رسالة الغفران

(١) لماذا كتبها أبو العلاء

كان أبو الفرج الزهرجي — كاتب «نصر الدولة» — قد كتب إلى أبي العلاء رسالة استودعها ابن القارح:١ وسأله أن يوصلها إلى أبي العلاء.
قال ابن القارح٢ فسرق عديلي رحلاً — الرسالة فيه — فكتبت هذه الرسالة٣ أشكو أموري وما لقيت في سفري من أُقَيْوام يدَّعون العلم والأدب

وقد ملأ ابن القارح رسالته بشكوى الناس والطعن على الزنادقة والملحدين، وجرَّه ذلك إلى الاستطراد إلى مناسبات شتى، فلما قرأ «أبو العلاء» رسالة ابن القارح، بعث إليه برسالة الغفران ردًّا على رسالته. وقد سلك فيها منهجًا عجيبًا لم يسلكه — فيما نعلم — كاتب قبله؛ فبدأها بالثناء على ابن القارح، والإعجاب بغيرته الدينية، ثم قال:

«وفي قدرة ربنا — جلَّت عظمته — أن يجعل كل حرف منها شبح نور لا يمتزج بمقال الزور، ولعله — سبحانه — قد نصب لسطورها المنجية من اللهب معاريج٤ من الفضة أو الذهب، تعرج بها الملائكة من الأرض الراكدة من السماء. بدليل الآية: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.

وهذه الكلمة الطيبة كأنها المعنية بقوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا.

وفي تلك السطور كلمٌ كثير، كله عند البارئ — تقدَّس— أثير، وقد غرس لمولاي الشيخ الجليل إن شاء الله — بذلك الثناء — شجر في الجنة لذيذ اجتناء، كل شجرة منه تأخذ ما بين المشرق إلى المغرب بظلٍّ غاطٍ،٥ والولدان المخلدون في ظلال تلك الشجر قيامٌ وقعود، يقولون — والله القادر على كل شيء عزيز: «نحن وهذه الشجر صلة من الله لعلي بن منصور،٦ نخبأ له إلى نفخ الصور.» وتجري في أصول ذلك الشجر أنهار تختلج٧ من ماء الحيوان،٨ والكوثر يمدها في كل أوانٍ، من شرب منها النغبة٩ فلا موت، قد أمن هنالك الفوت١٠ وسعد من اللبن متخرقات لا تغير بأن تطول الأوقات، وجعافر١١ من الرحيق١٢ المختوم.

وبعد أن أبدع «المعري» في وصف الفردوس ما شاء أن يبدع، وافتن في وصفها ووصف من فيه من السعداء تمثَّل صديقه «ابن القارح» — وقد اصطفى له ندامى من أدباء الفردوس، ثم يخطر له أن يتنزه، ولا يكاد يفعل حتى يقابله الأعشى، ثم يقابله غيره من الشعراء، وبذلك يخلق أبا العلاء جوًّا صالحًا لتلك الكوميديا الرائعة — رسالة الغفران — ويجعل مسرح هذه الكوميديا الجنة والنار، فإذا انتهى من هذه الكوميديا؛ عاد إلى الرد على رسالة ابن القارح.

ولعل هذه الرسالة هي أمتع ما كتبه١٣ أبو العلاء، وهي تعد بحق أنفس أثر له بعد كتاب اللزوميات.

(٢) لماذا أطلق عليها اسم الغفران؟١٤

وإنما أطلق عليها اسم «الغفران» لأن الفكرة الرئيسية التي دفعته إلى إنشائها — وقت إجابته على رسالة ابن القارح — هي مناقشة من فازوا بالمغفرة ومن حرموها في الدار الآخرة، ومما يسترعي انتباهك فيها سؤاله — وكثيرًا ما كان يوجهه إلى الفريق الناجي: «بِمَ غفر لك؟» فيجيبه كل واحد منهم بما نجَّاه من العذاب، ويشرح له السبب في دخوله الفردوس، ويصف له كيف يتمتع به، وكيف ينعم ببدائعه.

