الفصل الأول

الجمهور كأصول ثابتة: التفكير بعقلية الناجحين

لا أحدَ يُحضِر لك الجمهور أو يُهْدِيك إياه، إنما هو شيء تجاهد من أجله. ومن الممكن أن تُغفل هذه الحقيقة، لا سيَّما إذا حققت بعض النجاح. الحصول على جمهور والحفاظ عليه أمرٌ صعب؛ فهو يتطلب مثابرة على التفكير والهدف، مع استمرارية العمل على مدى فترة طويلة.1
بروس سبرينجستين

أجبْ سريعًا، ما أهم أصول عملك في الوقت الحالي؟ علامتك التِّجارية؟ ملكيتك الفكرية؟ المنشآت المادية؟ المخزون؟ الموظفون؟

كلُّ هذه إجابات مُحتمَلة، لكن ثمة أصل يُغْفَل عنه باستمرار عندما أطرح هذا السؤال على الشركات. إنه الجمهور.

نعم، الجمهور.

تتصدَّر هذه الإجابة قائمة إجاباتك إذا كنت تعمل في مجال الإعلام أو الرياضة أو الترفيه؛ لأنك تكون فعليًّا بصدد إجلاس الناس في مقاعدهم؛ فأنت تبني جمهورًا لتكسب عيشك وتعرف الميزة التنافسية التي تكسبها إذا كان جمهورك أكبر وأفضل وأكثر نشاطًا وفعالية من جماهير المنافسين. تبني شركات الإعلام المطبوع «القُرَّاء»، والإعلام المسموع «المستمِعين»، والإعلام المرئي «المشاهدين». وتستمد فِرق كرة القدم استمراريتها من «المعجبين». وتعبِّر ليدي جاجا عن حبها ﻟ «معجبيها» من خلال أغانيها.

وحتى العملاء العاديون الذين لا يعملون في مجال الإعلام أو الترفيه يدركون بالبديهة أن كل جمهور من هذه الجماهير له قيمة مالية. يدفع «المعجبون» المخلصون أموالًا لشراء تذاكر الأحداث التي تُبَث بثًّا حيًّا، وتذهب نسبة من هذه الأموال إلى مؤدي هذه الأعمال. المعادلة هنا بسيطة: «جمهور أكبر = عائد أكبر.»

ربما تظن أن هذه المعادلة لا تنطبق عليك إذا كنت تعمل خارج القطاع الْمُركِّز على الجمهور، ولكنها تنطبق بالفعل. هل تدفع مقابل الدعاية؟ إذن، الجمهور مهم. هل تمتلك موقعًا إلكترونيًّا؟ إذن، الجمهور مهم. هل ترغب في تنمية شركتك؟ إذن، الجمهور مهم.

الجمهور هو الأساس الذي تُبْنَى عليه الشركات. ففي النهاية، ماذا كان عملاؤك «قبل» أن يكونوا عملاء؟ كانوا أفرادًا في جمهورٍ ما كان معرَّضًا لمنتجاتك وخدماتك.

منذ مدة ليست بطويلة، كانت الشركات تعتمد اعتمادًا كليًّا على وسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة والمرئية للوصول إلى الجماهير. لكن، في الوقت الحالي تستطيع الشركات بناء جمهور عالمي عن طريق مواقع الإنترنت وتطبيقات الأجهزة المحمولة والبريد الإلكتروني وفيسبوك وتويتر ويوتيوب وإنستجرام وبينترست (على سبيل المثال لا الحصر). والاعتماد السريع على الأجهزة المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي يمنح أيضًا هؤلاء الجماهير القدرة على التواصل مع الشركات، وعادةً ما يكون تواصلًا علنيًّا للغاية.

