الفصل الخامس

فلسفة نيتشه الاجتماعية

أصدرنا في مستهل بحثنا هذا حكمًا عامًّا على نيتشه، بأنه لم يكن من المفكرين الذين تعكس فلسفتهم تجاربهم العميقة في الحياة، بل من أولئك الذين تقتصر تجاربهم في الحياة على فلسفتهم وعلى مشاكلهم الفكرية فحسب. وهذا الحكم العام لا ينبغي أن يُلجأ إليه في تفسير حياة نيتشه وعلاقتها بتفكيره فحسب، بل إنه قد أثَّر أبلغ الأثر في طبيعة هذا التفكير ذاته. ولا جدال في أن الأثر الأكبر لتلك الصفة التي تميزت بها شخصية نيتشه، يتبدى أوضح ما يكون في فلسفته الاجتماعية؛ ذلك لأن التفكير السليم في المشاكل الاجتماعية التي تشغل الأذهان في عصرٍ ما يقتضي — كأول وأبسط شرط له — أن يكون المفكر مشاركًا لمعاصريه في معاناة هذه المشاكل، مساهمًا معهم في محاولة حلها. وهذا الشرط الأوَّل البسيط لا يتوافر في نيتشه؛ فقد كان العالم الذي يحيا فيه نيتشه، والذي ينفعل به بكل حواسه ومشاعره، عالمًا خالصًا؛ ومن هنا يحس المرء في كل كتاباته الاجتماعية بأن تلك الآراء صادرة عن ذهن لا يعيش مع العالم المعاصر له على الإطلاق، وإنما يحيا في عالمٍ نظري خالص (برغم كراهيته لهذه الكلمة)، وتتعلق مُثله العليا بتلك الأنماط من الحياة التي يصادفها خلال تفكيره العقلي، كالنمط اليوناني في الحياة على الخصوص، ولا يدرك مدى التباين الهائل بين ذلك العالم الفكري الذي لم يتجاوزه ذهنه، وبين العالم الحديث الذي يحيا فيه، وإنما يأتي لمشاكل هذا العالم الأخير بحلول مستمدة كلها من روح العالم الأوَّل.

ولن ندرس هنا إلا نماذج محدودة لفلسفة نيتشه الاجتماعية، وحسبنا من هذه النماذج أن نشير إلى مدى تأييدها لهذا المبدأ العام الذي أوضحناه، وأن نبين الاتجاه العام الذي تتجه إليه حلول نيتشه لمشاكل المجتمع، في ضوء فهمنا العام للعلاقة بين حياة نيتشه وبين المجتمع المحيط به.

نيتشه والاشتراكية

كانت الاشتراكية في عهد نيتشه مذهبًا لم يثبِّت أقدامه بعدُ. وإن الناقد الحالي لنظرة نيتشه إلى الاشتراكية ليتعرض منذ البداية لاعتراض أساسي، ينبهه إلى الفارق بين الدَّور الذي تلعبه الدعوات الاشتراكية في عصرنا الحالي، حين أصبحت عاملًا رئيسيًّا في التوجيه السياسي والاقتصادي للعالم، وبين دورها الضئيل في عصر نيتشه. وهكذا يُواجَه كل نقد لآراء نيتشه في هذا الصدد بسؤال هام هو: ترى هل كان نيتشه يقف من الاشتراكية نفس الموقف، لو كان يعيش في عصرنا الحالي؟ وليس لنا على هذا السؤال من ردٍّ سوى أن نقول إن الاعتراضات التي وجهها نيتشه إلى الاشتراكية هي بعينها تلك التي لا يزال خصومها يوجهونها إليها حتى اليوم. وهذا التشابه بين موقف نيتشه وموقف الناقدين المعاصرين للاشتراكية، يحملنا على الاعتقاد بأنه لم يكن ليغير آراءه لو أنه شهد الاشتراكية من خلال المنظور الحالي، بل ربما كانت حملته على هذا المذهب الذي يبغضه تزداد عندئذٍ حدة، وذلك حين يراه يزداد انتشارًا وتوسُّعًا.

ولنتأمل بعض الاعتراضات التي وجهها نيتشه إلى الاشتراكية، لنستخلص منها الروح الكامنة من وراء نقده لها. ولنلاحظ من بداية الأمر أن هذه الاعتراضات تكون سلسلة متصلة متماسكة الحلقات، فهي في آخر الأمر اعتراض رئيسي واحد، والكثرة فيها إنما هي أوجه مختلفة لهذا الاعتراض الواحد.

  • (١)
    إن الاشتراكية في رأي نيتشه، تُجهد نفسها في إصلاح حال أناس ليسوا في حاجة إلى هذا الإصلاح. وقد يبدو ذلك غريبًا، ولكن الطبقات الدنيا هي عنده أقل الطبقات شعورًا بما هي فيه من عوز وحاجة. «فالاشتراكيون يخطئون حين يعتقدون أنهم قد وضعوا أنفسهم موضع هذه الطبقات الدنيا، وأحسوا بما هم فيه من آلام؛ ذلك لأن الآلام تزيد بارتفاع المستوى الثقافي. والطبقات الدنيا هي الأقل إحساسًا. وعلى ذلك فرفع مستواها يعني زيادة إشعارها بالآلام.»١ والنتيجة الطبيعية لرأي نيتشه هذا، هي أن الدعوة الإصلاحية في الاشتراكية تُناقِض نفسها على الدوام؛ فهي كلما رفعت مستوى هذه الطبقات الدنيا، ازدادت مطالبها اتساعًا، وكلما عجزت عن تحقيق هذه المطالب تضاعفت آلامها.
    فما هو البديل الذي يقدمه نيتشه عن هذا الإصلاح الاشتراكي؟ إن الاشتراكية هي «مطالبة» الطبقات الدنيا بإصلاح حالها، ولكن هذه المطالبة في رأي نيتشه لا تكفل العدالة على الإطلاق؛ إذ إنها ما صدرت إلا عن الحقد والحسد، وعن التطلع إلى ما في أيدي الغير، أمَّا العدالة الحقة في نظره فهي أن يفيض من يملك على من لا يملك؛ فالطريقة الوحيدة التي يمكن أن تقوم بها اشتراكية ترتكز على العدالة، هي أن «تمنح» الطبقة الحاكمة حق المساواة للآخرين. أمَّا أن يطالب الآخرون بالمساواة، كما هو الحال في الاشتراكية المألوفة، اشتراكية «الطبقات المكبوتة»، فما هذا في حقيقة الأمر إلا حقد وطمع. ويقدم نيتشه لفكرته هذه تشبيهًا عنيفًا، فيتساءل: «إذا ما قرَّبتَ من الحيوان المفترس قطعة دامية من اللحم، ثم أخذت تُبعدها عنه حتى يخور في آخر الأمر؛ أتسمي هذا الخوار عدالة؟»٢

    وإذن فالطبقات الدنيا إذا تُرِكت لِذَاتها لَمَا طالبت بشيء. وإذا أصلح حالها تطلعت إلى الآخرين في حقد وحسد، وسَعَت إلى أن تلتهم منهم ما في أيديهم؛ ومن هنا لا يوافق نيتشه على رفع مستوى هذه الطبقات على نحوٍ يُمكِّنها من المطالبة بإصلاح حالها، وإنما يدعو إلى أن «تمنحها» الطبقة الحاكمة قدرًا من المساواة، وتتفضل عليها بما قد تطالب به لو أحست بحاجتها إليه.

