحفر البارز، والفن المصري الذي لم يعرف هذا الطراز من قبل قط قد انقطع الإنتاج فيه عندما اختفى «رعمسيس الثاني» من مسرح الحياة؛ إذ إنه هو الذي أدخله في البلاد، وشجع على انتشاره في أرجاء إمبراطوريته.

(٣) قيمة فن النحت في عهد «رعمسيس الثاني»

وعلى الرغم مما أحدثته كثرة الأعمال التي أنجزها «رعمسيس الثاني» من الأثر في نفوس القوم، من جهة الضخامة والعظمة، فإنها من جهة أخرى لم تكن لها في غالب الأحيان قيمة فنية تُذكر، ويرجع السبب في ذلك إلى أن الأعمال الهائلة العدد، التي كان يقوم بتنفيذها في وقت واحد، كانت بلا ريب تدعو إلى السرعة السريعة التي لا تنتج إلا أعمالًا أقل ما يقال عنها إنها لم تكن من طراز جميل، بل كانت تعبر عن الكثرة والضخامة وحسب، ولا يتجلى فيها الاعتناء والدقة والذوق السليم الذي كان يمتاز به فن النحت والنقش والعمارة في عهد «أمنحتب الثالث»، وهو نفس ما نشاهده في فن عهد «سيتي الأول» في معبده «بالعرابة المدفونة»، وفي قبره «بطيبة» الغربية، ولا يخرج عن ذلك إلا أشياء فردية، ونخص بالذكر منها غير صور موقعة «قادش»، معبده الذي رفع بنيانه في «العرابة المدفونة»؛ إذ نجد فيه التقاليد الفنية الجميلة التي نشاهدها في فن عهد «سيتي الأول» والده، وبجانب هذا الفن الجميل نجد من جهة أخرى أن مناظر معبد «بو سمبل» على ضخامتها قد نقشت نقشًا سمجًا، وزينت بمناظر عارية عن رفعة الفن، هذا إلى أن الجزء الأعظم من مناظره قد رُسم رسمًا تخطيطيًّا وحسب، كما لوحظ أن المتون اللغوية تزخر بالأخطاء؛ مما يدل صراحة على أن الذين كانوا يقومون بالعمل كانوا صناعًا محليين، ليس لهم دراية المفتنين، الذين نقشوا مناظر معبده «بالعرابة»، وهم الذين تعلموا على ما يظهر بالوراثة؛ ليكونوا مفتنين فقط، كما ذكرنا من قبل؛ ولذلك نجد أن كثيرًا من معابد بلاد النوبة التي نُحتت في الصخر مثل معبد «الدر»، ومعبد «جرف حسين»، وغيرهما قد زُينت بتماثيل فجة تزوَر عنها العين؛ مما يدل على السرعة من جهة، وعدم كفاية الذين قاموا بنحتها من جهة أخرى، فبدلًا من التأني والاتزان في العمل، اللذين كانا يمتاز بهما مفتنو العصر السابق، حلت في عهد «رعمسيس الثاني» السرعة السريعة؛ وذلك لأن روح هذا الفرعون كان مفعمًا بحب العظمة التي لا نهاية لها؛ مما جنى على أعمال الفن التي كانت يانعة مزهرة بما أنتجته من الآيات البينات، فأصبحنا في عصره لا نرى إلا جبالًا مكدسة من التماثيل التي انعدم في معظمها الروح الفني جملة، هذا فضلًا عن اغتصابه للقطع الفنية التي تُنسب للملوك السالفين، ونقش اسمه عليها، وكان قصده في ذلك أن يجعل ذاته الإلهية يسطع بهاؤها، ويلمع ذكرها في كل أرجاء البلاد، بما يقيمه من مبانٍ ضخمة، وتماثيل هائلة مما لم يسبقه إليها أحد أسلافه حتى إنه لم يترك فرصة لأحد أخلافه أن يباريه في هذا المضمار، كما أنه فاق في آن واحد كل من سبقه حتى «تحتمس الثالث»، و«أمنحتب الثالث».

