على ورق سيلوفان١

من العربة هبطت، فاتنة هبطت، نعنش روحها الغزل الصادر من عابر سبيل مسرع، دخلت الحديقة، بتؤدة عبرتها، السلالم راحت تصعدها، سلمة، وسكتة، وسلمة، في آخر سلمة، اضطربت، خائفة، اضطربت.

ماذا لو عرف؟ ماذا لو كان طول الوقت يعرف؟

ولكن كيف يعرف، مستحيل أن يعرف، الهرم بعيد، و«الركن» الذي كانا فيه لا يقصده أحد في الصباح، سائحتان فقط كانتا هناك، كيف يعرف؟

أمام كشك الاستعلامات الزجاجي وقفت، الموظف العجوز مشغول بمحادثة تليفونية، حدق ناحيتها مرة ولم يرفع عينه، كانت تزيح عدسة النظارة السميكة وتتحسسها مربعًا مربعًا، كل مساهمته في الحديث أصبحت: أيوه. آه. أيوه. آه. فرغ صبرها وسألت. وضع السماعة في الحال وانتبه، موجود؟ أيوه موجود. دقيقة واحدة نسأل، دقيقة، سرحت.

الأبيض مستشرٍ كأنه وباء يبيض له كل شيء، الوجوه معظمها أيضًا شاحب أبيض، المرة الأولى التي جاءته هنا لا تكاد تذكرها، من سنين طويلة، عشر سنوات ربما.

هذه ثاني مرة، ولولا ميعاد اليوم ما جاءت، المضحك أن الاقتراح كان اقتراحه، سهَّل لها المهمة تمامًا، مساكين هؤلاء الرجال ونواياهم الحسنة، أيستحق؟ بالطبع يستحق، ليس هناك رجل لا يستحق، حتى المحبون منهم زائغو العيون كذابون حتى وهم يحبون.

ابتلعت ريقها، لماذا يجفُّ حلقها باستمرار هذا الصباح، لماذا جفَّ حتى سعلت وهو يمسك بيدها ويضغط عليها بين يديه؟

انفعالها لحظتها لم يكن أنثويًّا خالصًا، لا، كان هناك شيء آخر لا تعرف كنهه، واتتها فكرة أن تجري، تسحب يدها وتظل تجري حتى تجد عربتها وتنطلق عائدة إلى البيت، البيت؟ يا لها من كلمة مضحكة!

الدكتور موجود في حجرة العمليات يا افندم، مشغول. ولكنه ينتظرني، بلغوه إني جيت. مش ممكن. قولوا له المدام. المدام؟! سعادتك المدام؟! لماذا سعادتك؟ وماذا يدهش في كونها المدام؟ لماذا الضجة والوقوف والترحيب المبالغ فيه وبصوت عالٍ؟ لماذا تريد الانفراد بنفسها الآن، حلمها مكان قصي ليس فيه أحد، تنكفئ على نفسها فيه وتلقي على داخلها كله نظرة، لتدرك، فقط تدرك، كنه ما حدث، وما يحدث، ما هذا الذي يحدث؟

يا افندم، هو يقوم بإجراء عملية الآن فعلًا، وبلغناه الخبر، وطلب أن تتفضلي وتنتظريه في استراحة العمليات. يووه! تنتظر، تنتظر، لقد عاشت طول عمرها تنتظر، ولا ثانية ستنتظر بعد الآن، ولكن كيف تتصرف واستصحابه والعودة به إلى البيت هو سبب خروجها الوحيد اليوم؟ كيف إذن تعود بمفردها؟ فلتكن آخر مرة تنتظر فيها، آخر مرة، هو أو غيره، آخر مرة.

تفضلي، تفضلي من هنا. هذا الأراجوز، لماذا لا يكف عن الانحناء واختلاس النظر من تحت النظارة؟! إذن هي من جديد ستنتظره، بحق بحق، هل تكرهينه؟ هل تحبين هذا الآخر؟ حين كنت تحبينه ماذا كنت تفعلين؟ هل تحسين بنفس المشاعر الآن تجاه الآخر؟ لطيف شكله، رياضي، طويل، شعر صدره كثيف كالفروة. عن عمد، وله حق، يفتح قميصه، أكبر منك بعام فقط بينما هو أكبر بسبعة أعوام، لماذا يطرأ هذا الخاطر السخيف؟ إذا فعلًا خُيرت أن يموت أحدهما، فمن تختارين؟ هو؟ الآخر؟ يموت! هكذا بسهولة! ابتسامته العذبة تموت، ذقنه الغزيرة؟ غمازتاه؟ يداه الضخمتان الحمراوان من باطنهما، الغامقتان من الظهر بالشعر، يداه الضخمتان جدًّا — إذا قورنتا بيديه هو — القويتان، أصابعهما غليظة سميكة، من الصعب ثنيها، أين هذا من يديه هو، يديه الصغيرتين إذا انطبقتا حتى لتبدوان كزوج من الفيران الصغيرة، وأصابعه النحيفة التي توشك أن تنكسر، من اليدين تتبدى شخصية الرجل، شبه كبير بين شخصية الرجل وشخصية سبابته، سبابته هو في طول أصبعه الأوسط، طويلة رقيقة كأنها من عظم كسي بالجلد، سبابة الآخر كماسورة المسدس، قوية دائمًا تريد الشيء وتحدده ولا تعود إلا به، لماذا إذن تختاره ليموت، ألأن الزوج هو الذي ينفق ويتيح الفساتين والمتعة والماس، أم لأن العشرة لا تهون؟ أم لأنك لا زلت تحبينه؟ هل لا زلت تحبينه؟ لا تخجلي، اعترفي إن كنت لا زلت، لو لم يكن هناك فمه الواسع المتثائب في الصباح، الجريدة التي يغرز بصره فيها، منظره ببنطلون البيجامة والبيجامة مفتوحة والسروال ظاهر، هذا التجشؤ منه بصوت عالٍ بعد الماء الكثير الذي يشربه، عشر سنوات ومنظره وهو داخل الحمام وهو خارج منه نفس المنظر، نفس الطريقة، نفس الغياب الطويل، عشر سنوات تسمع منه نفس التعليقات عن نفس الأشياء وبنفس النبرات، عشر سنوات تعرف عنه كل شيء، كيف كان يعامله أبوه، كيف دللته أمه، كيف أحب أول مرة، تعرف حتى ماذا يقوله في الساعة الخامسة غدًا وبعد غد، لو دق الجرس من طريقته في الدق تعرف ما يريد، وتطلب من السفرجي أن يحضره. البيت، لكَم تكره كل ركن فيه! فهي قد رأته آلاف المرات، موبيليته لم تعد تراها من كثرة ما تعوَّدت رؤيتها، مطبخه يخنقها، صوت أزيز الثلاجة من طول ما سمعته يلسعها، ويؤرقها ويملأ جسدها بالشياطين. في التاسعة عشرة حين تزوجت كان الجنة، كان هو أعظم وأجمل وأكرم وأرق رجل في العالم، الخمس سنوات الأولى قضتها لا ترى رجلًا غيره، الرجال بالنسبة لها لم يكونوا أفرادًا، لم تلحظ أيهم ذات مرة كواحد وحده، كانوا كتلة، أهم شيء فيها أنه، هو، منها.