    ولست أدري على أي نحو تمكَّن نيتشه من أن يبرر لنفسه رأيه هذا في الطبقات الدنيا، ودعْوَته إلى تركها وشأنها حتى لا تتطلع إلى ما فوقها؛ ففي هذا الرأي من الأنانية ما لا يكاد الذهن يتصوره. وهو ينطوي في واقع الأمر على خوفٍ كامن من وعي هذه الطبقات، ومما يؤدي إليه هذا الوعي من عواقب على الطبقات «العليا»؛ فهو دعوة إلى إبقاء الأمور على حالتها الراهنة، والاعتراف بتقسيم النصيب، سواء في الميدان الاقتصادي والثقافي والاجتماعي. وما كان ضمير الإنسانية ليَقبل على الإطلاق دعوةً تحضُّ مَن يملكون السُّلطة أو الجاه على أن يحرصوا على ما يملكون، ويدافعوا عنه إلى النهاية ضد من يتطلعون إليه، حتى لو اقتضى الأمر إبقاء هؤلاء الناس في أحطِّ مراتب الحياة.

    وليس لنا أن نلتمس لنيتشه عُذرًا بأنه لم يكن على علمٍ بالحالة السيئة التي كان يجتازها في عصره أولئك الذين يسميهم بالطبقات الدنيا؛ فقد كان على وعي تام بما هم فيه من بؤس؛ ودليلُ ذلك النصُّ الذي يقول فيه: «أمَّا أننا نؤثِر إرضاء غرورنا على كلِّ إرضاءٍ آخر لمشاعرنا (كالاستقرار، وغيره من المزايا)، فهذا ما يتضح — على نحوٍ يبعث على السخرية — من أن الجميع يرغبون في القضاء على الرق (ما لم يكن الأمر راجعًا إلى عوامل سياسية) ويجزعون أشد الجزع من أن يروا غيرهم في مكانة الرقيق، بينما ينبغي على كل امرئٍ أن يوقن بأن حياة الرقيق هي من جميع الأوجُه آمَنُ وأهنأ من حياة العامل الحديث، وأن الرق ينطوي على عمل أقل بكثير مما ينطوي عليه حياة العمال.»٣

    وإذن فنيتشه يدرك جَيِّدًا مدى الشقاء الذي كان يعانيه العامل الحديث في عصره، بدليل أنه حكم على حياته بأنها أكثر بؤسًا من حياة الرقيق، ومع ذلك فقد ظل يدعو إلى بقاء «الطبقات الدنيا» على حالها، حتى لا تتنبه إلى بؤسها إذا رفعنا مستواها، وكأن الأمر سوف يقتصر على رفع ضئيل لمستواها بحيث تصبح واعية لما هي فيه من بؤس فحسب، دون أية محاولة للقضاء على هذا البؤس أصلًا! …

  • (٢)
    وتحقيق الهدف الاشتراكي يؤدي في رأي نيتشه إلى خلق إنسانية خاملة: «فالاشتراكيون يتُوقون إلى أن يكفلوا حياةً هانئة لأكبر عدد ممكن من الناس. ولو تحقق ذلك بالفعل في مقر دائم للحياة الهانئة؛ أعني في الدولة الفاضلة، لقضى ذلك العيش الهانئ على التربة التي تَنبت فيها العقول الكبيرة، والأفراد العظام بوجه عام؛ وأعني بهذه التربة الفاعلية الزائدة. فعندما تتحقق تلك الدولة، تكون الإنسانية قد أصبحت أكثر خمولًا من أن تنجب العبقرية.»٤

    وحجة نيتشه هذه تتردد لدى الكثيرين غيره من المفكرين؛ فمن الآراء التي نصادفها في الفلسفة الاجتماعية بين آنٍ وآخر، ذلك الرأي القائل إن التقدم لا يتحقق إلا عن طريق الحاجة الدائمة، وإن الإنسانية إذا وصلت إلى حد الاكتفاء فلن تتقدم بعد ذلك خطوة واحدة، بل تغدو خاملة متخمة، وتفتقر إلى كل حوافز النهوض. ونسي مردِّدو هذه الحجة أن الاكتفاء الذي يُقال به هنا إنما هو اكتفاء نسبي فحسب؛ فكلما وصل الإنسان إلى حد الاكتفاء في مجال معيَّن، ظهرت له مطالب جديدة في مجالات أخرى، وكلما ارتفع مستوى حياته تشعبت مقتضيات هذه الحياة، وأصبح ما كان يُعَد ترفًا من قبلُ، ضرورةً من الضروريات. وبهذا يمكننا أن نقول، بوجه عام، إن أي نظام لا يمكنه أن يحقق للناس الاكتفاء التام؛ إذ إن هذا الاكتفاء التام مستحيل التحقيق. وعلى ذلك، فليس مما يعيب نظام الحكم الكامل — إذا تحقق — أن يضمن للناس قدرًا كبيرًا من الاكتفاء، ولن يؤدي ذلك إلى بث الخمول فيهم، بل سيزيدهم حماسةً للعمل؛ لأن مطالبهم تزداد وتتسع دائمًا بنسبةٍ تُعادل — إن لم تتجاوز — نسبة ما يحققه لهم المجتمع من الاكتفاء.

    أمَّا عن الشطر الآخر من هذا النقد؛ وأعني به عجز الاشتراكية عن خلق أفراد أقوياء، فهو موضوع بحثنا التالي مباشرةً.

  • (٣)

    من الظواهر التي تباعد بين نيتشه وبين التفكير السياسي السائد في عصره بوجه عام، أن هذا التفكير يتملق مشاعر العامة؛ فالأحزاب السياسية مهما اختلفت اتجاهاتها، تحاول أن تُظهر العامة بمظهر القادرين على التحكم في شئونهم بأنفسهم. والنتيجة الوحيدة لذلك، في رأيه، هي أن تبتعد القلة الممتازة عن مسرح السياسة، إرضاءً لكبريائها. وعلى ذلك، فالاتجاه إلى تملُّق العامة هو أمر يعيبه نيتشه على الفلسفة السياسية الحديثة بأسرها، ولكنه يختص الاشتراكية بأعنف حملاته في هذا الصدد. فليست للاشتراكية سوى أهداف جماعية، بينما الهدف الأعلى في نظره هو خلق أفراد عظماء؛ وهؤلاء الأفراد العظماء لا يُخلقون بخطة مدبَّرة مرسومة، بل يظهرون تلقائيًّا.

    وليس لنا أن نُطيل في شرح آراء نيتشه التي ينعي فيها على الاشتراكية اتجاهها إلى العامة، وافتقارها إلى كل ما يحفز على خلق الفرد الممتاز؛ فتلك الآراء قد رُددت كثيرًا من بعده، حتى غدت جزءًا لا يتجزأ من التفكير الاجتماعي والسياسي لعدد هائل من الناس. وهي في أساسها تنطوي على الاعتقاد بأن تدخل التنظيم الاجتماعي — ممثلًا في الحكومة — يتعارض مع نمو القوي والملكات الفردية؛ فالاشتراكية مذهب يضع في أيدي المجتمع في كليته — أعني في يد الحكومة — ما كان متروكًا للأفراد؛ أي إن التنظيم يصبح فيها جماعيًّا لا فرديًّا، وتتدخل الدولة في شون الأفراد بالتدريج، وتسيطر على مجالات لم تكن تُترك قديمًا إلا للإدارة الفردية. وهكذا يرى نيتشه، ومَن سايره من المفكرين، أن مثل هذا التدخل المتزايد للدولة يقضي على كل أمل في خلق أفراد ممتازين، ويصبغ الكل بصبغة متماثلة متجانسة لا تمايُز فيها ولا تنوُّع.

