الدين في إسبانيا

(١) الإسلام في الأندلس١

لم يكن العرب ليكونوا الأقلية الصغيرة من مسلمي إسبانيا فحسب،٢ بل كانوا — إلى ذلك — يظهرون عدم مبالاتهم بالدين، واحتقارهم لقوانين الإسلام، مما هو منتظر من رجال تشبعوا بتقاليد البدو، وكانوا في كل أيامهم على اتصال بأمويي دمشق الدنيويين، وعلى النقيض من ذلك كانت الحال مع البرابرة، ومع مؤمني إسبانيا المسمين بالصابئين، أو المولدين، الذين يعيشون كموالٍ في كنف أشراف العرب، فقد استمسكت تلك الطوائف بالدين الذي اتبعته استمساكًا يتناسب مع مزاجها السوداوي الحار، الذي كانت تتميز به دائمًا، وثم ساد بين مسلمي إسبانيا إيمان صارم، يتمثل في يحيى بن يحيى المتوفى سنة ٨٤٩ م، وهو أحد البرابرة ونموذج صادق لهذا الصنف.

يحيى بن يحيى

سافر إلى الشرق وسنُّه وقتئذٍ ثمانٍ وعشرون سنة، وتلقى العلم على يد أستاذه مالك بن أنس الذي أملى عليه كتابه المعروف بالموطأ، وحدث أن كان يحيى ذات يوم في إحدى دروس مالك، ومعه عدد من الطلاب رفقائه، فقال قائل: «حضر الفيل!» فأسرعوا جميعًا إلى رؤيته، ولم يتحرك يحيى من مكانه، فسأل مالك: «لِمَ لم تذهب لتراه وليس في إسبانيا مثل هذا الحيوان؟» فأجابه يحيى: «لقد تركت بلادي لأراك وأتلقى عنك الدروس، ولم آتِ هنا لرؤية الفيل.» فسَرَّ مالكًا هذا الجواب، وقال عنه إنه عاقل إسبانيا. ولما عاد يحيى إلى إسباينا، بذل كل ما في وسعه لنشر تعاليم مذهب سيده. ولئن كان يحيى هذا قد أصر بسبب تورعه ونسكه على رفض أي منصب من المناصب العامة؛ فقد عظم تأثيره رغم ذلك، وذاع صيته إلى حد أن وصل — كما يقول ابن حزم — إلى أنه كان لا يولَّى قاضٍ في الأندلس إلا بعد أن يؤخذ رأي يحيى فيه، وإلا بعد أن يبين من يفضله على سواه من الناس. ٣
وعلى ذلك فقد أصبح مذهب مالك يلي الحديث مباشرة في اتخاذه شرعًا للبلاد. قال عالم من كتَّاب القرن العاشر: «لقد كان الإسبانيون لا يعرفون إلا القرآن والموطأ، فكانوا إذا وجدوا تابعًا من أتباع مذهب أبي حنيفة أو الشافعي طردوه من إسبانيا، والويل لمن يصادفونه من المعتزلة أو الشيعة، أو من أية طائفة تنتمي إلى مذهب ما، فإنهم كثيرًا ما كانوا يخمدون أنفاسه.٤ وقد كان علماء الدين الإسلامي متغطرسين مفرطين في التعصب الأعمى، والطمع في إحراز القوة، فلم يشاءوا أن يرأسهم أحد في المملكة، فأما في زمن هشام (٧٨٨–٧٩٦) — خلف عبد الرحمن — فقد رأوه أميرًا وفق ما يتمنون، إذ كانت تقواه وورعه مما لا يدع لهم مجالًا للكلام، وكان على شاكلتهم فاهتم بشئونهم. وأما الحكم (٨٩٦–٨٢٢) فقد كان أقل منه مراعاة لهم. نعم إنه أكرم رجال الدين وبجَّلهم، ولكنه أراهم في الوقت نفسه أنه لن يسمح لهم بالتدخل في الشئون السياسية مطلقًا؛ فنقموا عليه — وعلى رأسهم يحيى بن يحيى الشرس — وأجابوه بالتهديد والإهانات، واستثاروا جمهور قرطبة، ولا سيما الصابئين — وكانوا في الجزء الجنوبي من المدينة وهو المسمى بالربض — ليقوموا في وجه ذلك الظالم وجنوده السفهاء، وفي ذات يوم من أيام رمضان (١٩٨هـ) (مايو سنة ٨١٤) وجد الحكم نفسه وقد أقصيت عنه حاشيته وحاصره الغوغاء الصاخبون في قصره، ولكن شجاعته لم تفارقه، وقد أنجاه من مأزقه الخطر الذي كان فيه، برودته وإسراع جيشه المدرب لإنقاذه. وكان نصيب تلك الضاحية الثائرة أن دكها دكًّا، ونفى من سلم من القتل من أهلها إلى بلاد بعيدة، وبلغ عددهم نحو ستين ألف نسمة، والحق أن المجرمين الأصليين لم يقعوا تحت طائلة العقاب.