يبدو هذا الأمر مألوفًا؛ فأنت — لا شك — لديك «فتاةٌ شابة» تعمل على وسائل التواصل الاجتماعي، و«شابٌّ» مسئول عن البريد الإلكتروني، ولديك بعض مقاطع الفيديو على يوتيوب. وموقعك الإلكتروني يعمل على الهواتف الذكية ولديك حسابٌ خاص بشركتك على لينكد إن؛ لذا لا بد أنك تظن برأيك أنك تبني جمهورًا على النحو الصحيح، أليس كذلك؟

أنت مخطئٌ في ظنك هذا؛ فهذه استراتيجيات عقيمة تبني جمهورًا عقيمًا. وعلاوةً على ذلك، يُنفِّذ هذه الاستراتيجيات أشخاصٌ ذوو أهداف متعارضة وليس لديهم سوى القليل من المحفزات المؤسسية فيما يتعلق بالتعاون مع العملاء. ما أدافعُ عنه — وما يدور حوله موضوع هذا الكتاب — هو إنشاء نظام تسويقي جديد تمامًا يركِّز فقط على «تنمية جماهير خاصة». ولكي ندرك تمامًا أهمية هذا الهدف، علينا مناقشته مع بروس سبرينجستين.

(١) قلق بروس سبرينجستين

ليس بروس سبرينجستين (@Springsteen) بالشخص الغافل لأهمية الجماهير الخاصة؛ فبيعُ ما يزيد عن ١٢٠ مليون نسخة من ألبوماته الغنائية على مستوى العالم وإقامة آلاف من الحفلات الموسيقية الحية يعني أنه يعيش من أجلهم. وبينما قد تعتقد أن مطربًا محنكًا ربما يكون آخر شخص قد يقلق بشأن إيجاد جمهور، فإنك مخطئ في هذا الاعتقاد؛ فبعد ممارسة عمله كمطرب لمدة أربعة عقود، لا يزال بروس قلقًا حيال قدرته على بناء جمهور لمنتجه (الموسيقى) والحفاظ عليه في عصر الإنترنت. وعبارته الْمُقتبسَة في بداية الفصل تلخص هذا التحدي ببراعة:

الحصول على جمهور والحفاظ عليه أمرٌ «صعب»؛ فهو يتطلب مثابرة على التفكير والهدف، والعمل على مدى فترة طويلة.

إذا كان بروس سبرينجستين قلقًا حيال بناء جمهور، أفلا ينبغي أن تقلق أنت؟ ألا ينبغي أن يقلق رئيسك في العمل؟

لطالما أرهق سؤال «أين ستقع الصفقة التالية؟» الشركات. وبالفعل نشأ مجال التسويق الشامل لمعالجة مثل هذه المخاوف على نحو مباشر؛ فعلى مدار سنوات، استخدم المسوقون مزيجًا من الإبداع والمراسلات والدعاية الموضوعة في أماكن جيدة لمساعدة شركاتهم على توليد الغالبية العظمى من مبيعاتها، وفي الواقع، حدث هذا على نحو كبير حتى إننا لم نعد نعبأ باختفاء الجماهير اللازمة لذلك. فرغم كل شيء، المنشورات المطبوعة ومحطات الإذاعة وشبكات التليفزيون المستعدة جميعها لتقديم منتجك أمام الجمهور على الفور مقابل أموال الدعاية والإعلان المدفوعة، كانت دائمًا موجودة.

ثم ظهرت شبكة الإنترنت.

قسَّمت قنوات تفاعلية جديدة انتباه المستهلكين، وأسقطت حراس البوابات الإعلامية المعلوماتية التقليديين، ودمَّرت نماذج العمل الإعلامي التقليدي. تأمل ما يأتي:
  • من ٢٠٠٨ حتى ٢٠١٢، انخفض معدل توزيع الجرائد اليومية بنسبة ٢٦٫٦ بالمائة في المملكة المتحدة و١٤٫٩ بالمائة في الولايات المتحدة.2
  • سُجِّل ٢٩ بالمائة من برامج التليفزيون بما يتيح مشاهدتها في أوقاتٍ لاحقة بفضل أنظمة مسجلات الفيديو الرقمية وأنظمة الفيديو حسب الطلب ومنصات البث عبر الإنترنت (ولم يُشاهَد ٤١ بالمائة من البرامج المسجَّلة).3
  • بحلول عام ٢٠٢٠، سيمتلك المستهلك العادي ٥٠ جهازًا متصلًا بالإنترنت.4