    ولنناقش الأخطاء العديدة التي ينطوي عليها نقد نيتشه هذا؛ فالاشتراكية لا تسير نحو تقوية نفوذ الدولة دائمًا، بل إن دعاتها الأوَّلين يحلمون بمرحلة تالية تعلو على الدولة، ولا يعود المجتمع الإنساني فيها بحاجة إلى هذا التنظيم المركزي الدقيق، وسواء كان هذا الحلم قابلًا للتحقيق أم لم يكن، فلا شك في أن نيتشه لم يكن دقيقًا حين أغفل هذا الهدف البعيد للاشتراكية إغفالًا تامًّا.

    والقول بأن تدخل الدولة يقضي على ملكات الأفراد، ينطوي ضمنًا على الإيمان بالتعارض بينهما، كما لو كانت الدولة هيئةً تقوم بالرغم عن الأفراد، ولا تُعبِّر إلا عن نفسها فحسب. ولا شك في أن النظام السياسي للإنسانية بأسرها لم يصل بعدُ، في مجموعه، إلى المرحلة التي تُعَد فيها الدولة مجرد تعبير دقيق عن أماني الأفراد؛ غير أن الدعوة الاشتراكية إلى تقوية سلطة الدولة تقترن — بداهة — بفرضٍ أوَّلي آخر، هو أن الدولة إنما تلخص مطالب الأفراد وأمانيهم، ومن الغريب حقًّا أن نيتشه ذاته قد تنبَّه إلى هذا التطور، ودعا إليه، حين قال: «إن التفرقة بين الحكومة والشعب، كما لو كانا يمثلان مجالين منفصلين من مجالات القوى، يتعامل أحدهما، وهو الأقوى والأرفع، ويتحد مع الآخر، وهو الأضعف والأحط، هذه التفرقة هي جزء من فهم سياسي موروث، لا يزال يمثل النظرة التاريخية الثابتة للعلاقات بين القوى في معظم الدول تمثيلًا صادقًا … وعلى العكس من ذلك ينبغي أن يعلم الناس الآن — وفقًا لمبدأ يصدر عن الذهن وحده، ولا يزال عليه أن يشق طريقه في التاريخ — أن الحكومة ليست إلا أداة للشعب. وليست شيئًا عاليًا، رشيدًا، مبجلًا، بالقياس إلى شيء أدنى قد اعتاد الضعة والانحطاط.»٥ وإذن فنيتشه نفسه كان يؤمن بذلك المثل السياسي الأعلى؛ وأعني به أن تزول التفرقة بين الحكومة والشعب ولا يغدو أحدهما طرفًا أرفع وأقوى من الآخر. ولا جدال في أن النتيجة الضرورية لهذا المثل الأعلى هي أن يزول التعارض بين تدخُّل الدولة وبين نمو ملكات الفرد، وبالتالي لا تعود الاشتراكية — مفهومةً بهذا المعنى — عقبةً تحُول دون خلق أفراد عظام.

    والحقُّ أن الحملة على كل حركة اجتماعية ذات صبغة عامة، بحجة أنها تتعارض مع مبدأ الفردية، هذه الحملة تنم عن قصور ذهني شديد. ومن العجيب حقًّا أنها لا تزال تتردد حتى يومنا هذا، فلم يكن الأمر مقتصرًا على نيتشه وحده، بل ما زلنا نصادف أمثلة متنوعة لتلك الحجة التي يتذرع بها أنصار الفردية المزعومة. ولسنا ندري ما الذي كان يقصده نيتشه — ومعه أنصاره هؤلاء — من كلمة الفرد. أيستطيع أحد بعد كل هذا الشوط الهائل الذي قطعته الإنسانية في مضمار العلاقات الاجتماعية، أن يتصور الفرد على أنه كيان منعزل يمكنه أن ينمو وحده، ويزداد نموه بقدر استقلاله عن المؤثرات المحيطة به؟ الحق أن التجربة الاجتماعية الطويلة التي مرَّت بها البشرية لا تسمح على الإطلاق بمثل هذا الرجوع إلى الوراء، ولا جدال في أن أنصار الفردية المطلقة إنما يبنون كل آرائهم على أساس خيالي، ولو تعمقوا قليلًا في التفكير لأدركوا استحالة ما يطلبون.

    ولنسأل نيتشه في هذا الصدد: ألم يكن يرى في الاتصال «التاريخي» بين مختلف الأجيال البشرية عاملًا من عوامل تعميق روح الفرد؟ لقد أكد نيتشه مرارًا قيمة الروح التاريخية، وطالما نعى على معاصريه افتقارهم إليها، وكان في تفكيره يستلهم الثقافات القديمة في كثيرٍ من الميادين، بل إن تفكيره الاجتماعي بأسره، كما سنرى فيما بعدُ، إنما كان يحلِّق في سماء العصر اليوناني وحده؛ فنيتشه إذن قد وجد في الاتصال «التاريخي» مع الأجيال البشرية المختلفة غذاء دائمًا لروحه، ولم يجد فيه حائلًا دون نمو ملكاته الفردية، بل كان هو الوسيلة الكبرى لهذا الاتجاه، فلِمَ ينكر إذن على الاتصال الاجتماعي «في العصر الواحد» هذه الصفة؟ الحق أن الأمرين لا يختلفان على الإطلاق، فما دمنا قد اعترفنا بأن اتصال ذهن الفرد بغيره من الأذهان عن طريق العودة إلى الثقافات البشرية الماضية يعمق هذا الذهن ولا يؤدي مطلقًا إلى تشتيته أو إضفاء طابع السطحية عليه؛ فعلينا بالمثل أن نعترف بأن اتصال ذهن الفرد بغيره من الأذهان عن طريق التفاهم المتبادل داخل المجتمع الواحد يؤدي إلى نفس النتيجة؛ ذلك لأن الذهن الفردي لا ينمو تلقائيًّا، وإنما يزداد عمقًا كلما ازدادت الأشعة التي تتلاقى فيه. وليس معنى ذلك أن يكون الذهن سلبيًّا، يتلقى محتواه من الخارج فحسب؛ إذ إنه يؤدي مهمة أساسية، هي تنظيم هذه الأشعة، والقدرة على تكوين مركَّب متجانس منها. وعلى ذلك. فليس مما يحط من قدر الفرد مطلقًا أن تزداد علاقاته الاجتماعية عُمقًا، وأن يتداخل ذهنه في أذهان الجماعة المحيطة به على الدوام، وما كانت المذاهب الاجتماعية التي نقدها نيتشه — بحجة افتقار الفرد إلى العمق فيها — ما كانت إلا محاولة لإكساب الذهن الفردي مزيدًا من العمق عن طريق جعله مركزًا تتلاقى فيه أشعة هائلة من كل أطراف المجتمع المحيطة به.

