حلاوة الروح١

في لحظة واحدة كثر الماء، أصبح أكثر وأكثر، الشاطئ قريب، أمتار، الشماسي ملونة مبعثرة، منارات مبعثرة تحتها الأجساد مرصوصة بلا نظام، أنا في طريقي إلى الشاطئ بعد حمام منعش، الشاطئ والاسترخاء والأمان، السيجارة بعد الحمام، الأحلام، الماء يكثر أكثر، فلآخذ إلى الشاطئ الطريق الأقصر، ولكن الماء يظل يكثر، صدري يختفي رويدًا رويدًا ورئتاي بدأتا تحسان بضغط الماء، التيار السفلي أشعر به الآن أوضح، الماء الجاري بخبث تحت الماء، الماء بريء الهدوء من فوق والتيار يجذب من أسفل، اللعبة مسلية أنا أجذب والتيار يجذب، وأنا مطمئن فأنا قاب قوسين من الشاطئ والمنطقة بالتأكيد ضحلة، يجذب، وأجذب، يسحب، فأشد، يشد، فأسحب، أقدامي تتعثر، التيار يقاوم وإلى الخلف يجذب، أقاوم، وأتقدم، كل شيء هادئ على سطح الماء، والجذب لا يُرى فالمعركة اللعبة تدور من أسفل، قبلت اللعبة يا بحر، اجذب من أسفل وسأبقي صامدًا من أعلى، «شنكل» فأنت تعبث وسوف أرد عبثك بعبث، عبثًا بعبث يا بحر أعبث، العب، الدنيا أمان والشاطئ قريب، العب، أنت تغالي في اللعبة يا بحر فماؤك يكثر ويضغط وصدري رغم استماتتي يغوص أكثر وأكثر والماء يقوى على الدوام أكثر، حذارِ أن تقلبها جدًّا فأنا أعبث، أو أقلبها إن كنت قادرًا فأنا أقدر، وحتمًا سأقدر، لا تغرقني يا بحر أرجوك فأنا الغريق وما عاد يخيفني بللك، الدنيا غريقة يا بحر فهل أنت أغرق، أنا الأعرف، أنا الإنسان يا بحر، أنا البحر الأكبر، أنا بحرك.

التيار يجذب، الماء يكثر، اللعبة تسخن، الموج يقبل، يهدر، يعلو، يكتسح، ثم يرق ويتبدد، أنا أتأرجح، هاتِ أمواجك نفسها يا بحر واجذب، وادفع، هاتِها وادفع، فشاطئي ها هنا قريب وأنا أشطر، ادو يا بحر وغن، أرغ وأزبد، العب لعبتك العجوز اليتيمة وقلص مياهك وتمدد، انتشر وتجمع، ارض واغصب تقدم حتى تتقهقر، والآن، كفى، اتركني، فأنا أريد الشاطئ، أريد أن أرجع.

ولكن الماء لا يريد، ضغطه يتزايد ويشتد، السحب من أسفل يتعاظم حتى يشل خطوي، الماء الشفاف الواهن المتناهي الضعف، الماء الذي استأنسناه طويلًا وغليناه وشربناه وبصقناه ومن فرط ألفتنا له نسيناه، الآن وهو ملايين ملايين من البصقات والقصبات والأكواب ها هو يحاول أن يرينا عينه الحمراء، على الصدر يضغط، بقوة يسحب، الماء وصل رقبتي، لم أعد أتقدم تجاه الشاطئ خطوة، بل هو التراجع بدأ والجذب السفلي يشتد ويقوى، اللعبة سخفت قليلًا، العبث طال عليه صبري.

فلتتوقف اللعبة.

واستدعيت إلى الوجود قوتي الأقوى.

بدأت تغوص رقبتي.

واستدعيت القوة الأكبر.

الشماسي صغرت.

فلأستدعِ القوة الأعظم.

الشاطئ أصبح مجرد خط.

إني أشم رائحة الغدر.

أفينا الخيانة يا بحر؟ أتغدر؟

أرجوك، ليس منك، أنت بطلي العنيف العربيد الرقيق الشاعر الصاخب الأحمق الأهوج المغتر المقطر عذوبة الجالس على عرش الجلال، وليس لي، فليس في نفسي موضع لغدر جديد، أنا معك ها هنا وحدي، نحن وحيدان معًا، أنت بلا نهائيتك وأنا بمحدوديتي، لا تخن لا تغدر.

•••

رفعت ذراعي.

الرابعة تمامًا.

تشاءمت.

من النادر أن ترى ساعتك فجأة، فتجد أنها تمامًا حتى لو كانت الرابعة.

وصل الماء ذقني.

أنا في بئر مائي لا شك.

الشاطئ يبتعد أفقيًّا ورأسيًّا، إلى أعلى وإلى أبعد، لم يعد ثمة بحر.

