الفلسفة بعد أرسطو

لما كانت الفلسفة محتاجة إلى قوة العقل وقوة الخلق؛ فإنه لم يظهر بعد أرسطو مَن هم جديرون بالذكر في تاريخ الفلسفة إلا الرواقيين والمشككين والأبيقوريين.

(١) الرواقيون

زعيم الرواقيين أو المستخفِّين بالآلام زينو ٢٦٤–٣٣٦ق.م وهو قبرصي الأصل سامي الجنس، جاء إلى أثينا، ودرس على كراتيس تلميذ ديوجين الكلبي، وقد ذكرنا أن مؤسس مذهب الكلبيين أو السنيك هو أنتيستين تلميذ سقراط، وتلقَّى العِلم أيضًا على هيبياس وبروديكوس اللذين أذاعا فكرة العود إلى الطبيعة، وقالا بأن الإنسان يُعد ابن العالَم لا ابن بلد واحد، وحاربا الأكاذيب المتواطَأ عليها في المدنية والاجتماع، وأرشدا الناس إلى الحياة البسيطة، ويمكن القول بالجملة، بغير تقليل من فضل أستاذي وحبيبي جان جاك روسو، إن الفضل في مذهبه يرجع إلى هذين الحكيمَيْن، وصدق مَن قال إن فضل فلاسفة اليونان على العالم لا يُقدَّر؛ فإنه ما من فكرة وما من مذهب قديم أو حديث إلا وهم غارسو بذرته، وواضعو أساسه حتى مذهب نيتشه الألماني يرجع إلى قول زينو الرواقي إن التاريخ يعيد نفسه، ورأى هربرت سبنسر في الجزء «الذي لا يعلم»  Unknowable راجع إلى قول بلوتينوس رئيس مذهب الأفلاطونية المستحدَثة، وفلسفة ديكارت خليط من سقراط وفيثاغورس، ومذهب برجسون القائل برجوع النفس إلى الماضي، وإشرافها على المستقبل ليس إلا طرفًا من رأي أفلاطون في الافتطار، وهو ترجمة كلمة Intuition، ونظرية التطور والترقي هي مما قال به طائفة من الحكماء الأقدمين مثل أناكساغور وهيراقليط وأرسطو وغيرهم، وفكرة الإلكترونات هي فكرة الذرات التي قال بها أبيقور نقلًا عن ديموقريط مباشرة، وهذه الفكرة هي التي يقول بها العلم الحديث عن أصل المادة، ويزداد عجبنا وحسرتنا وأسفنا على جهلنا إذا علمنا أن الفلسفة اليونانية منذ أسَّسها تاليت دي مليت، أو طاليس الملطي كما يسميه مؤرخو العرب، ليست إلا شعاعًا من النور الذي انبثق من مصر؛ فقد رحل إليها طاليس وفيثاغورس وأفلاطون، وكل عظيم من فلاسفتهم لم يخطَّ حرفًا لم يكن تلقَّى أصله عن مصر العظيمة. فانظر أيها المصري وقارن وتأمل.

بعد هذا الاستطراد نعود فنقول إن أنتستين وديوجين الكلبيَّيْن حاولا هداية الناس إلى الحياة البسيطة، ولكن أهل عصرهما سخروا منهما كما سخر معاصرو روسو منه.

ولكن زينو رئيس الرواقيين اقتدى بهما في النصح باتباع الطبيعة في كل شيء، ثم إنه قاوم المذهب الروحاني في فلسفة أفلاطون وأرسطو، وقال إنه لا يوجد في الإنسان إلا الجسم، وقد عاد بذلك إلى الفلسفة اليونانية المادية القديمة، وبعث آراء هيراقليط من أن النار أصل كل شيء.

