مائدة أفلاطون

تأليف الحكيم اليوناني، فسَّرها باللغة العربية محمد لطفي جمعة، مصر ١٩٠٨–جنيف ١٩١٢
(أشخاص الوليمة الذين دارت بينهم المحاورة: أبولودورس – صديق له – جلاكو – أريسطوديمس – سقراط – أجاثون – فيدروس – بوسانياس – أريكسماكوس – أريسطوفانيس – ديويتما – السيبياديس.)
أبولودروس: أظن الموضوع الذي تسألني فيه لا يزال حاضرًا في ذهني؛ لأنني بينما كنت أمس عائدًا من فاليروس إلى داري، رآني صديق فدعاني، وقال ممازحًا: «يا ابن فاليرورس! ألا يمكنك أن تنتظر لحظة، حتى تقصَّ عليَّ ما سمعته من المحاورة التي دارت على الحب في مجلس ضم أجاثون، وسقراط، والسيبياديس، وغيرهم، وقد سمع بهذه المحاورة صديقٌ رواها له فينيكس بن فيليبس، وذكر لي أنك تستطيع أن تعيدها بإسهاب وجلاء، فتكرَّم عليَّ بإعادة تلك المحاورة؛ فإني أعلمك صادقَ الرواية لما تسمعه من أخبار أحبابك وأصدقائك، ولكن بحقي عليك هل سمعت المحاورة بأُذنك أم رويتها عن سواك؟»

فأجبته: يلوح لي أن مُخبِرك لم يَجلُ لك ما غمض عليك؛ فأنت تسألني إن كنتُ سمعت المحاورة بأُذني، كأنها بنت أمس، وكأنني كنت من أشخاصها!

جلاكو: لقد ظننت ذلك.

فأجبته: كيف يكون ذلك يا جلاكو وأنت تعلم أن أجاثون غائب عن المدينة منذ أمدٍ بعيد، ولم يمضِ أكثر من ثلاث سنين على ملازمتي سقراط، ومحادثته وتقييد أقواله، ومراقبة أعماله؟ أما قبل ذلك فقد كنت هائمًا على وجهي، لا أستقر على حال، ولا أعرف لنفسي مكانًا تسكن إليه، وكنت في ذلك العهد أشعر بشقاء وغم أعظم من شقائك وغمك اللذين تشعر بهما الآن، وكنت أود لو أنني عشقت غير الحكمة التي تُشقي مَن يحبُّها …

جلاكو (مقاطعًا): لا تُماحِك، واذكر لي ما تعلم عن المحاورة!

أجبته: لما كنا في عهد الطفولة، ونال أجاثون جائزةً لحِذْقه في وضع الروايات التمثيلية الفاجعة، وبعد ذلك الفوز العظيم بيوم احتفل أجاثون وجماعة الممثلين احتفالًا فخمًا قدَّموا فيه الضحايا للآلهة …

جلاكو: يظهر لي أن ذلك الخبر يرجع إلى السنين الغابرة؛ فمن ذا الذي رواه لك، وقصَّ عليك القصة بأكملها؟ وهل سمعت تفصيل الخبر من سقراط بذاته؟

فأجبته: لا وحقِ المشتري! بل سمعته من محدِّث فينيكس نفسه؛ رجل اسمه أريسطوديمس ينتمي إلى «سيداثبنا» وهو شخص قصير القامة، نحيل البدن، كان يسير في الطرق بلا نعال، وكان حاضرًا بذاته الوليمةَ التي أولمها أجاثون إكرامًا لفوزه؛ لأن أريسطوديمس كان أعلق أهل زمانه بسقراط، وأكثرهم إعجابًا به، وقد سألت سقراط عن بعض ما سمعته من مريده أريسطوديمس، فأكده لي.

جلاكو: فلماذ إذًا لا تقصُّ عليَّ هذا الحديث الحسن ونحن سائرون إلى المدينة، سيما والسبيل سهل لا تشوبه شائبة، ولا تعتوره وعورة، ولا شيء أدعى لتسهيل السير من المحاضرة؟!

فأخذت أقصُّ عليه ما وعته الذاكرة من المحاورة التي دارت على الحب، وحاولت جهد طاقتي ألا يفوتني مما سمعت شيء، فإذا أردت أنت أيضًا أن أعيد على سمعك هذه المحاورة، فلا أضن عليك بما تريد؛ فإنه لا يسرني شيء مثل الكلام في الحكمة، أو سماع ما يُقال فيها، وهذا لسببين: الأول ما استنبطه من الفوائد، وما استوعبه من المنافع من أحاديث الفلسفة. والسبب الثاني إشباع ما ركز في نفسي من غريزة حب الحكمة، ولكني كلما أسمع أحاديثك عن عجول الذهب وعباد المال أشعر بحزن شديد، وأشفق عليك يا مَن لا تعمل شيئًا، وتحسب نفسك تقوم بكل شيء! ربما تظنني مسكينًا بائسًا وأنت عند ظنك؛ أما أنا فلا أظن، بل أعتقد وأؤكد أنك كذلك.

الرفيق: إنك لا تتغير أبدًا يا أبولودروس؛ فأنت على الدوام تنتقص الناس وتبخس نفسك، ويلوح لي أنك تحسب سائر الناس أشقياء بائسين وأنت فيهم، وليس في الوجود شخص سعيد سوى سقراط، وهذا ثبات في الرأي يندُر في المجانين، وقد ادعى الناس بأنك منهم!
أبولودروس: حقيقة الأمر يا صاحبي هي أنني مجنون لأمر واحد، وهو تشبثي برأيي فيك وفي نفسي.
الرفيق: ليس يجدينا أن نبحث في تلك الأمور نفعًا يا أبولودروس! فتفضَّل عليَّ بالحديث الذي وعدتَ.
أبولودروس: سأشرع توًّا في الحديث، وأتلوه عليك بالترتيب الذي اتبعه أريسطوديمس.

روى أريسطوديمس أنه لقي سقراط يومًا نظيف الوجه، حسن الهيئة، منتعلًا على خلاف عادته، فسأله عن حاله ولأي شيء خرج عن حدِّه في التزيُّن والتجمُّل، فقال سقراط: دعاني أجاثون إلى وليمته، فلم أُجِبه أمس لاجتماع قوم من الغوغاء عنده أثناء بذل الضحايا للآلهة، واليوم قصدت أن أجيبه؛ أما عن تزيُّني فاعلم أنه ينبغي لك أن تتجمَّل إذا أردت أن تدنو من أرباب الجمال، وأنت يا أريسطوديمس ما قولك في أنك تصحبني غير مدعوٍّ إلى دار صاحبنا أجاثون؟ فقال أريسطوديمس: إنني أفعل ما تريد، فقال سقراط: إذًا هيا بنا! فقد جاء في الأمثال «لا كُلفة ولا دعوة بين الأخيار.» وقد أخطأ هوميروس، ولم يحسن استعمال هذا المَثَل في الإلياذة؛ إذ وصف أغاممنون بالشجاعة والبطش في ميدان الوغى، وذكر عن مينيلاوس أنه جبان عاجز، وهيَّأ له أن يتطفل على مائدة أغاممنون؛ عملًا بالمثل السابق على ما بينهما من الفروق في الأخلاق.

قال أريسطوديمس: وإني أرى نفسي يا سقراط في مأزق حرج لا يقل ما يلحقني من اللوم والذم فيه عما لحق مينيلاوس؛ فأنَّى لي أن أضارع أجاثون فضلًا، أو أدانيه فخرًا! أفلا تنتحل لي يا سقراط عذرًا أركن إليه؟ كأن تقول إنك أنت دعوتني.

قال سقراط: لعلنا في طريقنا نوفَّق إلى عذر ننتحله … فانطلقا، وكان سقراط في أثناء الطريق قد فُتح عليه، فأخذ يفكِّر فيما طرأ له فسار الهوينا، وتخلَّف عن رفيقه أريسطوديمس، فلما رأى أن رفيقه انتظره سأله أن يتقدَّمه فصدع بأمره.

ولما بلغ دار أجاثون وجد الباب مفتوحًا، ورأى عبدًا يستقبل الأضياف، فلما بصر العبد به دنا وسار بين يديه إلى أن بلغ مجلس الأضياف، فلما بصر أجاثون بأريسطوديمس قال:

أجاثون: جئت في وقت حاجتنا إليك؛ فأنت ضيفنا الليلة على العشاء، فإن كانت لك حاجة فأرجئها إلى فرصة أخرى، كنت ألتمسك أمس لأدعوك، ولكنني لم أهتدِ إليك، ولكن كيف أنك لم تصطحب سقراط؟ (فتلفَّت أريسطوديمس لعله يرى سقراط فلم يره؛ لأنه لم يبلغ الدار.)
أريسطوديمس: لقد جئت معه، وهو الذي دعاني إلى وليمتك.
أجاثون: لقد أحسنت، ولكن أين سقراط؟
أريسطوديمس: كان يصحبني في قدومنا، ولكن لا أدري أين هو.
أجاثون (لأحد غلمانه): اذهب يا غلام واستقدم سقراط؛ أما أنت يا أريسطوديمس فاتكئ هنا بجانب أريكسماكوس، ثم أمر عبدًا أن يغسل قدميه ليستطيع الاتكاء، ثم جاء عبدٌ غير الذي راح يبحث عن سقراط، وقال إنه لجأ إلى خلوة، ووقف وأبى أن يدخل غرفة الأضياف؛ فنهر أجاثون عبده، وأمره أن يذهب ولا يعود بدون سقراط.
أريسطوديمس: دعُوه ولا تقطعوا عليه تأملاته؛ فهذه عادته إذا أدركه التفكير يخلو بنفسه حتى يفرُغ من النظر فيما عَرَض له، فإذا تُرك وشأنه فإنه لا محالة يحضر.
أجاثون: ليكن لك ما تريد! (لعبيده وخدمه) أعدوا لنا المائدة أيها الغلمان، وأحضروا لنا ما تريدون؛ لأنني لا أريد أن يكون لمائدتي رئيس، وكأنني وأضيافي ضيوف عليكم فلا تقصِّروا في حقنا!

ثم شرعوا في تناول الطعام ولما يخرج سقراط من خلوته، وكان أجاثون يشدد في استقدامه وأريسطوديمس يلح في تركه، وبعد الفراغ من نصف الطعام دخل سقراط ولم تطُل خلوته كعادته، فلما بصر به أجاثون وكان متكئًا على حدةٍ في مؤخر المائدة قال له:

أجاثون: إليَّ يا سقراط، واجلس بجانبي لعلي أستفيد بمجاورتك ثمرة ما أوتيته من الحكمة بعد أن خلوت بنفسك أمدًا، ولا ريب في أنك استنبطت رأيًا جديدًا أو فكرًا صائبًا؛ فجلس بجواره وقال:
سقراط: لو كانت الحكمة كالماء تفيض من وعاء مملوء إلى وعاء خلو منها حتى يستوي نصيبا الوِعاءيْن، إذًا لعددت نفسي أسعد الناس حالًا بمجالستك؛ لأنك كنت تملأ وعائي حكمة وعلمًا؛ لأن حكمتي غامضة مبهمة، وهي أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة؛ أما حكمتك فمتألقة وقد جُزيت عنها بما تستحق من التكريم، وقد فُقتَ وأنت لا تزال فتيًّا الشيوخَ في الفضل والأدب، وانبعثت أنوارهما منك، فكنت منبثقًا لنور لا تدركه ظلمة، وقد شهد بذلك أمس ثلاثون ألفًا من الإغريق.
أجاثون: أنت تسخر مني يا سقراط، وعما قليل سنحتكم في فض هذا النزاع الفلسفي إلى باكوس إله الخمر؛ أما الآن فبادر إلى تناول ما تسُدُّ به رمقك!

وبعد أن فرغ سقراط وصَحبُه من تناول الطعام واتكئوا على وسائدهم وذرابيهم المبثوثة، وصُبَّت السكائب، وأُنشدت الأغاني للإله، وأُقيمت سائر الرسوم والشعائر المعروفة، أخذ الجماعة يشربون الخمور المعتَّقة، ويُحيون شريعة باكوس، فتقدَّم بوسانياس بهذا الرأي.

بوسانياس: أي الطُّرق أحبُّ إلى قلوبنا في معاقرة الخمر؟ لا أخفي عليكم أنني لا أزال مريضًا من أثر النبيذ الذي شربناه أمس، وأشعر من نفسي بحاجة إلى هدنة، وأحسبكم جميعًا كذلك؛ لأن هذا المجلس كان يضمنا جميعًا، فانظروا في أمرنا كيف نشرب في ليلتنا هذه بحيث تبهجنا النشوة ولا يزعجنا الخمَّار.
أريسطوفانيس: نِعمَ الرأي رأيك يا بوسانياس! فخيرٌ لنا أن نمزج كُمَيْت الكئوس بماء الاعتدال؛ فإنني كنت ممن غلبهم باكوس على أمرهم، فأغرقني هذا الإله القاسي في جرعة لبهيمة!
أريكسماكوس: إنني على رأيكما، وأريد أن أعلم هل ينوي أجاثون أن يعيد الكرَّة الليلة؟
أجاثون: كلا! فإنني لا أستطيع أن أنال من الراح ما نلتُ أمس.
أريكسماكوس: إن كان هذا رأيكم وأنتم أئمة الخمر، فأخلق به أن يكون رأيي ورأي غيري ممن لم يتعوَّدوا عبادة باكوس حق عبادته، أمثال أريسطوديمس وفيدروس وغيرهما؛ على أنني أستثني سقراط؛ لأنه القادر على كل شيء؛ فلذا يسُرُّه ما يسُرُّنا، ويرضيه ما يرضينا، وحيث إنه ليس فينا مَن ينوي الإكثار من النبيذ، فقد هيأتم لي بابًا ألج منه إلى تبيين مضار السُّكْر ونقائصه، فأقول إن الطب يدلنا أن السُّكْر مضرٌّ؛ فلذا ترونني لا أفرِّط في الشراب، ولا أشير على أحد بالخمر ليلة بعد ليلة …
فيدروس: إنك مصيب في قولك، ولي ثقة في نصائحك الطبية، وسأسير الليلة على خطتك إذا سار سائر الأصحاب.