•••

اتفضلي حضرتك، دقائق، حاجة ساقعة؟ قهوة؟ أنا ماشي، حاضر، متشكر. استراحة هذه أم قبر؟ حاولت فتح زجاج النافذة الوحيدة، لا يفتح، جلست، تطلعت، ملابس، بدل رجال، أين بدلته هو؟

هي المطلة من الدولاب، معلقة بعناية شديدة كالعادة، الأحذية الطويلة الرقبة هذه، هذه الآثار، دماء؟ دم! بشع، جزارين! قامت، دارت، أمسكت بقميص عمليات أبيض دمور رخيص، البنطلون دمور أيضًا، أقذر دمور، الأبيض، لماذا كل شيء أبيض؟ حتى الأحذية الطويلة كاوتش أبيض، ألا يملون! هؤلاء الأطباء! هي ملت. الملل. أبشع أنواع الملل. الملل من شيء لا تستطيع الاستغناء عنه كأنما تمل من نفسك، عشر سنوات ملل، لن تبالغ، ساعات وأيام صحيح كانت خالية من الملل، ولكن يوم ملل واحد يجعلك تمل من العام كله. إنه كالسم، أقل القليل منه يقتل، أيكون هو الذي جعلها بدلًا من التجاهل تبتسم للآخر، كان قد سبقها إلى العربة بعد جلسة استمرت ثلاث ساعات في النادي لم ينطق خلالها إلا بثلاث كلمات، أين ذهب الكلام من فمه. ثاني أو ثالث مرة ترى هذا الشاب يتابعها، هذه المرة تجرأ، حياها، كان ممكنًا أن تزجره ولو بالإهمال، لماذا ابتسمت؟ لماذا أحس أنها ابتسمت؟ حتى قبل أن ينطق في التليفون عرفت أنه هو الآخر، وأنه اختار الصباح ليحدثها حيث البيت خالٍ، مغامرة؟ ولم لا؟ كل صديقاتها يغامرن، لماذا لا تجرب هي؟ المهم ألَّا يعرف أحد، تصنُّع الدهشة لم يعد يجدي، ولا كذلك تصنُّع الغضب، انتهت المكالمة مفتوحة.

ثاني يوم، ثالث يوم، ورابع يوم، كان صوته هناك، كان الخوف أقل. التطلع لشيء مثير جديد أكثر، بماذا تجيبه لو طلب للمرة المائة أن يقابلها؟

وجدت جرسًا، دقت عليه، لم يحدث شيء، دقت أكثر، سمعت أقدامًا، ظهرت على الباب ممرضة سمينة جدًّا وصغيرة في السن ربما لا تتجاوز السابعة عشرة، لا تعرف ما قالته، فقط قالته بصوت عالٍ جدًّا شحب له وجه الممرضة الملظلظ وانسحبت بسرعة. هدأت. صفر خاطر مروع كالصرخة الأولى التي تنطلق في سكون الليل ونعرف بها أن ساكنًا في الشارع مات لتوه، كيف فعلت ما فعلت؟ كيف انساقت؟ كيف سقطت الملكة أيضًا، ولم يعد أحد أحسن من أحد؟ خيانة؟ لا، لم يحدث، كلام مجرد كلام، لقاء، كأنه كلام، والموعد القادم؟ لن أذهب، لا، ليست خيانة، كل الخائنات لا يعترفن، يفعلن أي شيء ويسمونه أي اسم، إلا الاسم الحقيقي، كرهتِه، اتركيه، أليس هذا ما كانت تردده؟ الاشمئزاز الذي كان يعتري جسدها حين تتأكد أن صديقتها أو فلانة هي الأخرى قد سقطت. إن اشمئزازها الآن من نفسها؟ لماذا هي باردة هكذا؟ أين تأنيب الضمير؟ لكأن شيئًا قط لم يحدث، فقدت حتى الإحساس بالذنب، أنا لم أجرم، أنا مضطرة لإخفاء كل شيء لأن ضميري يأبى عليَّ تركه، يموت لو تركته، ولم أعد أحبه، النتيجة أني فقدت العقل، جنون ما فعلته، اعترفي أنه ادعاء للجنون فأنت أستاذة في تعليق كل شيء تفعلينه على شماعة من خطأ الآخرين، أو خطئك. الجنون، الكره، الضيق، حتى حب الاستطلاع، شماعة، مجرد شماعة.