وقال زينو بأن كل فترة من التاريخ هي عبارة عن صورة طِبْق الأصل من الفترة السابقة، وهذا المبدأ فيثاغوري في أصله، وهو رأي يقصي الاختيار عن أعمال البشر، ويؤيد أننا مسيَّرون، وأننا كائنات ضعيفة في أيدي القضاء والقدر، وهذا هو الرأي الذي انتحله فردريك نيتشه، وبنى عليه فلسفته، ولم يذكر منشأه، ولكننا لا نسمي هذا سرقة أدبية، ولكننا نفسره بتوارد الخواطر؛ لأنه شتان بين هذا الرأي في بساطته وبين البناء الشامخ الذي شاده نيتشه، وليس هنا مجال الكلام في هذا البحث الجليل اللذيذ.

وقال الرواقيون بأن الله مادةً تملأ الكون والعالم، وأن خلقة العالم ثمرة مهارة فائقة، وقدرة لا حدَّ لها، كان الكمال والخير رائدَيْهما، وأن العالم إنما خُلق لخير الإنسان، بل هذا هو المبدأ القائل بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان؛ المعروف بتليولوجيا، وقال به سقراط وأفلاطون وأرسطو، ويمكن تسميته بحسب الاصطلاحات الحديثة الاستبشار أو «أوبتمزم»، وأفضل مَن يمثِّل هذا المبدأ في المحدثين ليبنتز أحد تلاميذ ديكارت (راجع فلسفة ديكارت، تأليف بوليه، جزآن طبع ليون)، وألطفُ مَن هزأ هذا المبدأ، وسخِر منه فولتير في قصته البديعة «كانديد»، فليقرأها مَن يشاء.

وقد استعان الرواقيون بكلمة قالها هيراقليط وهي «لوغوس»، ومعناها اللفظي كلمة، والمعنوي العقل المنتشر في الكون، وأطلقوها على معنى الخالق، فقالوا: إن الكلمة هي الخالق، وإن الخالق هو العقل الذي يوجِد الأشياء، والمادة التي تُخْلق منها الأشياء، وقد نسب بعض المفكرين بعض مبادئ الدين المسيحي الجليل إلى هذه المدرسة الفكرية، وعينوا ألفاظًا بالذات قالها بولس الرسول، وادعوا أنه اقتبسها من الشاعر أراتوس تلميذ زينون، وجار بولس الرسول في وطنه وهو طرسوس، وكانت مقرًّا لمدرسة رواقية (أعمال الرسل). وقد تأثَّر الرواقيون بآراء أفلاطون، فقبلوا القول ببقاء النفس بعد الموت، ولكن حياتها إذ ذاك لا تطول عن حياة العالم التابعة له، ثم تعود كغيرها من الكائنات فتمتزج بالمادة الإلهية لتُخْلق من جديد، وإن كل فترة من حياة العالَم تُكرَّر بحالتها؛ لأن الكمال لا يحتاج إلى تعديل، وهكذا تستمر الفترات تترى إلى أبد الآبدين.

وكان استبشار الرواقيين (أوبتمزم) في اعتقادهم أن العالَم مخلوق بفكرة الخير، ويقولون إن اللذة ليست خيرًا، كما أن الألم ليس شرًّا. وقد أخطأ هربرت سبنسر إذ قال إن الاستبشار معناه الاعتقاد برجوح كفة اللذة على كفة الألم في العالم، فكأنه يوحِّد بين اللذة والخير، وبين الشر والألم، وهي مختلفة. ويقول الرواقيون إن الفضيلة هي الخير الوحيد، وكانوا يحاربون الرذيلة، ويعتقدون أن ما في العالم من خير أو ضده صادر عن إرادة الخالق وفعله.

وكان أفلاطون أحذق منهم؛ لأنه نسب الشرَّ للمادة، وبذلك فرَّ من نسبة صدوره إلى الخالق، كذلك أرسطو لم تُعرف له هذه المشكلة؛ لأنه لم يقل بخالق، وكانوا يُنكِرون المعجزات، ويعتقدون بأن الحوادث متعاقبة متسلسلة غير منقطعة، ومتصلة بأول الدنيا، وأن الحرية الإلهية ليست مطلقة، وأنها مقيدة بمنطق الوجود الذي عيَّن الأشياء وحدَّدها، كبيرها وصغيرها، في سائر دوائر الخليقة؛ ولأجل هذا فإن التعبُّد والصلاة لا يغيران مجرى الحوادث، ولا يقلبان نظام الطبيعة لمصلحة المصلي، وأن الأقدار سائرة بقوة اندفاع اكتسبتها منذ الأزل، وتستمر عليها إلى آخر الدهر، وأن الله عز وجل لا يريد أن يتداخل بنفسه لينقذ رجلًا عادلًا مما كتب له في صحيفة القضاء.