فاتفقوا جميعًا على أن يشربوا ليطربوا لا ليُسكَروا.

أريكسماكوس: حيث الأمر كذلك فلن يُرغم أحد على أن يشرب أكثر مما يطيق، ولا حاجة لنا بالنافخة في المزمار، فإما نرسلها إلى خِدر النساء تطربهن بأنغامها، وإما نتركها تنفخ لنفسها، وليكن مجلسنا قاصرًا على ما يدور بيننا من المحاورات، وإن أذنتم لي اقترحت عليكم بحثًا يدور عليه محور السَّمَر.

فضجَّ الجميع، وقالوا: «اقترح علينا ما تريد!»

أريكسماكوس: إن ديباجة حديثي تشبه أسلوب مناليب ليوريبيد؛ لأن الحديث الذي سأرويه ليس صادرًا عني؛ لأنني وسيط بينكم وبين صاحب الرأي وهو فيدروس؛ فأنا أنقل لكم ما يريد إبلاغكم إياه؛ ذلك أنه شكا لي مرة بعد أخرى قائلًا: أليس من العجيب يا أريكسماكوس ألا يكون بين الأناشيد والأغاني التي يترنم بها الناس أغنية واحدة أو نشيد مفرد ينظمه شاعر من الشعراء لتمجيد الحب وهو من أعظم الأرباب؟! وكيف أن كبار المغالطين أمثال بروديكوس يسبِّحون في شعرهم باسم هرقل، وليس فيهم مَن أعطى الحبَّ حقَّه من التسبيح والثناء! وأغرب من ذلك أنني عثرت بالأمس بكتاب أحد الفلاسفة، وقد ذكر فيه محاسن المِلح ومنافعه وغير ذلك من السفاسف، فغضبت لضياع أمثال تلك الدرر الغوالي في تمجيدها، ودهشت لإحجام الشعراء والكتاب عن امتداح إله الحب وهو من أعظم الأرباب!

فوجدت قول فيدروس على جانب من العدل؛ فلذا أقترح الليلة عليكم اقتراحًا يجدُر بكم تنفيذه، ولا ريب أن فيدروس يغتبط به اغتباطًا عظيمًا، وهو أن تطرحوا الحب على بساط البحث والمناقشة شريطة أن يمدحه كلٌّ منكم بأبلغ ما يستطيع، وليبدأ فيدروس؛ لأنه أول دُرَّة في عِقدنا بحسب ترتيب الجلوس؛ ولأنه صاحب الاقتراح.

سقراط: ليس هنا مَن يعترضك أو يخالف رأيك؛ أما أنا فلا أكترث لشيءٍ سوى الحب، وكذلك أجاثون وبوسانياس وأريسطوفانيس؛ فقد قضوا حياتهم في تمجيد الزهرة إلهة الحب وباكوس إله الخمر، بل كل الجالسين هنا حالهم واحدة، ثم إن أماكن أصحابي في الجلوس تأذنهم بالبداية في الحديث، فلا تبلغني النوبة حتى يكونوا قد وفَّوا البحث حقَّه، واستقصوا محسنات البلاغة في ترصيعه وتجميله، فيكون قولنا بعدهم فضولًا وتطفُّلًا، فباسم السعد أدعو فيدروس إلى الكلام!

قال أبولودورس لرفيقه: «ولا يذكر أريسطوديمس سائر ما قاله كلٌّ بمفرده، إنما علِق بذهنه أهم ما قيل، وهاك بعض ما أذكر مما رواه لي أريسطوديمس» شرعَ فيدروس في الكلام على الحب فقال:

فيدروس: إن الحبَّ ربٌّ عظيم قادر، وهو موضع إعجاب الأرباب والناس لدواعٍ كثيرة، أهمها: منشئوه وأصله؛ فهو من أقدمِ الآلهة، وليس له والدان، ولم يذكر شاعر من الشعراء أن غيره من الأرباب يماثله في ذلك. وقال هصيود: «إن الفوضى سادت الكون، ثم خُلقت الأرض، فكانت أساسًا ثابتًا لكل شيء، وتلاها الحبُّ في الخليقة.» وقال بارمنيد عن أصل الخلق: «إن الحب كان قبل غيره من الآلهة.» وقد اتفق أكيوسيليس وهصيود في هذا الرأي؛ فالحب باتفاق جميع الحكماء من أقدم الأشياء، دع عنك أنه منبع أعظم المنافع لبنى الإنسان، فليس في العالم سعادة ولا نفع أعظم مما يعود على إنسان في مقتبل العمر من محبِّه أو محبوبه؛ فلا شرف المولد، ولا عز الغنى، ولا علو الجاه توقظ في نفوس عشاق المجد من العواطف التي تضيء نفوسهم، وتنير بصائرهم ما يوقظه الحب منها؛ فمن تلك العواطف عاطفة الخجل من السقوط في هوة العار، وعاطفة التفاني في حب العلا التي تؤدي إلى القيام بكبار الأعمال وعظائم الأمور، وليست هذه القاعدة مقصورة على الأفراد، بل تتعداهم إلى الجماعات والشعوب؛ فإنه بدون هاتين العاطفتين لا يتهيأ لأحد إتيان الأعمال الجليلة الجميلة، ومما يثبت قولي أن العاشق إذا اقترف إثمًا أو استُغضب ولم يغضب جبنًا لا حلمًا، وكان ذلك في حضرة مَن يحب فإن ألمه من الخجل من محبوبه يكون أشد وأقسى مما لو كان سائر أهله وأقاربه وصحبِه أو سواهم يشهدون مذلَّته، ويحدث مثل ذلك بين الأصدقاء فيصعب على الصديق أن يلقاه صديق في حالٍ شائنة أو في فعلٍ مهين.

وكذلك إذا ارتبطت قلوب فئةٍ قليلة أو كثيرة برباط المودة وكونت حكومة أو جيشًا محاربًا، فلا ريب في أن ما بينهم من روابط الصداقة والود يدعوهم إلى أداء ما يجب عليهم حق أداء؛ فلا يسود بينهم شِقاق، ولا تقوم للخلاف فيهم قائمة، كذلك لا يكون للحسد والأحقاد عليهم سلطان فيتنافسون في حب الشهرة، ويتسابقون في ميدان المطامع الشريفة، ويبتعدون عن الشهوات المؤدية إلى فساد أمورهم، وانحلال رابطتهم، وانفصام عروتهم، وكذلك إذا كانوا جيشًا فهيهات أن يملكهم العدو أو ينال منهم إربًا؛ لما بينهم من التضامن القوي؛ فلا يستطيع واحد أن يفر من الردى أو يستسلم للعدو؛ لأن خجله من صحبِه أشد عليه وأقسى من ضرب السيوف، ورشق السهام، ولا يَعْذُب الموتُ إلا في الحب، فيود أحدهم لو يموت ألف مرة، وذلك أفضل لديه من الفرار تاركًا وراءه أحبابه يجرعون كئوس الموت الزؤام. وليس في الورى شخص مهما كان وضيعًا لا يوحي إليه الحب أسرار الفضيلة، وقد يسمو بهذا الوحي لدرجة مَن رُكزت الفضيلة في طبيعته، وقد قال هوميروس إن الإله ينفخ في أرواح بعض الأبطال، ويهبهم من لدنه قوة، كذلك الحب ينفخ في قلوب المحبين من روحه، وليست تلك النعمة قاصرة على الرجال، بل تتعداهم إلى النساء اللائي يحببن؛ فقد تفدي المرأة المحبة محبوبها بنفسها، وخير مثال لتفاني المرأة التي نفخ الحب في قلبها من روحه السستيس بنت بلياس؛ فقد بذلت نفسها فداء زوجها، وقد بلغ حبُّها إياه مبلغًا لم يبلغه حب الوالدين والأهل والأقارب، فكانوا حياله كالأجانب الغرباء، وكأن لا رابطة بينهم وبينه إلا الاسم والكنية، فأُعجب الناس بذلك الحب العظيم، وأُعجب به كذلك الآلهة أنفسهم فأنقذوا نفس السستيس من العذاب الأليم، فدلَّ ذلك على تقدير الأرباب عواطف الحب والإخلاص قدْرها.

أما أرفيوس بن إياجرس فقد عاد من الجحيم بصفقة المغبون؛ لأن الآلهة لم يظهروا له سوى شبح التي جاء من أجلها؛ لأنهم اعتبروه أقل إخلاصًا من السستيس التي لم تحجم عن الموت، واستهانت بعذاب الجحيم في جنب اتصال نفسها بنفس زوجها؛ أما أرفيوس فقد جَبُن، وأحجم عن الموت، وطلب إلى الأرباب أن ينزلوه إلى الجحيم حيًّا، فكان عقابه على جُبْنه وضعف إخلاصه أن الآلهة قضوا عليه بأن يموت قتلًا بأيدي النساء.

وأما ما حدث لآخيل فهو أن الآلهة أسكنوه دار النعيم جزاء شجاعته، وإخلاصه في صداقته؛ فقد نبأته أمه أن أجله معلَّق بأجل هيكتور، فإن قُتل هيكتور تبعه آخيل، ولو أن آخيل لم يقتل هيكتور طال عمره، ومات شيخًا، ومع عِلم آخيل بدنوِّ أجله، وصِدْقِ ذلك النبأ العظيم، فقد راقه الموت بقتل هيكتور انتقامًا لصديقه باتروكلس، وغَيرةً على شرفه، فمجَّد اليونان ذلك الإخلاص وتلك الصداقة في شخص آخيل؛ لأنه فضَّل صديقه على كل شيء، وقد جزى الآلهةُ آخيل جزاءً أعظم من جزائهم السستيس؛ لأنهم أسكنوه دار النعيم.

لأجل هذا قلتُ إن الحب هو أقدم الأرباب وأفضلهم وأقدرهم على منْحِ الفضيلة والسعادة لبني الإنسان، أحياءً وأمواتًا.

هذا ما رواه أريسطوديمس من حديث فيدروس، وقد تكلَّم بعده غيرُه حتى جاءت نوْبةُ بوسانياس قال:

بوسانياس: إننا لو قصَرْنا بحثنا على التسبيح بمجد الحب، وذِكْرِ محاسنه، لكان ميدان البحث محدودًا، ومجال القول ضيقًا، ولو كان الحب نوعًا واحدًا لكان لنا عُذرٌ في قصر بحثنا على مدحه، ولكن حيث إن الحب أنواعٌ متعددة فسأقصر قولي على تمييز الحب الجدير بالمدح عن غيره، حتى إذا ميَّزتُه أثنيتُ عليه بما في وُسعي، وامتدحته جهدي. نعلم جميعًا أن الزهرة لا تعيش بغير حبٍّ، فلو كانت الزهرة واحدة لكان الحب واحدًا غير متعدد، ولكن الزهرة زهرتان لا زهرة واحدة، والحب كذلك حُبَّان لا حب مفرد؛ أما أولى الزهرتين وكبراهما فهي أورانيان، وهي بنت أورانوس البِكر، ولم تلدها والدة، والأخرى صغرى الزهرتين وهي بنت المشتري وديون، واسمها باندميان؛ لأجل هذا كان لكل زهرة من تَيْنِك الزهرتين (أورانيان وباندميان) حبٌّ خاصٌّ بها؛ فحب الأولى لا يتخلَّى عنها، وحب الثانية يلازمها على الدوام؛ وغني عن البيان أن سائر الأرباب خليقة بالمدح والثناء، ولكن لكل ربٍّ صفات تميِّزه عن غيره، وقد يعلو قدْر البعض على البعض؛ وتعلمون أن كل فعل من الأفعال على الإطلاق هو مجرَّد بطبيعته عن صفتَي الخير والشر؛ فنحن الساعة في شُربٍ وطَربٍ وسمرٍ، وليس في شيء مما ذكرتُ صفةٌ تقصيه عن الخير، أو تدنيه إلى الشرِّ، ولكن الحال التي نشرب عليها أو نطرب بها هي وحدها التي تصبغ الشراب والطرب بصبغة الخير أو ضده، فما نُحسِن صنعُه بقطع النظر عن طبيعته يُعَد خيرًا، وما نسيء فعله بقطعِ النظرِ عن طبعه يُعَد شرًّا؛ لذلك ليست سائر أنواع الحب كلها جميلة أو جديرة بالثناء.