عادت الممرضة السمينة، هبت واقفة، ماذا يقول؟ مرة ثانية يرجوني، أمامه نصف ساعة؟ وماذا أيضًا؟ مسكين والله، في قمة مشغوليته يفكر فيَّ، يقترح أن أذهب لحجرة العمليات لأتفرج على العملية وأتسلَّى، يريد تسليتي ولو بحجرة العمليات، هل ممكن أن أذهب هناك؟ أرتدي هذه المريلة وهذا الحذاء، وقناع؟ فقط. لا، أشكرك وأشكره، أنا لا أضمن نفسي، الجراحة تثيرني، صحيح هو جراح أطفال مشهور، ولكني أنا أخاف من نقطة الدم، أحسن أنتظر، طبعًا تنتظرين، وحبذا لو تألمت وأنت تنتظرين، فأنت في الواقع تريدين أن تتألمي، ويكون هو بالذات مبعث ألمك حتى تشعري ببعض من راحة الضمير، هذا الذي طول الوقت رابض داخلك يراقب ولا يتكلم تريدين رأيه وتخافينه، ولهذا تريدين أن تتحركي وتشغلي نفسك عن السؤال باستمرار، السكون مؤلم، الضمير يتكلم حين نسكت، الممرضة لم تبتعد كثيرًا، ربما قريبًا من باب الحجرة تجلس، لا بد أنه هو الذي طلب منها أن تسهر على رعايتي، يدللني كثيرًا، لو يكف عن تدليلي، لو يفعل شيئًا يجرحني ويغضبني ويجنني حتى لا أحبه لأنه لا يفعل شيئًا أبدًا، يا لهذا الاحتكاك الأليف الدائم، الرجل حين شيئًا فشيئًا تتساقط عنه مظاهر الرجولة واحدة بعد الأخرى الهيبة التي تمضي وتذهب، الأسد وهو يتحول إلى جرو يؤثر السلامة ويقنع بوضع ذيله بين رجليه، بشع هذا الاحتكاك الدائم الأليف، المرأة المطلوبة المشتهاة التي لا يلقاها أحد إلا بميعاد واستعداد حين تصبح بضاعة حاضرة، في متناول كل ليلة وكل لحظة، بطاقة تموين عائلية تصرف في كل أسبوع مرة. الحب، من رغبة متأججة إلى واجب كزيارات رد الزيارة، كالتعازي في المآتم والتهاني في الأفراح، لا بد أن طول الاحتكاك هذا يجعل الرجل أقل رجولة، تُعديه أنوثة المرأة وتظل تؤنثه أكثر وأكثر، ولا بد أنه هو الآخر يُعديها برجولته فتسترجل أكثر وأكثر، ويكادان في النهاية أن يتقاربا ويصبحا بطول الزمن وكأنهما من نفس جنس آخر ثالث.

هل تترك نفسها تموت؟ هي تموت، هو يموت، كل شيء يبهت، يموت ويبهت، حتى الألوان نفسها تتلاشى وتموت وتبهت ولا يبقى سوى ذلك اللون المستشري الواحد، الأبيض، الأبيض، الأسود، هناك شيء أسود، حذاء أسود، حقيقة حذاء أسود، بين الدولاب والحائط محشور، طويل الرقبة ومحشور، قامت، بيد ممتعضة أخرجته، لا دماء عليه، صغير هذا «البوت»، فلتجربه، خلعت حذاءها، أدخلت قدميها، ارتدته، أما من مرآة ترى نفسها فيها؟ فتحة الضلفة المواربة، وهنا مرآة أيضًا، لم يبدُ الحذاء بشعًا، طويلًا يصل إلى ما دون الركبة بقليل ولكنه جميل، وغريب، تمشت، استدارت، أدارت عنقها بقوة لترى كيف يبدو من الخلف، انتقل بصرها فجأة إلى المريلة البيضاء المعلقة ومنها إلى الحذاء، إلى المريلة، ومدت يدها، ارتدتها وفتحتها إلى الأمام كالبالطو، فطنت للخطأ، قلبتها، أمسكت بالفتحة من الخلف وضمتها بيدها بشدة، ظهر وسطها، نفر صدرها رغم صدر المريلة الواسع، إلى اليمين واليسار خطت، أصبح منظرها في المريلة والبوت أهم ما يشغلها، حزام، تريد حزامًا، اسمعي يا، جاءت اليا، الحزام رباط شاش، عقدت لها الحزام، الرباط عريض، منظره كحزام رائع، ثبتت المريلة بزرار من أسفل الرقبة، برز صدرها أكثر، أجيب «الماسك»؟ نعم، هاتي القناع، والله فكرة، غابت ثانية، عادت، حاولت ارتداءه بمفردها، لم تعرف، تركت البنت تفعل، نظرت في المرآة فجأة، يا للروعة، عيناها مدهشتان من خلال فتحة القناع كأنها لأول مرة تراهما، شكلها طبيبة، طبيبة رائعة الجمال، لا فرق، حلمت يومًا أن تكون طبيبة، فشل الحلم، ربما لهذا السبب فضلته، يجنن هذا الزي، يجنن، حضرتك ح تروحي أوضة العمليات؟ أنا؟ توقفت، تذهب؟ أنا بخاف م الدم، مفيش دم أبدًا دي حاجة نضيفه خالص، تذهب؟ ترى ماذا يقول وهو يراها هكذا، لن يتمالك نفسه، سيجن، كلما ارتدت شيئًا جديدًا رغم ثقتها من امتعاضه الباطن، ففي الظاهر يجن ويطري ذوقها، وأحيانًا لا يتمالك نفسه نفاقًا ويقبلها، حتى النفاق أنا في حاجة إليه، أذهب، بجوارها تمضي السمينة، يدها اليمنى مدلاة، فيها دبلة، حتى هذه هي الأخرى مخطوبة، الزواج لا يصلح إلا للحمقى والمفلسين فهو قلة حيلة، لمثل هذه البنت نعمة فهي بغيره حتمًا الخاسرة، لمثلي أنا جنون، الرجال تحت أقدامي، في متناول أصبعي وحسبما أريد، هو أيضًا جراح مشهور، ورغم جسده القصير النحيل وسيم، ألف مريضة وألف حكيمة وقريبة وزائرة وبنت عائلة يتمنينه، ليته في موقفي، على الأقل أستمتع بكوني المظلومة، أجد مبررًا كي أبكي وأشكو وأخون أنا الأخرى، ولكنه دائمًا يفعل الصواب، حتى إطراء النساء له يعيده أمامي، لا ليغيظني أو يبتعث غيرتي، ليته، إنما بدافع من إرضاء ضميره، ربما لو كان صوته مختلفًا، لو كان أكثر خشونة، لو كان أطول أو أضخم، أخبث حتى، لو يضحك عليَّ مرة، لو يشككني فيه لحظة، لو كان «مدردحًا» مثل أيام زمان، الأيام التي ذهبت ولم يعد لي من عمل إلا التحسر عليها، بينما الحاضر ينزلق، بسرعة مخيفة ينزلق، في العام القادم ستكون أكبر بعام جديد، ستنقص أنوثتي بمقدار عام كامل، الزمن يتسرب ويحول الحاضر إلى ماضٍ، ويلتهم المستقبل، وأنا لم أعش، ما كدت أبدًا أرى وأتلفت حولي وأعي أني فتاة حتى قابلته، بهرني، خلب لبي، الأحلام ازدحمت في عقلي، على الفور استجبت، المقاومة كانت عبثًا.