فاعترض الناس على هذا القول، وقالوا كيف يرضى الله سبحانه وتعالى في هذا العالم الذي تقولون عنه إنه أفضل العوالم، وأعمها خيرًا، أن يهلك الفاضل العادل، ويسعد الشرير؟! فقالوا: إنما قلنا إن هذا العالَم أفضل العوالم إمكانًا، وإن هناك ضرورات منطقية لا تدركها عقولنا تقتضي أن يظهر الشرُّ بجانب الخير، وربما كان حدوث الخير متوقفًا على وقوع الشر! وإن قانون التناسب الخلقي يقضي باجتماع الأضداد لتتميز الأشياء؛ فلا يُعرف الخير إلا إذا عُرف الشر، كما أنه لا يُعرف النور بغير الظلام، ولا الحَرُّ بغير البرد، وإنه إن لم يكن في العالم باطل فلا محل للحق!

ولما كان الرواقيون قدريِّين فقد حدث أن رقيقًا لزينون سرق، فلما مَثُل بين يديه قال له: العفو يا مولاي، فإنني سرقت؛ لأنه مقضي عليَّ منذ الأزل أن أسرق، ولا أستطيع ردَّ القضاء. فأجابه زينون: وأنا أيضًا مقضي عليَّ أن أجلدك عقابًا لك، ولا أستطيع ردَّ القضاء! وهذه الحادثة البسيطة تجعل حقَّ العقاب على الذنوب مرتبطًا بالمنفعة العامة، وهذا هو الرأي الذي قال به بعد ذلك بنتام بعشرين قرنًا وأكثر (راجع ترجمة كتابه لفتحي زغلول).

ولكن الذي جعل تعليل زينون في جَلْد عبده مقبولًا هو أن العقاب على الذنوب قاصر على الحياة الأرضية؛ لأنهم لا يعتقدون في نعيم، ولا جحيم، ولا خلود، ولا بعث، ولا حياة بعد الموت، والذي يحيِّر العقول في مذهبهم أنهم لم يعرفوا الفضيلة، واكتفوا بالأمر باتباع الطبيعة.

لما تُوفي زينون خَلَفه كليانت ٣٠٠–٢٢٠ في زعامة الفرقة الفلسفية الرواقية، وهو إغريقي من ترود، وقد حلَّ أثينا مُعدِمًا فاستعان على مطالب الحياة بتوزيع المياه على النواطير المجاورة، وكان في أوقات فراغه يدرس الفلسفة، وإن صحَّت هذه الرواية أو كذبت فإنها تدل على أن العامل في بلاد الإغريق كان لا يَعْدَم حبَّ الفلسفة، ولا الفراغ للدرس. وقد روى المؤرخون أن فيلسوفنا الشهير أبا نصر الفارابي كان بستانيًّا، وكان كليانت السقَّاء حكيمًا، وشاعرًا أيضًا، وقد نظم نشيدًا لتمجيد الإله زفس؛ معبودهم في ذلك الحين، جاء فيه:

أيها القوي! تعددت أسماؤك وعظُم مجدك بين الخالدين، يا جوف، يا مصدر الطبيعة الأول، يا مَن ترشد الأشياء بالقانون، إن عبادتك فعل مقدَّس، نحن الناطقين أبناءك على الأرض قد فضَّلتنا على جميع المخلوقات. إن الكون المحيط بالعالم الأرضي يطيع إشارتك؛ لأن سيفك حادٌّ وقوي ولا يُغلب، إنك مالك الدنيا ومدبِّرها، وأنت الكلمة، وصاحب العقل المدبِّر (لوغوس)، لا قادر إلا أنت، ولا خالق إلا أنت. أنت الحكيم تقوِّم المعوج، وتنظِّم الفوضى، وتجمِّل الدميم، إن الذين لا ينظرون إليك، ولا يسمعون أمرك لا ينالون شيئًا من هناء الدنيا وخيرها. إن الناس قد ضلت؛ فعبدت المال والحب والطمع، فأنقذهم يا جوف العظيم من وهدة الجهل، إنك بذلك جدير، وعليه قدير!