ثم كفَّ الحكم عن اضطهاد رجال الدين الحانقين الذين شعروا بأنهم يستطيعون أن يصلوا منه باللين إلى ما أخفقوا في الحصول عليه بالقوة، وإذ كان أغلبهم من العرب أو البرابرة، فقد بثوا الدعوة الشديدة في الناس لاحترام الحكم، فأعاد إليهم قوتهم في الحال.

وفي زمن عبد الرحمن الثاني (٨٢٢–٨٥٢) أدار دفة السياسة الملية يحيى بن يحيى زعيم الثورة بنفسه، وتولى توزيع مناصب القضاء كما أراد.» ا.هـ

•••

هذا هو الجزء الذي تناول فيه الأستاذ نيكلسون الكلام عن الإسلام في إسبانيا، ولمَّا كنا لا نستطيع مناقشته في كل ما قاله، لكثرة الأغراض الأخرى التي نريد الكلام عنها، فإنا نكتفي بمناقشة أهم تلك النقط الآن، وحسبنا أن نلقي بنظرة سريعة على ما قاله:

فأما أسلوبه فهو دائمًا لا يتغير؛ أسلوب موجز حافل بالمعاني كما رأيتم، وكما ترون في كل ما ننقله لكم عنه، وأما النتائج التي نخرج بها من هذه القطعة فإننا نسوقها ممزوجة بآراء غيره من المؤرخين، مع إبداء ملاحظاتنا على أهمها إيجازًا للكلام، فنقول: يتبين لنا مما مر ما يلي:
  • أولًا: قوة نفوذ الفقهاء وهيمنتهم التامة على عقول العامة.
  • ثانيًا: رغبتهم الشديدة في الاستئثار بكل شيء، والتداخل في كل أمور المملكة تقريبًا.
  • ثالثًا: شدة تشبع الناس بالعقيدة الدينية، وشدة انتصارهم لها، إلى حد أنهم كانوا يحاربون كل من يُغضب رجال الدين أو يعتدي عليهم.
  • رابعًا: معرفة الفقهاء كيف يستثمرون ذلك النفوذ الديني العظيم، وكيف ينتهزون فرصة تشبع الجمهور بالعقيدة الدينية، وتفانيه في حمايتها، في إنقاذ ما تسوله لهم نفوسهم من الرغبات، وفي تحويله إلى حيث شاءت لهم أهواؤهم، وقد شاهدتم كيف أنهم استطاعوا أن يهددوا السلطان نفسه.
  • خامسًا: أن مسألة الدين في الأندلس كانت غيرها في الشرق، بل إنهما كانتا على النقيض، فبينما كنت ترى المذاهب العديدة والنحل المختلفة سائدةً في المشرق، إذ تشاهد عكس ذلك تمامًا في الأندلس، فلم تكن لترى هنا إلا مذهبًا واحدًا قد هيمن على كل أهلها تقريبًا، ذلك هو المذهب السني الذي لم يشذ عنه إلا بعض أفراد غاية في الندرة، ممن مالوا إلى مذهبي المعتزلة والظاهرية.
  • سادسًا: أن تعصب الناس لمذهب مالك ومغالاتهم في الانتصار له قد وصل إلى حد الجنون، فقد رأيتم أن افتتانهم بهذا المذهب وتهوُّسهم في الولوع بكتاب الموطأ، وصلا بهم — كما يقول ذلك العالم الذي استشهد به نيكلسون — إلى حد أنهم كانوا لا يعرفون إلا القرآن والموطأ، بل لقد بلغ جنونهم بالموطأ أكثر من ذلك، فقد حكى لنا بعض المؤرخين أن تعصبهم للموطأ أنساهم النظر في القرآن والأحاديث.