  • (٤)
    والحجة الأخيرة في نقد نيتشه للاشتراكية تُستمد من فكرة التفاوت الطبيعي بين الأفراد؛ فالاشتراكية تبعث بين الناس نوعًا من المساواة المصطنعة؛ إذ إن الطبيعة لا تعرف إلا التفاوت في المرتبة Rangordnung، وكل محاولة لجعل الناس متساوين هي محاولة مضادة للطبيعة، ويؤكد نيتشه هذه الحجة على نحو يحس معه المرء بأن يراها بديهية لا تُناقَش، ولكن هل هي بالفعل تحمل هذا الطابع البديهي؟
    علينا أوَّلًا أن نتساءل عن ماهية هذا التفاوت بين الناس: هل هو طبيعي، أم اجتماعي؛ إذ إن الإجابة على هذا السؤال هي التي تقرر مصير كل اعتراضات نيتشه على الاشتراكية، فهو حين يؤكد أن الطبقات الدنيا هي الأقل إحساسًا بسوء حالها، يؤمن ضمنًا بأن هذه الطبقات هي الأحط ذهنيًّا. والذي لا شك فيه أن نيتشه لم يحاول أن يفكر تفكيرًا عميقًا في هذا السؤال، وهو: هل يناظر التفاوت القائم بين الناس في مجتمعنا تفاوتًا آخر في طبائعهم؟ أعني هل كان أقل الناس نصيبًا من وسائل العيش والنفوذ في المجتمع، هم دائمًا أقلهم نصيبًا من المواهب الطبيعية؟ الذي لا شك فيه هو أن نيتشه قد أجاب عن هذا السؤال بالإيجاب، وحاول أن يبرر لنفسه وجود تلك الهوية بين النظام الاجتماعي القائم والنظام الطبيعي تبريرات شتى. وهنا نجد ذلك الأثر العميق الذي تركه التفكير الألماني التقليدي في السياسة ينطبع على ذهن نيتشه دون وعي منه، وذلك في إيمانه الضمني بأن التفاوت الاجتماعي القائم هو في الوقت نفسه تفاوت في الطبيعة بين الأفراد، أي بأنَّ ثمَّت قوة أعلى من الإنسان (يسميها نيتشه بالطبيعة، ويسميها هيجل Hegel وفشته Fichte الله) هي التي فرضت على المجتمع أوضاعه الحالية.
    ذلك لأن نيتشه قد حاول أن يُثبت أن مراتب الناس الحالية في المجتمع هي ذاتها مراتبهم الطبيعية؛ فالثروة في رأيه مصدر لعراقة الأصل: «إن الثروة تولِّد بالضرورة أرستقراطية في الجنس؛ إذ تمكن من اختيار أجمل النساء، ومن جلب خير المربين، وهي تُضفي على الرجل صفاءً، وتمنحه الوقت الذي يتعهد فيه جسمه بالرعاية، وأهم من ذلك كله، تعفيه من العمل البدني الثقيل.»٦ وهكذا يولِّد ازدياد نصيب المرء في الثروة — أعني في مظاهر النظام الاجتماعي — ارتفاعًا في مرتبته «الطبيعية». ولم يحاول نيتشه أن يتساءل عن الوسائل التي تُكتسب بها تلك الثروات في كثير من الأحيان، بل يبدو أنه كان يؤثر أن تكون تلك الثروة مكتسبة بالوراثة، حتى لا يضطر المرء إلى أن يعمل في سبيلها كثيرًا. وهكذا يكون المثل الأعلى عند نيتشه هو تلك الطفيليات البشرية التي لا تكد ولا تشقى، والتي تجد كل شيء ميسَّرًا أمامها منذ مولدها، والتي هي في واقع الأمر مصدر كل انحلال وتدهور في المجتمع.
    ومن العجيب حقًّا أن نيتشه كان يؤمن بالوراثة إيمانًا عميقًا، برغم مراجعته لمعظم الأفكار التقليدية وشكِّه في أكثرها تأصُّلًا في الأذهان. فإذا ما وُوُجِه بمعترض يسأله: هل يستحق أولئك النبلاء الحاليون، أن يكونوا نبلاء بحق؟ وهل هم جديرون بالمكانة التي يشغلونها مع أن كثيرًا منهم إنما احتلوا هذه المكانة بالوراثة فحسب؟! كان جوابه هو أن عراقة النسب مصدر حقيقي للفخر: «فللمرء أن يفخر بحق إذا كانت لديه سلسلة متصلة من الأسلاف الأمجاد تستمر حتى الأب … ولو انقطعت هذه السلسلة مرة واحدة، ووُجِد سلف واحد فاسد، لضاعت عراقة النسب. وعلينا أن نسأل ذلك الذي يتحدث عن عراقة نسبه: ألا يوجد ضمن أسلافك رجال أشرار، جشعون، مِتْلافون، فاسدون، قساة؟ فإن أجاب بالسلب عن علم ويقين، فعلينا أن نسعى إلى صداقته.»٧ وإن المرء لتتملكه الدهشة حين يرى تلك العقلية الدقيقة تتردى في مثل هذه الأخطاء والأوهام الخرافية عن الأصل والنسب، وكيف أنهما يؤثران على المرتبة الحالية لأفراد الإنسانية.
    والظاهرة التي يجدر بنا ملاحظتها في هذا الصدد، هي مدى تأثر نيتشه بالمُثُل العليا اليونانية. فنحن اليوم نعيب على أفلاطون وأرسطو تبريرهما للرق من أجل ضمان مستوى رفيع في الحياة للأحرار من اليونانيين، ولكن نيتشه يعود إلى نفس الفكرة، في النص الذي أكد فيه أن الثروة مصدر من مصادر الارتفاع بالمستوى الطبيعي؛ إذ «تعفي المرء من العمل البدني الثقيل.» وهكذا تكون الإنسانية الرفيعة في نظره هي الإنسانية التي لا تعمل، والتي تحيا حياة مترفة خلت من كل مظاهر الجهد والعناء. ولما كان من المحال أن تسير الإنسانية كلها على هذه الوتيرة، فلا بد أن توجد طبقة أخرى توفر للأفراد الممتازين وقتهم وجهدهم؛ أعني أنه لا بُدَّ من نظام الرق في صورة من صوره. وبالفعل نجد نيتشه يصرح بهذه النتيجة الضرورية، فيقول: «لا يمكن أن تقوم حضارة رفيعة إلا حيث توجد في المجتمع طبقتان متميزتان؛ طبقة العاملين، وطبقة المترفين الذين يمكنهم أن يعيشوا دون أي عمل، أو بتعبير أقوى: طبقة العمل الإلزامي وطبقة العمل الحر …»٨ وفي موضع آخر يقول صراحةً: «إن كل ارتقاء بالنوع الإنساني كان حتى اليوم من عمل مجتمع أرستقراطي، وسيكون كذلك دائمًا؛ أعني مجتمعًا يؤمن بالتفاوت الكبير في المراتب بين الإنسان والإنسان، وبتباين قيمة كلٍّ منهم، ويرى الرق بأي معنى من معانيه ضرورة محتومة.»٩

    وهنا ترى لزامًا علينا أن نعود فنذكِّر القارئ بتلك الصفة الفريدة في شخصية نيتشه؛ أعني تركيز حياته حول مجموعة من المشاكل الفردية كانت هي قوام هذه الحياة. فهذا الطابع الفكري الخالص لحياة نيتشه جعله يخلط بين المحتوى الثقافي لذهنه، وبين الواقع الفعلي الذي يحيا فيه؛ ومن هنا كانت النظرة اليونانية هي المسيطرة على تفكيره، وكانت حلوله لمشاكل عصره مستمدة من روح العصر اليوناني، برغم التفاوت الهائل بين طبيعة العصرين، والتقدم الكبير الذي أحرزته الإنسانية في ميدان العلاقات بين الطبقات الاجتماعية منذ ذلك الحين. فنظام الرق اليوناني، الذي أنجب تلك العقول النظرية الكبيرة، هو أصلحُ النُّظُم في نظر نيتشه، وكما دعا أفلاطون وأرسطو إلى توفير الراحة «للأحرار» من الناس حتى يتفرغوا للمهام العقلية الكبيرة، فكذلك يدعو نيتشه إلى نوع من نظام الرق، حتى يمكن أن توجد طبقة أرستقراطية تنهض على أيديها الحضارة الحديثة. وهكذا نجد نيتشه يتجاهل طبيعة التصور الاجتماعي تجاهلًا تامًّا، ويتنكر للنظرة التاريخية التي كان هو ذاته من أكبر من نبهوا إليها. فتفكيره في هذا الصدد هو أشبه بتفكير أهل الكهف، وهو بالفعل مِن أسرى الكهف العقلي الذي احتبس فيه ذهنه، حتى غدت المشاكل الثقافية القديمة فيه حية تسعى في عالمنا هذا، وتفرض نفسها على عصرنا الحديث، برغم تنافرها الصارخ معه.

