المفاجأة الأخيرة

فُوجئَ الشياطين الخمسة باندفاع «أحمد» … وقبل أن تمتدَّ أيديهم إلى أسلحتهم صوَّب «أحمد» مسدسَه إليهم قائلًا: مكانكم … إذا تحرك أحدكم كانت نهايته أيها المزيفون.

وتأمل «أحمد» الخيمة مندهشًا … كانت خالية لا شيء بها … والشياطين واقفون ينظرون إليه بعيون مذعورة.

قال «أحمد»: كانت مفاجأة لي أن الشيطان المزيف ليس واحدًا … بل كنتم جميعًا مزيفين.

ابتسمَت «إلهام» ساخرةً، وقالت: من العجيب أن تقمُّصَك للدور كان إلى هذا الحد … الذي تظن أنك أنت «أحمد» الحقيقي … وأننا المزيفون!

صاح «أحمد»: ماذا تقولين؟!

أجابه «قيس» بهدوء: لقد كنَّا نعرف منذ اللحظة الأولى أنك أنت الشيطان المزيف … وأنك أنت الذي حللتَ مكان «أحمد».

خالد: وكما توقَّع رقم «صفر»؛ فإنك حاولتَ تقليد «أحمد» في كلِّ شيء حتى لا يتمَّ انكشافُك … ووصل التقليد بك إلى أن تقمَّصتَ شخصيته بالفعل ورُحتَ تُطاردنا لتعرفَ مَن منَّا يكون هو الشيطان المزيف!

تمالك «أحمد» — أو الشيطان المزيف — نفسَه بشدة … كانت هناك حبات عرق تلتمع فوق جبهته … وكان هناك ارتعاشٌ بسيط في أصابعه … ولم يكن الشيطان «أحمد» يرتعش أبدًا أمام أيِّ خطر.

وارتسمَت في عينَي المزيف نظرةٌ عميقة … قاسية … متجهمة … وقال في لهجة حاقدة: إنني لم أفهم هذه اللعبة بعدُ … فإذا كنتم تعرفون منذ البداية أنني الشيطان المزيف … فلماذا تظاهرتم بعدم المعرفة … وتركتم هذه اللعبة تستمر إلى النهاية؟

بو عمير: كانت اللعبة مزدوجة … وأردنا أن نشغلك بشيء ما حتى نكتشفَ حقيقتك، ومَن تكون … وأي منظمة جهنمية تكمن خلفك.

خالد: ولأول مرة يشترك معنا زعيمُنا رقم «صفر» في مغامرة … ومن العجيب أنه بدراسة سلوكك أمكنه استنتاج وجود استعداد شخصي لديك لتقمُّص شخصية «أحمد» … ومن هنا قام رقم «صفر» بخداعك بمسألة الشيطان المزيف الذي يوجد وسطنا … ومن العجيب أنك تصوَّرت أن هناك شيطانًا مزيفًا آخر … وأنك شيطان حقيقي «أحمد».

بو عمير: وعلى هذا الأساس أخذنا نلعب معًا لعبة ذكاء … وكنَّا نرغب في تعطيلك أكبرَ قدر من الوقت … ومن أجل هذا كانت رسالة رقم «صفر» الضوئية لك في منتصف الليل، حتى يتمَّ إبعادُك بعيدًا عنَّا … وفي نفس الوقت كنَّا نتلقَّى رسالة أخرى من رقم «صفر» بالتعليمات المطلوبة منا.

قال الشيطان المزيف في خشونة: ولكن رقم «صفر» كان في زورق بوسط البحر معي في نفس اللحظة.

قال «عثمان» ساخرًا: لقد كان رجلًا مزيفًا … إن رقم «صفر» لا يكشف نفسه بمثل هذه السهولة … كان لا بد من الحيلة لخداعك … ولقد نجحنا في ذلك إلى أبعد حدٍّ … وكانت رسائل رقم «صفر» تَصِل إلينا شفويًّا حتى لا يمكن لك أو لمن يقفون خلفك التقاط رسائلنا الشفوية … ولقد نجحنا في ذلك تمامًا.

صاح المزيف في غضب: أيها الخبيث … إذن فقد كنت تتلاعب عندما انطلقتَ بزورقك في الفجر إلى عرض البحر.

ابتسم «عثمان» حتى بانَت أسنانه البيضاء، وقال: كانت هناك رسالة ستصل من رقم «صفر» وكان يجب إبعادك عن الشاطئ حتى يستطيع بقية الشياطين مقابلة صاحبها.

ضاقت عينَا الشيطان المزيف وقال: ولكن … لماذا تسلَّلتم إلى هنا وجعلتموني أتبعكم؟!

خالد: كان يجب إخلاءُ شاطئ العسلة منك … ومن بقية أعوانك، وجرُّهم خلفنا إلى هنا.