فأما عن النقط الأربعة الأولى فلا أدل عليها مما سرده نيكلسون عن «الحكم» هذا، وعن موقفه إزاء الفقهاء؛ فقد رأيتم من حكايته جرأة الفقهاء في استعمال نفوذهم على العامة بإغرائهم إياهم حتى على مهاجمة قصر الملك، ومحاولة قتله، وقد كادوا يفعلون لولا حسن حظه، ولولا أن أغاثه جنوده الذين داهموهم، وشتتوا شملهم. ولعل أول ما يسترعي النظر في هذه الحكاية — التي سردها عن الحكم — هو قوله عنه: «وقد أنجاه من مأزقه الحرج الذي كان فيه برودته وجيشه المدرب.» والحق أن الحكم قد بلغ من رزانته، وثبات جأشه في هذا المأزق، أن داعب خادمه بتلك الجملة التي سقناها لكم في محاضرتنا السابقة، فقد أمره أن يأتيه بزجاجة الغالية ليتطيب بها وقت أن كان الجمهور يحاصر قصره ويحاول اغتياله، فلما أبطأ الخادم أعاد عليه السؤال ثانية، فقال له خادمه: «يا سيدي أهذا وقت الغالية؟» فأجابه: «ويلك يا ابن الفاعلة! بِمَ يُعرف رأسي من رءوس العامة إذا قُطع، إن لم يكن مضمخًا بالغالية؟» ولقد سمعنا حكايات عديدة عن رزانة بعض الناس، وعن ثبات جأشهم وبرودتهم في ساعة الخطر المميت، فلم نرَ — فيما رأيناه — مداعبةً أغرب من هذه المداعبة، ولا رباطة جأش وصلت إلى أكثر من هذا الحد. شاهدتم شدة ازدياد نفوذ الفقهاء في ذلك العصر، ولكن لا يفوتنا أن نقول إن هذا النفوذ العظيم الذي شاهدتموه لم يكن ليقاس بما وصل إليه نفوذهم وسلطانهم في الأندلس — وقت انحطاط الدولة وتقهقرها — فلقد كان نفوذهم يتعاظم كلما ازدادت الدولة في الانحطاط، وقد كان ذلك أكبر مساعد على توالي انحطاط الدولة وتقهقرها. ولقد كانت وطأة التعصب للدين والانتصار للعقيدة تخف حين يقبض على ناصية الدولة ملك قوي؛ كالحكم الثاني مثلًا الذي استطاع حماية الفلاسفة ورجال العلم وأحرار المفكرين من عنت العامة والمتنطعين في الدين — كما سترون ذلك في حينه — فسترون أنه أطلق حرية التفكير للناس، وأن العلوم قد وصلت في عصره إلى أقصى مدى، وأن الآداب أزهرت، وأن حرية الفكر وصلت إلى حد عظيم جدًّا، وأنه أخذ يناصر المفكرين، وأن الحرية الدينية لم تصل في عصر ما إلى مثل ما وصلت إليه في زمنه، سترون كل ذلك في حينه، ولكنكم سترون أيضًا أن الحرية الدينية — رغم ما وصلت إليه في ذلك الزمن — لم تصل حتى في عهد هذا الملك العظيم إلى ما وصلت إليه في عهد المأمون الخليفة العباسي. بقي علينا أن نتكلم عن النقطتين الخامسة والسادسة فنقول: «إن وصول المذهب المالكي إلى حد أن أنساهم القرآن نفسه، وإلى حد أنهم كانوا لا يطيقون رؤية أي مذهب آخر، وإلى حد أنهم كانوا يطردون أي متمذهبٍ بسواه، وإلى حد أنهم أحرقوا كتب الغزالي حين وصلت الأندلس — كما سترون فيما بعد — وإلى حد أنهم كانوا لا يطيقون النظر في كتاب فلسفة!» نقول: «إن وصول المذهب المالكي إلى هذا الحد، كان بلا شك نذير سوء بما سنسمعه من المدهشات والغرائب التي حصلت وقت انحطاط الدولة، وسنورد أهمها في حينه.»

قلنا إن العقيدة الدينية تمكنت من نفوس المسلمين في إسبانيا، وإن الفقهاء تعهدوا غراسها وإنمائها وفق ما يشتهون، وإنهم أولوا النصوص الدينية والآي القرآنية على حسب رغباتهم، فماذا نشأ عن ذلك؟ نشأ عن ذلك أن الجمهور — فيما بعد — وقف عقبة كأداء في سبيل كل من حاول البحث بحرية فكر، فكان لا يتردد في رجم كل من سمع عنه الاشتغال بعلوم الفلسفة متى رأى ما ينكره عليه، بل لقد وصل نفوذ الفقهاء وسيطرة العامة إلى حد أن كان الملك إذا حاول استرضاء الرعية تقدم إلى واحد من مشهوري الفقهاء وفوض إليه الأمر في حرق كل ما يراه في مكتبته منها، يفعل ذلك بعد أن يكون قد احتاط ووضع أهمها في مكان لا يهتدي إليه الفقيه، وكان الجمهور يحارب الآراء الحرة من غير أن يفهم شيئًا عن حقيقتها، وآية ذلك أنه كان يخلط الفلسفة بالتنجيم، فكان يطلق على كل من حاول البحث بحرية فكر، اسم المشتغل بالفلسفة والتنجيم، وكان الفقهاء يحاربون الآراء الحرة والمذاهب الفلسفية لأسباب عديدة، قد يكون أهمها أن أغلبهم كان يخشى على نفوذه إذا انطلقت الأفكار من عقالها وتحررت العقول من ربقة التقليد، وإذ كانوا قد استمدوا ذلك النفوذ العظيم من سيطرتهم الدينية؛ فقد أيقنوا أن سلطانهم الديني باقٍ على الجمهور ما دام جاهلًا، وعرفوا أنه إذا استنار أدرك ما في أقوالهم من التناقض والإغراق، وفي ذلك القضاء على نفوذهم، وكأنهم كانوا يرون رأي أبي العلاء في قوله:

الدين متجر ميت فلذاك لا
تلقاه في الأحياء إلا كاسدًا
وقد يكون الدافع شيئًا آخر؛ هو جمود بعضهم على فكرة واحدة، وعدم قدرته على التمشي مع الآراء الحرة لقصر مداركه، كما أنه قد يكون ناشئًا عن سوء نية الكثيرين منهم وأنانيتهم وجنونهم بالسيطرة، لكننا مع ذلك جديرون أن لا ننسى أن بعضهم يفعل ذلك عن إخلاصٍ محضٍ؛ لاعتقاده أن انتشار الفلسفة وحرية الفكر بين الجماهير أكبر باعث على السير بهم في طريق الإلحاد والزندقة وزلزلة العقيدة، فكان لذلك يعتقد أن التضييق على الآراء الحرة خير معوانٍ على بقاء الدين ثابت الدعائم، آمنًا من تطرُّق الشك إلى نفوس عامة الناس. ومهما يكن من أمر فقد أدى ذلك التضييق إلى عكس الغرض الأساسي منه، فقد حبب الفلسفة إلى نفوس الكثيرين، وزادهم هيامًا بها، كما كانت الحال في البلاد الشرقية. وإذا رأينا أكثر ملوك الأندلس يخشون نفوذ الفقهاء، ويتهيبون سطوتهم، ويبذلون جهدهم في نشر العلم، ويشجعون حرية الفكر سرًّا، لأنهم لم يجرؤوا على مخالفة إرادة الفقهاء، وإذا شكا العلماء والفلاسفة والملوك شدة بأس الفقهاء في أوائل الدولة، فقد انقلبت الحال في أواخرها تقريبًا، وأصبحنا نرى في الملوك أنفسهم من هو على رأي الفقهاء المتنطعين في التضييق على الفلاسفة، وستتبينون ذلك من القطعة التالية.٥ وهي: «وقام بأمره (بأمر المُلك) من بعده، ابنه علي بن يوسف بن تاشفين، وتلقَّب بلقب أمير المسلمين، وسمى أصحابه المرابطين، وجرى على سنن أبيه في الجهاد، وكان — إلى أن يعد في الزهاد والمتبتلين — أقرب منه إلى أن يعد في الملوك والمتغلبين، واشتد إيثاره لأهل الفقه والدين، وكان لا يقطع أمرًا في مملكته دون مشاورة الفقهاء، فكان إذا ولَّى أحدًا من قضاته كان فيما يعهد إليه أن لا يقطع أمرًا ولا يبتَّ حكومة في صغير من الأمور ولا كبير، إلا بمحضر أربعة من الفقهاء؛ فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغًا عظيمًا لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس. ولم يزل الفقهاء على ذلك، وأمور المسلمين راجعة إليهم وأحكامهم — صغيرها وكبيرها — موقوفة عليهم طول مدته؛ فعظم أمر الفقهاء — كما ذكرنا — وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت لذلك أموالهم، واتسعت مكاسبهم، وفي ذلك يقول أبو جعفر المعروف بالبني الأندلسي:
أهل الرياء لبستم ناموسكم
كالذئب أدلج في الظلام العاتم
فملكتمو الدنيا بمذهب مالك
وقسمتمو الأموال بابن القاسم
ولم يكن يقرب من أمير المؤمنين، ويحظى عنده إلا من علم الفروع — أعني فروع مذهب مالك — فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها، ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسوله فلم يكن من مشاهير أهل هذا الزمان من يعتني بهما كل الاعتناء، ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام، وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين، وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقيدة، وأشباه لهذه الأقوال، حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله، فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه، وتوعَّد من وجد عنده شيء من كتبه، ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي — رحمه الله — المغرب، أمر أمير المسلمين بإحراقها، وتقدَّم بالوعيد — من سفك الدم واستئصال المال — إلى من وجد عنده شيء منها. ٦ أ.هـ.

•••

نكتفي الآن بسرد تلك القطعة في هذه الإلمامة الموجزة، من غير أن نعلق عليها بشيء من عندنا، ففيها وحدها تتبينون صورة واضحة للحال الدينية في عصر من عصور الدولة.

شيء من الآثار الفعلية للعقيدة الدينية

ولا يفوتنا بعد كل ما ذكرناه أن نبين لحضراتكم أثرًا فعليًّا واضحًا من آثار تمكن العقيدة في نفوس أصحابها، متى وجدت محركًا قادرًا على تصريفها، واستفزاز العاطفة الدينية فيها، فإن إلقاء نظرة سريعة على قصيدة أبي إسحق الفقيه، ورؤية أثرها العظيم الذي أحدثته في نفوس الجمهور، ليكفي وحده في إثبات ذلك، وأنكم لترون فيها مبلغ التحمس الديني العظيم، وكيف أنها كانت السبب في القضاء على ما يربو على أربعة آلاف يهودي، ونهب أموالهم، وتدمير منازلهم، وكانت السبب في حدوث تلك المذبحة الهائلة في القرن الخامس الهجري سنة ٤٥٩م.