وسؤاله الذي كان يوجهه إلى الفريق الثاني — وهو مَن حقَّت عليه اللعنة وكُتب عليه الشقاء: «لِمَ لم يغفر لك قولك كذا؟» فيجيبه أكثرهم عن السبب، ويشرحون له ما يقاسون من ألم وعذاب، ويصمت بعضهم لاشتغاله بما هو فيه من نكالٍ وغصص.

وهكذا ألمَّ بطائفة من الحوادث والأسباب، ومزج الرواية بالدعابة، والجد بالفكاهة والأدب، والفلسفة بالنقد الصائب، والسخرية الدقيقة.

•••

وليس هذا الخيال، أو تلك الفكرة الفنية التي انتظمت الكتاب فأفردته من بين الآثار الأدبية التي كتب لها الخلود، مما يستغرب من مثل أبي العلاء ذي العقل الراجح، والبصيرة النفاذة، والخيال الواسع.

نعم وليس تمثُّل البعث والنشور، ونعيم الفردوس، وتعذيب الأشقياء في الجحيم، من الأفكار الطارئة التي سببتها رسالة ابن القارح أو نبهتها فيه، ولكنها فكرة متأصلة في قرارة نفسه، نبتت ونمت وتوشجت أصولها ونضجت ثمارها في قلبه — نحو نصف قرن — فاختلطت بلحمه، وسيطت بدمه، وهيمنت على مشاعره منذ حداثة نشأته — حتى أصبحت — من أهم مصادر الفلسفة العلائية.

ولعل أول محاولة رأيناها له — في اكتناه البعث والتردد في قبول الروايات والأخبار المتناقلة — قوله في مستهل حياته الأدبية — وهو في الرابعة عشرة من عمره في نونيته التي رثى بها أباه — إذ يقول فيها:

فيا ليت شعري! هل يخف وقاره
إذا صار أُحْدٌ في القيامة كالعهن؟
وهل يرد الحوض الروي مبادرًا
مع الناس أم يأتي الزحام فيستأني؟١٥

وإنك لتلمح الشك يساور نفسه التي تتطلع إلى اليقين؛ فلا تظفر به وتتلمَّس الحقيقة فلا تصل إليها، فترجع يائسة حائرة بعد أن وجدت كل معينٍ ناضبًا، وكل ماء سرابًا، وإنك لتجد حيرة من قتل الفكرة بحثًا، وقلبها على كل وجه من وجوهها وناحية من نواحيها فلم يظفر بطائل، وزاد تفاقم الشك في نفسه الفتية، فأصبح يتلمس ما يسد به ذلك الفراغ — الذي كان يملؤه اليقين — فلا يجده. كل ذلك تتمثله واضحًا في قوله من تلك القصيدة:

جهلنا فلم نعلم — على الحرص — ما الذي
يراد بنا، والعلم لله ذي المن
إذا غيِّب المرء استسر حديثه
ولم تخبر الأفكار عنه بما يغني
تضل العقول الهبرزيات رشدها
ولم يسلم الرأي القوي من الأفن
طلبت يقينًا من جهينة عنهم
ولم تخبريني، يا جهين سوى الظن
فإن تعهديني لا أزال مسائلًا
فإني لم أعطِ الصحيح، فأستغني
وهكذا ظل أمر البعث، والنشور، والجنة، والنار من أكبر شواغل هذا العقل الممحص الكبير، فاكتظت كتاباته وأشعاره بالإشارة إلى ذلك، ولم تكد تمر به فرصة دون أن يشير إليه إشارة قريبة أو بعيدة، واضحة أو خفية، هازئة أو جادة، ساخرة أو مقررة.١٦ ولم يكن يرى حلًّا لهذه المشكلة المستعصية الحل، إلا وسيلة واحدة مستحيلة التحقيق، بعيدة الحدوث، ولكنها أمنية — على كل حال — من الأماني التي لا بأس من تحدُّث النفس بها — وإن كانت جد واثقة من قلة غنائها — تلك الوسيلة هي استفسار من ماتوا عما لقوه من عذاب أو نعيم — في عالمهم الثاني — ليضع بذلك آخر حد لتضارب الآراء وتناقض الأخبار في هذه المشكلة المستحيلة الحل، ثم لجأ إلى الأماني — وإن لم تسعفه الأماني — فودَّ لو يتاح له الظفر بسؤال أحد الهالكين واستفساره عما لقيه — بعد الموت — لتنتهي بإجابته شكوكه وحيرته انتهاء حاسمًا، فقال:
لو جاء من أهل البلى مخبر
سألت عن قوم وأرَّخت
هل فاز بالجنة عمالها؟
وهل ثوى في النار نوبخت؟