كانت الاستجابة حلمي، الآن أحلم بأشياء أخرى، أحلم أن أقابل الآخر، أحبه، وليكن الخطأ خطئي أو خطأه أو خطأ الاحتكاك الممل المستمر أو العمر الذي يجري، غير مهم، المهم أن أعيش أولًا، أولًا أعيش، يعود قلبي يدق، أعود أهيم وأسرح، أحس أن لي شيئًا خاصًّا، سرًّا حبيبًا، أكتمه، أخاف أن يعرفه أحد، أعود أكذب، أختلق الحجج والمناسبات، أنتظر، أستمتع أني على الجمر أنتظر، لأَعِش أولًا، وليحرقوني بعد هذا ساعة الحساب، فأنا لا أعيش، لا أعيش.

•••

تفضلي، مؤدبون جدًّا هؤلاء الناس، أدب القرود لا بد، ستنتظرني هنا، فالدخول بالنسبة إليها محرم، أأدخل وحدي؟ وماذا فيها، الدكتور هو اللي أمر، وما دام أمر مين يقول لأ، أتنافقها بالتضخيم في منزلته، دخلت.

للحظة ضاعت، أين تنظر، كان مفروضًا أن يكون على الباب ينتظرها، فتشت، الغرفة واسعة جدًّا، تصلح صالونًا لسراي، أو صالة معيشة كبيرة مدهشة، في الركن الأقصى هناك كمية أبيض كثير لا تخطئه العين، متجسدة على هيئة أشباح بيضاء كثيرة، داخل الأشباح منضدة، ملحق بها أجهزة كثيرة خضراء وبنية، ومن طرفها يطل رأس أسود صغير مغطى بالشعر، رأس طفل لا بد، يا للبشاعة، أكل هذا التجمع ينهش في لحم ذلك الطفل، الجو قابض قاتل، الرائحة خانقة لا تُحتمل، رائحة ماذا؟ فينيك؟ يوسول؟ أحماض لا تعرف لها أسماء؟ أم صبغة يود؟ أم هذا كله معًا؟ أم هي بالذات رائحة اللون الأبيض، يا لبشاعته حين يتحول إلى رائحة، لماذا لم ينتبه أحد لدخولها؟ لماذا هم متزاحمون حول الصبي المسكين، صامتون ذلك الصمت المستمر المريب، وكأن مؤامرة تدور؟

بدوار قليل بدأت تحس، أتخرج؟ أتصرف النظر عن المفاجأة، مفاجأته؟ ولكن مفاجأته مهمة، ستستغرقه تمامًا وتستغرق أسئلته، ولن يلتفت أبدًا إلى مغادرتها البيت من ساعتين مضتا، فلو حتى عن طريق الخطأ سألها لانهارت وقالت كل شيء. إنها لم تتعود أن تكذب، وبالذات عليه، وهو أيضًا يعرفها وسيدرك حتمًا أنها تكذب، لا عودة إذن، فلتستمر.