في مجال عمل بروس — الذي كان قويًّا للغاية في السابق — تقف الآن المحطات الإذاعية ذات التأثير الكبير مثل قشور متشابهة من الكفاءة المؤسسية، يذيع فيها عددٌ أقل من المالكين أغاني عدد أقل من الفنانين إلى عدد أقل من المستمعين. أما متاجر التسجيلات، فهي تعيش بمساعدة أجهزة دعم الحياة؛ إذ يبقيها على قيد الحياة مجموعةٌ قليلة من هواة الموسيقى المتحمسين بشدة ومدمني الشرائط الموسيقية، وسوق توزيع الأقراص المدمجة. أما بالنسبة إلى تجربة شراء الموسيقى، فقد تحوَّلت من تجربة عينية وشخصية إلى تجربة افتراضية واندفاعية. وعمليًّا فما بين عَشِيَّة وضُحاها، انتقل كبار الفنانين من بيع ألبومات كاملة إلى الترويج لأغانٍ منفردة بصيغة إم بي ثري بسعر ٩٩ سنتًا للأغنية.

هذا هو سبب قلق بروس سبرينجستين. لقد غيَّر الإنترنت وإمكانية التنقل ووسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من طريقة تصنيعٍ وتوزيعٍ وترويجٍ كانت مستقرة ومُربحة سابقًا. والمؤثرون التقليديون الذين كانوا يدفعون ألبومه نحو مبيعات المستوى البلاتيني فقدوا تأثيرهم. وإذا لم يستطع بروس أن يجد طرقًا جديدة فعالة من ناحية التكلفة للوصول إلى جماهيره، فلن تُباع أغانيه، ولن يُرَوَّج لحفلاته، ولن يحقق أرباحًا.

ولكننا نعلم أن هذا لم يحدث. كانت أمور بروس على ما يرام؛ فقد تصدَّر ألبومه الغنائي عام ٢٠١٢ «ريكينج بول» جداول المبيعات، وكان عاشر ألبوم له يحقق هذا الأمر. جمع بروس جمهورًا وفيًّا على نحو لا يُصَدَّق على مدار عمله في مجال الموسيقى لمدة أربعين عامًا، ومع تغيُّر الزمن، تغيَّرت طرق متابعتهم له؛ فبدلًا من معرفة أخبار ألبومه الجديد من مشغِّل موسيقى في إحدى محطات الإذاعة، صار جمهوره يعرفون أخباره مباشرة من خلال موقعه الإلكتروني أو بريده الإلكتروني أو حسابه على تويتر. أو ربما يعرفون أخباره من مؤثر آخر على شبكات التواصل الاجتماعي، كصاحب مدونة أو «معجب» آخر على فيسبوك على سبيل المثال. أيًّا كان الوضع، احتفظ بروس بمتابعيه لأن إدارته أدركت الضرورة المطلقة لتنمية جماهير خاصة على المدى الطويل.

(٢) حتمية الجمهور

إنَّ تنمية جمهور خاص جهدٌ شامل وتعاوني ومتعدد القنوات لبناء جمهور «تستطيع شركتك وحدها الوصول إليه». وهذه الطريقة التسويقية الجديدة مبنية على أساسٍ أُسَمِّيه «حَتْمِيَّة الجُمهور»:

***

لا تستخدم وسائل الإعلام المدفوعة والمملوكة والمكتسَبَة للبيع على المدى القصير وحسب، ولكن أيضًا لزيادة حجم جمهورك الخاص وزيادة ارتباطه بك وقيمته على المدى الطويل.

***

عندما تبني جمهورًا خاصًّا أكبر وأفضل من جمهور منافسيك، فإنك تكتسب ميزة كبيرة في السوق؛ فتكون قادرًا على جلب العملاء إلى عتبة بابك بضغطة زر، بينما يواصل منافسوك التقاتل من أجل الحصول على أماكن أفضل للإعلانات والمزايدة على الكلمات المفتاحية. يسمح لك الجمهور الخاص بما يأتي:
  • (١)

    الوصول إلى «العملاء الحاليين» و«العملاء المرتقبين» بتكلفة أقل.