وقد دعا صاحبها إلى قولها أن يوسف بن نغزلة اليهودي الوزير٧ وشى بأبي إسحق قائل هذه القصيدة؛ فأقصاه السلطان عن بلاده — قالوا — وكان ذلك الوزير قد تعرض لتسفيه بعض الآراء الدينية الإسلامية، وكان عظيم الخطر واسع النفوذ، فوجد أبو إسحق من ذلك حافزًا إلى إنشاء تلك القصيدة البليغة التي سنتلو على حضراتكم أحسن ما فيها، والتي دفعه إلى قولها غيظه من عدوه — ذلك الوزير الخطير — فملأها تحريضًا وأفعمها حججًا وبراهين، أفلح في التأثير بها على العامة، وحملهم على إنفاذ رغباته، وما زال يتفنن في ضروب الاحتثاث والتهييج حتى اشتعل الجمهور الساذج حماسة، وهجم على ذلك الوزير فقتله في قصر السلطان نفسه. وليس من شك في أن أبا إسحق بذل كل مواهبه في الضرب على النغمة الدينية، وإظهار التفجع الشديد على ما انتاب الدين من التهاون به، وعرف كيف يوالي فيها اطراد الأدلة واتساقها، وتدفق المعاني وغزارتها مع دقة عجيبة في التعبير عن أغراضه وخوالجه بكلام فخم يتطاير حماسة ويتأجج نارًا، وشعر صارخ:
خارج من قلب قائله
مثلما يزفر بركان

وبهذا استطاع أن يوهم سامعيها أن قتل أولئك اليهود — خصومه — فرض لا مناص من أدائه، وواجب حتم لا يصح السكوت عنه، وأنهم، إن كانوا غفلوا عن القيام به فيما مضى، فهم خليقون أن يتداركوه في الحال؛ حتى لا تصب عليهم لعنة الله، أو يحيق بهم غضبه فيخسف بهم الأرض، أو ينزل عليهم السماء، وكذلك لم يترك ناظمها وسيلة من الوسائل التي تستفز أخفى العواطف الدينية الكامنة إلا استخدمها، ولا نغمة من نغمات التعصب للعقيدة الدينية إلا ضرب على وتيرتها. كل ذلك بأسلوب سهل رشيق كاد يصل — لسهولته — إلى حد الركاكة في بعض الأبيات، مع أنه من أجمل الشعر وأبدعه، وإن شئت فقل وأروعه، وإليكم هذه القصيدة الفريدة في بابها:

ألا قل لصنهاجة أجمعين
بدور الزمان وأسد العرين
مقالة ذي مقةٍ مشفق
يعد النصيحة زلفى ودين
لقد ذل سيدكم ذلة
تقر بها أعين الشامتين
تخير كاتبه كافرًا
ولو شاء كان من المؤمنين
فعز اليهود به وانتخوا
وتاهوا، وكانوا من الأرذلين

ومنها:

فكم مسلم راغب راهب
لأرذل قرد من المشركين
وما كان ذلك من سعيهم
ولكن منا يقوم المعين
فهلا اقتدى فيهم بالألى
من القادة الخيرة المتقين٨
وأنزلهم حيث يستأهلون
وردهم أسفل السافلين
فلم يستخفوا بأعلامنا
ولم يستطيلوا على الصالحين

ومنها يخاطب السلطان:

أباديس!٩ أنت امرؤ حاذق
تصيب بظنك نفس اليقين
فكيف خفى عنك ما يعبثون
وفي الأرض تضرب منها القرون
وكيف تحب فراخ الزنا
وقد بغضوك إلى العالمين
وكيف يتم لك المرتقى
إذا كنت تبني وهم يهدمون
وكيف استنمت إلى فاسق
وقارنته وهو بئس القرين؟

ومنها:

وإني حللت بغرناطة
فكنت أراهم بها عابثين
وقد قسموها وأعمالها
فمنهم بكل مكان لعين

ومنها:

وهم أمناكم على سركم
وكيف يكون أمينًا خؤون؟
ويأكل غيرهم درهمًا
فيقصي ويدنون إذ يأكلون
وقد ناهضوكم إلى ربكم
فما يمنعون وما ينكرون

ومنها:

ورخم قردهم داره
وأجرى إليها نمير العيون
وصارت حوائجنا عنده
ونحن — على بابه — قائمون
ويضحك منا ومن ديننا
فإنا إلى ربنا راجعون١٠