    ولو تعمق نيتشه في الأمر قليلًا، لأدرك أن الفئة التي تملك زمام الأمور نتيجة لأوضاع اجتماعية معيَّنة ليست هي بالضرورة أصلح الفئات بطبيعتها، ولأدرك أيضًا أن رأيه في التمايز الطبيعي بين الطبقات، ودعوته إلى إبقاء الطبقات الدنيا على حالها، إنما يفترض مقدَّمًا أن تأثير الطبيعة في هوية مع تأثير الأوضاع الاجتماعية، وهو فرض مخطئ كل الخطأ. وليس لنا أن نذهب بعيدًا؛ فنيتشه ذاته يسخر، في مواضع معيَّنة، من أغنياء عصره، وخاصةً أصحاب الأعمال منهم، ويؤكد أنهم ليسوا أصلح الناس على الإطلاق، وذلك إذ يقول: «لقد كانت العلاقة بين الجنود وقوادهم دائمًا أرفع بكثير من علاقة العمال بصاحب العمل … فهنا يتحكم قانون الحاجة فحسب؛ أي إن المرء يريد أن يعيش، وعليه أن يبيع نفسه؛ غير أنه يحتقر ذلك الذي يستغل هذه الحاجة ويشتري منه العمل. ومما يسترعي الانتباه أن الخضوع لأشخاص أقوياء، يثيرون الخوف والرعب، أي الخضوع لطغاة وقواد جيوش، لا يكون أليمًا بقدر الخضوع لأشخاص غير معروفين، لا أهمية لهم، كما هو الحال في كل رجال الصناعة الكبار؛ فالعامل لا يرى في صاحب العمل عادةً إلا شخصًا تافهًا يتصف بالخديعة والجشع، ويستغل كل حاجاته؛ شخصًا لا يهمه على الإطلاق أن يعرف اسمه أو شكله أو خلُقه أو طبعه. ومن الجائز أن كل رجال الصناعة وكبار رجال الأعمال في التجارة يفتقرون تمامًا — حتى الآن — إلى كل صفات «العنصر الرفيع» وسماته التي بدونها لا تكون للشخصية قيمة؛ ولو كان لهم ذلك السمو الذي تُضْفيه عراقة الأصل على نظراتهم ومُحيَّاهم، فربما لم تكن تقوم لاشتراكية الدهماء قائمة؛ ذلك لأن الدهماء يمكنهم أن يتحملوا كل أنواع العبودية، بشرط أن يثبت من يعلو عليهم أنه أرفع منهم بحق، وأنه «وُلد» لكي يأمر، وذلك عن طريق صورته الرفيعة! … غير أن الافتقار إلى الصورة الرفيعة، والتفاهة الوضيعة التي يتصف بها أصحاب المصانع بأيديهم الحمراء السمينة، تُثير في ذهن العمال تلك الفكرة؛ وأعني بها أن الاتفاق والحظ وحدهما هما اللذان رفعا الواحد فوق الآخر، فتكون النتيجة أن يقول العامل لنفسه: حسنًا، فلنجرب نحن الاتفاق والحظ، ولنُلقِ نحن بالنرد! وهنا تبدأ الاشتراكية.»١٠

    وبغضِّ النظر عن كل الأفكار غير العلمية التي ينطوي عليها هذا النص، فحسبنا أن نيتشه يعترف فيه بأن مالكي زمام الأمور في عصرنا هذا ليسوا هم أصلح الناس، ولا يمتازون عن أولئك الذين يخضعون لهم في شيء؛ ففي هذه الفكرة وحدها رد نهائي على كل الافتراضات التي حاول نيتشه أن يُثبت بها وجود هوية بين التدرج في الأوضاع الاجتماعية الحالية للناس، وبين تدرجهم الطبيعي. وليس مما يهمنا في قليل أو كثير أن تكون تلك صفة يعيبها على عصرنا، أو أنه يلوم أغنياء العصر لأنهم ليسوا من أصحاب «الصورة الرفيعة»، ولأنهم بتفاوتهم قد جعلوا للاشتراكية مبرِّرًا، وإنما الذي يهمنا في كل هذا هو أنه قد اعترف بأن هذه هي طبيعة عصرنا؛ وهذا يستتبع حتمًا القول بأن تغيير الأوضاع الاجتماعية في مثل هذا العصر ليس مستحيلًا. وليس أمرًا مُجافيًا للمنطق، ما دامت الطبقات الدنيا قد تكون أصلح من العليا.

    وليس معنى هذا أن نيتشه كان مخطئًا كل الخطأ حين قال بفكرة التفاوت الطبيعي، وكل ما في الأمر هو أنه قد أخطأ حين أكد أن الاشتراكية تقضي على هذا التفاوت الطبيعي بين الناس؛ فالفهم الصحيح للأمور يُثبت لنا وجود نوع من الاشتراكية هو — بعكس ذلك — المقدمة الأولى للكشف عن التدرج الطبيعي؛ ذلك لأن ترك الأمور تسير تبعًا لما تقول به فلسفة الحرية المطلقة، يؤدي إلى القضاء على التدرج الحقيقي، أو الطبيعي، بين الناس، وإلى إحلال تدرج آخر تلعب فيه العلاقات الاجتماعية الدور الأكبر، ولا تتحكم فيه المواهب الطبيعية، بل الأوضاع المصطنعة التي خلقها مجتمع «حر» لا توجهه خطة، وإنما تلعب فيه الوراثة والمصادفات، والخديعة في كثير من الأحيان، الدور الأساسي؛ فالوسيلة المثلى للكشف عن التفاوت الطبيعي بين الناس هي أن تتيح لهم جميعًا نقطة بداية متساوية، حتى يتسنى لنا تقدير المواهب الرفيعة فيهم على أساس حقيقي، لا على أساس مصطنع، وحتى تكون الطبقات الرفيعة هي الأرفع بطبيعتها، لا بثروتها أو نفوذها، ولا جدال في أن تحقيق هذا التساوي في نقطة البداية يقتضي نوعًا من التوجيه والتخطيط والتنظيم الاجتماعي، هو الذي تسعى الاشتراكية إلى تحقيقه. فكفالة تكافؤ الفرص للجميع، حتى يظهر مَن هو الأصلح بالفعل فيهم، هو الشرط الأوَّل لكشف التدرج الطبيعي بين الأفراد، وهو في نفس الوقت ما لا يمكن أن يتحقق في ظل مجتمع تسوده فلسفة الحرية المطلقة، بل في شكل من أشكال الاشتراكية. وهكذا يتضح أن الهدف الذي سعى إليه نيتشه ذاته يفترض الاشتراكية مُقدَّمًا، وتلك بلا شك نتيجة كان يمكنه الوصول إليها لو كان قد فكر في مشاكل عصرنا بروح هذا العصر ذاته، لا بروح مجتمع الرق اليوناني! …

مشكلة المرأة

يُلخَّص رأي نيتشه في المرأة عادةً بكلمته المشهورة: «أذاهب أنت إلى المرأة؟ لا تنسَ إذن سوطك!» ولكن، ينبغي قبل أن نعرض تفاصيل الحملة القاسية التي وجهها نيتشه إلى المرأة، أن ندرك الظروف التي مر بها في علاقاته مع أهم من قابل في حياته من النساء، فقد تُلقي هذه الظروف بعض الضوء على تلك الحملة.