وقال:

أسكن الثرى! لا تبعثون رسالة
إلينا! ولستم سامعي كلام الرسل!
ولم تسل نفسي عنكم باختيارها
ولكن طول الدهر يُذهل أو يُسلي!

وقال:

داران أما هذه فمسيئة
جدًّا، ولا خبر لتلك الدار
ما جاء منها وافد متسرع
فنقول للنبأ الجديد: «بدار!»

وقال:

فهل قام — من قبره — ميت
يعيب على النفس إخفارها
يقول: «جنبنا ذنوبًا لنا
وجدنا المهيمن غفارها»

إلى آخر تلك الأبيات التي لا حاجة بنا إلى استقصائها.

ولكنه بعد أن سئم هذه التمنيات التي رددها كثيرًا — بلا طائل — لجأ إلى نوع آخر من الأماني المجدية — وهو الخيال — وما أوسع عالمه إذا ضاق بالإنسان عالم الحقائق!

وانتهز لذلك مناسبتين:
  • أولاهما: رسالة سائل — لم يحفظ لنا التاريخ اسمه — بعث بها إليه مستفسرًّا عن بعض المسائل الصرفية.
  • وثانيتهما: رسالة علي بن منصور الملقب بدوخلة، والمشهور بابن القارح، فكان جوابه على الأولى رسالة الملائكة، وعلى الثانية رسالة الغفران. فأما رسالة الملائكة فقد انتهز فيها مناسبة كل لفظة سأله المستفهم عنها، للخروج منها إلى ما يناسبها من لقاء عزرائيل إلى محاسبة الملكين إلى نفخ الصور إلى دخول الجنة.

وأما رسالة الغفران فقد انتهز فرصة الثناء على رسالة ابن القارح وإطراء كلماتها — كما أسلفنا — لنتوصل إلى غايته التي رمى إليها، فتمثَّل الملائكة ترفع كلمها الطيب إلى السماء، وتخذ من قوله تعالى: «ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ، أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها» وسيلة إلى تمثُّل الأشجار قد غرست في الفردوس بعدد كلمات تلك الرسالة؛ لأنها جميعًا مما ينطبق عليه معنى الآية التي كأنما كانت تعنيها بهذا الوصف.

وساقه ذكر أشجار الجنة إلى ذكر أنهارها وما فيها من الخمر، ثم إلى تنزُّه ابن القارح فيها وتمتعه بنعيمها الخالد، وتعرُّفه بأهلها، ثم جرِّه ذلك إلى وصف دخوله ودخول غيره من المغفور لهم جنان الخلد، ثم جرِّه ذلك إلى زيارة أهل النار وسؤالهم عن السبب الذي جرَّهم إلى هذه العقبى السيئة، وهكذا إلى آخر أغراض الرسالة.

وبعد أن فرغ من ذلك القسم الممتع عاد إلى الرد على رسالة ابن القارح.

•••

أما رسالة الملائكة فقد يخيل إلينا أنها كتبت قبل رسالة الغفران؛ لأنها — على جمال أسلوبها وتفرد خيالها — مقتضبة إذا قسناها إلى رسالة الغفران، أو هي — إن شئت — إنما كانت تمهيدًا للفكرة الفنية التي قامت عليها القصة.