ويظهر أن هذا التعبُّد الحار كان صادرًا عن قلب السقاء الفيلسوف بإخلاص، فأدى به إلى التعصب الذميم، فلما ظهر أريستارخوس العالِم الذي قال بدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس (قبل جاليليه بخمسة عشر قرنًا) أمر كليانت باتهامه بالإلحاد لمعاقبته أمام جميع أهل إغريقيا، ولا يذكر التاريخ مقدارَ ما وصل إليه من تهييج الرأي اليوناني ضد العالِم الفلكي، ولكن نظرية النظام الشمسي قُتلت في مهدها بفضل ذلك السقَّاء الفيلسوف المصلي.

وخَلَفه خرسيبوس، وسار على سُنَّة أساتذته في سمو الفكر وبساطة العيش، وقد قوَّى المذهب ودعَّمه حتى استطاعت مبادئه المقاوَمة خمسة قرون إلى أن ظهر بلوتينوس، وحطَّم آراء الماديين وهو زعيم مذهب أفلاطون المستحدث، وسيأتي الكلام عليه.

وظهرت آثار الرواقيين في اهتمام الناس بجمال الطبيعة، وحب النساء، وفي السعي وراء الملاذ، وهذا أدى بهم إلى نظم الشعر التمثيلي، وتحوَّلت ميول الناس نحو حب الأرض، والتمتُّع بزرعها وضرعها، وهذا أدى بهم إلى الاشتغال بسياسة الأراضي، فاتحد أحد فلاسفتهم سفاروس مع الملك كليمومينيس في الإصلاح الزراعي الذي تم في أسبرطة، وقام بلوسيوس بتهذيب الأخين الرومانيين جراكوس ودرَّبهم على طُرق الإصلاح الزراعي في روما، وقد أدى تشبعهما بهذه المبادئ لإحداث الثورة المعروفة باسمها في التاريخ الروماني، وقد انتشر المذهب الرواقي في روما، فعلم بعض أهلها المفكرين القناعة، وبساطة العيش، وبذل النفس في سبيل الجمهورية، وظهر من رجاله كاتون الصغير الذي ذهب ضحية مبادئه.

وقد أنتج هذا المذهب في روما ثلاثة من فحول الكتَّاب المصلحين وهم: سنيكا (مهذِّب نيرون)، وإبيكتيت (كاتب أخلاقي)، ومارك أوريل (إمبراطور فيلسوف)، ويرجع الفضل لهؤلاء الثلاثة في نشر المذهب وإعلاء شأنه في العالم المسيحي.

كان سنيكا إسباني المولد (٣ق.م–٦٥ب.م) جلبته أجربينا من منفاه، ووكلت إليه تهذيب ولدها نيرون الذي صار بعد ذلك عاتية روما، وأفظع الظالمين، فعيَّنه وزيرًا، ثم عزله فتآمر عليه، وكان يرجو من وراء المؤامرة أن يخلفه على العرش.

أما إبيكتت فكان معتوقًا، وعاش في القرن الثاني للمسيح يرتزق بتعليم الحكمة، وهو صاحب المثل السائر «احتمل واصفح»، وفيه من تعاليم التسامح المسيحي ما فيه.

أما مارك أوريليوس (١٢١–١٨٠) فيكفي في ذكره بالفضل أنه لم يشبهه في ملوك الإفرنج إلا اثنان: الملك أرتور المتصوف، والقديس لويس المجاهد الصليبي.

ومبادئ هؤلاء الفلاسفة الثلاثة يمكن التعبير عنها بثلاث كلمات: «الضمير والواجب والإنسانية».