انتظرت، نط عقرب الدقائق في الساعة المثبتة في الحائط عدة مرات، كل مرة بدقة لها دوي وسط بحر السكون الشامل، لا بد هناك خطأ ما، المجموعة واقفة كما كانت، وكأنهم صورة فوتوغرافية لم يتغير فيها وضع ولا يتحرك داخلها أحد، لم يلتفت واحد إلى الباب وهو يفتح، ولا ناحيتها، ولها زمن تنتظر وما ألقى أحدهم بنظرة، ماذا تفعل الآن؟ إنها تريده أن يراها عن بعد فمنظرها بالمريلة و«البوت» عن بعد أفضل، وشيء فيها صغير لا يزال يحاول أن يأسره، رغم كل شيء لا يزال فيها شيء يحاول أن يأسره، كيف تلفت بصره والصمت لا يجرؤ شيء ولا مخلوق على خدشه، صمت يبدو كصمت الصلاة، خدشه حرام، تسير، خطواتها حتمًا ستجذب الانتباه، سارت بلا صوت سارت رغم محاولاتها أن تحدث بسيرها صوتًا، قطعت أكثر من نصف المسافة، لا صوت، البوت اللعين من المطاط والأرض مطاطية لعينة هي الأخرى، مهما دقت وخبطت فلا صوت.

قطعًا حين تصل سيفسحون لها مكانًا، لتختر حينذاك المكان المواجه له مباشرة، وصلت، حتى التومرجي الذي يروح ويحمل أشياء وينقلها ويعود بأخرى، لم يلقِ ناحيتها نظرة، لا بد حسبوها طبيبة لا تستدعي التحقق أو تلفت الانتباه، قريبًا من طرف المنضدة وقفت، عيونها تتفحص الواقفين من خلال فتحات أقنعتهم، لا عين من عيونهم أخطأت ورنت بنظرة، تنحنحت أيضًا، كأن شيئًا لم يحدث، أين هو فيهم؟ لا أحد من الموجودين جميعًا يشبهه، فأين هو؟ أيكون هذا الواقف في الوسط منهمكًا في شيء أمامه، بالضبط هو، رغم الطاقية ذات الحافة والقناع، فقد عرفته من أذنَيه، هو ذا إذن، والباقون حوله بلا حراك، مدت يدها تعدل المريلة، وتضبط فتحة القناع، استعدادًا للحظة التي يرفع رأسه المنحني فيها ويقع عليها بصره، قطعًا سيهلل للمفاجأة، حتى لو كان هنا، فهو يلقاها دائمًا بترحاب من لم يرها من عام، حتى لو كان غادرها من ساعة، الدقائق تمضي ولا ينظر، لا يحرك عينًا عن البقعة المثبتة عليها عيناه، تنحنحت مرة أخرى، غمغمة، سمعت غمغمة لا مجاملة فيها: اللي عايز يكح يمشي يطلع بره يكح، صوت من هذا؟ أيكون صوته؟ ألم تعرفه لأنه منحنٍ ويتحدث من خلف قناع؟ أم لأن هناك شيئًا آخر، بالتأكيد ثمة شيء آخر، يا … وجدت نفسها تهتف، كانت تظن أنه ما أن تفتح فمها حتى تستدير الأعين كلها لتراها، حين لم يتحرك أحد، حين ظل الصمت ثقيلًا رابضًا لزجًا حتى لتكاد إذا مددت يدك تلمسه، خانتها شجاعتها، لم تكمل النداء، سكتت، تبلدت ملامحها وسكتت، أتراه عرف؟ أيكون التجاهل عن عمد؟ لو فقط، يكف هذا الصوت المنتظم، لو تكف الحشرجة، حشرجة لها وقع، كأنها حنجرة ذات جسد يزحف على أربع، وبين كل نقلة لساق من سيقانها ونقلة وقفة، وتعود تزحف، الرائحة القابضة تجثم على الصدر توقف حركته، تمسك الهواء أن يدخله، وتمنعه أن يخرج، ماذا أتى بها؟ ما لي ولحجرة العمليات التي يدوشوننا بها في سهراتهم، هؤلاء الأطباء والجراحون، هذا هو العالم الذي يقضون فيه ساعة إذن ويجعجعون بما يحدث فيه ألف ساعة، لها حق إذا كانت تكره العمل وحديث العمل، هي وكل صديقاتها. ما يكاد الرجال يبدءون فيه حتى تكون البداية إشارة البدء لهن، الحلقة تتكون وبسرعة مذهلة تتفاهم، من يراهن لأول مرة يحسبهن شقيقات معًا نشأن، وبعضهن لم يعرف الآخر إلا من لحظة، قبيلة الإناث تتجمع، شفرة النوع الواحد بينهن كالسحر تسري، متراثيات متحاسدات متذاكيات متغابيات، أبدًا لا يختلفن، ولا صوت لهن يرتفع، بالعكس، كل دقيقة أخرى ينخفض الصوت ويصبح التفاهم أشمل، وبالأزياء كموضوع لجس النبض يبدأ الحديث، وينخفض وهو ينتقل إلى فلانة وكيف تلبس، وفلان وكيف يلبس فلانة، وينخفض الحديث أكثر؛ إذ لا بد قد وصل الاتفاق حد النميمة وتبادل آخر أخبار الفضائح وينتهين بحديث لا بد يخدش الحياء، ولهذا يقلنه همسًا، ويظل الهمس المتوافق المنسجم يخفت ويخفت حتى يستحيل الحديث إلى إشارات وغمزات، وقد أصبح التفاهم تامًّا وكاملًا، بينما الرجال العبط قد أخذتهم الحماسة، ودب بينهم في الحال، مهما كانوا أصدقاء أو أقارب، الخلاف، وبالاختلاف والزعيق ينتقلون من العمل إلى مشاكل العمل، إلى السياسة بالطبع، إلى الخناق، فلا بد أن لأحدهم رأيًا يخالفه فيه الآخر بشدة، ويأبى تمامًا الانتقال إلى موضوع آخر، ولا بد أن تضيع الليلة وكل منهم يحاول إفهام الثاني أنه الأذكى والأصح. العمل. زمان كانت تغار منه، تعتبره كالزوجة الأولى صاحبة النصيب الأكبر، تحول مجرى الحديث إذا حاول هو جرها إليه، وكيف لا تحوله، ومعنى اشتراكها فيه اعتراف بشرعية «الضرة» وحقها في ساعاتها هي، الساعات التي يقضيها معها في البيت، والمفروض أن تكون خالصة لها، كثيرًا ما سمعت الثناء عليه حتى من حساده، عن شطارته، عن نبوغه، تبتسم مجاملة وقد تعلق بكلمة. إنها في أعماقها كانت تتمنى لو لم يكن له بالمرة عمل، لتصبح هي عمله الوحيد الأوحد. ولكن هذا كان أيام الحب زمان، في السنين الأخيرة لم تعد تغار، بل أصبحت تشجعه على العمل أكثر، العمل أكثر يعني دخلًا أكثر، النقود أهم وليس مهمًّا أبدًا كيف يأتي بها.