وأول ما ينبغي علينا أن نذكره هو أن علاقات نيتشه النسائية كانت محدودة، وذلك حين بلغ سن النضج. أمَّا في طفولته، فيبدو أن البيئة النسائية الخالصة التي عاش فيها بعد وفاة أبيه، والتي كانت تشمل أمه وأخته وجدته وعمتين عانستين، يبدو أن هذه البيئة لم ترُقه كثيرًا. وبالفعل لا نجد لدى نيتشه تعلُّقًا كبيرًا بأمه — على عكس حاله مع أبيه — كما أن علاقته بشقيقته لم تكن دائمًا على ما يُرام، وخاصة بعد زواجها من أحد المتعصبين ضد الجنس السامي.

وفي وسعنا أن نقول: إنَّ فشل نيتشه في علاقاته النسائية كان من أسباب قسوة حملته على المرأة، ولندع جانبًا صلته بملفيدا فون ميزنبج Malwida von Meysenbug، التي كانت أكبر منه سنًّا، وترعاه رعاية فيها من روح الأمومة الشيء الكثير؛ لندع جانبًا هذه الصلة المحايدة، ولنتحدث عن علاقات أخرى كانت أعمق أثرًا في حياته. فحين عرف نيتشه الآنسة «لو سالومي» Lou-Salomé كان يبدو له أنه قد عرف أذكى نساء الأرض، (ومع ذلك، فلنلاحظ أن كثيرًا من الصفات التي كان يمتدحها فيها هي من صفات الرجولة؛ إذ يقول عنها: «إن لها نظرة ثاقبة كنظرة النسر، ولها شجاعة الأسد»!) ومن العجيب أن نيتشه قد طلب الزواج منها؛ غير أنها رفضت، وظن هو أنها قد خدعته مع صديقه «باول ري Paul Rée» الذي تزوجته فيما بعدُ، فكانت تلك صدمة شديدة له، حتى قيل إنه حاول الانتحار بتناول كمية كبيرة من أقراص منومة كان قد اعتاد تعاطيها. والذي يهمُّنا في كل هذا أن نيتشه، الذي حمل على المرأة، وعلى الزواج، حملة شديدة، قد طلب هو ذاته الزواج من لو سالومي، حين رأى فيها المرأة الملائمة له.
وأعمق من هذه العلاقة، وأبعد أثرًا في حياة نيتشه، علاقته بكوزيما فاجنر؛ ذلك لأن هذه المرأة الذكية الواسعة الاطِّلاع قد أَسَرَت نيتشه بجرأتها وتحديها للتقاليد منذ اللحظة الأولى، فأعجب بها إعجابًا صامتًا، بل لقد أحبها بعمق، ولم يكن يجرؤ على أن يصرح بهذا الحب، خاصةً وأن مشاعرها نحوه لم تكن متبادلة على الإطلاق، وكان اهتمامها كله مركَّزًا في عبقرية زوجها فحسب. وهكذا ظل نيتشه يكتم حبه الصامت، حتى قيل إن ذلك الشعور كان من أسباب انشقاقه العنيف عن فاجنر، إلى أن جاء اليوم الذي باح فيه بسرِّه القديم، وكان ذلك في اللحظة التي لم يستطع فيها ذهنه أن يحتفظ بأي سر على الإطلاق.١١ والذي يعنينا في هذا أيضًا أن أول تصرُّف قام به نيتشه بعد جنونه هو أن يبوح بحبه لكوزيما فاجنر بطريقته الخاصة، مما يثبت لنا مدى الدور الهائل الذي كان يلعبه هذا الحب في ذهنه وفي تفكيره طوال حياته الواعية.
وعلى أساس هذه التجارب الفاشلة يمكننا أن نفهم دون عناء مدى عنف نيتشه في حملته على المرأة، فهو يؤمن بأن المرأة «بطبيعتها» مخلوق ناقص، وفيها من العيوب الكامنة ما يحتم علينا ألا نعهد إليها بأي عمل جدِّي؛ فالمرأة تهتم بالأشخاص لا بالأشياء. وهي إذا اهتمت بالأشياء فإنما تُعاملها كما لو كانت أشخاصًا، وتنظر إليها نظرة شخصية متحيزة؛ فمن الخطر أن نعهد إليها بالأمور الهامة، كالسياسة مثلًا؛ إذ إنها عندئذٍ لا يمكنها أن تتصرف تصرُّفًا نزيهًا محايدًا. وهكذا يقف نيتشه في وجه حركة تحرير المرأة بكل قوته، بل يرى أن طبيعة المرأة ذاتها عقبة ضد هذا التحرير؛ إذ إنها محافظة بطبيعتها تحترم السلطة السائدة والأفكار التي يقرها المجتمع، ولا يمكنها أن تتحدى هذه السلطة أو تخرج من هذه الأفكار؛ ومن هنا كان تعلُّقها بالرجل عائقًا له عن المضي في طريق تحرره هو ذاته، فضلًا عن تحررها الخاص. وهكذا يؤكد نيتشه أن: «الروح الحرة لا تعيش مع المرأة.»١٢ وإنما تحلِّق وحدها، وتسير في طريقها الخاص، وأقصى ما يمكن أن تحتله المرأة من مكانة، هي مكانة الأشياء المملوكة فحسب: «… فأما الرجل الذي يتصف بالعمق في روحه كما في رغباته … فلا يمكنه أن يفكر في المرأة إلا على الطريقة الشرقية دائمًا؛ أعني أنه لا بُدَّ أن ينظر إلى المرأة على أنها شيء يُمتلك، وعلى أنها متاع محجَّب، وعلى أنها شيء كُتِب عليه مقدَّمًا أن يُستعمل في الخدمة المنزلية، وأن يحقق ذاته فيها …»١٣
ولا جدال في ضوء ما ذكرنا أن العامل الشخصي كان له أثر كبير في آراء نيتشه هذه. فتقديره الكبير لشخصيات مثل لو سالومي وكوزيما فاجنر، يُثبت أن رأيه الحقيقي في المرأة لم يكن دائمًا على هذا النحو من العنف، وإنما اتخذ هذا الطابع فيما بعدُ، حين أخفقت علاقاته بهؤلاء النساء. ويكفي أن ذلك الذي قال: «إن الزيجات التي تتم عن طريق الحب (أعني ما يُسَمَّى بزواج الحب) تتولد عن الخطأ أبًا وعن الحاجة أمًّا.»١٤ يكفي أنه هو ذاته قد سعى إلى زواج مبني على الحب، وأخفق فيه!
وبجانب هذا العمل الشخصي، نلمس هنا أيضًا أثر ذلك العامل الذي نبَّهْنا إليه من قبلُ مرارًا؛ وأعني به طغيان معلوماته الثقافية على روابطه الواقعية بالعالم المحيط به؛ فهو يعود دائمًا بذهنه إلى العصر اليوناني، ويجد مثله الأعلى في نظرة اليونانيين إلى المرأة، بل إنه يبرر الشذوذ الذي عُرِف عن اليونانيين تبريرًا يجعل منه ظاهرة سليمة، فيقول إن ميل الرجال إلى التغزل في الشبان في العصر اليوناني إنما كان نتيجة ضرورية لطغيان روح الرجولة على اليونانيين، ويؤكد أن مهمة المرأة في العصر اليوناني كانت تقتصر على إنجاب أبناء ذوي أجسام قوية كآبائهم، مما أدى إلى حفظ شباب الحضارة اليونانية. «حضارة الرجولة»، أطول مدة ممكنة؛١٥ فالخلط بين طبائع العصور يؤدي به إلى أن يقصر مهمة المرأة على إنجاب أبناء أقوياء فحسب، متجاهلًا تمامًا كل التطورات التي مرت بها الإنسانية بين العصرين.