إنما سيد أنواع الحب هو الذي لا نَهون به، بل يزيدنا عزًّا وسؤددًا؛ فالحب الملازم لزهرة بانديموس هو الحب الذي تعرفه العامة، وتهيم به كالبَهْمِ لما فيه من الشهوات الدنيئة، وهذا النوع خصيص بالطبقات النازلة من البشر، وعبَّاد هذا الإله يعشقون الأبدان، ولا يأبهون للنفوس، ويفضِّلون الجهل على العلم، ويستهينون بالشرف والجمال، ولا يعملون إلا لإطفاء نيران شهوات الجسد، وهذا الحب مشتق من الآلهة الصغرى التي تجمع في طبيعتها بين الذكر والأنثى. أما الحبُّ الملازم لزهرة أورانوس التي لا تجمع في طبيعتها بين النقيضين فهو الحب المذكر الذي يوحي الإخلاص والنقاء، ويربأ بنا عن مواطن الاندفاع فيما تسوء عاقبته من الشهوات والفساد. وعبَّاد هذه الآلهة يعشقون القوة والجمال في العقل والجسم، ويمكن تمييزهم عن غيرهم في إبان صباهم بتعشُّقهم أصحاب العقول الناضجة والنفوس الصحيحة، وأمثال هؤلاء مهما طرأ عليهم في حياتهم من التغيُّر والتقلُّب في الخير والشر لا يزالون على سنن عهود المودة والإخاء لا يغيِّرونها، ولا يرضون بها بديلًا، ولا ينبغي لأحد أن يتعشَّق الأحداث؛ لأنه يستحيل عليه أن يتكهَّن بما يكون لهم في مستقبل أيامهم من قوة العقل وضعفه، وسمو المدارك وانحطاطها، سيما وأن هذا الحب الطاهر أشرف وأرقى من أن يُوضع في مواضع الشك والارتياب؛ والأخيار يضعون لأنفسهم حدودًا لا يتعدونها في تلك الحال، أما الأشرار فلا بد من إخضاعهم لتلك القوانين التي يخضع لها الأخيار، أرادوا أم لم يريدوا؛ لأن من فِعالهم المنكَرة وطباعِهم المذمومة ما يدعو البعض من الواقفين على عيوبهم وقبائحهم إلى القول بأن القيام على مسرَّات مَن نحب وخدمتهم هو من العار بمكانٍ، مع أن مَن يقوم على مسرات محبوبه وخدمته حسبما تقتضيه القوانين المقبولة والعادات المستحسنة لا يكون عُرضةً للوم مطلقًا.

إن الحكومات المستبدة الظالمة التي يعيش في ظلالها الوحشيون من البربر وغيرهم تحرِّم الصداقات بينهم، وتمنعهم تعليمَ الحكمة، وتعيب عليهم رياضة الأبدان؛ لأن كلًّا من تلك الخلال الثلاث يدعو إلى الأُلفة والمودة بين الرعية، وفي تَيْنِك النعمتين من اتحاد المحكومين وقوتهم ما يخشى عواقبه الحكامُ الظالمون. وحقيقة الأمر هي أن الحب وحده هو مسبِّب الأُلفة وموجِد القوة، وقد انفصمت عُرْوة الظلم، وانفرجت أَزِمَّة الاستبداد بفضل الحب الذي نبت ونما في قلبَي هارموديوس وصاحبه أريستوجبتون، ولا ريب في أن الجمعية التي تُعتبر فيها خدمةُ الأصدقاء، والسعي في نفع الأحباب عارًا أو مَذمَّة يُستدل بتلك الحال فيها على فساد نية المقِّننين، واندفاع الحاكمين في تيار المظالم والمطامع الدنيئة، ولا يكون هذا إلا إذا كان المحكومون من الجُبن والضَّعف والاستكانة بمكانٍ عظيم. كذلك الجمعية التي تُعتبر فيها خدمة الأصدقاء، والسعي في نفع الأحباب أمرًا عاديًّا لا واجبًا عظيمًا تحتِّمه مكارم الأخلاق، وتقتضيه الأُلفة يُستدل بتلك الحال فيها على قُرْبها من كمال الأخلاق، وإن كانت لا تزال بعيدةً عنه، ويُستدل كذلك بها على عجزِ الحكام والمُتُشرعين الذين وضعوا القوانين، وسنُّوا السُّنن عن بلوغ الغاية التي يستلزمها الود الصحيح والمحبة الصادقة.

وغني عن البيان أن أشرف الحب ما كان جهرًا لا سرًّا، سيما لأصحاب النفوس القوية والعواطف المشتعلة، وأشرف أنواع الحب ما كان لأجل الفضيلة وكمال النفس، لا حسن الوجه وجمال الجسم. والحبُّ الشريف يقتضي أن يحرص المحبُّ على المحبوب ويرعاه ليبقى أبدًا طاهر النفس، نقي القلب، مملوءًا بالفضيلة. ومما يقتضيه شرفُ الحب أن نسعى جهدنا في نيل رضى المحبوب ومحبته، وقد عاب الفلاسفة مَن يُحبُّ ويغفل ذلك، ولتسهيل بلوغ هذه الغاية أباح العُرف للعاشق أن يستعطِف معشوقه بوسائلَ عجيبةٍ لا تخطُر بالبال، لو استخدمها الإنسان في غير استعطاف محبوبه عرَّض نفسَّه لأقسى تأنيب وأشد ذم؛ فلو أن شحيحًا محبًّا للمال صرف عُمرَه في جمعه وتكويمه، أو طَموحًا ميَّالًا للحصول على القوة والنفوذ، سعى أحدهما إلى بلوغ غايته بالاستعطاف والتذلُّل والغِلَظ في القَسَم كما يغلظ المحبون، والرُّقاد على الأعتاب وتقديم ذاته للعبودية التي لا يطيقها أدنى الرقيق؛ فإنه لا شكَّ يُبعَد ويُحْرم من نيل غايته بأعدائه وأصحابه؛ فإن أعداءه يذمُّونه لتمليقه، وأحبابَه يلومونه ويتحمَّلون عنه ما يلصق به من العيب، ولكن إذا كان عاشق يفعل كل تلك الفعال فإنه يكون منه مقبولًا، ولا يُخشى على كرامته وشرفه، ويُقال إن الأرباب تصفح عن العاشق إذا حنث في يمينه، ولو أنه أقسم بالزُّهَرَة، وذلك كما صرَّحت قوانيننا؛ فإن الأرباب والبشر تمنح العاشق أعظم ما يمكن من العفو والرحمة.

إن المسألة على ظني هي كما قلتُ سابقًا؛ فالحب لا يمكن أن يُعتبر بذاته شريفًا أو غير شريف؛ فإذا كانت طريقه شريفة فهو شريف، وإن كانت الطريق غير شريفة كان الحب كذلك؛ لأنه مما يَحُطَّ من القدْر خدمةُ الأدنياء، كما أن خدمة الشرفاء تعلي القدْر؛ فالعاشق البنديمي الذي يحب البَدَن ويفضِّله على النَّفْس لا قدْرَ له، ولا ثبات له، ولا بقاء لحبِّه؛ لأنه وقف حبه على الشيء الزائل؛ لأنه إذا ذوت زَهرةُ الشكل التي كانت غاية حبه، فإنه ينصرف ولا يعود غير مربوط بعهد ولا ميثاق غير خَجِلٍ من الخلف في وعوده. أما محب الخِلال الفاضلة فإنه يَثبُت مدى الحياة؛ لأنه وضع نفسه بانسجام ورغبة في الشيء الثابت الذي لا يتحوَّل. هذان النوعان من الأشخاص ينبغي التمييز بينهما باحتراس؛ فنعاشر الواحد ونخدمه، ونبتعد عن الآخر ونذُمَّه.

وكذلك يَعُدُّون من قلة الشرفِ الوقوع في الحب مباشرة؛ لئلا يكون الوقت كافيًا للتحقُّق من حقيقة المحبوب، والتأكُّد من خُلُقه، كذلك من المخل بالشرف أن يجذب الشخص بالمال والقوة، أو أن يخشى السب فيترك الحبَّ.

إن لنا رأيًا متعلِّقًا بالعشاق، مؤداه أنه لا يكون من الذل أو المخجِل أن يقوم العاشق بأنواع الخدمة، وأن يذل لأجل المعشوق، ورَأْيُنا في ذلك كرأي مَن يقاسي الألم والهوان لأجل الفضيلة، كذلك نحن لا نعتبر ذلًّا أو هوانًا خضوعَ الرجل ليتعلَّم العلم، أو ليتصف بالفضائل، كذلك نحن نعتبر مذلَّةَ العاشق مفخرةً؛ لأن غايتها كغاية الذُّل في سبيل الفضيلة إذا كان العِشْق يُعتبر شيئًا جميلًا؛ لأنه عندما يبلغ العاشق والمعشوق نقطة واحدة تتميز حالُ كلِّ واحدٍ منهما؛ فالأول يَقدِر أن ينمي عقل صاحبه ويساعده على كسب الفضائل، والثاني لا يزال طالبًا للعلم والنور، فباجتماع هذه الشروط دون سواها ينبغي للمعشوق أن يعطي حبَّه للعاشق؛ ففي هذه المذلَّة لا يوجد عارٌ حتى إذا خُدعنا وهُزمنا في الحصول على غايتنا، مع أن كل هزيمة في غير ذلك تُعَد عارًا، سواء كنا مخدوعين أو غير مخدوعين.

وعلى هذه القاعدة إذا تطلَّب أحدنا صداقة آخَر اعتقادًا منه أنه فاضل؛ رغبةً منه أن يصير بقربه كذلك فاضلًا مثله، ثم يُكشف له أنه كان مخدوعًا؛ لأن صاحبه لا قدْرَ له، ومجرَّد عن الفضيلة فإن مثل هذه الخديعة يُعَد من الشرف؛ لأن هذا الطالب قد وضع نفسه موضع الذل؛ فهو يتحمَّل أي ألم ليكون فاضلًا وحكيمًا، وهذه حال من حالات النفس الجميلة السامية.

هذا هو الحب الذي يعبد إله أرانيا وهو أوراني النوع، وهو أصل أنواع الخيرات للحكومة وللأفراد، وبتأثيره يصير العشاق فضلاء، وعدا هذا من أنواع الحب الأخرى فهي من عُبَّاد فينوس بانديموس، هذا هو ما أردت أن أقوله عن الحب دون استعداد يا فدريوس، ثم سكت بوسانياس.

أريسطوديمس (لرفيقه): ثم جاء دور أريستوفانوس، ولكن يظهر أنه كان مصابًا بسُعال يعوقه عن الكلام، فالتفت إلى أريكسماكوس الطبيب الذي كان مضطجعًا بجانبه، وقال له: يا أريكسماكوس، من العدل أن تعالج سُعالي، أو تتكلَّم مكاني إلى أن يزول. فقال أريكسماكوس: سأفعل الأمرين جميعًا؛ فأتكلم في دورك حتى إذا خفَّ سُعالك وجاء دوري أتكلَّم، وطريق العلاج هي أن تكتم التنفُّس قليلًا، فإذا لم يزل فتمضمض بقليل ماء، فإذا لم يزل فَخُذ منبِّهًا للخياشيم فتعطس، وافعل هذا مرة أو مرتين فيزول السعال مهما كان قويًّا. فقال أريسطوفانوس: سأتَّبع نصيحتك أثناء كلامك، ثم بدأ.
أريكسماكوس: حيث إن بوسانياس بدأ خطابه ببراعة، ولكنه لم يَفِه حقَّه، ولم يُحسِن ختامه، فسأكمله وأملأ الفراغ الذي تركه. لقد أحسن في تعريف الحب بقوله إنه ذو طبيعتين؛ فقد علَّمني عِلمُ الطب الذي انقطعت له أن الحبَّ الذي يدفعنا نحو ذوي الجمال ليس موجودًا في نفوس الناس فقط، بل في سائر المخلوقات؛ فما أقوى وأعجب هذا الإله السائد على الأرباب والبشر! ولتشريف حرفتي سأبدأ بسردِ أدلة من الطب؛ إن طبيعة البدن تحتوي على هذين النوعين من الحب؛ لأن السليم والمريض من أعضاء البَدَن لا يستويان، وحبُّ البدن السليم غير حبِّ السقيم، ومن الشرف تمجيدُ الأجزاء الطيبة السليمة في الجسم، وفي هذا مهارة الطبيب؛ وعِلمُ الطب قائم على معرفة أماكن علاقات الحب في الجسم الإنساني، والحكيم الحاذق هو الذي يستطيع وضع الحب حيث لا يُوجَد، وطرده من حيث يوجد دون حاجة إليه، وعليه كذلك أن يبدِّل تنافرَ العناصر في البدن بشوق؛ فإن أشد العناصر معاداةً لبعضه البعض هو ما كان مختلفًا على خط مستقيم مُقِل الحرارة والبرد والمرارة والحلاوة واليبوسة والرطوبة. وقد روى لنا الشعراء أن إيسكاليبوس والدَ الأطباء الأعلى قد كوَّن عِلم الطب بعد أن عرف سرَّ التوفيق بين العناصر المختلفة.

إن الرياضة البدنية والزراعة والطب كلها سائرة تحت نفوذ الحب وبفضله، وكذلك الموسيقى، وهذا الذي أراده هيراقليطس بقوله: «واحد مخالف لذاته في الظاهر إلا أنه متفِق مع ذاته كانسجام العود والوتر.» إنه من الخطأ المحض القولُ بأن الانسجام يختلف أو أنه يوجد بين أجسام مختلفة، ولكن ربما أراد هيراقليطس أن الأصوات التي كانت تختلف في أول الأمر مثل الحاد والثقيل، ثم اتفقت بعد ذلك فنتج الانسجام طبقًا لفن الموسيقى؛ لأنه لا يمكن صدور الانسجام عن الحاد والثقيل إذا اختلفا؛ والانسجام هو التوافق، والتوافق هو الالتئام والاتحاد، والاتحاد لا يمكن أن يُوجَد بين الأمور المختلفة ما دامت مختلفة، فلا يوجد إذًا انسجام بين الأشياء غير الملتئمة. إن الأوزان في التوقيع تنتج عن السريع والبطيء فإنهما يفترقان أولًا، ثم يعارضان بعضهما، ثم يتم الاتحاد بينهما، وهكذا عِلمُ الطب والموسيقى، فإنهما يوجدان وفاقًا بين الأشياء فينتج عنهما الحب والاتحاد بين الأشياء المتخالفة.