فجأة شعرت بغربة، هنا، لا مكان لها، شيء في صدرها كالروح المختنقة يرفرف، شتان بينها الآن وبينها من ساعة مضت، حين كانت حواسها تتدغدغ تحت وقع حديث الآخر الرخيم المتعمد البطء، عما فعلت به، عن عيونها حدثها، عن جلدها ونعومته طال حديثه، عن رقبتها، عن … عن شفتيها، عن شعرها المنساب انسابت كلماته، عن قوامها وجسدها وعذوبة روحها والرجل السعيد الحظ الذي يملك هذا كله، مضى يتكلم، وهي تقشعر لوقع كلماته، وربما لهذا بدأ يتصاعد بحديثه خطوات أخرى، ألفاظه بدأت تتعرى، لمساته طالت، الجرأة في عينيه بدأت … بدأت تشع وقاحة، خدودها هي أيضًا بدأت تلتهب ونبضها يسرع. الخوف، الخوف بلا سبب، راح كالشهب، يتساقط ويغور في صدرها ويصنع حفرة بالغة العمق، لا قاع لها، مرعوبة صارت ولم تعد تحتمل، الآن تذهب، في الحقيقة تهرب.

جسدها يسخن لمجرد أنها تتذكر، هو لا يزال لم يلتفت، يتركها هكذا صامتة ساكتة، الشيطان يتحرك حين نسكت، لو ظلت هكذا ساكنة ساكتة فلن يكون لتفكيرها حد، ستسبح كما يهوى الشيطان، ويريد، ستندم على المقاومة التي ظل جسدها يبديها لكلمات الآخر ولمساته، ستضيق بهذا الصوت الذي يهتف لها، لا، لا، لا يمكن مستحيل، الموت أهون، لماذا لم تستسلم، كاملة، للحظة المتعة؟ لماذا حتى بكلماته بدأت تضيق، للمساته تقشعر انكماشًا ورفضًا، بالموضوع كله تستخفه وتنفر منه.

تحركت، اقتربت من الرأس الأسود المسجى وعلى فمه وأنفه قناع التخدير المتصل بالجهاز، رئة الجهاز صغيرة كرئة الصبي، الولد القمحي، شعره غامق السواد لامعه، ملامحه نائمة، صعب عليها، هو ذا الصبي إذن، الذي استمر حديثه عنه وعن رئته ساعة وهي تتثاءب ولا تفقه من حديثه حرفًا، غير مهتمة أبدًا أن تعرف، كلمات تطن في أذنها عائدة، أخطر عملية، الأولى في الشرق، لا مناص، لو لم أقم بها مات، هو الآن يفعلها، ماذا بالضبط يفعل لا تجرؤ على النظر. إلى مستوى عينيها فقط، نظرت، سيدة هي لا شك، الواقفة بجواره تناوله الآلات قبل أن يطلبها، سيدة، صغيرة في السن ولكن يا لذكائها، تتابع ما يفعله وقبل أن ينطق تكون قد استعدت بالآلة التالية، غريبة هذه الآلات، معقدة، يبدو أن الجراحة ليست مجرد مشرط وملقط، شيئًا فشيئًا تخفض رأسها إلى أسفل، لا دم، إلى أسفل أكثر، لا دم، مرة أخرى، لا شيء. قطعة قماش مبللة، بسائل باهت كماء البطيخ. ولا شيء، لا، إنهما قطعتان، بينها فاصل كالخندق المحمر، أيكون هو الجرح؟ أجرح بلا دم؟ نظيف كأنه مبطن بجلد داخلي؟ كم تخدعنا الكلمات! على أية حال لم يخرج عن حدود الأدب، احترمني وقدر شعوري وربما إذا لم أره طعنني في ظهري، كسبه أحسن، أروضه حتى يذهب بريق الرغبة في عينيه، ويحل بريق الهيام، قادرة أنا وليكن اختبارًا لمقدرتي، وعلى أسوأ فرض لو حدث شيء رغمًا عنا، أو رغمًا عني! فسيكون درسًا أول وأخيرًا، لا أطمئن بعده لأحد. حتمًا سأعرف، وجهه صريح يظهر رغباته، وبمجرد أن يفكر سأعرف، وفي الوقت المناسب، أهرب، وإلى أن يحدث أنا أتسلى، أقطع الوقت، أحيي قلبًا لم يعد ينبض، فلأتسلى، لماذا ببطء ببطء يعمل، له ساعة وهو يدخل أصبعين في الخندق ويرفع الرأس إلى أعلى ويتحسس شيئًا في الداخل، يا لطول باله، يمرضني طول باله، وهو يخلع ملابسه، قطعة قطعة يساويها ويعلقها ويظل دهرًا يجيء ويروح، ويروح ويجيء، حتى من الغيظ أنام، وما أكاد أفعل حتى أشعر به يسحب الغطاء ويمد يدًا ناحيتي أبادر بدفعها، من لحظات وبلكاعته ذهبت رغبتي، أنا الآن جثة، أصرخ، جثة، يرضى بالجثة، ما أن أصير أحيا، وينتفض فيَّ دم طال عليه الركود، حتى يكون هو قد أفلس، لم يكن أبدًا كذلك، معًا كنا دائمًا، الآن افترقنا، أنا افترقت، هو باقٍ، لا شك.