أما رسالة الغفران فهي — في اعتقادنا — أوضح وأدق وأبرع صورة شعرية قرأناها عن العالم الثاني، وأحوال الناس فيه، وهي كما قلنا من قبل: «فن من الأدب العالي، لا يقل عن أجلِّ أثر أخرجه أكبر رأس غربي مفكر …!»

هوامش

(١) هو علي بن منصور بن القارح، وتجد ترجمته في الجزء الأول من رسالة الغفران ص٢٥.
(٢) ارجع إلى رسالة ابن القارح المنشورة في الجزء الثالث من رسالة الغفران.
(٣) أي: رسالة ابن القارح التي بعث بها إلى أبي العلاء، وهي رسالة طويلة تحوي أخبار الكثير من العلماء والأدباء وأساطين الفكر العربي، هذا إلى ما اكتظت به من عبارات المدح والإطراء التي صاغها في شكر أبي العلاء.
(٤) جمع معراج — وهو السلم أو المصعد.
(٥) ظليل.
(٦) هو ابن القارح.
(٧) تنتزع، تحرك، تطير.
(٨) الحياة.
(٩) الجرعة.
(١٠) الضياع.
(١١) أنهار كبيرة.
(١٢) أطيب وأفضل أنواع الخمر.
(١٣) وقد كتبها في سنة ٤٢٤هـ.
(١٤) اقتبسنا هذه الكلمة من مقدمة رسالة الغفران التي شرحها المؤلف.
(١٥) ألا ترى إليه كيف لائم في هذين البيتين بين روعة الموقف ووقار أبيه، وكيف تردد في أن هذا اليوم العصيب الذي تتبدل فيه طبائع الناس من الرزانة إلى الخفة، ومن العطف على سواهم إلى الاهتمام بأنفسهم لشدة الهول والفزع، فيصد المرء عن أبيه وأمه وأخيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه، ومَن في الأرض جميعًا ثم ينجيه، انظر إليه كيف ارتاب في أن هذا اليوم المفزع الهائل مبدلٌ من تؤدة أبيه ورزانته التي عرفها فيه.
وانظر إليه كيف لائم بين هاتين الفكرتين المتنافرتين، وكيف جمع بين تمثيل الهول والرعب، وتمثيل الرزانة والتؤدة!
وأحب أن أنبه إلى وصف يوم الموقف في الفصل الثاني من رسالة الغفران، وكيف يتدافع الناس إلى ورود الحوض ليطفئوا غلة العطش الذي أهلكهم، وكيف يذودهم الواقفون على الحوض ليمنعوهم الوصول إليه!
(١٦) شعر أبي العلاء في البعث
نكتفي باختيار النبذة التالية من أشعاره الكثيرة التي تناول فيها هذه الفكرة، وهي — على ما في بعضها من تناقض ظاهري — لا تكاد تختلف في جوهرها، قال:
زعموا أنني سأرجع شرخًا
كيف لي؟ كيف لي! وذاك التماسي
وأزور الجنان أحبر فيها
بعد طول الهمود في الأرماس!

•••

هي النفس تهوى الرحب في كل منزلٍ
فكيف بها، إن ضاق الأرض قبرها؟
أتتني أنباء كثير شجونها
لها طرق، أعيا على الناس سبرها
هفا — دونها— قس النصارى وموبذ الـ
ـمجوس، وذيان اليهود وحبرها
وخطوا أحاديثًا لهم في صحائف
لقد ضاعت الأوراق فيها وحبرها
تخالفت الأشياع في عقب الردى
وتلك بحار ليس يدرك عبرها!