فغاية الموسيقى إذًا معرفة ما يتعلَّق بالحب في الانسجام والنظام، وفي نظام الانسجام والوزن يسهل تمييز الحب، والحب المزدوج لا يمكن تمييزه في الموسيقى، ولكن ينبغي استعماله في خدمة البَشَر بواسطة النظام والانسجام، وهذا ما يُسمى بالشِّعر وتأليف الأنغام، أو باستعمال الأغاني والأوزان والأصوات الموجودة استعمالًا صحيحًا، وهذا ما يُسمى بالترتيب؛ فيمكن تمييز كل واحد من هذه بفضل حذق المتفنن. والحب الفاضل ينبغي تكريمه وحفظه مراعاةً لجانب أهل الفضيلة، ولأجل أن تتحسَّن طبيعة الأشرار بروحه. هذا هو الحب الأراني الجميل العابد لوحي أران؛ أما الحب البنديمي فهو عابد بوليهمينا الذي يجوز أن نخضع له للحصول على اللذة دون الانغماس فيه، كما يجوز بناءً على حرفة الطب أن نتمتَّع بملاذِّ المائدة دون أن نعرِّض أنفسنا للعلل؛ ففي الموسيقى والطب وفي غيرهما من شئون البشر والأرباب ينبغي تمييز هذين النوعين من الحب؛ فإن فصول السنة كذلك مؤلَّفة طبقًا لهذه القاعدة؛ لأنه كلما امتزجت الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة بالحب الطاهر، واختلطت بانسجامٍ بالفصول، فإنها تجلب النضج والصحة للبشر، ولسائر أنواع الحيوان والنبات، فإذا ساد الحب الخبيث على فصول السنة ساد الخراب، وعمَّ التلف فينتشر الوباء، وتُصاب الكائنات بأنواع الأمراض والسقام، ويتلف القمح، وتسقط الندوة، وتهلك الثمار، وهذا ناشئ عن الحب المضطرب الذي يجذب فصول السنة بعضها نحو بعض، وحركات هذه الفصول، وعلم الكواكب اسمها علم الهيئة. إن كل التضحيات والأشياء التي يوجد فيها التخمين (لأن هذه الأشياء هي الرابطة بين الله والناس) ليست إلا علم الاحتفاظ بالحب وتنظيمه؛ لأن الكفر يظهر إذا لم يعبد الناس الحب الطاهر، ولم يخدموه بالأعمال الصالحة؛ فغاية التخمين هي التمييز بين هذين النوعين من الحب وإصلاح آثار كلٍّ منهما؛ فالتخمين هو سبب الصداقة بين الأرباب والناس، وهكذا كل نوع من الحب يملك قوة عظيمة واسعة لا حدَّ لها، ولكن الحب الذي يحث على اكتساب غايته بالفضيلة والحكمة يملك الملك الأوسع، ويُعَد لعابديه أعظمَ السعادات من طريق الشفقة المتبادلة بينهم، ومن طريق الخمر الذي تستمطره عليهم من الأرباب.

يجوز أنني نسيت أشياءَ كثيرة في ثنائي على الحب، ولكن هذا شأنك يا أريسطوفانوس، وعليك أن تملأ الفراغ الذي تركته، أو تقول قولًا آخَر لتكريم الرب؛ لأن سُعالك قد زال.

أريسطوفانوس (بعد ممازحة وجيزة): أردت أن يكون مقالي مخالفًا لما قال بوسيانوس وأريكسماكوس، يظهر لي أن البشر لم يفقهوا إلى الآن معنى قوة الحب؛ فلو فقهوا لملئوا الأرض معابدَ وهياكلَ يقدِّسون ذِكرَه فيها، ويقدِّمون له الضحايا، ويقيمون له أجلَّ وأفخم الرسوم والشعائر؛ لأن الحب هو أحق الأرباب بالعبادة ولما يُعبَد، وهو أصدق الأرباب للبشر، وهو آسي الجِراح التي يكون علاجها أعظم سعادة لبني الإنسان. وسأحاول أن أشرح لكم قوة الحب الحقيقية، ويمكنكم أن تنقلوا هذا القول عني لغيركم.

ينبغي لكم أولًا أن تعرفوا طبيعة الإنسان والحوادث التي مرَّت عليه؛ لأن طبيعته كانت في قديم الزمان مخالفةً لما هي عليه الآن؛ ففي بداية الأمر لم يكن النوع مقسَّمًا إلى جنسي الذكر والأنثى، بل كان جنس ثالث مشتركًا بينهما، ولا يزال اسمه موجودًا، وإن كان الجنس ذاته قد فني، وكان هذا الجنس المشترَك أو الخُنْثى يشبه في شكله المرأة والرجل معًا، وفي العهد الذي أشير إليه كان شكل الإنسان مستديرًا، وكان الظهر والجانبان ملتصقين باستدارة، ولكل جزء أربعة أذرع، وأربعة أرجل ووجهان مركَّبان على عُنقٍ مستدير، وأربعة آذان مع كل ما يمكن قياسه على هذا النظام. وكان هذا الجنس البشري يسير مستقيمًا في أية جهة شاء، وكان إذا أراد الإسراع يستعمل أيديه وأرجله، ويتحرَّك حركة دورية سريعة؛ أما سبب وجود هذه الأجناس الثلاثة فراجع إلى أن الذَّكَر جاء من الشمس، والأنثى من الأرض، وهذا الجنس الثالث من القمر، والقمر جِرمٌ له طبيعة مخنَّثة؛ لذا كان مستديرًا مشابهة للقمر، وكان هذا النوع قويًّا مملوءًا بالأفكار السامية، وأفراده أوَّل مَن حارب الأرباب، وما رواه هوميورس عن أفيلاتوس وأوتس من أنها حاولت الصعود إلى السماء لخلع الأرباب وإنزالها عن عروشها كان، لا شكَّ، متعلِّقًا بهذا النوع. وقد تشاور جوبيتر ومَن معه من الأرباب فيما ينبغي عمله في مثل هذه الأزمة؛ لأن الأرباب لم تكن تريد إهلاك هذا النوع؛ لئلا تُحرَم من الضحايا التي كان يقدمها، ولم تكن كذلك لتصبر على وقاحتهم وتعنُّتهم وكفرهم، فطلب المشتري أن يسود السكونُ ليتكلَّم.

ثم قال: أظنني وجدتُ طريقةً لإضعاف الجنس البشري، وتقليل وقاحته دون أن نشرع في هلاكهم، فسأشقُّ كلَّ واحد منهم نصفين، وبذا يَضْعفون جميعًا، ولكن يبقى نفعهم لكثرة عددهم، وسيسير كل واحد منهم على قدميه مستقيمًا، فإذا أظهروا وقاحةً بعد ذلك فسأشقُّ كلَّ واحد نصفين، فيسير كلٌّ على رِجلٍ واحدة؛ وقد ألحقَ القولَ بالفعل، وشقَّ كلَّ إنسانٍ شقَيْن كما يشق بعضُ الناس البيضةَ بشعرة. ثم طلب إلى أبولون أن يأخذ كل واحد ويديره أثناء عملية الشق نحوها ليراها، ويعتبر ويخضع ثم يعالجه؛ فكان أبولون يدير الوجه، ويسحب الجِلَد على ما نسميه الآن بطنًا، ثم يربطه من الوسط، وهذا ما يُسمى بالسُّرَّة، ثم إنه أخذ في معالجة الصدر بأداة تشبه الأداة التي يُصلِح بها صُنَّاع الأحذية الجِلدَ، ثم ترك بعض الثنايا في البطن لتدل على ذلك التاريخ القديم، وبعد تلك العملية كان كل نصف يريد الاتصال بنصفه الآخر، فيلقي أحدُهم بذراعيه حول النصف الآخر مؤمِّلًا أن يعودا إلى ما كانا عليه. ثم إنهم عزموا على أن تعتصب الأنصاف فلا تقوم بفعلٍ ما دون النصف الآخر، فماتوا جوعًا وضَعفًا، فكان الذي يبقى بعد نصفه الآخر يضمه إلى صدره إن كان امرأة أو رجلًا، ويبقى هكذا إلى أن يلحق به، فلما رأى المشتري ذلك أشفق عليهم، وفكَّر في حيلةٍ أخرى، وهي التي ينتج منها النسل بعد انضمام الرجل للمرأة. ومن هذا التاريخ وُجد الحبُّ المتبادَل بين أفراد النوع، وهو الموفِّق بين طبائعهم الأصلية الذي غايته جعلُ الاثنين واحدًا، وتخفيفُ هول المصاب على الأنصاف المنشقة؛ فكل واحد منَّا هو نصف ناقص لواحد كامل، وغايةُ كلٍّ منَّا هي البحث عن نصفنا الآخر؛١ فالشخص الذي وصفتُه يكون على الدوام محبًّا صادقًا وصديقًا مخلصًا فَرِحًا بما يوافق طبيعته؛ فعندما يلتقي هذان النِّصفان فيرتبطان برابطة الحب السابق، وبرابطة الحب والرغبة وحاجة الاجتماع، لا يريد أن ينفصل أحدهما عن الآخر ولو لحظةً. هؤلاء هم الذين يعطي كل واحد منهم حياته للآخر بشوق ولوعة لا طائل تحتها للحصول على شيء لا يفهمونه؛ لأنه ليس فقط حرصهم الحسي باختلاطهم الذي من أجله يَهِبُ كلُّ واحد منهم ذاته للآخر، إنما نفس كل واحد منهما تظمأ لشيء في الآخَر لا يمكن التعبير عنه، وتبقى النفس في حَيرةٍ بما تَطلُب، وتسودُّ الدنيا في وجهها من شدة ألمِها، فإذا قال فولكان لهؤلاء الأشخاص المحبين: يا أيها الناس، ماذا يطلب أحدكم من الآخر؟ فإذا ارتج عليهم، فقال لهم: ألا تطلبون أشدَّ اتحادٍ وانفراد بينكم حتى لا يمكن فصلُكم بعد ذلك مطلقًا؟ إذا كان الأمر كذلك فسأذيبكم جميعًا، وأُعيدُكم أفرادًا لا يفصلكم فاصل، فهل هذا يرضيكم ونحن نعلم أنه لا يأبى عليه ذلك أحد؟ بل يعتقد كلٌّ أنَّ هذا هو ما كان يتطلب، وهو أن يمتزج الواحد بالآخر، ويذوب معه ليعودا إلى ما كانا عليه. وسببُ هذه الرغبة أننا كنا في بداية الأمر واحدًا؛ فنحن نحب العودة إلى الاتحاد؛ لأن انشقاقنا قد أضعفنا فعَرَانا الاضمحلال كما حدث للأرقاديان بواسطة اللاسيدومينان؛ على أننا لا نزال نخشى عاقبة تمرُّدنا من جديد، فنُشقُّ نصفين، ونبقى كالصور المرسومة على العمدان، فينبغي لنا أن نُخْلِص في عبادة الأرباب والتوسُّل إليها لننجوَ من عقابها، وتحصل على الأشياء التي يحثنا الحبُّ أميرُنا وسيدُنا على الرغبة فيها، فإن إغضاب الآلهة يُعَد عصيانًا لأوامره؛ لأننا إذا حسن سلوكنا نحوها، فقد يكشف لنا عن أنصافنا التي نلتمسها ولا نجدها، وهذا حظ يقع الآن للنادرين منا.

فأنا أؤكد أن سعادة الجميع، رجالًا وإناثًا، كائنةٌ في إتمام غاية الحب، وفي امتلاك كلٍّ منَّا محبوبَه، وبذا يمكن أن نعود نوعًا لطبيعتنا القديمة؛ فإذا كان في هذا غاية السعادة فأقربُ شيء للسعادة امتلاكُ الذين تُوافِق طبائعُهم وغرائزُهم طبائعَنا أكثرَ موافقة والاجتماع بهم.

وإذا أردنا أن نمجِّد إلهًا بصفته خالقَ هذه السعادة فلا بد من تمجيد الحب بأغاني الفرح؛ لأنه في حالنا الحاضرة يعضدنا ويساعدنا لدى الضيق، ويعطينا آمالًا كبرى في أن يعيدنا سيرتنا الأولى إذا استمررنا على التقى نحو الآلهة، ويُمنِّينا بأن يَهِبَنا السعادةَ التامة التي لا يلائم طبائعَنا سواها.

هذا يا أريكسماكوس ختام خطابي على الحب.

ثم تلت مجادلة فكاهية بين سقراط وأجاثون وفيدروس، ثم تكلَّم الثاني بحسب دوره قال:

أجاثون: إن الذين سبقوني قد أثنَوا على الحب ثناءً عظيمًا، هنئوا البشر على ما منحهم إياه هذا الرب من أنواع العطايا والسعادات، ولكن لم يقل لنا أحد شيئًا عن حقيقة هذا الرب الذي سبَّب كل تلك النعم. فينبغي أن نعلم أولًا ما هي المنح والعطايا التي أعطاها ذاك الإله، ثم نعرف حقيقة الرب ذاته … ينبغي أولًا حمد الحب، ثم ذِكرُ عطاياه، فأقول إنه ولو أن الآلهة كلها سعيدةٌ سعادةً أبدية إلا أن الحب، إذا ساعدني صوتي على التصريح بتلك الحقيقة الكبرى، أسعدُ الأرباب وأفخرها وأجملها. أما كونه أجملها؛ فلأنه أصباها وأسرعها زوالًا، وأنفرها من كل عتيق، وقد قال المثل القديم: «شبيه الشيء منجذب إليه.» وهو ينطبق على ارتباط الحب بالشباب، وأقول إن الحب ليس أصبى الأرباب فقط، بل إن صباه أبدي.