وقد كان «رعمسيس الثاني» طوال مدة حكمه يعمل جهد الطاقة في إنتاج هذا النوع الرخيص من أعمال الفن والصناعات العادية، وعدم الاكتراث بالإنتاج الفني الراقي؛ مما أدى إلى تدهور الفن تدهورًا ملموسًا، وقد كان من نتائج هذا الغلو الفاحش في إقامة المباني، وعمل التماثيل، وغيرها استهلاك كثير من مواد الصناعة؛ مما أدى إلى نفاد مالية البلاد في السنين الأولى من حكمه، وقد يظهر ذلك جليًّا للباحث عندما يكشف أن الشطر الأول من تاريخ حياته كان مفعمًا بإقامة الآثار التي يخطئها العد، وهي التي نقرأ عنها في الوثائق الكثيرة التي دونها هو أو تركها لنا أفراد علية القوم، في حين نجد من جهة أخرى أن الجزء الأخير من حكمه قد قلت فيه إقامة الآثار، وقد يكون ذلك من الأسباب التي جعلته يغتصب آثار غيره لنفسه، ولأفراد أسرته. ولم تحدثنا الوثائق التي تركها لنا في هذه الفترة إلا عن آثار قليلة له حقيقية بدرجة تلفت النظر.

ولذلك لا يسع الإنسان أمام هذه الحقيقة الناصعة إلا الحكم على عهد هذا الفرعون المعمر من حيث الفن والعمارة بأنه كان في بدايته مزدهرًا يانعًا بالكثرة البالغة، ثم انحط إنتاجه في سنيه الأخيرة حتى إنه بانطفاء مصباح حياته ذبل معه العصر الذهبي للدولة الحديثة، وراح يترنح نحو الهاوية السحيقة.

(٤) فن التصوير الجنازي في مقابر الشعب في عهد «رعمسيس الثاني»

كثيرًا ما يمثل المؤرخون عهد حركة الإصلاح الديني التي قام بها «إخناتون» بتصدع جيولوجي أصاب مجرى التاريخ المصري المستقيم، ولكن من وجهة الفن لا يمكن أن ينطبق هذا القول على التغيرات التي ظهرت منذ بداية الأسرة التاسعة عشرة؛ أي منذ ختام القرن الرابع عشر، بل إن أقل ما يقال عنها إنها تطور؛ وذلك لأن هذه التغيرات التي حدثت فيه كانت ثابتة عميقة الصبغة، اللهم إلا إذا كنا نقصد بكلمة تطور شيئًا يدل على العنف مما يجعله عرضة للزوال والفناء.

والواقع أننا إذا أردنا أن نتناول بالبحث كل الصور التي خلفتها لنا مدنية هذا العصر، أو نقتصر حتى على فني النحت والتصوير كان لدينا محصول جدير بالتقدير العظيم الذي يرفع من شأن هذا العصر الجديد في هذه الناحية من الحضارة، ولكن عندما نتناول الفنون الجنازية بالبحث كشفت لنا النتيجة عن انحطاط مشين؛ إذ نجد أن الإنتاج الدال على حسن الذوق في المقابر التي لا تزال حافظة لألوانها ممثلة طراز عصر الرعامسة بصورة بارزة معدوم لحدٍّ ما، وأن جدران المقابر قد كُدست بصور أكثر مما يجب أن تحتويه.

ولا يمكننا أن نتحدث هنا عن الأسباب الأصيلة التي أدت إلى هذا الانحطاط في التصوير الجنازي، كما لا يمكننا أن نشرح هنا الطريقة التي بها أخذ سلطان الأشكال الفنية الجديدة يحتل مكانة قوية، وأخيرًا ليس في الإمكان هنا أيضًا أن نفصِّل القول عن مقدار ما كان لمدرسة «إخناتون» الفنية البغيضة في أعين الشعب وقتئذ، ولا عن أثر بقايا تقاليد مدرسة الفن الطيبية القديمة في تكوين طراز الفن الجديد الذي ظهر في عهد «رعمسيس الثاني»؛ إذ إن كل ذلك خاص بكتب الفن المطولة، وقد تحدثنا عن ذلك في مناسبات مختلفة بقدر ما سمحت به الأحوال، وكل ما يمكن التنويه عنه هنا هو أنه على أثر انتصار «إخناتون» أخذ أتباع الإله «آمون» بعد أن حرم عليهم تزيين مقابرهم بصور الطراز القديم، يجدون لأنفسهم منفذًا لاظهار شعورهم الديني من طريق أخرى؛ وقد كان أهم مظهر لذلك تزيين أوراق البردي التي كانت تدفن معهم بكل تعاويذهم، وأساطيرهم السحرية والدينية، وقد كان يساعدهم على استحضار الصور اللازمة لهذا الغرض الكهنة الذين كانوا لا يزالون على الولاء لإلههم «آمون»، حتى إنه لما عادت المياه إلى مجاريها برجوع الدين القديم إلى ما كان عليه من قوة وسلطان كان لهذه الصور أكبر الأثر في التصوير الجنازي الذي كان يُرسم على جدران المقابر.