وأخيرًا، فإن نفس الخطأ العلمي الذي لاحظناه من قبلُ، يتردد هنا مرة أخرى؛ فنيتشه يخلط بين الصفات الطبيعية والصفات الاجتماعية، وهو لم يحاول أن يفكر بعمق في علة هذا النقص الذي لاحظه على المرأة، واعتقد أنه صفة طبيعية فيها، ولم يطُف بذهنه احتمال كون هذا النقص ناتجًا عن عوامل اجتماعية معيَّنة، لا عن ذلك الأصل غير العلمي؛ أعني التركيب الطبيعي. ولنضرب لفكرتنا هذه مثلًا بصفة المحافظة، فهذه الصفة هي في حقيقتها نتيجة، لا سبب؛ أعني أنها نتيجة لأوضاع اجتماعية معيَّنة حتمت على المرأة أن تكون محافظة. وليست سببًا «طبيعيًّا» يحط من مكانتها الاجتماعية، ويكفي أن المرأة قد خضعت طويلًا، وخلال مئات السنين، لسلطانٍ طاغٍ من جانب الرجل، فمن الطبيعي أن يؤدي تراكم الضغط عليها عبر الأجيال المتوالية إلى أن يبعث فيها روح المحافظة، والخوف من كل خروج عن السلطة السائدة في المجتمع، حتى ليبدو ذلك بالنسبة إلى النظرة السطحية صفة طبيعية كامنة فيها؛ غير أنه لم يكن ينتظر من ذلك الذهن المدقق — ذهن نيتشه — أن يُخدَع بمثل هذه الصفة السطحية، ولا يردها إلى أصلها التاريخي والاجتماعي.

القومية والحرب

حاولت الدعاية النازية أن تُصور نيتشه بأنه فيلسوف متعصب لقوميته إلى حد الدعوة إلى الحرب لحسم كل نزاع يقع بين وطنه وغيره من البلاد، ولضمان سيادة هذا الوطن وإثبات تفوق الجنس الذي ينتمي إليه على سائر الأجناس البشرية، فهل كانت تلك الدعاية تستند إلى أساس صحيح في تفكير نيتشه؟ لا شك في أنه قد ثبت اليوم نهائيًّا أن الصورة التي رسمها الألمان في عهد النازية لنيتشه كانت صورة مشوهة إلى حد بعيد، وأنهم حملوا نصوص نيتشه ما لا تحتمل. ولكن ليس معنى ذلك أن نيتشه كان داعيةً صريحًا للسلام، أو أنه لم يحمل على الجنس السَّامي مُطلقًا، وكل ما في الأمر هو أنه لم يتفلسف على النحو الذي فهمه به فلاسفة النازية، ولم يدع إلى الحرب أو يحمل على السامية، لنفس الأغراض وعلى نفس الأسس التي قام عليها التفكير الألماني في تلك الفترة المظلمة من تاريخه.

أمَّا عن معنى الوطنية عند نيتشه، فلا شك في أنه لم يكن ألمانيًّا متعصِّبًا بالمعنى الذي عُرف عن فلاسفة الإمبراطورية في عهد بسمارك، وفي الحربين الأخيرتين. فلم يكن نيتشه من أولئك الألمان الذين يُزْجُون مدائحهم إلى العنصر الألماني، ويتغنَّون بامتياز شعبهم وعلوِّه على سائر شعوب الأرض، بل إنه كان في كثير من الأحيان يعيب على العنصر الألماني غموضه وصوفيته وافتقاره إلى الوضوح والدقة، ويمجِّد الثقافة الفرنسية، ويتأثر كثيرًا بمفكِّريها، ويفضلهم عن مواطنيه من الألمان. ولقد كان مَثَله الأعلى هو أن يتجاوز حدود القومية الضيقة، وكان يفخر بذلك حتى أواخر أيام تفكيره الواعي، فيقول: «إن الأصل الذي أنحدر منه يمكِّنني من أن أمتد بنظرتي إلى ما وراء كل أفقٍ محلِّيٍّ فحسب، ووطنيٍّ فحسب. فليس من العسير عليَّ أن أكون «أوروبيًّا طيِّبًا».»١٦ بل إنه كان يحمل على التعصب الوطني بوجه عام، ويراه عقبة في طريق الاختلاط بين الأمم الأوروبية، ثم ينقده قائلًا: «ليست مصلحة الكثرة — أي الشعوب — هي التي تملك تلك الروح القومية، كما يُقال في كثير من الأحيان، وإنما قبل كل شيء مصالح الأُسَر الحاكمة المحددة، وكذلك مصالح طبقات تجارية واجتماعية معيَّنة.»١٧ وهكذا يرى في التعصب الوطني المتطرف خدعة تضر بمصالح الشعوب، ويدعو إلى نوع من الروح العالمية. ويبدو أن سيطرة الروح اليونانية على تفكيره لم تترك له مجالًا لتمجيد الألمان؛ إذ كان يحلم دائمًا ببعث حضارة إغريقية ديونيزية تغمر العالم بأسره، وتتعدى حدود الوطنية الضيقة.
وأمَّا عن تعصبه للعنصر الآري، فهذا ما لم يقُم عليه أي دليل. بل إن زواج شقيقته من أحد هؤلاء المتعصبين وهو برنارد فورستر Bernhard Forster، كان صدمة أليمة له، وظلت علاقته به غير ودية إلى النهاية. والحق أن آراء نيتشه الحقيقية لا يمكن أن تُعَد مناصرةً للعنصرية الآرية على الإطلاق، بل إنه ليصرح بأن الأمة الألمانية بلغت حدًّا عظيمًا من الاختلاط في أصلها؛ فالعنصر الألماني ليس نقيًّا على الإطلاق، وإنما تداخلت فيه عناصر عديدة، وذلك أمر ينتمي إلى الطبيعة الحقة للألمان.١٨ وإذا كان نيتشه قد حمل على اليهود كثيرًا في كتاباته، فلم يكن ذلك لأنهم من الجنس السامي، ذي الصفات المضادة للجنس الآري الذي ينتمي إليه الألمان، وإنما كان ذلك لأسباب مختلفة عن ذلك كل الاختلاف، فحملة نيتشه على اليهود راجعة إلى أسباب تاريخية قديمة، ولا صلة لها باليهود المعاصرين له على الإطلاق؛ فاليهودية هي أصل المسيحية، بل إنه كثيرًا ما يدمج العقيدتين في تيار واحد، ويراهما مسئولتين عن روح الضعف والتخاذل التي هي عنده من صفات المتدينين بوجه عام، فحملة نيتشه على اليهودية إنما هي امتداد لحملته على المسيحية، وعلى أصل من الأصول الرئيسية للمسيحية فحسب، ومعنى ذلك أنها حملة خلَت تمامًا من كل إشارة إلى التعصب العنصري، ما دامت تَسْرِي أيضًا على المسيحيين بأَسْرِهم، ومنهم الألمان بوجه عام. أمَّا إذا كان الأمر متعلقًا باليهود المعاصرين، فإن نيتشه يعبِّر في كثير من الأحيان عن عطفه عليهم، ويدافع عن قضيتهم، ويشيد بفضلهم على أوروبا.١٩

فماذا كان موقف نيتشه من مشكلة الحرب؟ وهل كان يدعو — كما قال النازيون — إلى حل كل مشاكل العالم بالحرب وحدها؟ الحق أننا لا نستطيع أن نُعفي نيتشه تمامًا من تهمة تمجيد الحرب، وكل ما يمكننا أن نقوله في هذا الصدد هو أن رأي نيتشه لم يكن واضحًا كل الوضوح، وأن نصوصه كانت تعبِّر عن مواقف متناقضة من هذه المشكلة، وأنه حين كان يناصر الحرب، كان في واقع الأمر يناصر صفات أخلاقية معيَّنة يعتقد أن الحرب وحدها هي التي تُنميها في البشر، وأن السِّلْم الطويل يقضي عليها؛ ولا يناصر الحرب لذاتها.