– عرق.

دوي الصوت، انتفضت، لم تفهم، في آخر لمحة أدركت أنه صوته، لا بد صوته، ما هذا العرق، آلة جديدة؟ تعبير طبي؟ بدأت تفهم، [السستر] بجواره تختار شاشًا مطبقًا بعناية من مجموعات الشاش بجوارها، دون أن يحرك وجهه أو يستدير، تتخلع هي، وبكل دقة وحرص حتى لا تلمس بأصابعها جبهته تجفف عرقه، عيناه لا تريان أو تشعران بما تفعله، كأنه لأول مرة يغرق، في البيت لم تره أبدًا يعرق، دائمًا هو مستريح جدًّا، مثقل الجفون تمامًا، لا يتحرك من مكان لآخر إلا بدافع حياة أو موت، كيف تطيع هذه المرأة بجواره أمرًا يصدر بهذه الطريقة الحادة الباترة، كالسبة، وحتى من غير «من فضلك»؟ لو كانت هي أصدر لها أمرًا بهذه اللهجة لصفعته، إنه إهانة وليس أمرًا، الغريب هو صوته، رفيع كما تعرفه، لا يرن كصوت الرجال، ولكن فيه أشياء أبدًا لم تكن فيه.

– امسك كويس، إذا فلتت ح أحط المشرط في عينك.

قال هذا وصوَّب عينيه أمامه مباشرة إلى حيث المساعد، عينان رأتهما بزاوية ولكن حتى نظرته من الجانب تبدو مختلفة، مائة في المائة ليست نظرته، هذه تملكها شخصية طاغية آسرة، لا تملك إلا طاعتها، نظرة كأنها لرسول مؤمن برسالته إلى حد الجنون والبطش مليئة بالثقة وكأنها تصدر عن فيض من امتلاء النفس بالثقة. إن لها شهرًا وأكثر لم ترَ عينيه، ولم تحس أن له نظرة، نظراته دائمًا كقطة أليفة تتبعها، توجهها حيث تشاء، من خلال عينيها يرى، عيناه حين تواجهها دائمًا ما تكون البادئة بالانسحاب وقصر الشر، نظرة تشفق على ما تحفل به من مسكنة دائمة، وكأنه الطفل يذنب باستمرار، وباستمرار يطلب الغفران.

لا بد أنه يمثل أمامها، يريد إغاظتها، هنا مملكته وعبيده، وهنا لا بأس من مزاولة سلطان مؤقت أمامها، ولكن كيف عرف أنها أصبحت بالحجرة ومذ دخلت لم يرفع عينه عن مكان العملية ولا همس في أذنه أحد أو أخبره.

لا هو، ولا الموجودون جميعًا، لا أحد شعر أو يشعر بها، هم في ملكوت آخر، هم قد امتصهم شيء مذهل محير ألهاهم حتى عن أنفسهم وعن الزمان والمكان، وأيضًا عن الآخرين، ما هذا الذي يدور؟ هي لا ترى شيئًا، لا ترى إلا أصابعه وهي غادية رائحة من الجرح إلى الآلات إلى الجرح، لا شيء هناك سوى أصابع تتحرك في قفازها المطاطي، أصابع طويلة نحيفة مركبة في يد ملساء صغيرة تعرفها أيضًا، ما هذا المعجز فيها الذي يمتص وعي هؤلاء الناس وانتباههم، كما لو كان أعظم عازف كمان في العالم يعزف والأنفاس معلقة بأنامله.

– لا، قلنا إبرة أرفع.

وطار ملقط مركبة فيه إبرة فوق الرءوس، وسقط على الأرض غير بعيد عنها، دق قلبها في عنف، من الشخطة قبل أن يدق من السقطة.