(٢) المسيحية في الأندلس١١

«بعد الفتح الإسلامي دان كثير من المسيحيين بدين الفاتحين، حفزتهم إلى هذا المنافع من جهة، واقتناعهم بأن الدين الإسلامي هو الدين الحق من جهة أخرى. فقد جددوا فلسفتهم في نظرية الصراع: يعتقدون أنه حيث تكون القوة يكون الحق، ويقولون للكهنة: «لو كانت المسيحية حقًّا فلماذا أسلم الله بلادنا — وهي مسيحية — لشيعة نبي كاذب، وقد زعمتم أنه أخذ الكاثوليكية تحت رعايته، وقصصتم علينا مجموعة من تلك المعجزات التي وقعت غيرةً على هذا الدين أيام المظالم الآرية؟ لِمَ لا تُبعث هذه المعجزات مرة أخرى؟» وقد كانت هذه الاعتراضات في العصور السابقة تسبب الحيرة والارتباك للكهنة أنفسهم الذين كانوا يجهلون كذلك لِمَ خضع المؤمنون وذلوا أمام الملحدين!! فلما تقادم زمن الفتح حُلَّت هذه الاعتراضات بأن المتأخرين من ملوك القوط وكهنتهم وأشرافهم كانوا أئمة مجرمين، وأن القوارع التي قرعتهم لم تكن إلا عقابًا عادلًا من الله، وقد كان اعتبار النكبات قصاصًا عادلًا، من فلسفة الأقدمين — على العموم واليهودية على الخصوص — ولقد تتجلى في أمثال سليمان سعادة الأبرار وشقاوة الفجار — في صورة مختلفة — ولما توالت النكبات على يعقوب لم يكن أصحابه ليقلعوا عن اعتباره مجرمًا، لولا أن برهن على طهارته وفضيلته، وكانت القرون الوسطى تطبق على التعاسة نفس هذه النظرية؛ فكان انتصار المسلمين — على الخصوص — آية الغضب الإلهي، كما كانت انتصارات المسيحيين في رأي المسلمين، وكانت تردد هذه الجملة في إيطاليا كذلك؛ وهي: «إذا انتصر المسلمون فذلك لأن الله يريد عقابنا على خطايانا!» وكذلك كان يقال في إسبانيا. وفي سنة ٨١٢ أذاع ألفونس الثاني منشورًا بإملاء الكهنة قال فيه: «أيها الإله! إن القوط قد أهانوك بكبريائهم فكانوا أهلًا لأن تمزقهم السيوف العربية.» وفي سنة ٩٢٤ قال سنكودي نقار في منشوره بمناسبة إنشاء معبد البلد:

لقد كانت إسبانيا تحت سلطان المسيحيين، فكانت حصونها وقراها مكتظة بالكنائس، وبذلك كان الدين المسيحي سائدًا في كل مكان، ولكن أسلافنا تتابعت خطاياهم، وخرجوا على وصايا الإله، فلأجل أن يعاقبهم — على ما قدمت أيديهم — ويرجعهم إلى الصراط السوي رماهم بهذا الشعب البربري.

وقال «سبستيان» بدوره: «وإنما هلك الجيش القوطى لأن الملوك والكهنة تركوا شريعة الله.» وقال كاهن باشيلوس: «عاقب الله أسلافنا في هذه الحياة الدنيا حتى لا تكون هنالك حاجة إلى عقابهم في الحياة الأخرى.» كذلك نرى المؤرخين المتحضرين من أهل الشمال قد اتهموا «وزيتا» ومعاصريه بأنهم كانوا غلاظًا ملحدين؛ فأهان الكهنوت برمود الثاني ومعاصريه — بسبب ذلك — وفي رواية كاهن بشيليوس أقدم المؤرخين الذين ينقلون عنه، أن «برمود» كان عاقلًا، رحيمًا، عادلًا، وأنه كان يعمل على فعل الخير واجتناب الشر، ولكنه كان سيء الحظ، فقد حدث في عهده — وقت أن كان على عرش ليون — أن وجَّه المنصور إلى المسيحية أشد الضربات التي أصابتها منذ الهجوم العربي؛ فلم ينجُ شيء من سيوف المسلمين، ولم تكن لترى حينذاك إلا مدائن مخربةً، وأديرة خاوية، وكنائس مهدمة، بل لقد وصلت الحال إلى أن سقط سبستبول، وهيكل سان جان — رأسًا على عقب — وهنا رجع السؤال: «لماذا تغلَّب المسلمون على المسيحية؟» وأجاب الكهنة على سابق عادتهم: «ذاك عقاب على خطايانا، والمنصور هو مطرقة الغضب الإلهي.»١٢ على أنهم كانوا جديرين أن يبينوا لنا: أين كانت تلك الجرائم التي استوجبت هذه العقوبة الهائلة؟ وكيف تم ذلك رغم أن الإيمان بالخلود كان — في ذلك الزمن — أكثر منه في أي زمن آخر؟ ولكن لا غرابة في ذلك؛ فقد آلى كتَّاب القرن الثاني عشر على أنفسهم أن يقوموا بهذا الواجب؛١٣ فمؤلف التاريخ القشتالي على الرغم من أنه من رجال الكنيسة ضحَّى — بلا روية — بالكهنة الذين ترأسوا كنيسة رمبوستيل في القرن العاشر، وأظهرهم بمظهر الفسقة المجرمين قساة القلوب.١٤ وعني فيلاخ أفيديو بشخص «برمود»، ألا ترى كيف أنه يبدأ كلامه بنشر صحيفة طويلة من سيئاته ومخازيه، فإذا انتهى منها وصل إلى هذه النتيجة فقال: «وإنما بسبب جرائم برمود وجرائم شعبه أن المنصور … إلخ. وهكذا برروا عمل الألوهية التي سمحت للإسلام أن يكتسح المسيحية.