أما الحوادث التي وقعت بين الأرباب ورواها هصيود وبارمنيد إن صحَّت، فلم يكن الحب داعيًا إليها، إنما الضرورة؛ لأنه لو كان الحب حينئذٍ في السماء لما حدثت تلك الجرائم الفظيعة الدموية، بل لساد العطف والسلام اللذان يعيش فيهما الآلهة الآن تحت تأثير الحب؛ إذ إن الحب صبي فهو ليِّن رقيق، وكنا نحتاج إلى شاعر مثل هوميروس ليصف لنا رِقة الحب ولُطْفه؛ فقد قال ذلك الشاعر: إن آلهة النكبات رقيقة، وأقدامها كذلك ليِّنة هينة؛ لأنها لا تسير على الأرض، بل على رءوس الرجال، ويدلل على لينِ أقدامها بقوله إنها تسير على ما هو ليِّن، ومثل هذا البرهان كافٍ لإثبات لينِ الحب ورِقَّته؛ لأن الحب لا يسير على الأرض، ولا على رءوس الرجال، وما هي باللينة، ولكن يسكن ثنايا الأحشاء، ويسير على ألينِ الأشياء، وقد جعل مقرَّ مُلكِه نفوس الأرباب وقلوب البشر، وهو لا يأوي إلى كل النفوس؛ لأنه إذا رأى طبيعةً جافة، أو نفسًا خَشِنة فإنه ينفِر منها، ويبتعد عنها، ولا يألف إلا النفوس اللينة الرقيقة؛ فلهذا كان أرقَّ الأشياء؛ لأنه يلمس بخفة بأقدامه الرَّخْصَةِ ألطفَ جزء من أرقِّ الأشياء وألطفِها.

فهو إذًا أصبى الأرباب وألطفها وأكثرها لينًا وسيولة، ولو كان غير ذلك ما أمكنه أن يلتف حول كل شيء، ويفيض في كل نفس؛ فالسيولة والفيضان من طبيعته المنتظمة؛ لأنه يعادي كل ما كان مشوهًا، ويقضي حياته بين الزهور، وهذا سببُ لينِ جِلدهِ وجماله؛ لأنه لا يطوف إلا بالنفوس التي لا يزال عطر زهورها عابقًا، هذا فيما يتعلَّق بجمال الحبِّ؛ فلنتكلَّم الآن عن قوَّته وفضيلته: إن أحسن صفاته أنه لا يسبب الأذى، ولا يحتمله في علاقته بالأرباب والناس، وإذا تألَّم من شيء فليس سبب ألمه الشدة أو القسوة، كذلك هو لا يفعل شيئًا فيه قسوة أو شدة؛ لأن كل إنسان يفعل ما يأمره الحب بمحض إرادته ورغبته، وكل ما يمنحه الحبيبُ محبوبَه يكون بمحض إرادته، وهذا تبيحه القوانين التي هي ملوك الجمهورية.

وفضلًا عن العدل فإن الحب في غاية الاعتدال؛ لأنه إذا كان الاعتدال كون المتصفِ به يترفَّع عن الملاذ والشهوات، ويَقدِر على الضغط عليها؛ فالحب الذي لا يوجد سرورٌ أشدُّ منه يُعَد أحلى وأمتع الملاذ؛ ولذا لا بد أن يكون أكثر الأشياء اعتدالًا. إن المريخ لا يمكنه أن يفاخر الحب في الشجاعة والقوة؛ لأن المالك أقوى على الدوام من المملوك، والذي يغلب أقوى الأرباب لا بد أن يكون أقوى منها جميعًا، ولا يخفى أن حبَّ الزُّهَرَة يمتلك المريخ.

وبعد الكلام على عدلِ الحب واعتداله وقوَّته بقي الكلام على حكمته، فأقول: إن هذا الرب شاعرٌ عاقلٌ، حتى إنه يستطيع أن يَخلُق شاعرًا من رجلٍ لم يكن كذلك؛ لأن كل إنسان مهما كانت حال نفسه مضطربة قبل الحب، فإنه بفضل الحب يصير شاعرًا، وهذا دليلٌ على أن الحب شاعر وماهر في هذا الفن حسب قواعد الموسيقى؛ لأن ما لا يملكه الإنسان أو يجهله لا يستطيع أن يعطيه أو يعلِّمه سواه، ومَن ذا الذي يُنكِر أن الشِّعر الإلهي الذي يُخرِج سائرَ الأشياء الحية الموجودة على ظهر الأرض ليس منسجمًا بحكمة الرب؟ أليس من الثابت أن الحب واضعُ فنون الحياة التي نعرفها؟ ومَن كان الحب معلِّمه يصير عظيمًا وكبيرًا، كما أن مَن يجهل الحب يبقَ طول حياته غير مُلتَفَتٍ إليه خاملًا. لقد اخترع أبولون الطب والتخمين والرماية مَقودًا إلى ذلك بالرغبة والحب؛ فكان أبولون تلميذ الحب، وبواسطته اكتشفت «عرائس الشعر» فنون الأدب، كذلك تعلَّم فولكان معالجة المعادن، ومنرفا فنَّ النسيج، والمشتري سيرَ السيادة التي يمارسها الآن على الأرباب والناس. وهكذا تعلَّمت الأرباب كلَّ فنٍّ بفضل «حب الجميل»؛ لأنه لا يوجد حب نحو الأشياء المشوَّهة.

في أصل الأشياء حدثت بين الأرباب فظائعُ دعت إليها الضرورة، ولكن عندما ظهر هذا الربُّ بفضل الرغبة التي تجذب العالَم دوامًا نحو كلِّ جميل نزلت البركة على كلِّ مَن كان في الوجود من الآلهة والبشر. يظهر لي أن الحب أجمل وأفضل الأرباب، وسبب كل المفاخر المركبة في طبيعته. إن الحب هو الرب الذي يخلق السلام بين الرجال، والهدوء في البحر، وسكون العواصف، والراحة والنوم لدى الحزن. الحب يجرِّدنا من البغض، ويملأ قلوبنا الخالية بالعطف، وهو الذي يجمعنا في الأعياد والأفراح والمراقص والولائم. إن الحب يمطر الخير، والوداعة على الأرض، وتفِر من وجهه سائر الميول الخشنة وتهلك، وهو موجد سائر أنواع المودة، ومهلِك الأفكار الرديئة، وهو الرحيم الوديع موضع إعجاب العقلاء، ومسرَّة الأرباب يملكه السعداء، ويشتهيه الأشقياء الذين شقَوا؛ لأنهم لا يملكونه، والد الأمان واللطف والرقة واللين والفرح والرغبة، وبه يعتزُّ كلُّ ما كان خيرًا، ويهلك كل أمر سيئ، وهو أفخر مرشد لنا، وأحسن مدافع عنا، والمحافظ علينا في تعبنا، وخوفنا في شهواتنا، وفي تعقلُّنا، زينة كل شيء، وحاكم كل شيء رباني وإنساني، وينبغي لكل إنسان أن يقتفي أثره مرتِّلًا ثناءه، آخذًا بنصيبه في الانسجام الإلهي الذي ينشده الحب طربًا بالأشياء الحية الموجودة، ومهدئًا العقول المتعبة لدى الأرباب والناس.

هذا ما أردت أن أقول في الثناء على الرب.

وبعد مناقشة قصيرة بين سقراط وأريكسماكوس وفيدروس بدأ سقراط العظيم خطابه فقال:

سقراط: إنني أثني يا أجاثون الحبيب على بداية مقالك؛ حيث ذكرتَ أنه يجب أن نعرف أولًا طبيعةَ الحب، ثم نعرف أعماله، وهذا نظامٌ أوافق عليه. وحيث إنك أسمعتنا مقالًا جميلًا بليغًا عن الحب، فإنك — لا ريب — قادر على أن تجيبنا على هذا السؤال، وهو: هل الحب هو حب شيء أو حب لا شيء؟ فقال أجاثون: إنه طبعًا حب شيء … قال سقراط: اذكر لي هل الحب يشتهي الشيء الذي هو موضعه؟ قال أجاثون: لا شك أنه يشتهيه. سأل سقراط فإذا كان يملك الذي يشتهيه فهل يحبه؟ قال أجاثون: أظن يشتهيه ويحبه إذا كان لا يملكه. قال سقراط: لاحظ إذًا أن الرغبة تشتهي ما تطلب، ولا تملك، ولا تشتهي إلا ما تطلب، فهل يريد مَن صار شهيرًا أن يصير شهيرًا من جديد؟ وهل يريد القوي أن يكون قويًّا؟ فإذا شاء الصحيح أن يكون صحيحًا، والقوي أن يكون قويًّا ينتج من هذا أنهما لا يزالان يشتهيان منافعَ أمورٍ يمتلكانها، فلو فرضنا أن شخصًا يملك تلك المنافع، فهل يمكن أن تكون هي غاية رغبته؟ ولو أن شخصًا غنيًّا يقول: أريد أن أكون غنيًّا. فلتقل له: إنك غني، ولا معنى لطلب ما هو لك، وإنما يمكنك أن تطلب استمرار تلك الحال؛ وينتج من هذا أنك عندما تشتهي شيئًا تملكه إنما تريد بذلك دوام الامتلاك، أليس الحب حينئذٍ هو حب ما ليس في وُسعنا الحصول عليه، كذلك حب ما لا يمكن استبقاؤه في المستقبل، وإن كنا حاصلين عليه في الحال؛ فالحب وكل شيء يشتهي شيئًا آخر، إنما يشتهي ما هو غائب وبعيد عنه أي الشيء الذي ليس له، ولا يخفى أن الشيء الذي يشتهي شيئًا آخر لا بد أن يكون مغايرًا له. هذه هي الأشياء التي تُحب وتُشتهى. إن الحب يحب ما يشتهي، ولكن لا يمتلكه؛ فالحب يطلب ولا يمتلك الجمال، فهل يُسمى جميلًا ما يتطلب الجمال ولا يمتلكه؟

قال أجاثون: كلا. قال سقراط: إذًا هل تؤكد أن الحب جميل بعد أن سلَّمت بكل ما سبق؟ لقد قلت بأن كل خير يُعَد جميلًا. فقال أجاثون: نعم. قال سقراط: فإذا كان الحب في حاجة إلى الجمال والأشياء الجميلة فهو — لا شك — كذلك في حاجة إلى الخير. قال أجاثون: إنني لا أستطيع أن أنقضك يا سقراط. قال سقراط: إنك لا تستطيع نقضَ الحق، أما سقراط فإنك تستطيع نقضه.

ثم ترك سقراط السؤال على طريقته المنطقية، وقال:

سقراط: كما قلت يا أجاثون، ينبغي لنا أولًا أن نتكلم عن طبيعة الحب، ثم عن أعماله. قالت لي ديوتيما النبية: إن الحب ليس جميلًا، وليس خيرًا، إنما هو بين الاثنين، إنه شيطان، والشيطان وسَطٌ بين الرباني والإنساني. فسألتها عن قوَّته وطبيعته فقالت: إنه يفسِّر الأشياء الربانية، والأشياء الإنسانية، ويصل بينها، وينقل الصلوات والتضحيات من البشر للأرباب، ويوصِّل أوامر الصلاة والعبادة من الآلهة إلى البشر، وهو يملأ الفراغ بين هذين النوعين فيربط بقوَّته سائر الكون، وبفضله بقي التخمين والوحي والعلم المقدَّس والتكفير والتنبؤ والسحر. والطبيعة الربانية لا يمكن أن تتصل مباشرة بالطبيعة البشرية؛ فكل ما يعطيه الأرباب للناس بفضل الاختلاط والمواصلة في نومهم وفي صحوهم هو نتيجة تداخل الحب، والعارف بعلم الاتصال يُعَد سعيدًا للغاية، وله نصيب وحصة من طبيعة الشيطان، ولكن مَن يعرف فنًّا أو علمًا آخَر يبقى طول حياته أسيرًا عاديًّا، وهؤلاء الشياطين كثيرون ومتعددون، والحب أحدهم.

فسألتها: مَن ولدَ الحب؟ فقالت ديوتيما: إن هذا تاريخ طويل، ومع ذلك فسأشرحه لك، عندما وُلدت فينوس أقام الأرباب عيدًا، وبين مَن حضروه «الوفور» ابن متيس؛ فبعد العشاء رأت «الحاجة» تلك الغزارة العميمة، فجاءت تسأل ووقفت بجانب الباب، وكان «الوفور» قد سَكِر من شرب الرحيق؛ لأن النبيذ لم يكن قد اختُرع بعدُ، فخرج إلى حديقة المشتري، ونام نومًا عميقًا، فأرادت الحاجة أن تُرزق من الوفور بغلام لضعف حالها، فرقدت بجانبه، وأغرته فضاجعها فولدت الحب …

فالحب هو خادم فينوس؛ لأنه حُمل فيه في عيد مولدها؛ ولأنه بطبيعته محب لكل جميل، وكانت الزُّهَرَة جميلة، ولما كان الحب هو ثمرة وصال الوفور والحاجة، فحظه مثل حظ والديه؛ فهو فقير على الدوام، وبعيد عن الرِّقة والجمال على عكس ما يتخيَّله البشر، بل هو قَذِر، وممزَّق الثياب، ويطير على مقربة من، الأرض ولا مأوى له، ولا حذاء ينتعله، وينام بلا غطاء أمام الأبواب وفي الطرق التي لا يحميها ستار، وهو في تلك الأمور كلها تابع لطبيعة أمه، وهو على الدوام رفيق الفقر، أما نصيبه من طبيعة أبيه، فظاهر في أنه على الدوام يفكِّر في الحصول على الأشياء الجميلة الصالحة، لا يخاف، وهو شديد وقوي، وفي الصيد ماهر، وعلى الدوام يدبِّر حيلةً جديدة، وهو في غاية الحذر والاحتراس، وغني بالأفكار والوسائل، وهو طول حياته حكيم وساحر وسفسطائي، وحيث إن طبيعته ليست خالدة، وليست فانية فهو في اليوم الذي يفوز فيه، ويساعده الحظ يزهر ويزهو، ثم يموت، ثم يعود إلى الوجود كما هي طبيعة أبيه، وكل ما يكسبه يفيض عنه؛ فالحب ليس غنيًّا ولا فقيرًا، وهو في برزخ بين العلم والجهل. إن الأرباب لا تتفلسف لأنها حكيمة، والحكيم لا يتفلسف لأنه مكتفٍ بحكمته، كذلك الجاهل لا يتفلسف لأنه لا يتطلب الحكمة لحسن ظنه بنفسه، إنما أوساط الناس هم المتفلسفون، كذلك الحب يتفلسف لأنه بين العلم والجهل؛ ولأن الحكمة من أجمل الأشياء. والحب يظمأ لكل جميل؛ لذا هو محب للحكمة؛ ولأن الحكمة في موضع وسط بين الجهل والعلم، وسبب ذلك ظاهر في نَسبِه؛ فهو ابن والد غني عاقل، وأم فقيرة جاهلة.