نظرَت «إلهام» في ساعة يدها، وقالت: ولا بد أن الفريق الثاني من الشياطين يقوم الآن ببقية المهمة على خير وجه، في نسْفِ المقر السري لعصابتك داخل جبال سيناء بعد أن اكتشفنا موقعَها.

وما كادت «إلهام» تُكمل عبارتَها حتى دوَّى انفجارٌ هائل على البعد … وظهرَت كرةٌ كبيرة من اللهب … وأعقب الانفجارَ الأول انفجاراتٌ متتالية … وظهر الفزعُ في عينَي الشيطان المزيف، ومسح العرق الغزير المنساب فوق جبهته.

وقالت «إلهام»: لقد تم نسْفُ مقرِّ عصابتك الجهنمية … عصابة الأصابع الخفية، ولن تقوم لها قائمة بعد الآن.

قال الشيطان المزيف مذهولًا: ولكن … كيف توصلتم إلى مكاننا؟! … إنه مكانٌ سريٌّ ويقع في باطن الجبل في مكان يستحيل اكتشافه.

خالد: ومن أجل ذلك كانت محاولة قتلك بأسماك القرش … لقد كنَّا نحن مَن سكب الدماء حول زورقك وحطَّمنا ذراع المحرك حتى يستحيل عليك الهرب … وتوقعنا أنك عندما تشعر بالخطر فسوف تستنجد ببقية العصابة، فيهرعون إلى إنقاذك … وقد حدث ما توقَّعناه، وكنَّا نحن نُراقبك من بعيد فأمكننا تتبُّع العصابة بعد إنقاذها لك … وأمكننا بالتالي اكتشاف مقر العصابة السري.

وها نحن قد دمرناه بعد أن قمنا بإنقاذ «أحمد» من أيديكم.

ارتعد الشيطان المزيف وهو يقول: هذا مستحيل … مستحيل. لا يمكن أن تكونوا قد خدعتمونا جميعًا بمثل هذه الصورة.

قيس: كانت حربَ ذكاء … وكما نحن بارعون في حروب القنابل والصواريخ … فنحن لا نقلُّ براعة في استخدام عقولنا، وأنت الذي تسبَّبتَ في كشف نفسك؛ لأنك وبرغم كل المعلومات التي وصلتك عنَّا فإنك لم تستوعبها تمامًا عندما تقمَّصتَ دور «أحمد»، وكان لا بد لك من الخطأ … وكان لا بد لنا من كشفك … فعندما صِدْنا سمكة القرش معًا قلت أنت مفاخرًا إنك بذلت مجهودًا خرافيًّا في صيدها … وأيٌّ منَّا لا يقول على عمل قام به مع زملائه أنه قام به وحده أو يتفاخر … إننا دائمًا نعمل كفريق واحد ونستخدم الضمير نحن لا أنا.

خالد: وأيضًا عندما أردتَ الحصولَ على جهاز الإرسال من «إلهام» لإرسال رسالة إلى رقم «صفر» بالرغم من تعليماته لنا بقطع أيِّ اتصال … إن أيًّا منَّا لا يفكر في مخالفة تعليمات رقم «صفر» مهما كانت أبدًا … إن هذه الأشياء جعلَتنا نشكُّ فيك … إلى أن جاءَت رسالة رقم «صفر» التي حدَّدَت الشيطان المزيف بالضبط وهو أنت.

إلهام: لقد كانت أسهل مهمة قمنا بها في حياتنا … وأصعب مهمة أيضًا … فلو أنك اكتشفتَ أننا نعرف حقيقتك وأنك الشيطان المزيف، فربما كان معنى ذلك موت «أحمد».

أشار المزيف إلى «إلهام» بأصبع ترتجف، وقال لها في صوت مضطرب: ولكنكِ كنتِ تتعاملين معي برقة غير عادية … كأنك …

قاطعَته «إلهام»: كان هذا أهم جزء في خطتنا أن نتعامل معك كما لو كنت أنت «أحمد» بالضبط … ومن هنا كانت مشاعري لك … كأنها مشاعري ﻟ «أحمد». وكان هذا سببًا كبيرًا في زيادة تقمُّصك لدور «أحمد»، وكان هذا هو ما نريده بالضبط لإنجاح خطتنا.

عثمان: والآن حان إسدال الستار على الفصل الأخير من هذه المسرحية.

صاح المزيف في جنون: أيها المخادعون، لسوف يُسدل الستار الأخير … ولكن بعد أن أنتقم منكم وأُنهي حياتكم.

وقبل أن يضغط الشيطان المزيف على زناد مسدسه، فجأة انطلقَت ضربةٌ هائلة من اليسار لتُصيبَ المزيف في يده وتُطيح بالمسدس بعيدًا …

ونظر المزيف ذاهلًا حيث جاءته الضربة … وكان الواقف أمامه … «أحمد».