ولما كانت الأقاصيص الشفوية قد لحقها كثير من التحريف في زمن سبستيان، ولم يكن قد اغترف إلا من ذلك المعين؛ فقد وجب أن تقابل كل معلوماته بالحذر المشروع.» ا.هـ

هوامش

(١) فصل مختار من كتاب «نظرات في تاريخ الأدب الأندلسي»، وهو مجموعة محاضرات ألقاها المؤلف في الجامعة المصرية.
(٢) اخترنا هذه النبذة من كلام الأستاذ «نيكلسون».
(٣) هذا ما أورده ابن خلكان في الجزء الرابع «ص٢٩»، وإليكم ما قاله المقري في ذلك قال:

ومن الراحلين من الأندلس الفقيه المحدث، يحيى بن يحيى الليثي راوي الموطأ عن مالك رضي الله عنه، ويقال إن أصله من برابرة مصمودة، وحكي أنه لما ارتحل إلى مالك ولازمه، فبينما هو عنده في مجلسه مع جماعة من أصحابه، إذ قال قائل: «حضر الفيل!» فخرج أصحاب مالك كلهم ولم يخرج يحيى، فقال مالك: «ما لكَ لم تخرج وليس الفيل في بلادك؟» فقال: «إنما جئت من الأندلس لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أكن لأنظر إلى الفيل!» فأعجب به مالك وقال: «هذا عاقل الأندلس!» ولذلك قيل: «إن يحيى هذا عاقل الأندلس، وعيسى بن دينار فقيهها، وعبد الملك بن حبيب عالمها، ويقال: روايها ومحدِّثها.» وتوفي يحيى بن يحيى سنة ٢٣٤هـ في رجب، وقبره يُستسقى به بقرطبة.»

وقال المقري:

وكان مع أمانته ودينه معظمًا عند الأمراء، يكنى عندهم عفيفًا عن الولايات منزهًا جلت رتبته عن القضاء، وكان أعلى من القضاة قدرًا عند ولاة الأمر بالأندلس؛ لزهده في القضاء وامتناعه، قال الحافظ بن حزم: «مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنفية؛ فإنه لما ولي القضاء أبو يوسف كانت القضاة من قبله من أقصى المشرق إلى أقصى عمل أفريقيا، فكان لا يولي إلا أصحابه والمنتسبين لمذهبه. ومذهب مالك عندنا بالأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكينًا عند السلطان، مقبول القول في القضاء، وكان لا يولَّى قاضٍ في أقطار الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به. على أن يحيى لم يلِ قضاءً قط ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائدًا فى جلالته عندهم، وداعيًا إلى قبول رأيه لديهم. ا.هـ

(٤) المقدسي صفحة ١٤٤.
(٥) منقولة عن كتاب المعجب في أخبار المغرب، تأليف محيي الدين المراكشي «صفحة ٩٥».
(٦) ومما قاله ابن سعيد في ذلك، في كتابه المسمى بالشهب الثاقبة في الإنصاف بين المشارقة والمغاربة، ونقله عنه المقري، قوله:

وأما قواعد أهل الأندلس في دياناتهم فإنها تختلف بحسب الأوقات، والنظر إلى السلاطين، ولكن الأغلب عندهم إقامة الحدود، وإنكار التهاون بتعطيلها، وقيام العامة في ذلك، وإنكاره إن تهاون فيه أصحاب السلطان، وقد يلج السلطان في شيء من ذلك ولا ينكره، فيدخلون عليه قصره المشيد، ولا يعبئون بخيله ورجله حتى يخرجوه من بلدهم، وهذا كثير في أخبارهم، وأما الرجم بالحجارة للقضاة والولاة للأعمال — إذا لم يعدلوا — فكل يوم.» إلى أن قال: «وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء، إلا الفلسفة والتنجيم؛ فإن لها حظًّا عظيمًا عند خواصهم، ولا يتظاهرون بها خوف العامة، فإنه كلما قيل: «فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم!» أطلقت عليه العامة اسم زنديق، وقيد عليه أنفاسه، فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة، أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان، أو يقتله السلطان تقربًا لقلوب العامة، وكثيرًا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن — إذا وجدت — وبذلك تقرَّب المنصور بن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه، وإن كان غير خالٍ من الاشتغال بذلك في الباطن.