  • (٢)

    دفع المبيعات بأسلوب يعتمد أكثر على الطلب.

  • (٣)

    معاملة العملاء كأفراد وليس كأشياء مجهولة.

  • (٤)

    تحقيق الاستفادة الأمثل للميزانية المُخصَّصة لوسائل الإعلام المدفوعة والمملوكة والمكتسَبَة.

***

تنمية جمهور خاص هو جهدٌ شامل وتعاوني ومتعدد القنوات لبناء جمهور تستطيع شركتك وحدها الوصول إليه.

***

بينما لا يستطيع إغفال هذه النتائج المفيدة للغاية إلا القليل، فإن تنمية جمهور خاص ليست بعملية شائعة في معظم الشركات في الوقت الحالي. سوف نتناول في الفصلين الثالث والرابع أنواع الجماهير المختلفة بالتفصيل، ولكننا سنلقي نظرة الآن على كل الجماهير الخاصة المحتمَلة المتاحة أمامك:

الباحثون الْمُرَوِّجون المنتسبون
متصفحون دعاة عملاء
مستمعون محللون مستهلكون
مرشحون محتملون معلقون متبرعون
قُرَّاء مبدعون موظفون
فاحصون مؤثرون مشجعون
متسوقون مراسلون متابعون
مشاهدون معقِّبون شركاء
زوار مشاركون مشتركون

والآن، اطرح على نفسك هذا السؤال: مَنْ يدير عمليات استجلاب الجماهير وتنميتهم وأدائهم في شركتك؟ هل هو شخصٌ واحد؟ اثنان؟ خمسة؟ خمسة عشر؟

إذا كانت شركتك مثل معظم الشركات، فإن جماهيرك الخاصة متناثرة عبر مجموعة متنوعة من القنوات وقواعد البيانات والفِرق المختلفة؛ فلا يوجد قائد رئيسي كما هو الحال مع الدعاية والإعلان، والعلامات التِّجارية، وحتى تسويق المحتوى. ونتيجة لذلك، فإن جهودك لزيادة تفاعل الجمهور من خلال وسائل الإعلام المدفوعة والمملوكة والمكتسَبَة ليست سلسة ولا مربحة كما ينبغي أن تكون. وربما تكون رسالتك أيضًا بعيدة عن الرسالة المُثلى حيث إن موقعك الإلكتروني وبريدك الإلكتروني وأجهزتك المحمولة وقواعد البيانات الاجتماعية ليست متكاملة بعضها مع بعض على نحو تام.

وإنْ لم يكن هذا سيئًا بما فيه الكفاية، فإن شركتك تخاطر مخاطرةً كبيرة بغياب الالتزام حيال تنمية جمهور خاص؛ فيصبح جمهورك — الذي يمثل أصولًا مهمة لشركتك — عُرضة لسوء المعاملة على أيدي التنفيذيين الأكثر صَخبًا والأكثر يأسًا، والمستجدين عديمي الخبرة، وكل أنواع الموظفين ذوي النوايا الحسنة الذين يسعون لتحقيق أهدافهم الشخصية بغض النظر عن حالات إلغاء الاشتراك، أو عدم الإعجاب أو إلغاء المتابعة التي يتسبَّبون فيها. وهذا يدفع شركتك (وغالبًا دون معرفة ذلك) إلى التضحية بربحية جمهور على المدى الطويل لصالح مكاسب قصيرة الأجل غير مشروعة.

هذا ليس ترهيبًا من مسوِّق مُختلٍّ؛ إنها قصة رأيتها تحدث مرارًا وتكرارًا.

  • تلقى فريق التسويق عبر البريد الإلكتروني توجيهاتٍ من الإدارة ﺑ «إمطار» كل «المشتركين» (وأحيانًا حتى أولئك الذين ألغوا اشتراكهم) برسائل البريد الإلكتروني بغض النظر عن تأثير ذلك على معدلات إلغاء الاشتراك والعائد على الاستثمار في خطة البريد الإلكتروني على المدى الطويل.