قالت ديوتيما: هذه هي طبيعة الحب الشيطانية يا سقراط، وقد خلطت الحب بالمحبوب الذي هو وحده الجميل الرقيق اللطيف، وأطلقت صفات المحبوب على الحب. قُلت لها: أيتها النبية الغريبة، إن في كلامك روحَ الإقناع، فإذا كانت هذه هي طبيعة الحب، فماذا يستفيد منه البشر؟ فقالت: إن الحب هو حب الأشياء الجميلة، فإذا سألنا أحد: لماذا كان الحب هو حب الأشياء الجميلة؟ (وبعبارة أخرى ماذا يحب العاشق في الشيء الجميل الذي يعشقه، فما الجواب؟) فقُلت لها: إنه يحب امتلاكه. فقالت: وماذا يملك الذي يمتلك الشيء الجميل؟ فقلت لها: لا يمكنني أن أجيب لساعتي. فقالت: ولو بدلت الجميل بالخير، فماذا يحب العاشق في الشيء المحبوب ذلك الذي يحب الخير؟ فقُلت: يحب امتلاكه. فقالت: وماذا يملك إذا امتلك الشيء الخير؟ فقلت لها: إن الجواب سهل، وهو أنه يمتلك الشيء الصالح، فيكون سعيدًا. فقالت: إذًا الناس تسعد بالامتلاك، ومن العبث أن أسألك عما يطلب ذاك الذي يطلب السعادة؛ لأن الجواب في السؤال، ولكن هل تظن أن هذه الرغبة عامة لدى كل الناس، وأن كلهم يطلبون أن يكون الشيء الخير ملكًا لهم، وحاضرًا لديهم دوامًا؟ فقلت لها: نعم، إن هذه الرغبة عامة. قالت: إذًا لماذا لا نقول يا سقراط إن كل الناس يحبون إذا كان الجميع يحبون شيئًا واحدًا، ولكننا نقول إن البعض يحبون، والبعض لا يحبون؟ فقلت لها: نعم، إنني أعجب لهذا ولا أحير جوابًا!

فقالت ديوتيما: لا تعجب؛ لأننا اخترنا نوعًا واحدًا من الحب، وأطلقنا عليه الاسم العام الشامل لكافة الأنواع. فقلت لها: اضربي لي مثل تعميم اسم شيء خاص. قالت الشعر، إنه اسم عام يدل على كل سبب يخرج بواسطته شيء من لا شيء؛ فممارسة أية صنعة اختراعية يُعَد نوعًا من الشِّعر، وكل أرباب هذه الصنائع والفنون هم شعراء، ولكن لا يُطلق عليهم اسم شعراء، إنما يُعرف كل واحد منهم باسم خاص به، وقد فُصل عن هذه الأنواع النوعُ المتعلق بالموسيقى والوزن، وأُطلق عليه الاسم العام للجميع، ولا يُطلق اسم الشعر على غيره، ولا يُسمى شعراء إلا مَن يمارسونه. كذلك الأمر في الحب؛ فإن الحب معناه العام هو الرغبة الصادقة في امتلاك السعادة، وامتلاك ما كانت صفته الخير، وهذا هو أعظم وأرقى حب يسكن قلب الأحياء. أما الذين يلتمسون هذه الغاية بواسطة اكتساب الغنى أو بممارسة فن الجمنسطيقي٢ أو الفلسفة؛ فإن كلًّا منهم لا يعشقون ولا يُسَمَّون عُشَّاقًا، إنما هناك نوع واحد من العشق يُطلق عليه هذا الاسم، ومَن يمارسون هذا النوع يُسمَّون عُشاقًا، وهم الذين يلتمسون الوصول إلى الرغبة العامة بواسطة نوع واحد من الحب، وهو النوع الذي يُعرف بالاسم الذي يُطلق على الأنواع كلها، فيؤكد البعض أن العاشقِين إنما يلتمسون النصف المفقود، إنما أنا أؤكد أن الحب ليس حب النصف أو الكل إذا لم يلتقِ الحب بالخير، وحيث إن الناس يقطعون أيديهم وأرجلهم برغبتهم إذا كانوا يظنون أنها مجلبة الشر عليهم، كذلك البشر لا يعزِّزون ذاك الذي في حوزتهم لمجرد كونه في حوزتهم إلا إذا أراد البعض أن يقول إن الشيء الخير ملتصق بطبيعته، وهو ملك له، وإن الشيء السيئ الرديء هو غريب عنه، وطارئ عليه، وإنه لا يحب إلا الشيء الخير، فإذا تقرَّر ذلك فهل نستطيع أن نؤكد أن الناس لا يحبون إلا الخير؟ قلت: بلا ريب. قالت: ويحبون أن يكون هذا الشيء ملكًا لهم، وأن يكون دوامًا حاضرًا لديهم؟ قلت: نعم. قالت ديوتيما: إذا كان هذا هو التعريف العام للحب، فهل يمكنك أن تقول لي ما هي أفعال الحب؟ وما هي الطرق التي يصل بها للحصول على غرضه؟ فقلت لها: لو علمتُ الإجابة على هذا السؤال يا ديوتيما ما احتجتُ إليكِ، ولا عجبتُ لحكمتكِ، ولا طلبت سؤالكِ للاستفادة. فقالت: إن الحب هو رغبة التناسل والتسلسل في الشيء الجميل فيما يتعلق بالنفس والجسم معًا؛ فإن كلًّا من النفس والجسم للإنسان يحمل في ثناياه بذور التناسل، فإذا بلغ الإنسان سنًّا معلومة تدفعه الطبيعة لوضع هذه البذور، والطبيعة لا يمكنها تلقيح المشوَّه، ولكنها تستطيع التلقيح في الجميل؛ فعلاقة الذكر بالأنثى في التناسل عملٌ مقدَّس إلهي مع أن الحمل والوضع عملان خالدان في الفناء؛ فالجمال هو القضاء الذي يقضي بالتناسل. لأجل هذا كان الشيء المملوء بمادة التلقيح إذا دنا من الشيء الجميل يطير فرحًا، ويفيض لذَّة، ثم يأخذ في التلقيح والتناسل، ولكنه إذا دنا من الشيء المشوَّه انقبض من الحزن، ثم يقبض مادة اللقاح عن الشيء القبيح، ولا ينتج، أما الشخص المملوء بمادة اللقاح، ويكاد يفيض من شدة الرغبة فيكون اندفاعه نحو الجميل قويًّا جدًّا بسبب الألم الذي يحصل له من الامتناع عن إخراج مادة اللقاح التي يحملها.

فالحب يا سقراط ليس إذًا هو حب الجميل. قلت لها: إذًا ما هو؟ قالت: هو حب التناسل والإنتاج في الجميل. قلت لها: لماذا التناسل؟ قالت: لأنه شيء خالد في الفناء. لا يَنتجُ بالضرورة عما قلنا أننا لا نطلب الخير فقط، إنما نطلب بقاءه ملكًا لنا إلى الأبد؛ فالحب هو إذًا رغبة الأبدية. ثم قالت لي ديوتيما: ماذا تظن يا سقراط سبب هذا الحب، وهذه الرغبة؟ ألا ترى كيف أن أنواع حيوانات الأرض والهواء إذا أصابتها رغبة التناسل تُصاب بشبه داء يدفعها أولًا إلى الاختلاط الجنسي، فإذا اختلطت استمرت في جهاد عنيف للحصول على غذاء لذاتها ولنسلها؛ فيحارب ضعيفها قويها، بل تفضِّل الفَناء على ترك نسلها فريسة للجوع؛ فإذا قلنا إن البشر يفعلون هذا بعامل العقل، فهل تعرف بأي دافع يفعل الحيوان هذا إذا أصابه الحب؟ قلت: لا. قالت: إن الطبيعة الفانية تلتمس الخلود بكل الوسائل، ولا يمكن إتمام هذا إلا بالتناسل الذي يوجد فردًا جديدًا مكان القديم؛ لأن الإنسان وإن كان يظن أنه هو ذاته لا يتغير إلا أنه يتغير عدة مرات في حياته بالتغيُّر الذي يصيب الشعر واللحم والجسم كله، وليس هذا التبديل قاصرًا على جسم الإنسان، بل هو أيضًا يمس الروح؛ فإن خلاله وآراءه ورغباته وأحزانه ومخاوفه كلها تتبدل، وبعضها يموت ولا يبقى له أثر، ويتلوها غيرها، والأغرب من هذا أن معرفة الإنسان ذاتها تتجدد، كذلك كل شيء من أفكارنا تحدث له الثورة ذاتها، وإن ما يُسمى بالتأمُّل أو تمرين الذاكرة إنما هو علم فِرار الذاكرة أو رحيلها؛ لأن النسيان هو خروج المعرفة، والتأمل يدعو إلى الذهن ذاكرةً جديدة غير التي ذهبت، فيحتفظ بالمعرفة ويستبقيها؛ فالمعرفة مهما تغيَّر مكانها وتحوَّلت فهي هي على الدوام، وبهذه الطريقة يحتفظ بكل شيء، وليس معنى هذا أنه ثابت وخالد مثل الشيء الرباني، إنما هو يترك في مكان الشيء القديم الفاني شيئًا جديدًا يشبهه، وبهذه الوسيلة يا سقراط يكون للجسم والأشياء الأخرى نصيب في الخلود، أما الشيء الخالد فخالد بمعنى آخَر، فلا تندهش إذا رأيت كل شيء بطبيعته يعتز بما ينتج عنه؛ لأن هذا الحب الصادق هو تعلُّق بأذيال الأبدية. فقلت لها: يا أيتها الحكيمة، هل هذا الذي قلتِ صِدقٌ؟ قالت: كأنها فيلسوف مغالط، إذا نظرتَ إلى حب المجد، وتفاني الرجال في سبيل العلا أدركتَ كل ما قلتُ لك، وعلمتَ السرَّ في حب الخلود، وبقاء الذكر. إن مَن كانت أبدانهم وحدها محمَّلة بعنصر الخلود يُجذبون نحو النساء، ويبحثون بواسطة إنتاج الأولاد عما يتخيَّلون فيه السعادة والبقاء والذِّكْر الخالد، ولكن الذين تحمل نفوسهم أكثر من أجسامهم تراهم يلدون ويضعون ما هو أكثر ملاءمة للنفس. وما هو الملائم للنفس؟ هو الذكاء وكل قوة أخرى من قوى العقل. وكل لذة يوجدها الشعراء والمتفننون المتعلقون بفنون الاختراع والخلق.

وأعظم أنواع الحكمة هي التي تنظِّم الحكومة وحياة الأُسَر، وهي المسماة بالعدل والاعتدال؛ فمن يشعر منذ صباه بأن نفسه حامل بهذه المفاخر، فهو رباني النفس، فلما يحين الوقت يريد أن ينتج، فَيَهُم ليبحث عن الجميل الذي يمكنه أن يضع فيه ما هو حامل؛ لأنه ليس هناك تناسل في المشوه؛ فهو يضم الأجسام الجميلة طائعًا للمبدأ الذي في نفسه، والذي يريد على الدوام الخلود والبقاء، فإذا لقي مع جمال الشكل نفسًا جميلة كريمة لطيفة فهو يضم الاثنين معًا، ويبدأ بتهذيب موضع حبِّه، ثم توحي إليه رغبة شديدة في أن يصرِّح بما هي الفضيلة، وماذا ينبغي أن يكون عليه ذاك الذي يريد امتلاكها، وما هي الواجبات التي تقتضيها؛ لأنه بمجرَّد اختلاطه بالشيء الجميل، ولمسِه يضع ما كان يحمله منذ صباه ويغذِّي ويهذِّب الذي يخرج منه مع موضع حبِّه الذي لا تنفصل صورته عن ذهنه في غيابه أو في حضوره؛ ولهذا كان الذين يتحدون على هذه الصفة يكونون مرتبطين برابطة أقوى وحب أعظم لكونهم يخلفان نسلًا أعزَّ وأجمل من نسل الأزواج الآخرين. وكلُّ مَن يفكِّر في النسل الذي تركه هومير وهصيود وغيرهما من كبار الشعراء، وفي أن هذا النسل هو مصدر ذكراهم الخالدة، وشهرتهم الدائمة أو ينظر إلى بنات نفس ليكرجوس أو إلى القوانين التي خلَّفها صولون، وفي الأعمال الكبرى التي تركها العظماء في بلاد اليونان، وفي بلاد البربر أثرًا وعهدًا للحب الذي كان بينهم وبين الجمال، يفضِّل أن يكون والدًا لمثل هؤلاء الأطفال دون الأطفال الذين يُولدون في شكل إنساني؛ لأن الشرف الإلهي والثناء الإنساني عادا عليهم من مثل هؤلاء الأطفال، ولكن لم يَعُد عليهم شيء منهما بسبب الأولاد الآدميين!