ولما لم يكن هذا الأثر من الأشياء التي نتجت عن طموح فني إنساني مشبع بالروح الدنيوي، وكذلك لم يكن قد نما وترعرع في أحضان الحياة العامة، فإنه قد ترك الفن الجنازي راكدًا جافًّا إلى أقصى حد، ولا نستثني من ذلك إلا تلك الصور الخاصة التي كان يقوم بتصويرها المفتن، وهي التي كان ينقلها من عالم الدنيا إلى مناظر أخرى خاصة بعالم الآخرة، فكان يصور لنا حقول الجنة أو الحديقة التي يجمع فيها بين الإله والناس. والواقع أن تحديد مجال صور المفتن على هذا النمط كان ضربة مميتة للفن، ولسنا ننكر أن عمل الرسام المصري كان يجري على حسب خطط موضوعة، وتقاليد مرعية، غير أنه على الرغم من كل ذلك كان يستند في إبراز صوره إلى حد ما على قوة الملاحظة. وهنا يتساءل الإنسان: أي إلهام يستطيع المفتن أن يجده في رسم الإلهة والشياطين المختصين بعالم الآخرة، أو في أثاث المعبد الجنازي، والشعائر الدينية، وفي دمى أسرة رب المعمل؟ ومع ذلك بين ما ذكرنا أشياء عارضة هامة تصادف الرسام تصور في معظم الأحيان بهيئة شيقة؛ إذ نجد في كثير من المقابر التي صورت بصور مظلمة مثل مقبرة «حوي»، ومقبرة «وسرحات» صورًا أخرى تصل إلى حد الجمال والإشعاع، وذلك عندما يتناول المثال منظرًا تمثيليًّا يقوم فيه الفرعون بدور البطل، غير أن هذه المناظر أخذت في الاختفاء بصورة بينة.

أما الميزة الحسنة التي برزت في الفن الجديد فقد ظهرت فيما ناله المفتن من حرية في إخراج صورة في بادئ الأمر كما ذكرنا من قبل؛ فلم يكن المفتن في هذا العصر مجبرًا على السير على حسب نماذج قديمة لها أوضاعها ونسبها الخاصة، كما أنه لم يكن مقيدًا في رسم خطوطه على حسب قوانين الفن القديم؛ إذ كان في استطاعته في هذا الوقت رسم الأشكال دون أن يضع هياكلها مرتبطًا بلون خاص، وفي حدود معينة. ولا نزاع في أن التخلص من هذه القيود العتيقة كان يفسح المجال للرسام في إبراز صورة جميلة إذا كان المفتن قد تربى على حب الجمال بدلًا من تمرين مواهبه في إصدار صور تقليدية وحسب، وهذه الحرية كانت بمثابة مجال واسع لتقدم الفن. غير أن المدارس التي كانت تلقنه لم تكن قادرة على الاستفادة من فك قيود الماضي عنها، وقد كان من جراء ذلك أن انقلبت النتيجة إلى تراخٍ وعدم دقة، واستغلال التحلل من القيود القديمة في تغطية كثير من الأخطاء، وعدم الكفاية في الفن. وعلى أية حال فإن الغريزة قد حولت الفن القديم إلى وحدة متزنة؛ ولا نزاع في أن الفن الجديد كان غير متناسق؛ وذلك لأن الحرية التي أعطيها في استعمال خطوطه تطلبت إعادة توزيع اللون، ومن ثم نجد أن المصور قد نال إعجابنا في إخراج الصور المختصرة المرسومة بالحبر، ولكنه في تصويرها بالألوان لم يتعد رسم هيكل صورته بخطوط سمجة خشنة.