  • يُوَجِّه مدير وسائل التواصل الاجتماعي رسالة مفادها «البيع، ثم البيع، ثم البيع» على الرغم من أن المنشورات المتمركزة حول الذات تقمع مشاركة «المعجبين» و«المتابعين» وتعوقها.

  • لم يطلب مطوِّر تطبيقات الأجهزة المحمولة من «المشتركين» الاشتراك في الإشعارات الآلية المباشرة أو رسائل البريد الإلكتروني الآلية، وبذلك ترك شركته دون أي وسيلة لتنشيط إعادة التفاعل من خلال تطبيقات الأجهزة المحمولة.

هل يبدو هذا مألوفًا بالنسبة إليك؟ هل تريد أن تساعد في إيقاف هذا الجنون وتبني حتمية الجمهور؟ إذن، حان الوقت لمساعدة شركتك في رؤية الجماهير الخاصة كأصول تجارية على درجة كبيرة من الأهمية كما هم في الحقيقة.

(٣) الجمهور بوصفه أصولًا

رَدِّدْ ورائي: الجماهير أصول تجارية؛ «أصول تجارية قَيِّمَة». ربما لا تكون أصولًا ملموسة، ولكن بتوجيه الرسالة المناسبة إلى الشخص المناسب في الوقت المناسب، يمكن أن تتحوَّل الجماهير الخاصة سريعًا إلى مشترين حقيقيين.

بطبيعة الحال، من الأيسر تقدير الأصول المادية للشركة، وذلك لأن كل شخص في المؤسسة يستطيع رؤيتها؛ فنحن نعرف قيمة قطعة الأرض بسبب ما دفعناه ثمنًا لها أو ما يقدِّره السوق ثمنًا لها. ولدينا الحس السليم لتوظيف أمن لحراسة منشآتنا المادية؛ لأن البديل هو السماح للصوص أو المخرِّبين بتعطيل أعمالنا. وندرك أهمية استثمار الأموال في صيانة منشآتنا المادية؛ لأن تسربًا بسيطًا من شأنه أن يصير مشكلة أكثر كلفةً بكثير بين عَشِيَّةٍ وضُحاها.

***

الجماهير أصول تجارية؛ أصول تجارية قَيِّمة.

***

للأسف، نحن نفتقر إلى نفس الحس السليم على المستوى التنظيمي عندما يتعلق الأمر بأصول الجماهير. عددٌ قليل من المديرين التنفيذيين يقدِّرون تمامًا القيمة التي تدوم مدى الحياة للجماهير الخاصة، والتي ربما تُقَدَّر «بملايين الدولارات من العائدات المستقبلية» كما سنرى. هل تسمح شركتك لأي شخص بالتجول وفي جَعبته إمكانية الوصول إلى حساباتٍ تحتوي على ملايين الدولارات؟ بالطبع لا! فنحن نعهد بهذه الأصول للأشخاص المدرَّبين جيدًا، والخاضعين لفحص جيد أيضًا، الذين يحصلون في المقابل على مرتباتٍ جيدة. إذا حصلت جماهيرك الخاصة على مثل هذه القيمة التي يستحقونها بطبيعة الحال، ألا ينبغي أن يكون الأشخاصُ الذين يتعاملون عن قرب شديد مع الجمهور بعضًا من ألمع موظفيك، وأكثرهم استحقاقًا لثقتك، وأكثرهم قيمة؟

يبدو هذا الأمر لي بديهيًّا، ومع ذلك فشلت الشركات عمومًا في الحفاظ على أصول الجماهير على النحو الذي حافظت به على الأصول المادية، وذلك لعدة أسباب:
  • (١)

    «مفهوم الجماهير الخاصة جديد تمامًا»: قبل الإنترنت، كان الجمهور الخاص قاعدة بيانات بريد مباشر مختبِئة في خادم عملاق بعيد. واليوم، توجد الجماهير الخاصة داخل قواعد بياناتنا وخارجها وكذلك عبر نطاق كبير من القنوات العامة والخاصة.