أمَّا أن آراءه في مشكلة الحرب لم تكن واضحة كل الوضوح، فهذا ما يتضح من تضارب مدلولات النصوص التي تحدَّث فيها عن الحرب. فهو أحيانًا يحمل على الروح العسكرية المتطرفة، وعلى فكرة السِّلْم المسلح، ويرى أن التسلح يفترض مقدَّمًا عدم الثقة بالجار، ونسبة الشر إليه، وهذه كلها مقدمات الحرب. ووسيلة السلم عنده هي تحطيم الأسلحة، بواسطة شعب قوي يكون متفوقًا على كل الأمم في تسلحه، يحطم أسلحته بإرادته، فينتزع بذلك بذور الخوف والكراهية.٢٠ ولكنه بينما يرسم مثل هذه الخطة للسلم، ويراها ممكنة التحقيق، فإنه يؤكد في موضع قريب أن الحرب محتومة، وأن تحقيق السلم محال، وإذا افترضنا تحققه، فلن يكون ذلك إلا على حساب تقدُّم الإنسانية؛ «فمن الخيال والهوس المغرور أن نظل ننتظر من الإنسانية الكثير … إذا ما كفَّت عن شر الحروب. فلسنا نعرف حتى الآن وسيلة أخرى يمكن بها إيقاظ نشاط الجندية الخشن في الشعوب التي اعتادت الخمول، وتنمية تلك الكراهية اللاشخصية العميقة، وذلك الإصرار على القتل عن يقين كامل، وذلك الاندفاع الجماعي المنظَّم إلى تحطيم الخصم، وتلك الكبرياء التي تجعل المرء لا يأبه بالخسائر الكبيرة، ولا يعبأ بما يلحقه منها في حياته، أو بما يلحق أصدقاءه، وتلك الهزة الغامضة العنيفة للنفوس؛ لسنا نعرف حتى الآن وسيلة لتحقيق هذا كله بطريقة مؤكدة مثلما تفعل كل حرب كبرى.»٢١ وهو يُبدي إعجابه بما يطرأ على أوروبا من تقدم في الميدان العسكري، ويرى في ذلك بشيرًا بانتهاء عهد الهدوء والمسالمة، ومظهرًا من مظاهر الرجولة، والاعتناء بالجسم، ودليلًا على أن الأبدان القوية قد عادت لتحتل مكانتها.٢٢ وهكذا يتخذ نيتشه دائمًا من الحرب مواقف متناقضة، فيحمل عليها حينًا، ثم يدعو إليها حينًا آخر، أو يجمع بين الموقفين في وقت واحد فيقول: «من مساوئ الحرب أنها تجعل الظافر أبله والمهزوم حقودًا. ومن محاسنها أنها تثير هذه المشاعر ذاتها في نفس الطرفين بقسوة، وتجعل هذه المشاعر أقرب إلى الطَّبيعة.»٢٣

ومن الواضح في كل هذا أن نيتشه يُمجِّد في الحرب صفات الرجولة والخشونة التي يعتقد أن الحرب وحدها هي التي تثيرها. وإذا كان يحمل على السلم، فإنما يحمل عليه لما يظنه مؤديًّا إليه من هدوء وخمول. وهكذا وقع نيتشه في ذلك الخطأ الذي ظل يتردد طويلًا، إلى أن نبذته الإنسانية نهائيًّا في وقتنا هذا؛ وأعني به الاعتقاد بأن الحرب هي المجال الوحيد لإثارة الهمم، وللقضاء على روح الخمول التي تنتاب البشر إذا ظلت حياتهم تسير على وتيرة واحدة؛ وكأن التنافس السلمي ليس فيه ما يُثير حماسة البشر، ولا يسوده إلا الهدوء الممل! وكأن الرجولة والبطولة لا تتبدى إلا في تلك المجازر الحيوانية التي تولِّدها الحروب! على أننا نستطيع أن نلتمس لنيتشه بعض العُذر في أخطائه هذه؛ إذ لم تكن الحروب في ذلك الحين قد بلغت من العنف والقسوة ما يجعلها تهدد بالقضاء التام على الإنسانية، وعلى كل فضائل الإنسان، وضمنها البطولة والرجولة، وكانت لا تزال فيها سمة من الطابع الشخصي، بحيث إن المنتصر فيها قد يكون هو الأصلح جسميًّا بالفعل، بينما لم تعد الحروب الحديثة مقياسًا للصلاحية البدنية على الإطلاق، أو تدريبًا على الخشونة وقوة التحمل، وإنما تخلق جيلًا مشوَّهًا مُحطَّمًا هو أبعد ما يكون عن تلك الصفات التي تغنَّى بها نيتشه.

والذي لا شك فيه أن نيتشه لو كان قد شهد حروبنا العالمية الحديثة، وأدرك مدى الخطر الذي تهدد به الإنسانية، لتغيرت فلسفته في الحرب تغيُّرًا تامًّا، ولدعا إلى السلام بكل قواه؛ ذلك لأنه قبل كل شيء يحرص على أن يظل الإنسان مسيطرًا على الطبيعة، متحكِّمًا فيها بفضائله وقواه التي لا تقف عند حد. وإذا كانت الحروب في شكلها الحالي تهدد بالقضاء على سيطرة الإنسان على القوى الطبيعية، فتجعل هذه القوى تنقلب عليه وتعمل فيه الفناء، فلا جدال في أن أحدًا من المفكرين — وبخاصة نيتشه — لن يجرؤ على أن يسوق مثل هذه الحجج للدفاع عن حرب تتصف بمثل هذا الطابع المدمر.

١  المؤلفات المخلَّفة لنيتشه (الجزء الخامس من مؤلفات نيتشه: الاشتراكية، الفقرة ١).
٢  أمور إنسانية … الجزء الأوَّل، فقرة ٤٥١.
٣  المرجع نفسه، فقرة ٤٥٧.
٤  المرجع نفسه، فقرة ٢٣٥.
٥  المرجع نفسه، فقرة ٤٥٠.
٦  المرجع نفسه، فقرة ٤٧٩.
٧  المرجع نفسه، فقرة ٤٥٦.
٨  المرجع نفسه، فقرة ٤٣٩.
٩  المرجع نفسه، فقرة ٢٥٧.
١٠  «العلم المرح»، فقرة ٤٠.
١١  انظر الفصل الخاص بحياة نيتشه.
١٢  أمور إنسانية … الجزء الأوَّل، فقرة ٤٢٦.
١٣  بمعزل عن الخير والشر، فقرة ٢٣٨.
١٤  أمور إنسانية … الجزء الأوَّل، فقرة ٣٨٩.
١٥  المرجع نفسه، فقرة ٢٥٩.
١٦  هو ذا الرجل، القسم الأوَّل، فقرة ٣.
١٧  أمور إنسانية … الجزء الأوَّل، فقرة ٤٧٥.
١٨  بمعزل عن الخير والشر … فقرة ٢٤٤.
١٩  أمور إنسانية … الجزء الأوَّل، فقرة ٤٧٥.
٢٠  انظر النص رقم «٥».
٢١  أمور إنسانية … الجزء الأوَّل، فقرة ٤٧٧.
٢٢  إرادة القوة، فقرة ١٢٧.
٢٣  أمور إنسانية … الجزء الأوَّل، فقرة ٤٤٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