ماء، فقط ماء، كم هائل الحجم والضخامة من الماء الذي لا شاطئ له ولا حافة ولا حد، النمل حين يصنع بمجموعه جبالًا هائلات من النمل، الصرخة الواحدة حين ترددها مئات آلاف الملايين من الحناجر فيهتز الكون.

التيار السفلي نما حتى وصل السطح ولم يعد للماء من فوق براءة.

كشر عن أنيابه تمامًا.

الجذب، تامًّا وكاملًا.

إذا قاومته غصت أكثر.

إذا سكت ابتلعني أسرع.

الشاطئ أصبح أبعد من السماء، مجرد سراب سماوي غير كائن، وبكف في حجم الصخرة لطمت رأسي موجة، رأسي البارز في حجم عقلة أصبع، وعلى أثرها لطمة.

ثم دفعة.

ثم جذب لا يقاوم.

وانسحقت.

الماء طغى وتجبر، الماء أصبح له صوت، الماء رعد، الرعد أصم، الرعد أخرس، أعمى.

هذا ماء غريب من كون آخر، بحر لا أعرفه أبدًا.

هذا عدو.

دوامة العدو تبدأ.

الدوامة كفم حوت فاغر الفم، أنا في قلبها حشرة.

الدوامة تدور.

كل الدوائر إلى أعلى، دائرتها إلى أسفل، أعلاك يا بحر أسفل، قمتك قاعك، أنا في الطريق إذن لقاعك القمة.

يا لئيم.

لقد غدرت وانتهى الأمر.

•••

البرق يخيفنا وهو في سماه بعيد، وبيننا وبينه ما بين الأرض والسماء، القيامة تروعنا حتى في الأساطير.

أنا في قلب الظاهرة الكونية نفسها، البحر استحال إلى تمرد كوني، تمرد موجه لي وحدي، أنا وحدي أواجه يوم القيامة.

•••

ولكني لم أفقد الأمل، بعد.

أنا وحيد، ولكني أقوى، أعتى، أستطيع أنا الآخر أن أتجبر، جسدي هذا فيه ماردي أنا، فيه القوة الأقوى، فيه مدخر الحياة كلها من الطاقة.

والحياة أقوى.

إن الحياة لأقوى.

•••

المستحمون حولي كثيرون، حتى وأنا مخضوض ألمحهم، أقربهم إليَّ سيدة، ترمق بإعجاب ما تخيلته من جرأتي على خوض المياه الأعمق.

•••

صخرة مائية أخرى تنهار فوق رأسي، أغوص أكثر، الماء فوق أنفي، صخرة أخرى تنهار، الجبل كله بدا ينهار، العالم المائي حولي كله ينهار ويتفجر، والمرعب في براكينه وانفجاراته وجباله أنها مائية، مائية لكنها أعتى من الصخر، الصخر أرحم.

إني أغطس.

أغوص وأغطس.

رأسي أصبح تحت الماء.

بجنوني كله أقاوم لأعلو كي أتنفس.

يصعد رأسي ليُواجَه بجبل موجي قادم.

أريد أن أتنفس.

أتنفس.

ماء، ماء أتنفس، أحس بطعمه القابض يملأ جوفي وينفخ بطني، الجذب يشتد إلى أعمق وأعمق، إلى أعمق وأعمق وأعمق.

أنا حقيقة أغرق.

ضربت الماء بأقوى ذراعين كانتا لي، بأقوى ساقين وفخذين حشدت القوة كلها.

طفوت.

السيدة القريبة ترمقني بإعجاب، ابتسامتها بلهاء، يا سيدتي إني أغرق، إني أموت وأغرق، إن كل ما فيَّ يستنجد بأي شيء فيك، امددي يدك وسأمدد يدي وفي لقاء اليدين نجاتي، إني أغرق، إني فقط خجل أن أصرخ، سأموت شهيد خجلي يا سيدتي فامددي يدك لأنجو.

مستحيل، بإرادتي أنا لا بد أن أنجو.

غصت.

حين حاولت أن أطفو وجدت الغابة، غابة امتلأت بوحوش مائية مصنوعة من ماء، الرعب منها يُجمِّد القلب، وحوش تزأر، وحوش تنهش، وحوش خرافية هائلة الضخامة بأقدامها الأسطورية تطأ وتضغط، ضاق الخناق، جذبت نَفَسًا عميقًا لأتنفس، حتى وأنا أعلم أنه ماء جذبت نَفَسًا لأتنفس، امتلأ رأسي بالهدير، اختفت الألوان والكتل والأحجام، صار كل شيء هلامًا ضبابيًّا رماديًّا متغامقًا مؤدي حتمًا إلى السواد الكامل، أنا مرعوب رعبًا يحدث لي لأول مرة. رعب من نوع آخر، رعب لا يحدث في العمر إلا مرة، ولا يحدث إلا وفي أعقابه موت، عزرائيل هو ذلك الرعب.