إن الذي يتوق إلى الحب الحقيقي ينبغي له منذ صباه أن يسعى في الاتصال بالأشكال الجميلة، ثم يجعل شكلًا واحدًا جميلًا موضعًا لحبِّه، ثم يُلقِّحه بالمفاخر العقلية، ثم عليه أن يعتقد أن الجمال أينما حلَّ هو شقيق الجمال في أي شكل آخَر، فإذا كان واجبه أن يتقصَّى أثر الجمال في الأشكال، فيكون من الجهل ألا يعلم أن الجمال واحد وإن تعددت الأشكال، فيطفئ قليلًا من جَذْوة تعلُّقه بشكل واحد ليقف حبه على سائر الأشكال، ثم هو كذلك يعتبر جمال النفوس أرقى من جمال الأبدان، فإذا وجد شخصًا ذا نفس جميلة، ولكن زهرتها ذوت، فإن ذلك لا يمنعه عن وقف حبِّه وعنايته على هذا الشخص واتخاذه رفيقًا لإنتاج الأشياء الجميلة التي تحملها نفسه، ثم يكون واجبه أن يهذِّب هذا الشخص، فيبدأ بتعليمه العلمَ ليرى فيه جمال الحكمة، وبذا يتأمل في الجمال فيخلص من رَبَق عبادة الجمال والحب في شكل خاص، بل يلتفت بعين نفسه إلى محيط الجمال العقلي، فيستخرج بجمال الأشكال التي يراها ما كان كامنًا في نفسه من أفكار الحكمة، فإذا قوي واشتد يشتغل بعلم واحد وهو علم الجمال العام.

ومَن تعلَّم وتهذَّب في الحب إلى هذه الدرجة بتأمُّله في الأشياء الجميلة بالتدريج، وحسب ترتيبها الوجودي، فقد حصل الآن على غاية الحب ويرى فورًا وفجأة نوعًا من الجمال عجيبًا في طبيعته، وهذا هو الجمال الذي لأجله تكبَّدت كل هذه المشاق، وهذا الجمال خالد، ولا يمكن إنتاجه، ولا يمكن إهلاكه، ولا يمكن زيادته، ولا نقصه، وهو لا يشبه الأشياء الأخرى في أنه جميل من جهة، ومشوَّه من جهة أخرى، وليس جميلًا بالنسبة لشيء ومشوهًا بالنسبة لشيء آخر، وليس هو جميلًا هنا، ومشوهًا هناك، وليس جميلًا في اعتبار إنسان ومشوهًا في اعتبار إنسان آخر، ولا يمكن تصوُّر هذا الجمال للذهن كتصوُّر جمال الأيدي والوجه، أو أي عضو من البدن أو تصوُّره كجمال علم من العلوم، وليس له وجود معيَّن، وليس في الأرض أو في السماء أو في مكان آخَر، ولكنه على الدوام ذا شكل واحد ثابت لا يتغير ملائم لذاته.

وكل الأشياء الأخرى جميلة بواسطته مع فرقٍ واحد وهو أنها عرضة للإنتاج والهلاك، ولكنه ليس عرضة للزيادة والنقص، وهو ممتزج بالحقيقة ذاتها؛ فهو يخرج الفضيلة ذاتها، ويتغذَّى بها، ويصبح عزيزًا لدى الأرباب، فإذا صحَّت هذه النعمة لبشر كان هو — لا شكَّ — خالدًا غير فانٍ.

هذا هو يا فيدروس ما قالته لي تلك النبية الغريبة، وقد اقتنعت بقولها فشغلت نفسي من ذلك الحين بإقناع الآخرين بأنه لا يوجد رفيق غير الحب لإيجاد الاتصال بين الخلود وبين طبيعتنا البشرية الفانية؛ لذا أطلب من كلٍّ منكم أن يكرِّم الحب ويشرِّفه؛ ولهذا أنا الآن أحمد الحب على قدْر استطاعتي، وهذا المقال الذي قلته هو هدية وثناء وصلاة مني إلى الحب.

•••

فأثنت الجماعة على خطاب سقراط وهمَّ أريسطوفان بإبداء ما عنَّ له بشأن ما ورد على لسان سقراط متعلقًا به، وإذا بباب الدخول يُقرع قرعًا شديدًا، ثم استأذنت عليهم جلبة تشبه جلبة السكارى المعربدين في صحبتهم زمَّار، فقال أجاثون لخَدَمِه: «اذهبوا يا غلمان وانظروا مَن الطارق، فإن كانوا من أصدقائنا فرحِّبوا بهم، وإلا فأخبروهم أنَّا فرغنا من الشراب.» وبعد ذلك بلحظة سَمِع المجلس صوت السبياديس في المدخل وهو على أشد ما يكون من السكر يزأر قائلًا:

أين أجاثون؟ خذوني إليه! فأخذ الزمَّار وبعض أصدقائه بيده ووقفوه مستندًا إلى دعامة الباب، وكان على رأسه إكليل من حبل المساكين والبنفسج، وعلى رأسه كمية كبيرة من العصائب، فصاح قائلًا: أحييكم أيها الرفاق، إنني شربت كفايتي، ولكن إذا شئتم أن أشرب معكم فلا مانع، فإذا لم ترغبوا في الشراب فإنني أنصرف بعد تتويج أجاثون؛ لأنني ما جئت إلا لهذا الغرض، أؤكد لكم أنني لم أستطِع الحضور أمس، ولكنني جئت الليلة وحول صدغي تلك العصائب ليتيسر لي أن أستعين بها في تتويج ذلك الذي أستميحكم عفوًا إذا وصفته بأنه أجمل الرجال وأحكمهم، أتضحكون من سكري؟ أجل إنني أعرف أنني أقول الحق، أضحكتم أم لم تضحكوا، ولكن قولوا هل تأذنون لي في الدخول أم لا؟ وهل تشربون معي؟

فأظهر أجاثون والجماعة رغبتهم في دخوله، وطلبوا إليه أن يتكئ بينهم، فدخل مأخوذًا بيده من شدة سُكْره، ثم حلَّ رباط رأسه ليتوِّج به أجاثون، وكان سقراط حياله مباشرة، ولكنه لم يبصر به رجاء مجلسه بين سقراط وأجاثون، وقد تحرَّك سقراط ليُفسح له متكأً، فلما جلس ضمَّ أجاثون إلى صدره، ثم توَّجه، وطلب أجاثون إلى عبيده أن يحلوا رباط نعليه ليتيسَّر له أن يتكئ على وسادة واحدة بين سقراط وأجاثون، فقال السيباديس لما سمع أنه ثالث اثنين على وسادة واحدة إني أود ذلك، ولكن مَن يكون ثالثنا؟ ثم التفت فأخذت عينه بسقراط فطفر السيباديس وصاح أي هرقل! مَن هذا الذي أرى؟! أنت يا سقراط متربص لي في كل مكان، ثم تلقاني دائمًا حيث لا أنتظر لقاءك، أما وقد فرغت من هذا فقل لي: ماذا جاء بك إلى هنا؟ ولماذا اخترت أن تتكئ في هذا المكان دون سواه، ولم تختَر جوار أريسطوفان أو غيره ممن يتساهلون في أن يكونوا موضع سخرية، بل توصلت بحذق إلى الاتكاء بجوار أظرف الحاضرين وأحلاهم؟ فقال سقراط: هيِّئ يا أجاثون دفاعًا عني، إنني لا أكتم أن صداقتي لهذا الرجل أمر وبيل؛ فمذ عرفته لم أستطِع أن أحادث سواه، بل لم يتم لي أن أنظر إلى غيره، فإذا فعلت فإنه يغار غيرة شديدة، ويستسلم للإغراق في إظهار استيائه، ويندر أن يصون يده عن ضربي، أتوسَّل إليكم أن تعوقوه عن مثل هذه الفِعال في هذا المجلس، توسَّط في الصلح فقد وكلتك عني، فإذا لم تهدأ سورة غَيرته وغيظه فاستعد للدفاع عني. فقال السيباديس: لا أريد مصالحتك، وسوف أنتهز فرصة أخرى لعقابك على ما حدث منك الليلة. ثم التفت إلى أجاثون، وقال له: أعِرني بعض هذه العصائب لأتوج الهامة العجيبة التي يحملها بين كتفيه ذاك الذي أُلام على أنني توَّجتك وأغفلته، وهو الذي غلب كل الرجال بخُطَبه ليس أمس كما فعلت فحسب، بل في كل وقت. قال هذا، ثم أخذ بالعصبة وربط رأس سقراط، ثم اتكأ وقال: أنتم يا رفاق في صحو فلا تضجروا، بل اشربوا لأنكم اتفقتم معي على المنادمة، وإنني أنتخب لهذا المجلس نفسي رئيسًا إلى أن تسكروا. أجاثون! إليَّ بكبرى طاساتك، ولكن لعل هذا الوعاء المملوء نبيذًا مبردًا يكفيني، عليَّ به يا غلام! فلما رأى أنه يسع أكثر من ثماني كئوس عامرة شرب ما فيه عن آخره، ثم أمر أن يُملأ لسقراط، ثم قال: انتظروا أيها الإخوان إنني لا أستطيع أن أدبِّر حيلة على سقراط؛ لأنه يستطيع أن يشرب على قدْر رغبة مَن يشاء، ثم هو بعد ذلك لا يسكر، ولا يفقد توازنه.

فلما ملأ الغلام الوعاء شربه سقراط عن آخره، فقال: أريكسماكوس! أيبقى شرابنا بغير مسامرة أو طرب، فنكتفي بالشراب الساذج خلوًا من المؤانسة، وهذه خلة الظمآن؟ فقال السباديس: «أريكسماكوس! لم أرَك من قبلُ! تحيةً أيها الولد البار من والدٍ أبرَّ.» أجاب أريكسماكوس: تحيةً لك أيضًا، ولكن ماذا نحن فاعلون؟ قال السباديس: نفعل ما تأمرنا بعدُ؛ لأنه ينبغي لنا أن نخضع لإرشادك؛ لأن الطبيب يعدل مائة من سائر الرجال، فمُرنا بما تشاء! قال أريكسماكوس: قبل أن تدخل علينا اتفقنا على أن يلقي كلٌّ منا خطابًا بليغًا في الثناء على الحب مبتدئين بالجهة اليمنى، وقد قام كلٌّ منَّا بعهده إلا أنت؛ فقد شربتَ معنا ولم تتكلم، ويجب عليك أن تقوم بحصتك في الحديث، فإذا فرغتَ من ذلك فما عليك إلا أن تأمر سقراط بما تشاء، وهو يأمر جاره من اليمين بما يشاء، وهكذا دواليك. قال السباديس: إن في اقتراحك نصيبًا من العدل يا أريكسماكوس وإن كان من الإجحاف أن تُرغِم السَّكران على مناظرة مَن لم يسكروا، هل أقنعك سقراط بصحةِ ما قال عني؟ أم أنت لا تعلم أن الأشياء على عكس ما يصورها لنا؟ فإنني أعتقد بجد أنني إذا مدحت في حضرته إلهًا أو بشرًا سواه، فلن أَسْلم من ضربه، ولكنني أؤكد لك يا سقراط أنني لن أثني في حضرتك على أحدٍ سواك.

فقال أريكسماكوس: افعل هذا إذًا، امدح سقراط إذا شئت. فقال السباديس: هل أطعن عليه وأعاقبه على مرأى ومسمع منكم جميعًا؟ فقال له سقراط: ما الذي تضمره لي؟ هل عزمت على الهزء بي، ووصفي بما ليس فيَّ أم ماذا؟ قال السباديس سأقول الحق ليس إلا، أتسمح لي؟ قال سقراط: إنني لا أسمح لك بقول الحق وحده، بل أشتد في مطالبتك بأن تقول الحق كله.

السيباديس: أطيعك عن طيب خاطر، وإذا ذكرتُ شيئًا مخالفًا للحقيقة فعقني عن إتمام الحديث، وأقنعني بخطئي؛ لأنني لا أحب أبدًا أن أقول غير الحق بعلمي، واحتملني إذا لم أذكر الأشياء على ترتيبها الحقيقي، بل بترتيب تذكُّري إياها؛ لأنه لا يسهل على مَن كان في حالي أن يعدِّد بالنظام والدقة جميع غرائبك وشواذك.

إنني أبدأ بالثناء على سقراط بتشبيهه بتمثال معين، لعله يظن أنني أذكر هذا التمثال على سبيل السخرية، ولكن أؤكد لكم أن هذا ضروري لصدق تصوير الحقيقة. أقول إن سقراط يشبه تلك السيلون٣ التي تجلس في مصنع الحفار، وتَنحِت وهي تحمل مزاميرَ، فإذا شُقت نصفين وجدت داخلها تماثيلَ الآلهة. أؤكد أن سقراط يشبه «إنسان الغابة» مارسياس، أما أن شكلك ومظهرك يشبهان شكل «إنسان الغابة» ومظهره، فأمر لا تستطيع نكرانه، وأما أوجه الشبه الأخرى التي بينك وبينه فاسمعها الآن مني، ألست شديد السخرية حاد الطبع؟ إذا أنكرتَ هذا فإنني مستعد لإثباته بكل الطرق بما في ذلك البينة. ألستَ زمَّارًا؟ بل إنك أبرع وأحذق في الزَّمْر من مارسياس؛ لأن مارسياس وكلَّ مَن يزمر على طريقته إنما يسحر الناس بقوة الفم، وأي موسيقار، حاذقًا كان أو غير حاذق، يُطلِق هذه الموسيقى، فإنها وحدها كفيلة بأن تسوِّده على عقول الرجال. ومن ربانية طبيعتها تظهر مَن كان محتاجًا للآلهة أو للدخول في حظيرة الأسرار الإلهية، ولكنك تختلف عن مارسياس في أمر واحد، وهو أنك تفوز بمأربك بغير أداة، بل بالألفاظ التي تنطق بها؛ لأننا إذا سمعنا برقليس أو غيره من الخطباء الفصحاء فلا نأبه له، ولكن إذا سمعك أحد أو سمع حديثًا مرويًّا عنك مهما كان الراوي سخيفًا، رجلًا كان أو طفلًا أو امرأة، فإن كلماتك تقع من قلبه أعظم موقع، وإذا لم أكن أخشى من شدة سُكري لأكدت لكم قولي بِقَسمٍ عن الأثر الغريب الذي كان لكلماته في نفسي؛ لأنني إذا سمعته يتكلم فإن قلبي يخفق أشد من خفقان قلوب المحتفلين بالخفايا القوريبانية، ثم تجود عيناي بالدموع كلما استمر في الكلام، وقد رأيت مثلي كثيرين يبكون إذا سمعوا كلامه خشوعًا وطربًا، لقد سمعت برقليس وغيره من الفصحاء، ولكن لم يلحقني شيء من هذا، ولم تضطرب نفسي، ولم تمتلئ تأنيبًا لذاتها كما لو أنها ذُلت وامتُهنت وطُرحت في الحضيض كما يُصنع بالأرقاء، ولكن هذا «المارسياس» الحاضر قد فعل بي هذا الذي أصف إلى أن احتقرتُ حياتي، واعتبرتُ أن عيشي لا خير فيه.