  • (٢)

    «نحن نركز على إدارة القناة بدلًا من التركيز على تنمية الجمهور»: تمتلك العديد من الشركات استراتيجيات لاستخدام فيسبوك وتويتر ويوتيوب، ولكنْ قليلٌ منها مَنْ يمتلك استراتيجيات «تنمية جماهير خاصة» شاملة. وهذا يُقَلِّل من شأن التسويق بتصنيفه ضمن المناقشات الخُطَطية بدلًا من النقاشات المتعلقة بالأولويات الاستراتيجية.

  • (٣)

    «ما زالت القنوات قيد التطوير»: لم تتطور القنوات التي تدعم الجماهير الخاصة إلى الدرجة التي تستطيع فيها أن تمدَّ الْمُسوِّقين بمقاييس بسيطة ومتوافقة لقياس معدل العائد على الاستثمار. وهذا يجعل من الصعب أحيانًا أن تقدم للقيادة سوى حكايات طريفة عن مشاركة الجمهور الإيجابية.

في الوقت الحالي، لا يُرى جمهورك الخاص كجزءٍ من البيان المالي لشركتك، ولكن عليك الاستعداد لليوم الذي يصبح فيه هكذا. في الواقع، أرى مستقبلًا يكون فيه الأشخاص المسئولون عن إدارة الجماهير الخاصة للشركة مستحقين للقدر نفسه من الاحترام وتدقيق الاختيار الذي يحظى به نائب مدير المبيعات. فهم، في النهاية، يديرون أصولًا (نعني الجماهير) مسئولة عن جزءٍ ضخم من المبيعات المستقبلية لشركتك إذا أُدِيرَت كما ينبغي.

نتفليكس: عندما يكون الجمهور هو أهم الأصول

للحصول على لمحة عن المستقبل الذي ترتفع فيه ثروات الشركات وتنخفض تبعًا لحجم جمهورها الخاص ونوعيته، ألقِ نظرة على نتفليكس (@NetFlix). أدت خطة الشركة المنكوبة عام ٢٠١١ لتقسيم حسابات «المشتركين» (قسمٌ للمشاهدة عبر الإنترنت وقسمٌ لخدمة توصيل أقراص الفيديو الرقمية) إلى خسارة ٨٠٠ ألف «مشترك» في ثلاثة شهور فقط. ونتيجة لذلك، انخفض سهم نتفليكس من أعلى مستوى له بقيمة تقترب من ٣٠٠ دولار للسهم الواحد إلى مستوى ٦٠ دولارًا في غضون أشهر.5

إنَّ نتفليكس بالتأكيد من الشركات التي تعتمد اعتمادًا أساسيًّا على الجمهور. وتؤكِّد محنتها — وعودتها اللاحقة من حيث عدد «المشتركين» وسعر السهم — أنه عند النظر إلى الجماهير كأصول، فإن زيادة الجماهير وانخفاضها يمكن أن يؤثرا كثيرًا في قيمة أية شركة.