(٤-١) سخاء المفتن في استعمال الألوان

ولدينا مظهر آخر يبرز أمامنا في صور هذا العهد، وهو استعمال اللون بسخاء، فقد كان المفتن الماهر يسمو أحيانًا في استعمال الألوان إلى حد الجمال، كما أنه في أحوال كثيرة أخرى كان يسيء استعمالها إلى حد القبح والانحطاط الفني، ففي كهوف «طيبة» الغربية المظلمة نلحظ أن الرقعة القانونية الخاصة بأمثال هذه الصور كانت كبيرة، ولكن مفتن عصر الرعامسة كان يفلح دائمًا في تجاوزها. وقد كان مما يزيد في جمال هذه الصور وضع اللون الأبيض الناصع بدلًا من اللون الأبيض الهادئ. غير أن ما أعطي باليمين كان يُنتزع بالشمال؛ وذلك لأن إضافة تفاصيل في الصور قد أصبح وقتئذ ضربًا من الجنون، وبخاصة أنها كانت إضافات مرتبكة تدل على جهل، فنجد أن عمدًا مخصصة لكتابة المتون التي تعد بمثابة زخرف قد تُركت خالية، أو لونت كلها بلون واحد. ولا نزاع في أن الألوان الأساسية عندما تكون زاهية ومحاطة بإطار أسود لا تعطي العين المتعبة أية راحة، وهذا ما نشاهده في المقابر الفقيرة؛ حيث نجد أشكالًا ثابتة متشابهة لونت بالألوان الحمراء والصفراء القبيحة المنظر، ولكن عندما تكون الألوان أكثر اتزانًا، ونجد أن الألوان الزرقاء المعدنية، وكذلك الخضراء تختلط بالألوان الزاهية، فإنه يصير من الممكن أن يفلح المفتن في إبراز صورة جميلة، وهذه هي الحالة بوجه عام في بعض الإطارات النباتية التركيب، وكذلك في مناظر السقف الجميلة التي من خواص هذا العهد. وقد كان غرام المفتن بالأعشاب ورسم الشجر بصورة طبعية، من مكاسب هذا العهد في الفن، والأمثلة لدينا كثيرة في مقبرتي «وسرحات»، و«إبي»، وقد تحدثنا عنهما فيما سبق.

(٥) مظاهر الضعف في الرسم في هذا العهد

ومن المساوئ الرئيسية التي نشاهدها في مدرسة فن عصر الرعامسة طريقة تحضير الجدران للرسم عليها، فقد كان أهم ما يصبو إليه المثال في إبراز صورته أن تكون رخيصة مبهرجة في مظهرها، ومن ثم نعلم أنه لم يهتم بالإشراف على تأليف الرقعة التي كان سيضع عليها رسمه، ولو وفق في ذلك لكان خيرًا لإبراز مهارته؛ ولذلك لم نعد نشاهد تلك الرقعة الفاخرة التي كان بناءو عهد الأسرة الثامنة عشرة يحضرونها بإتقان وفن لدرجة أنها لو سقطت على الأرض وكُسرت وديست بالأقدام؛ فإنها لم تفقد شيئًا من جمالها. وعلى العكس نشاهد أن طبقة الطين التي كانت توضع على الجدار في عهد الرعامسة كانت تُخلط بالقش الخشن الذي كان يجتذب الحشرات القارضة، ثم تدهن بطبقة رقيقة من اللون الأبيض، أو اللون الأصفر الذي كان يمحى بمجرد أي احتكاك، أو رطوبة تصيبه؛ ولذلك نجد — كما هي الحال في أي عمل نفذ بإهمال — أن أي قبر مخرَّب من عهد الرعامسة يكون منظره محزنًا، يضاف إلى ذلك أن الألوان التي كانت تستعمل في تلوين الجدران لم تطحن بدقة، وتخلط بمادة تكسبها تماسكًا وليونة وثباتًا.