•••

أما القيامة فالتنازع شائع
فيها وما لخبيئها إصحار
والجهل أغلب غير علم أننا
نفنى، ويبقى الواحد القهار

•••

وأعجب ما نخشاه دعوة هاتف:
أتيتم، فهبوا يا نيام إلى الحشر
فيا ليتنا عشنا حياة بلا ردى
— يد الدهر— أو متنا مماتًا بلا نشر

•••

لو كان جسمك متروكًا بهيئته
— بعد التلاف — طمعنا في تلافيه
كالدن! عطل من راح تكون به
— ولم يحطم — فعادت مرة فيه
لكنه صار أجزاءً مقسمةً
ثم استمر هباء في سوافيه

•••

ويذكر أن في الأيام يومًا
يقوم من التراب مغيبوه
وما يحدث! فإنا آل عصرٍ
قليلٌ في المعاشر منجبوه

•••

ويقال: «إن الله — جل جلاله —
يومًا! يطهر أرضه بالنار»

•••

من للدفين بأن يفرج لحده
عنه! فينهض وهو أشعث أغبر
والدهر يقدم والمعاشر تنقضي
والعجز تصديق بمين يخبر
زعم الفلاسفة الذين تنطسوا
أن المنية كسرها لا يجبر
قالوا: «وآدم مثل أوبر، والورى
كبناته» جهل امرؤ ما أوبر!
كل الذي تحكون عن مولاكم
كذب أتاكم عن يهود يحبر
رامت به الأحبار نيل معيشة
في الدهر، والعمل القبيح يتبر

•••

إن يصحب الروح عقلي بعد مظعنها
للموت عني، فأجدر أن ترى عجبًا
وإن مضت في الهواء الرحب هالكة
— هلاك جسمي في تربي — فوا شجبا

•••

خذ المرآة واستعرض نجومًا
تمر بمطعم الأري المشور
تدل على الحمام — بغير شك —
ولكن لا تدل على النشور

•••

تـحطمنا الأيام — حتى كأننا
زجاج ولكن لا يعاد له سبك

•••

قال المنجم والطبيب كلاهما:
«لا تحشر الأجسام» قلت: «إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر!
أو صح قولي فالخسار عليكما!»

•••

فليت الفتى كالبدر حدد عمره
يعود هلالًا كلما فني الشهر
ولم ترَ بطن الأرض يلقي لظهرها
رجالًا، كما يلقي إلى بطنها الظهر

•••

حياة كجسر، بين موتين، أول
وثانٍ، وفقد الشخص أن يعبر الجسر

•••

والفقر موت، غير أن حليفه
يرجى له بتموُّلٍ إنشار

•••

أعلم أني — إذا حييت — قذى
وأنني — بعد ميتتي — مدر
كم من رجال جسومهم عفر
تبني بهم — أو عليهم — الجدر

•••

رب روح كطائر القفض المسـ
ـجون، ترجو بموتها التسريحا
فرحوكم بباطل — شيمة الحمـ
ـر — فمهلًا لا أوثر التفريحا
كيف لي أن أكون في داري الأخـ
ـرى، معافى من شقوة مستريحًا
عجبًا لي! أعصى من الجهل عقلي
ويظل السليم عندي جريحًا!

•••

لا نعلم الموتى تهم بكرةٍ
لكن أحياء تروم لحاقا

•••

يكر موتانا إلى الحشر إن
قال لهم بارئهم: «كروا»
يخلف منا آخر أولا
كأننا السنبل والبر

•••

لعلك منجز أغبار ديني
إذا قمنا من الأجداث غبرا

•••

ومتى شاء الذى صورنا
أشعر الميت نشورا فنشر

•••

أيها الملحد! لا تعصِ النهى
فلقد صح قياس واستمر
إن تعد في الجسم — يومًا — روحه
فهو كالربع خلا ثم عمر

•••

قد يمكن البعث — إن نادى المليك به —
وليس منا لدفع الشر إمكان

•••

إذا ما أعظمي كانت هباء
فإن الله لا يعييه جمعي

•••

فخلاصة رأي أبي العلاء التي تخرج بها — بعد قراءة أشعاره في البعث والنشور — هي أن الله أقدر كل شيء، وأن قدرته التي أنشأت الإنسان من العدم إنشاء غير عاجزة — بلا شك — عن إنشائه مرة ثانية وثالثة ورابعة — متى أرادت — ولكن القدرة شيء والإرادة شيء آخر! فقد تقدر على الشيء ولا تريده، أو تريده ولا تقدر عليه!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