(٤) الجمهور الخاص مقابل الجمهور المملوك

ربما لاحظت بالفعل أنني حرصت على قول الجماهير «الخاصة» بدلًا من الجماهير «المملوكة». الجماهير «خاصة» بشركتك وليست «مملوكة» لها؛ لأنه لا يوجد جمهور مملوك؛ فيمكن لأي فرد من الجمهور وقف التعامل مع الشركة في أي وقت يريد. وسواءٌ كان في حفل، أو يستخدم تطبيقًا للجوال، أو مشتركًا في قائمة بريد إلكتروني، فإنه دائمًا يمتلك خيار مغادرة المكان، أو حذف تطبيقك، أو إلغاء الاشتراك في قائمة بريدك الإلكتروني. وتنطبق القاعدة نفسها على نحو مؤلم على وسائل الإعلام التقليدية. ولو لم يكن الأمر كذلك، لكنا جميعًا ما زلنا نقرأ نسخًا مطبوعة من مجلة نيوزويك (@Newsweek) أثناء انتظار مشاهدة إعلانات «برامج يجب أن تشاهدها» في ليالي الخميس على شبكة إن بي سي (@NBC).
وبينما لا تكون الجماهير مملوكة، فإنها يمكن أن تكون خاصة مع عودة الحق في التواصل معها إلى كيانٍ واحد. ولكي نتوصل إلى فهم أفضل للفارق بين «مملوك» و«خاص»، دعنا نُلْقِ نظرة على شخص ليس بحجم شهرة بروس سبرينجستين ولكن لديه حاليًّا قاعدة جماهيرية تدين له بالولاء، وهو جويل مكهيل (@JoelMcHale).
بالنسبة إلى أولئك الذين لا يعرفون جويل، فهو ممثل وكوميدي موهوب، ووفقًا للوصف الذي نشره لنفسه على حسابه على تويتر، «أمٌّ فخور». في الواقع، هو واحد من أكثر الرجال العاملين في مجال الاستعراض اجتهادًا، مع اضطلاعه بدور البطولة في مسلسل «كوميونيتي» (المجتمع) على شاشة إن بي سي، وبدور طويل كمقدِّم للبرنامج التليفزيوني «ذا سوب» (الحساء) على قناة إي! إنترتينمنت تلفيجن، ولعرض كوميدي مربح مبني جزئيًّا على السخرية من ريان سيكريست (@RyanSeacrest). ويوجد لجويل ولكل برنامج خاص به حضور نشط على تويتر، وبينما أكتبُ هذا، يبلغ عدد «المتابعين» له كما يلي:
  • ٣٢٧٢٣٧٤ في حساب @JoelMcHale.
  • ٢٤١٩٩٦ في حساب @TheSoup.
  • ٢٣٤٩٩٧ في حساب @NBCCommunity.

***

لا يوجد جمهور مملوك؛ فيمكن لأي فرد من الجمهور المغادرة في أي وقت يريد.

***

لا تندهش، لقد قرأت الأرقام على نحو صحيح. يحظى جويل مكهيل بعدد من «المتابعين» على تويتر يزيد عن ١٣ ضِعف «متابعي» كل برنامج من برامجه. وفي الواقع، بينما أكتب هذا، فإن عدد متابعيَّ أنا شخصيًّا على تويتر يزيد أيضًا عن ١١ ضِعف جمهور شبكة إن بي سي نفسها على تويتر (@NBC؛ ٣٦٤٩٤٥ «متابعًا»!) لا ريب أن «البرامج التي يجب أن تشاهدها» شهدت فترات أفضل من حيث أعداد «المتابعين».

ولكن إليك الأمر غير المتوقع: لا «يملك» جويل أيًّا من أولئك «المتابعين»؛ فعليه أن يعمل على الاحتفاظ بانتباههم واهتمامهم بكل تغريدة جديدة. ومع ذلك، فإن «متابعي» جويل على تويتر هم «جمهوره الخاص»؛ حيث إنه هو الشخص الوحيد الذي يستطيع إرسال رسالة لهم جملا يوجد جمهور مملوكيعًا؛ فلا تستطيع قناة إي! ولا إن بي سي فعل ذلك. يمكنهما إرسال رسالة إلى «متابعيهما»، ولكن للوصول إلى جمهور جويل، يجب أن تطلبا من جويل مراسلتهم (أو تدفعا له مقابل ذلك).

كما هو واضح، يُشَجِّع جويل «متابعيه» على تويتر على مشاهدة كلا برنامجيه. وهذا يحقق فائدة هائلة لشبكة إن بي سي ولقناة إي! حيث إنه يوسِّع نطاق الجهود الترويجية دون تكلفة. وبالمثل، يجب أن يفرح جويل عندما تُضمِّن الحسابات الرئيسية لإن بي سي وإي! (@NBC و@Eonline، على الترتيب) عنوان حسابه على تويتر @JoelMcHale في تغريداتهم الترويجية. وهذا يساعده في بناء «متابعيه» على تويتر؛ الأصل الذي سوف يبقى معه لفترة طويلة بعد رحيله عن برنامج «كوميونيتي» و«ذا سوب».

تمرين ١: تحقَّق بنفسك

إذا أردت أن ترى الجماهير كأصول، فأَلقِ نظرة على سلوكك.