وقد كان من الجائز أن نعتبر حذف المفتن للمتون المفسرة — وهو أمر ظاهر في صور عهد الرعامسة — كسبًا حقيقيًّا إذا جعل المصور المنظر في هذه الحالة يتحدث عن نفسه، ولا يحتاج إلى تفسير كتابي، غير أن المفتن كان لا يهتم أحيانًا بالموضوع الذي يمثله فتجيء النتيجة عكسية، فالصلوات والصور التي تمثل الأعمال الخارقة للمألوف كانت من نصيب لفافات البردي، أما المناظر التي كانت تصور على الجدران فلا تحتوي إلا صورًا مكبرة من عناوين مصورة من كتاب الموتى وغيره، أو صورًا بمثابة حلية تلون بالألوان الزاهية. والواقع أن المتوفى ليس له تاريخ ينقش في المقبرة وقتئذ، وكل ما نعرف عنه أنه كان مؤسس الأسر، وأولاده هم خدَّامه الأقوياء، وقد كان ينتج عن عدم الدقة في الغرض والتنفيذ؛ عدم الدقة في التعبير، ولذلك لا يمكن الاعتماد على مقابر عهد الرعامسة في إمدادنا بوثائق صادقة للحوادث، أو لشكل الأشياء المصورة ولونها.

(٥-١) خواص أخرى لهذا العهد

ويلاحظ أن المادة في مقابر عهد الرعامسة لم تكن موحدة، ولم توضع على حسب فكرة مرسومة من قبل بالدرجة التي نلحظها في المقابر التي قبل هذا العهد؛ إذ نجد أن المادة كلها كتلة من الموضوعات كان هناك بعض سبب لرسمها على جدران المقبرة؛ من أجل ذلك كان حذف بعض الاقتباسات من المقابر التي من قبل عصر الرعامسة يفقدها شيئًا من قيمتها، ولكن إذا حدث ذلك في عهد الرعامسة أعطى الصورة ميزة بارزة، ولما كان الرسم الذي يمكن فصله عن الأصل، وكذلك التفاصيل المزدحمة في الصور تحتاج إلى رقعة أوسع كانت الصور التي تُرسم بمقياس كبير أكثر جاذبية وأبهى منظرًا، ولكن على العكس من ذلك إذا كبر مفتن عصر «رعمسيس الثاني» صورة صندوق «توت عنخ آمون» المنقطعة النظير، وهو الذي صور عليه مناظر الصيد والحرب خمسين مرة على حسب طريقته التي يظهر فيها الظلال المتغيرة في الأشكال المحفورة بمثابة صور مختصرة والصباغات الخشنة؛ شعر الإنسان بأنه قد نزل بهذه الأشكال إلى الحضيض، وإذا وازنا بين صور المنظرين عددنا الأولى جواهر، والأخرى إعلانًا عنها.

ومن الممكن الحط من قيمة تصوير عصر الرعامسة بسهولة لقلة الأمثلة التي حُفظت لنا في حالة جيدة، على أن عدم بقاء الكثير منها في ذاته يعد من مساوئ هذا الفن، ولكن من جهة أخرى نلحظ أن الميول الحديثة في الفن قد تميل إلى مظاهرة التجارب التي ظهر أنها خائبة بنسبة تسعة من عشرة، ومن باب أولى نستطيع أن نرحب بمثل هذا الحكم فيما يخص الفن القديم، ولا سيما أن التجربة الوحيدة الناجحة تكون بمثابة تخفيف وراحة للنفس من تلك الأشكال المتشابهة التي تتوالى أمامنا في صور العهد القديم.

وإذا كانت هذه هي مظاهر فن الرسام بعد عهد الإصلاح، وقبل القضاء عليه تمامًا، فإن هناك كذلك عهد انتقال قصير تضمن حكم «رعمسيس الثاني»، وقد كان في خلاله أثر مدرسة «إخناتون» الثابت على التصوير في عهد الرعامسة مضاعفًا؛ إذ نقل ما فيه الكفاية من الموضوعات الإنسانية، والغرائز الفنية الرفيعة، فأتيحت له أعمال ذات قيمة عظيمة في ذاتها، وزاد إضافات جديدة للأشكال المحددة التي دونها لنا التاريخ المصري، وكل ذلك يمكن مشاهدته في مقبرتي «وسرحات»، و«إبي» اللتين تكلمنا عنهما ببعض التفاصيل فيما سبق؛ لأنهما هما عنوان فن التصوير في هذا العهد.

١  راجع: Montet Byblos et Egypte p. 239.
٢  راجع: Ausgrabungen in Sendschirili XLVI-XLVIII, XVI-LVII. LXIV-LXV.
٣  راجع: Arslan-Tash pl. II-VI.
٤  راجع: Contenau L’art de. L’Asie Occidentale. Pl. III.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١