لا تنكر هذا يا سقراط؛ لأنني أعلم بيقين أنني إذا شئتُ الآن أن أسمع لك فلن أستطيع المقاومة، فتعروني تلك الهزة التي وصفتُ، ويحدث في نفسي الأثر الذي ذكرت؛ لأنه يا أصدقائي يضطرني إلى الاعتراف بأنني على الرغم من حاجتي إلى أمورٍ كثيرة أهمل شئوني الضرورية، وأهتم بأمور أهل أثينا، فأضع أناملي في آذاني كما يصنع مَن يخشى سماع فتاة البحر، وأفر إلى أقصى ما يمكنني خشية من الجلوس إليه، فأشيخ وتبيض مفارقي من هول ما أسمع منه؛ لأن هذا الرجل جعلني أشعر بعاطفة الخجل التي ما كان يتهمني بها أحد، وهو وحده يوحي إليَّ الندم والوجل؛ لأنني أشعر في حضوره بعجزي عن دحض أقواله، ورفض ما يأمرني به، ولكنني إذا ابتعدت عنه فإن المجد الذي يغمرني به الشعب يلهيني ويغلبني؛ فلذا أفر وأختفي عنه، فإذا رأيته غلبني الخضوع والذل لإهمالي تنفيذ ما اعترفت به بضرورة فعله، وكثيرًا ما منَّيت نفسي بفقدانه واختفائه أبدًا من هذه الدنيا، ولكن إذا حدث هذا — لا قدَّرت الآلهة — فإن آلامي إذًا لن يكون لها حد؛ لأجل هذا ترونني لا أدري ماذا أفعل بهذا الرجل. كل هذا قد تحمَّلته أنا وغيري من زمرِ هذا «المارسياس» ولاحظوا كيف أنه يشبه الذي ذكرت كل الشبه، وكيف أنه ذو قوة عظيمة، اعلموا أنه ليس بينكم مَن يعلم طبيعة سقراط الحقيقية، وحيث إنني بدأت وصفه فسأستمر في إظهار حقيقته لكم، لا يخفى عليكم أن سقراط شغوف بعِشرة أهل الجمال والاختلاط بهم، وأنه دائمًا يتظاهر بالجهل، وهذان مظهران يقرِّبانه من سيلنوس في الغاية القصوى، وهذا هو يا أصدقائي الشكل الخارجي الذي تدثَّر به، وكأنه في ذلك أحد تماثيل سيلنوس، فإنكم إن شققتم عن مظهره الخارجي إذًا لوجدتم الصحو والإفاقة والاعتدال والحكمة؛ لأنه لا يعني بالجمال في ذاته، بل يحتقر كل المظاهر الخارجة، سواء كانت جمالًا أو مالًا أو مجدًا أو أي شيء آخَر مما يتهافت عليه الناس، ويُهنئون بعضهم بعضًا على إحرازه والتمتُّع به، وهو يعتبرنا — نحن الذين نمجِّد هذين الشيئين — كل شيء، ويعيش بيننا هازئًا بكل ما يُعجب به الناس ويعتزون به. على أنني لا أدري إن كان أحدكم قد هُيِّئ له أن رأى التماثيل الإلهية الكامنة في قلب هذا الرجل فتمتع به، وهو مفتوح القلب جاد غير هازل، أما أنا فقد رأيتها فإذا هي على أعظم جانب من الجمال والأبهة والفَخَار لدرجة أن كل شيء يأمر به سقراط لا بد من تنفيذه كما لو كان أمره صادرًا عن إله. لقد كنا رفيقَيْن في الجندية، وكان لنا خِوان ومقصف أمام بوتيديا، وقد غلبني سقراط وفاقنا جميعًا في تحمُّل مشاق الحرب. وإذ كانت مئونتنا تشرف على النفاد، كما هي العادة في كل معسكر، فلم يكن أحد بيننا بأقدر على تحمُّل آلام الجوع من سقراط، ثم إذا توافرت المئونة لم يكن تلذُّذ أحد بطعام الجند بأعظم من تلذُّذ سقراط، ولم تكن عادته الإفراط في الشراب برغبة، ولكن إذا أُرغم فكان يفوقنا في الشراب بغير سُكر، والمدهش أن سقراط لم يُرَ أبدًا في حالة سُكر بعد إقلال أو إفراط.

وفي منتصف الشتاء (وإن برد الشتاء لقارس في تلك الأنحاء) كان يحتمل بهدوء صنوفًا من المصاعب لا يمكن تصوُّرها؛ ذلك أنه كان إذا اشتد الصريب وبلغ الصقيع درجةً لا تُطاق، بحيث لا يستطيع أحد من الجند الخروج من الخيام، فإذا خرجوا تدثَّروا وتلفَّعوا بأعظم اعتناء، ولفُّوا أقدامهم وأرجلهم بالجلود، كان سقراط يخرج بقبائه العادي، ويسير حافيًا على الجليد، ثم يمشي بأسهل ممن يدفئون أقدامهم على ما ذكرت، حتى إن الجند كانوا يظنون أنه يفعل ذلك ليهزأ بهم لعدم تجلُّدهم في الشدائد، ويحسُن بي أن أحيي ذِكْر كل ما قام به هذا الرجل، وكل ما تحمَّله أثناء تلك الحملة الحربية؛ فقد رُؤي مرة في الصباح واقفًا في مكان معين غارقًا في التأمُّل، وكان يبدو عليه أنه عاجز عن حل المعضلة التي عرضت له، واستمر وقوفه على هذه الحال حتى الظهر، وقد رآه الجند وتهامسوا فيما بينهم من أنهم رأوه واقفًا منذ الصباح، ثم جاء بعض رجال أيونيا إلى تلك البقعة، ثم تعشَّوا وأحضروا أغطيتهم من الصوف، وناموا في العراء؛ لأن حرَّ الصيف ألجأهم لهجرة الخيام، وقد لاحظوا أن سقراط بقي واقفًا على حاله الأولى طول الليل حتى الصباح، فلما أشرقت الشمس حيَّاها بصلاة، ثم تحرَّك من مكانه وانصرف.

ولا يليق بي أن أغفل ذِكرَ شجاعته في الحروب؛ فإنه في تلك الموقعة التي حباني بعدها القُوَّاد بوسام الإقدام، كان سقراط هو الذي أنقذ حياتي؛ فأنا مَدِين له بنجاتي وسلامتي؛ لأنه وقف بجانبي إذ كنت جريحًا فصان حياتي، وحمى أسلحتي من يد الأعداء، وقد ألححت إذ ذاك على القُوَّاد أن يعطوا القوسَ باريها، فيقلدوه ذاك الوسام لجدارته به، وأنت يا سقراط لا تنكر أن القُوَّاد شاءوا أن يحاسنوا رجلًا من طبقتي، فعزموا على تقليدي ذاك الوسام، كذلك كنتَ أشد رغبةً منهم في منحهم إياي الجائزة.

ولما هُزم جيشنا وتشتَّت جموعه أيدي سبا في (دليوم) كان منظر سقراط رائعًا عجيبًا خليقًا بألا يُنسى، وكنت راكبًا، وكان هو من المشاة ومثقلًا بالأسلحة، فلما أسفرت هزيمتنا عن فَناء جيشنا تقهقر سقراط ولاشيز فأدركتهما وشجَّعتهما بمرافقتي، فما كان أعظم الفرق بين سقراط ولاشيز في سمو النفس، وحضور البديهة والشجاعة، ولم تخطئ كثيرًا يا أريسطوفان في تمثيله على المسرح؛ إذ كان يسير بثبات، وينظر حوله برزانة وتُؤدة، آخذًا بنظراته الهادئة أصدقاءه وأعداءه بلا فرق، بحيث كان يظهر للبعيد عنه قبل القريب أن مَن يجازف بمهاجمته سوف يلقى مقاومة المستميت، وقد نجا وفريقه بسلام بفضل ثبات جأشه؛ لأن الجنود المتقهقرة تُقتفى آثارها وتُقتل، ولكن العسكري المنتصر يتردَّد دون أن يمس رجلًا كسقراط كانت نظراته وثباته على ما ذكرتُ رغمًا عن انهزام طائفته.

إن لسقراط من الخلال العجيبة ما يستحق الثناء، ولكن بعضها مشترك بينه وبين غيره من الناس، ولكن ذاك الذي يميِّزه عن غيره هو مخالفته جميع الرجال، وكونه أرفع من أن يُقارن بهم؛ فإن براسيداس كان مثل آخيل، وبرقليس يُقارن بنسطور، وأنتنور وكثيرون من الأقدمين تُمكِن مقارنتهم برجال من نوعهم، أما سقراط بشخصه وخُطبه، فلا يمكن تشبيهه بأحد إلا إذا شبهناه بسيلنوس وإنسان الغابة. إن مَن يسمع حديث سقراط يخيَّل له في أول الأمر أنه مضحك جدًّا، فإن الألفاظ والجُمل والتعبيرات التي يستعملها تدل على أنه ساتير لعوب (ساتير هو مخلوق خرافي، نِصْفه إنسان ونِصْفه ماعز)؛ فهو لا ينفك عن ذكر حمير السوق، وصب النحاس، وقطع الجلد، فإذا سمعه بليد غير واعٍ فإنه يضحك منه، فإذا أُتيح للسامع استنباط المعاني الخفية من عباراته الظاهرة تبيَّن له أنها خير ما يُقال ويُسمع، وأن كل ما عداها مما يُستأذَن على الإذن لا قيمة له في جنبها، وأنها معانٍ عميقة فاتنة مقنعة روحانية المنحى، وأنها تطرح أمام فكر السامع صورًا بديعة فاخرة، وأنها تؤدي بالعقل إلى أسمى درجات التفكير. هذه هي الصفات السقراطية التي دعتني إلى امتداحه والثناء عليه. فلما فرغ السيباديس طَرِب الجماعة، وضحكوا من حرية فكره، أما سقراط فقال:

«يلوح لي أنك صاحٍ يا السباديس وإلا ما تيسَّر لك أن تُتمَّ هذه الدورة الكلامية، وأنت تُضمِر غايتك وتخفيها وراء ألفاظك التي عليها مسحة البساطة، وحسن النية؛ وحقيقة مرادك التفريق بيني وبين أجاثون؛ أنت تظن أنه يجب عليَّ أن أكون صديقك دون غيرك، وإلا ما احتلت لاختلاق هذه الرواية الساتيرية السلنية (نسبة إلى ساتير وسيلنوس)، ولكن يا عزيزي أجاثون حذار من حيلته، وأتوسَّل إليك ألا تجعل أحدًا يفوز بالتفريق بيني وبينك.» قال أجاثون: لا شك في مقاصده؛ فقد جاء وجلس بيننا ليفرِّق بيني وبينك، وها أنا أدنو منك لأكون بجانبك دونه. قال سقراط: هذا مكان لك في جنبي. فصاح السباديس: أيها المشتري! ما أشد ما أحتمل من ذلك الرجل! إنه يريد الغلبة في كل سبيل، أرجوك أن تترك أجاثون بيننا. قال سقراط: هذا مُحال؛ لقد مدحتني لأنني على يمينك، وواجبي يقضي بأن أمدحه لجلوسه عن يميني، أما إذا جلس بجانبك فسيقتضي مجلسه أن يثني عليَّ قبل أن أثني عليه. فقال أجاثون: دعني يا السباديس أغيِّر مجلسي لأفوز بمدح سقراط إياي. ثم نهض أجاثون، وجلس بجانب سقراط، ولم يوشك أن يفعل ذلك حتى غشي المجلس جماعةٌ من السُّكارى، فاختلط الحابل بالنابل، واضطرب نظام المجلس، فانسحب أريكسيماكوس وفيدورس وغيرهما.

قال أريسطوديمس: أما أنا فقد غلبني النوم، ولم أتيقَّظ إلا لدى صياح الديك، وإذا بأريسطوفان وأجاثون وسقراط لا يزالون يشربون ويتبادلون فيما بينهم طاسًا واحدة، وكانوا يتناقشون وقد انتهت مناقشتهم بأن قال سقراط لصاحبيه: إن مَن يقدر على وضع الرواية المحزِنة قادرٌ على وضع المبهِجة؛ لأن أصول الصنعتين (التراجيدي والكوميدي) واحدة، ثم نام أجاثون وأريسطوفان، أما سقراط فلم ينَم؛ فقد نهض وتَبِعتُه إلى أن بلغ ليسيوم فاغتسل كعادته، وقضى يومه، وعند المساء ذهب إلى أهله.

١  يقول الرجل الإنجليزي عن امرأته إنها His better half أي أفضل نصفيه.
٢  معناه بالحرف عن اليونانية: رياضة البدن عاريًا.
٣  تمثال زوج أم باكوس ممتطيًا بِرذونًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