وقال:

وقراءة القرآن بالسبع ورواية الحديث لها عندهم منزلة رفيعة، وللفقه رونق ووجاهة، ولا مذهب لهم إلا مذهب مالك، وخواصهم يحفظون من سائر المباحث ما يباحثون به بمحاضر ملوكهم ذوي الهمم في العلوم.

(٧) قال صاحب نفح الطيب: «ولما استوزر «باديس» صاحب غرناطة، اليهودي الشهير بابن نغزلة، وأعضل داءه المسلمين، قال زاهد ألبيرة وغرناطة «أبو إسحق الألبيري، قصيدة النونية المشهورة التي منها في إغرائه «صنهاجة» باليهود … إلخ.»
«وهي قصيدة طويلة، فثارت صنهاجة على اليهود وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وفيهم الوزير المذكور، فأراح الله البلاد والعباد ببركة هذا الشيخ، الذي نور الحق على كلامه بادٍ.»
(٨) في هذا البيت شيء كثير من الركاكة في قوله: «بالألى من القادة الخيرة المتقين»، ولكنا نغتفرها لما في تأليبه من تتمة تلك الصورة الشعرية المنطقية البديعة.
(٩) الهمزة للاستفهام، و«باديس» هو «باديس بن حبوس» صاحب غرناطة، وكانت بينه وبين المعتضد حروب شديدة، قال ابن خلدون: «ولي «باديس» ملك غرناطة بعد أبيه، واستولى على سلطانه إسماعيل بن نغزلة الذمي، ثم نكبه وقتله سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وقتل معه خلقًا من اليهود، وتوفي باديس سنة سبع وستين وأربعمائة.»
(١٠) يرى القارئ في هذا البيت أسلوبه الشيطاني في استفزاز العاطفة الدينية عن طريق التفجع على ما أصاب الدين من ضعف أدى بذلك اليهودي إلى السخرية منه!
(١١) فصل آخر من كتاب نظرات في تاريخ الأدب الأندلسي للمؤلف، وهذا الفصل مترجم عن كتاب دوزي Recherches sur les Musulmans & Liti, d’Espagne.
ومن هذا الفصل يتبين القارئ حال المسيحيين في إسبانيا — بعد الفتح الإسلامي — وكيف تسرَّب الإيمان إلى الكثيرين، ومنهم الذين أسماهم نيكلسون بالصابئة أو المولدين، وكان لهم أكبر أثر في الدين الإسلامي، وعاشوا كموالٍ في كنف أشراف العرب، ووصل تمسكهم بالإسلام إلى حد عظيم جدًّا، ولقد يضطرنا إلى الاكتفاء بهذه الكلمة دون تعليق بعض ما جاء فيها من النقط الهامة رغبتنا في الإيجاز الشديد.
(١٢) Awnozral a élè le fleau de la colere celeste «المنصور مطرقة الغضب الإلهي» هكذا كانوا يسمونه، ولهم الحق في ذلك، فلقد بلغ به حبه الشديد للغزو أنه ربما خرج للمصلى يوم العيد، فحدثت له نية في ذلك، فلا يرجع إلى قصره، بل يخرج — بعد انصرافه من المصلى — كما هو من فوره إلى الجهاد فتتبعه عساكره، وتلحق به أولًا فأولًا؛ فلا يصل إلى أوائل بلاد الروم إلا وقد لحقه من أراده من العساكر، وقد غزا في أيام مملكته نيفًا وخمسين غزوة، وفتح فتوحًا كثيرة، ووصل إلى معاقل امتنعت على من كان قبله، وملأ الأندلس غنائم وسبيًا من بنات الروم وأولادهم ونسائهم، وفي أيامه تغالى الناس في الأندلس فيما يجهزون به بناتهم من الثياب والحلي؛ وذلك لرخص أثمان بنات الروم، حتى نودي على ابنة عظيم من عظماء الروم بقرطبة — وكانت ذات جمال رائع — فلم تساوي أكثر من عشرين دينارًا!
وكان في أكثر زمانه لا يخلُ بأن يغزو غزوتين في السنة. ا.هـ ملخصًا عن كتاب المعجب.
(١٣) وهو اتهام كل من أصابته نكبة بالعصيان؛ ليسهل عليهم تعليل ذلك.
(١٤) فعل هذا ليتوصل به إلي إثبات أن سقوطهم كان عقابًا عادلًا من الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