فعبارة الضمير هي أرقى ما وصل إليه البحث العقلي والبحث الخلقي في فلسفة اليونان، وعبارة الواجب مرتكزة على قول الرواقيين بأن لوغوس خلق العالَم، وفرض لكل ذرة وظيفة تؤديها؛ فالواجب هو أساس الوجود، فالإنسان مخلوق ومحاط بظروف معينة تجعله بذاته قادرًا على القيام بأعمال معينة لا يستطيعها سواه. وقد أخذ جول سيمون فكرة الواجب وشرَحَها شرحًا مطولًا في كتاب معروف نقلنا بعضه إلى اللغة العربية، ونُشر في إحدى المجلات في ١٩١٢، ثم نقله إلى العربية برمته غيرُنا. والإنسانية معناها حب الناس بعضها بعضًا، والامتناع عن إلحاق الأذى ببعضهم، وأن الرِّق مخالف للقانون الطبيعي، وينبغي محوه من الوجود، وقال سنيكا: إن الناس تُولد بحقوق متماثلة، وقد بنى رجال القانون على هذا الرأي مبدأ تحرير الناس.

والذي ساعد على نشر هذا المبدأ الرواقي في روما، وفي المسيحية هو كونه فلسفة دينية غايتها القول بوحدة الوجود الطبيعي والمادي والروحاني.

(٢) السينيك المشككون أو «المرتابون»

بعد أن مات أفلاطون حلَّ محله في الأكاذيمية رجالٌ تعلَّقوا بدراسة محاوراته الأولى، وهم يمتون بحبل الفكر إلى بروتاغوراس وجورجياس أكثر منهم إلى سقراط، وأعظمهم قدْرًا أرسيسيالوس (٣١٥–٢٤٠) وكارنياديس (١٢٨–٢١٣) وقد حوَّلا قوة انتقادهما إلى خريسبوبوس مصلح الرواقية وزعيمها بعد زينون، ومما قالاه عبارات تشكِّك في كافة الحقائق المعلومة، سعيًا وراء هدم نظرية المعرفة التي أساسها العِلم بالحواس، والشعور بالعالم الخارجي.

والذي سوَّأ مركز الرواقيين هو أنهم كانوا يؤمنون بآلهة اليونان ذكورًا وإناثًا، ويصدِّقون بالوحي والتنبؤات؛ لأجل هذا هجم كارنياديس على الرواقيين، ونقد فلسفتهم، ووضع أساس فلسفة التشكيك، وكان مبدأهم الترجيح في خطط الحياة، وقد نجحوا في هدم غرور خصومهم، وأوصلونا إلى أوريل وسينكا وإييكتت.

(٣) الأبيقورية أو «فلسفة الملاذ»

مدرسة فلسفية مركزها وسط بين السابقتين، وهي أقرب إلى المشككين منها إلى الرواقيين.

أما أبيقور مؤسسها وزعيمها فكان جاهلًا بمبادئ العلوم الطبيعية، وكان لا يعتقد بكروية الأرض، ولا بأن الشمس والقمر هما في الحقيقة أكبر مما نراهما ويظنهما بحجمهما الطبيعي! ولا ندري كيف هُيِّئ له أن ينعش نظرية الذرات التي ظهر فضله فيها بعد موته بتسعة عشر قرنًا، وكان من أهل ساموس (٢٧٠–٣٤٢)، وعاش في أثينا، وكان محدود العقل، ويرى رأي أفلاطون في أن غاية الحقيقة الوصول إلى السعادة، وهو يفضِّل أخفَّ الضررين وأهون الشرَّين، ويكره العقائد الدينية؛ لأنها تشغل نفسه عن اللذة الناتجة عن «خلو البال». ويقول إنه لا يجوز للإنسان أن يخاف من المستقبل بعد الموت؛ لأنه لا حياة هناك. وأنكر تداخل الآلهة في شئون البشر، وأنكر الحياة بعد الموت، وكان لا يؤمن بها. ويذكر القارئ أن ديموقريط قال بمذهب الذرات، وهذا المذهب يؤدي بطبيعته إلى الإلحاد، فانتحله أبيقور لا تقديرًا لقيمته العلمية، ولكن لأن انتحال هذا المذهب ينقذه من الاعتقاد الإلهي الذي يؤدي إلى الاعتقاد بتداخل الله في أحوال الدنيا، وهذا الذي لا يريده أبيقور لا من وجهة علمية، ولكن ليريح فكره. ولما كان أبيقور جاهلًا جدًّا بمبادئ العلم الطبيعي، فقد حوَّر في مذهب الذرات تحويرًا ظنَّه يوفِّق بينه وبين تطور العلم الطبيعي منذ عهد ديموقريط صاحب هذا المذهب إلى عهد أبيقور بعد أن مرَّت الفلسفة والعلم بأرسطوطاليس العظيم.