وقف الاثنان يحدِّقان في بعضهما لحظة …

كانَا متماثلَين في كل شيء … الطول … لون الشعر … لون العينين … اتساع الفم وقسوته … حتى ملابسهما كانت متشابهةً تمامًا.

وأفاق المزيف من ذهوله، ثم انطلق يعدو خارج الخيمة … وانطلق «أحمد» خلفه على الفور، واندفع الشياطين الخمسة خلفهما.

اندفع المزيف إلى سيارة «إلهام» الجيب، وأدار مفاتيحها بسرعة ثم انطلق بها … وتعلَّق «أحمد» بمؤخرة السيارة في اللحظة الأخيرة وتشبَّث بها بأصابعه … وانطلقَت السيارة بأقصى سرعتها وسط الرمال … ولم يكن في استطاعة بقية الشياطين مطاردة السيارة … وأمسك «عثمان» بمسدسه وصوَّبه نحو الشيطان المزيف، ولكن «إلهام» تعلَّقت بيده صارخة: حاذر يا «عثمان» … قد تُصيب «أحمد».

وما كادَت تُتمُّ عبارتَها حتى شاهدَت السيارة وهي تندفع منحدرةً إلى جرف عميق وتهوي لأسفل … وصرخَت «إلهام» في فزع … وانطلق الشياطين جميعًا يجرون باتجاه السيارة … وقبل أن يصلوا إلى مكان الجرف تعالَى صوتُ اصطدام رهيب … ثم صوت انفجار … وارتفع لهيبُ السيارة المتفجرة عاليًا … وأغمضَت «إلهام» عينَيها غير مصدقة وانفجرَت في البكاء، وهي تظن أن نهاية «أحمد» كانت على تلك الصورة.

وصاح «قيس»: انظروا.

واندفعوا حذرين حيث أشار … وأطلوا أسفل الجرف … وكان مشهدًا عجيبًا … كان هناك شخصان يتأرجحان في الهواء وقد تعلَّق كلٌّ منهما بأغصان شجرة صغيرة نابتة، وسط الجرف العميق … وكان الاثنان متشابهان في كل شيء … حتى في محاولاتهما للنجاة من السقوط لأسفل.

وأخذَت الشجرة تتقلقل من مكانها … وكان واضحًا أنها لن تصمد أكثر من ثوانٍ قليلة قبل أن تهويَ إلى أسفل بحمولتها.

وصاحَت «إلهام»: يجب إنقاذ «أحمد» فورًا.

خالد: ليس هناك وقت؛ فلن نستطيع الوصول إليه بسرعة … والشجرة لن تصمد طويلًا أمام ثقل الاثنين.

لمعَت عينَا «بو عمير»، وقال: هناك حلٌّ واحد … أن يسقط المزيف في الهوَّة فيخف الثقل على الشجرة الصغيرة فتستطيع احتمال وزن «أحمد» إلى أن نُنقذَه.

«خالد» إنها مسألة سهلة، ويمكننا تنفيذها بسهولة.

وأمسك بمسدسه وصوَّبه لأسفل.

ولمع التردد في عينَيه، وكان هناك تساؤل مذهل في ذهنه، ومَن يكون منهما هو «أحمد» ومَن هو المزيف؟

كان الاثنان متشابهَين تمامًا من ذلك العلو، وكان يستحيل اكتشاف مَن منهما يكون «أحمد».

وظهر نفس التردد والقلق على وجوه «عثمان» و«بو عمير» و«قيس».

ولم يكن هناك وقتٌ للانتظار … وبدَا على الشجرة أنها ستسقط حالًا … ولم يكن أمام «إلهام» غيرُ حل واحد.

وصوَّبَت مسدسها لأسفل … وتوقَّف عقلُها عن التفكير تمامًا … وتحرَّكَت نبضاتُها بعنف … وامتدَّت فوهة مسدسها نحو العينَين اللتَين كانتَا تستعطفانِها من أسفل … وأطلقَت الرصاص.

•••

وجاءت رسالة رقم «صفر» … وكانت تحمل التهنئة للشياطين جميعًا … وتطلب منهم حزْمَ حقائبهم استعدادًا للعودة.

وأقبلت العربة التي ستحملهم إلى القاهرة … وتقابلَت عينَا «أحمد» و«إلهام»، واقترب منها «أحمد» وهو يسألها: ولكن كيف ميَّزتِني من كلِّ تلك المسافة؟!

أجابَت بعينين واسعتين: لم يكن عقلي هو الذي ميَّزك ولا عيناي … كانت مشاعري وقلبي هي التي أحسَّت بك … إن قلبي لا يمكنه أن يخدعَني بشأنك أبدًا.

وابتسم باقي الشياطين في سعادة لا حدَّ لها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