اكتب العلامات التِّجارية التي أنت «معجب» بها حاليًّا على فيسبوك أو «متابع» لها على تويتر أو لينكد إن أو بينترست أو في أي مكان آخر. والآن، تحقق من صندوق البريد الوارد في بريدك الإلكتروني الشخصي. ما العلامات التِّجارية التي منحتها الإذن بإرسال بريد إلكتروني لك؟ أيٌّ منها ما زلت تنتظر رسائلها؟ إذا كان لديك هاتف ذكي، فالتقطه وتصفح التطبيقات المفتوحة. كم عدد البرامج المقدَّمَة من الشركات التي تتعامل معها؟

والآن، اسأل نفسك: هل تفعل شركتك كل ما في وسعها لبناء جمهورها الخاص عبر هذه القنوات؟

من المؤكَّد أن تويتر يوفر لجويل أكبر جمهور خاص له، ولكنه ليس الجمهور الوحيد ﻟ جويل؛ فلديه أيضًا جمهور موقعه الإلكتروني www.joelmchale.tv، وجمهوره من «المعجبين» على فيسبوك (www.facebook.com/joelmchale)، وجمهوره من «العملاء» الذين يحضرون عروضه الكوميدية المباشرة التي يؤديها أمام الحضور.

هل يبدو الأمر مألوفًا؟ ينبغي أن يبدو كذلك؛ لأن جويل — إلى جانب كونه ممثلًا/مقدِّمًا للعروض الكوميدية — هو في الحقيقة شركة تجارية، تسعى لزيادة الفرص المهنية والدخل لجويل مكهيل وحده. ويمكنه القيام بذلك عندما ينجح توليد «طاقة» في صورة حديث واهتمام ومبيعات في نهاية المطاف عن مشاريعه. ينطبق الشيء نفسه على بروس، وينطبق الشيء نفسه على شركتك.

في الواقع، إذا كنت تعمل في أي وظيفة في مجال التسويق في الوقت الراهن، فقد حان الوقت لتبني حقيقة أنك — يا صديقي — تعمل في مجال يتطلب قدرًا كبيرًا من الحماس والإصرار.

العلاقة بين الجمهور والعملاء

بينما كنت أصيغ المفاهيم في هذا الكتاب، وجدتُ نفسي أعود إلى ثلاثة كتب ساعدت في تشكيل العديد من معتقداتي كمسوِّق:

(١) «مستقبل التسويق المباشر» من تأليف دون بيبرز (@DonPeppers) ومارثا روجرز (@Martha_Rogers).
(٢) «التسويق بالإذن» من تأليف سيث جودين (@ThisIsSethsBlog).
(٣) «التسويق غير المباشر» من تأليف جوزيف جافي (@JaffeJuice).

تضع كل هذه الأعمال تصورًا لمستقبل يستطيع فيه المسوقون الاستفادة على نحو متزايد من التكنولوجيا لبناء علاقاتٍ أكثر عمقًا ومعنًى وإنسانيةً مع المستهلكين. ويعتبر كل منها أيضًا إذن المستهلك مفتاحًا ضروريًّا لفتح القنوات (البريد الإلكتروني، والرسائل النصية القصيرة، وفيسبوك، وما إلى ذلك) وإتاحة البيانات لتفعيل قدر أكبر من التواصل الشخصي وثيق الصلة بالموضوع وفي حينه.

يعتمد هذا الكتاب على هذه الكتب العظيمة، ساعيًا إلى تذكير كل مسوق أنه قبل أن يَتَمَكَّن من كسب «عميل» أو بناء علاقة مع «عميل محتمَل»، يجب أن يكون لديه جمهور، ومن الأفضل أن يكون جمهورًا أكبر وأفضل وأكثر استجابة من جماهير منافسيه. وهذا هو جوهر «تنمية الجماهير الخاصة»، وآملُ أن أكون قد وُفِّقت من خلال هذا الكتاب في إبراز الأفكار المعروضة في أعمال دون ومارثا وسيث وجوزيف الرائعة والبناء عليها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