وقوة الأبيقورية ليست مستمدَّة من المبادئ الطبيعية، ولكن من بحثها الأخلاقي، وجعلها اللذة غاية كل خير ومقصد كل حي في الوجود. ولكن هذا المذهب أيضًا، وهو تمجيد اللذة، لم يكن حديثًا، بل قال به من قبلُ ديموقريط نفسه صاحب مذهب الذرات، وإن كان لم يَفِه حقَّه من الشرح والتفسير فقد وفاه حقَّه أفلاطون نفسه في محاورته «بروتاغوراس» ونقَّحه وهذَّبه، وأيده في «كتاب النواميس». وخلاصة هذا المبدأ في رأيَي أبيقور وأفلاطون أن الفضيلة في الإنسان نتيجة الحذر، وليس مقصدنا بالفضيلة إسعاد الناس أو إسعاد العالم، ولكن مقصدنا هو إبعاد الأذى عن ذواتنا، وضمانة خيرنا الذي هو في حدوث اللذة، وانتفاء الألم، وهذا المذهب الذي يسميه الإنجليز «هدونيزم»، وكان الأقدمون يزيِّفون هذا المذهب بتمثيل اللذة في الشهوات البدنية، ويطعنون على اللذة ويمقتونها من طريق الطعن على تلك الشهوات، ولكنَّ شرْحَ أفلاطون وتفسيره نظريةَ اللذة لم يُبقِ مجالًا لهذا الاعتراض، لا سيما وأن أبيقور نفسه بيَّن أن اللذة ليست قاصرة على الإحساسات المادية، بدنية أو غير بدنية، بل إن للشعور المعنوي منها أوفر نصيب.

فذَكرَ قبل موته بيوم واحد أن تَذكُّرَ محادثةٍ فلسفية جرت له مع صديق خفَّفت ألمَه في داء من أقسى الأدواء وأشدها وطأً؛ ولذا كان الأبيقوريون يمجِّدون الصداقة، ويُعلُون شأن الوفاء فيها، وربما قد استعاضوا بلطف العِشرة عن قوة الإدراك والبحث العلمي؛ لأنهم كانوا بالفعل جهلاء، لدرجة أنهم لم يجرءوا على تعديل كلمة واحدة مما رسمه «الأستاذ الأكبر» أبيقور، وكانوا يَعُدون التحريف كفرًا لا يُغتفر؛ لأنهم كانوا قد ألهَوا زعيمهم وعبدوه، وهذه المدرسة الفكرية تدل على الحالة العلمية والعقلية التي وصلت إليها الحكمة بعد زعمائها الأُوَل، على أن لمذهب أبيقور أنصارًا عظماء، منهم: جيو الشهير الذي مات في مقتبل العمر بفرنسا؛ فقد كتب عنها كتابًا عظيمًا نال جائزةً من جمعية العلوم المدنية والسياسية بباريس، وهو يذكر أن كثيرًا من المذاهب الحديثة تَمُتُّ إلى الأبيقورية بحبل النَّسب (راجع كتابه La Morale d’Epicure et ses rapports avec Ies doctrines contemporaines، طبع فليكس، الكان سنة ١٩١٠).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