طفوت.

من فرحتي لم أتنفس.

غصت.

من رعبي تنفست ماءً، ماء أكثر، الوحش البحري يريد أن يحولني ماء، يهضمني، يتمثلني، يقتلني حيًّا، ويحييني ماء، بلورة ذاتي المركزة تتخفف، أنا أذوب في الماء، والماء يخترق مسامي ويذوب جسدي، بإجرام وإصرار سادر في تذويبي، إرادتي تتميع، تتراخى، طعم الحياة يتغير، يمسخ، حماسي لها يفتر ويصبح ما له طعم ماء البحر المالح.

•••

تخدر الزمن وتوقف، سألت نفسي: لماذا التحدي؟ لماذا لا أستسلم وأموت؟

أليس الموت هو التجربة التي ندخرها لتكون آخر تجاربنا؟ لماذا لا تكون الآن؟

لقد عشت كثيرًا ودهشت كثيرًا، وأحببت كثيرًا وضحكت قليلًا وبكيت كثيرًا وكثيرًا، وما تبقى من حياتي لن يكون سوى تكرار ممل، وما لم أفعله قط أني لم أمت، فلماذا لا أموت؟

انطلق من جوفي الرعب الأعظم.

العقل توقف، طار شَعاعًا.

الإرادة غير الواعية قفزت، تفجرت، تعاظمت، أصبحت وحشًا من داخلي غابة بدائية انطلقت، مليئة بوحوش، شديدة الفتك.

العناد البدائي ألغاني تمامًا.

وحدي أنتصر، بقوتي أعيش، سأعيش.

غصت.

معركة الوحوش مع الوحوش، الغابات مع الغابات، يوم قيامة البحر مع يوم قيامتي أنا، الإنسان مع القوة الغاشمة.

رغم إرادتي طفوت لثاني مرة.

السيدة قريبة لا تزال ولكني لن أستنجد، أبدًا لن أصرخ، حتى ولو لم يبقَ على الموت إلا طفوة أخيرة واحدة.

غصت.

•••

الماء الماء، الماء يمور ويدور وأدور به وفيه، لا شيء ثابت، القبضة تستميت على اللاشيء، الرمادي يزرقُّ، والزرقة تغمقُّ، ومن الأفق يطل الرهيب الأسود.

الفقاقيع حولي تتكاثر، غربان المأساة، ضباع الجثث الغرقى، جسدي تفتحت بواباته، الماء يدخل، الحياة تخرج، الطعم يتقارب، اللون يتماثل، المعالم أفقدها، أتكوَّر، قطرة ماء كبيرة أصبح، ماء ملون بالحياة، معلق في كون مائي، أرضي ماء، سمائي ماء، هوائي ماء، ماء ألمس، ماء أرى، ماء أسمع، حواسي كلها ماء، عيوني بالذات ماء، أستنجد بالإرادة، إرادتي ماء، أستغيث بالوعي، الوعي ماء، لا مستيقظ أنا ولا أنا نائم وأحلم، الزمن ماء كله أصبح.

ذُبالة وعيٍ أخيرٍ قبل الظلام التام، هذه آخر مرة إذن أعي فيها بالموت القادم.

•••

حين كنت أغادر المياه بأسرع ما أستطيع والبحر ينحسر تمامًا حتى يسلمني إلى الرمال، لم أنتبه إلا وقدماي بعد أول خطوة تتوقفان أمام الإحساس المروع الجديد، إنهما ثابتتان فوق أرض ثابتة، الإحساس الحبيب بالثبات، إنها الأرض من جديد، إنها الثبات الأم.

لا أذكر شيئًا.

وكأن أول ما فعله العقل حين عاد أن محا الحادث تمامًا من الذاكرة.

ولكن رغم الضباب فهناك ثبات آخر أكاد أذكره.

إنه يبرق في الذاكرة الواهنة الملغاة.

•••

ثبات بالقطع أحسته الأصابع، أصابعي، وهي تنقبض في تشنج قاتل أخير حول أصبعين طويلين نحيلين مترددين، أصبعي سيدة.

ثبات من نوع آخر، قبله أو بعده أو على أثره أو لم تحدث إطلاقًا أصداء صرخة، صرخة أعرفها تمامًا، صرختي أنا وإن لم تصدر عني أبدًا، بالتأكيد لم أصرخ، أم أكون رغم أعتى الإرادات صرخت؟

•••

وقفت إلى أبعد بعيد داخل الرمل لا أجسر أن أرمق البحر.

أوليه ظهري.

أبقايا رعب؟

أم هو الخجل؟

أني هزمت وحدي.

وأن نصري جاء باستماتة الأصابع على الأصابع.

•••

نظرت في الساعة.

كانت الرابعة ودقيقة.

١  كُتِبَت في شتاء ١٩٧٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١