ماذا حدث له؟ لم تره هكذا أبدًا، إن شخطه مرعب، على الأقل يرعبها أنها لا تخاف من الرجال إلا شخطاتهم فقد عاشت طول عمرها مدللة ملفوفة بورق سيلوفان، يتناولونها بحرص، وبحرص بالغ يربونها ويعلمونها، ويعاملونها، وما عليها إلا أن ترغب وليس أمامهم سوى إجابة الرغبة. لم يقل لها أحد في حياتها لا، لم يشخط فيها أحد، حتى هو، كانت الرقة تذوب من صوته إذا تحدث إليها، لماذا يشخط الآن هذا الشخط المرعب، الشخط الذي يجعلها تحس بالذعر، وبأنه رجل آخر، غريب، تهابه، تحس أمامه أنها فعلًا امرأة، ضعيفة، خائفة، ما هذا الاهتمام الصارم المركز على وجهه لم تشهده حتى وهي تناقش معه أخطر ما دار في حياتهما أو يدور؟ وما هذا الاهتمام العظيم الذي يبديه الآخرون بأصابعه، أصابعه الدقيقة ويده الصغيرة التي تشبه الفأر، لا يمكن أبدًا أن تكون هذه أصابعه، إنها يد وأصابع مختلفة تمامًا، هذه كائنات رفيعة طويلة أخرى بالغة الحذق والنشاط تلتف على بعضها البعض، تستدير، تنحني، تلتقط، تلضم، تخيط، تمسك، تجفف، تتفرق، تتجمع، تتحسس، تتداخل، تندس، الآلات في قبضتها تتحول كائنات حية، وكأن أصابعه تتشكل على هيئة آلات، لا يمكن أن تكون هي نفس الأصابع التي ما رأتها إلا مرتخية، أو مغطية فمه المتثائب، أو حتى إذا نشطت فإنما تنشط لتعبث، في أحيان نادرة، بشعرها هي، وكأنما تؤدي واجبًا مدرسيًّا، أو لتضغط على أذنها وكأنما لتقرصها حيث لا تدري ماذا غير هذا بوسعها أن تعمل، بالتأكيد ليست هي أبدًا الأصابع التي تعرفها ويثير مرآها بعض اشمئزازها، هذه أصابع تتعلق بها الأنفاس ولا بد أنها تقوم بأخطر عمل، فالصمت المخيم ليس صمت مؤامرة أو ضجر، إنه صمت الترقب الأعظم وكأن في الحجرة تدور مغامرة كبرى، الخطأ الصغير فيها قد يكلف حياة، من المحتم أن الصمت المقدس هذا يخيم على معجزة تحدث، وهو الذي يقوم أمامهم وأمامها بالمعجزة، هو «بتاعها»، أهو «بتاعها» لا يزال؟ هذه النظرة المحددة الثاقبة التي تنفذ في أعماق مساعديه ومن حوله من الرجال، فتهز أعماقهم، هذا العرق الغريب الذي يبدو لفرط نظافته معقمًا طاهرًا، هذا الوجه الذي لم يستطع حتى القناع الشامل أن يخفي الشخصية الطاغية التي تملكه، هذه الملامح التي يسيطر عليها تمامًا، المحددة متى وكيف تتحرك، هذا «هو» لم تره أبدًا، «هو» آخر لا يمت إليها، هو مخيف، مرعب، ذكر، رجل يمثل ما لم تحس به كرجل وهو في قمة مزاولته للرجولة معها، أمامه وعن عمد تضع الآخر في مواجهته، بشعر صدره، بيديه الكبيرتين بذقنه الغزيرة بقامته، غير معقول هذا أبدًا غير معقول، إنه يتضاءل، إنه يصبح أقل شبابًا وأهمية، كل ما فيه من مزايا وخصال تذوب وتتلاشى كفقاعات من صابون أمام هذه الإرادة الحديدية التي لا تقهر والتي تنبعث منه هو وتأمر الحياة في أعماق الطفل المريض أن تستيقظ، أن تنشط، أن تبدأ وتستمر وتظل حية مستمرة. كادت تبكي، لم يتضاءل الآخر وحده، هي نفسها بدأت بكل رغباتها وغيظها، بكل أحلامها وضيقها، بكل دلالها وأنوثتها، تتضاءل، تتضاءل، وهو يكبر ويكبر وتحيطه هالة مقدسة لا تجرؤ على خدشها حتى بالنظر، هالة الرجل وهو يعمل، هالة لم ترها أبدًا، وما كان مقدرًا أن تراها، لولا الحجة، والمضحك أنها حجة لخداعه، الدموع تجمعت فعلًا في عينيها، إن كل ما تتمناه الآن أن يحادثها هذا الرجل المقدس وأن يعترف أمام الناس أنها له زوجته، وأنه لمروع أن يعترف بها فعلًا كحبيبته، غفرانك وعفوك، لو تسمح لي بتقبيل يديك الصغيرتين وكل أصبع من أصابعك، لو تسمح لي بتقبيل أقدامك، يا إلهي وأنت الإله الآن، انحنت فعلًا ونظرت أسفل المنضدة، تريد أن ترى قدميه، تريد أن ترى كل شيء فيه من جديد، عرفتهما، رغم «البوت» والرقبة الطويلة فهذه العزيزة أقدامه، اعتدلت، أحست بالقناع مبتلًا حول أنفها وفمها، كانت الدموع تتكون بسرعة وتنهمر، وكان بصرها مضبَّبًا، ولم تعد ترى، وكأنها في حلم من ضباب، رأت الباب وأسرعت كأنما تنقذ نفسها، وعند الباب وقفت، ومن خلال فتحته الزجاجية راحت تجفف دموعها وتكمل النظر، يا لصوته وهو حتى يأتيها غير آمر، وهو يشرح لزملائه ما يفعله، كل كلمة منه تستثيرها وكأنها لمسة حبيب راغب، حتى سكوته مثير وهائل، في حنجرته زئير رجال، في حنجرته أسد هي أمامه غزالة لا حول لها، والحجرة غابة، ولو بحاجبه، بمجرد حاجبه، أشار، لطاوعته في الحال، هنا وأمام الملأ.

•••

انتهت العملية، وبدأت إجراءات حمل الطفل، أزاح قناعه إلى أسفل وخلع قفازيه، كذلك فعل مساعدوه وزملاؤه وهم يحضرون إليه يصافحونه ويهنئونه، وجهه حافل بالابتسامة لا حدود لسحرها، ثم من أين جاء هذا الاكتفاء، هذه السعادة كلها؟ كيف طفرت من ملامحه؟ سعادة أكثر بكثير من أية ليلة حب قضياها معًا، حتى وهما في شعر العسل!

وأحسست، فجأة، أن قلبها بدأ يغوص.

١  كُتِبَت في يوليو ١٩٧٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