الرسالة الثامنة

في الصنائع العملية والغرض منها

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ لِلهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ

وإذ قد فرغنا من ذكر الجواهر الجسمانية ووصفنا هيولاتها وصورها وتركيبها وما يعرض للمركب من الأغراض، وبَيَّنَّا أيضًا كيفية إدراكها بطريق الحواس بتوسط أعراضها في رسائلنا «الطبيعيات» نُريد أن نذكر في العقليات الجواهر الروحانية؛ لأنه لَمَّا كانت الموجودات كلها معقولة أو محسوسة، جواهر أو أعراضًا أو مجموعًا منهما؛ صورًا أو هيولى، أو مركبًا منهما؛ جسمانيًّا أو روحانيًّا، أو مقرونًا بينهما؛ وكانت الجواهر الجسمانية منفعلة كلها، مدركة بطريق الحواس، والجواهر الروحانية فاعلة، ولا تدرك بطريق الحواس، ولا تعرف إلا بالعقل وبما يصدر عنها من الأفعال العقلية، والصنائع العملية بعد العلمية في الجواهر الجسمانية؛ احتجنا أن نذكر الصنائع العملية في الهيوليات وماهياتها وكمياتها وكيفياتها وكيفية إظهار صناعاتها في الهيوليات الموضوعة لها؛ ليكون أَوْضَحَ في الدليل على إثبات الذوات الروحانية الفاعلة، وأَبْيَنَ لمعرفةِ جواهرها وفُنُون حركاتها وعجائبِ قوتها وغرائبِ عُلُومها وبدائعِ صنائعها واختلاف أفعالها.

فاعلمْ أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن الصنائع البشرية نوعان علمية وعملية، وتقدم القول في العلمية فيما تقدم، فنقول: أولًا ما العلوم؟ العلوم هي صورُ المعلومات في نفس العالم.

واعلمْ يا أخي بأن العلم لا يكون إلا بعد التعليم والتعلم، والتعليم هو تنبيهُ النفس العَلَّامة بالفعل للنفس العَلَّامة بالقوة، والتعلُّم هو تصوُّر النفس لصورة المعلوم.

واعلم يا أخي بأن النفس إنما تَنال صور المعلومات من طرقات ثلاث؛ إحداها طريقُ الحواس والأخرى طريق البرهان، والأخيرة طريقُ الفكر والروية، وقد عملنا في كل واحدة منها رسالة، فنريد أن نذكر الآن الصنائع العملية؛ فنقول:

إن الصنعة العملية هي إخراجُ الصانع العالم الصورة التي في فكره ووَضْعُها في الهيولى، والمصنوعُ هو جملةٌ مصنوعةٌ من الهيولى والصورة جميعًا، وابتداء ذلك من تأثير النفس الكلية فيها بقوة تأييد العقل الكلي بأمر الله — جَلَّ ثناؤُهُ.

واعلمْ بأن المصنوعات أربعةُ أجناس: بشريةٌ وطبيعيةٌ ونفسانيةٌ وإلهية، فالبشريةُ مثل ما يعمل الصناع من الأشكال والنقوش والأصباغ في الأجسام الطبيعية في أسواق المدن وغيرها من المواضع. والمصنوعات الطبيعية هي صور هياكل الحيوانات، وفُنُون أشكال النبات وألوان جواهر المعادن، والمصنوعات النفسانية مثل نظام مراكز الأركان الأربعة التي هي تحت فلك القمر، وهي النارُ والهواءُ والماءُ والأرضُ، ومثل تركيب الأفلاك ونظام صورة العالم بالجملة، والمصنوعاتُ الإلهيةُ هي الصور المجردةُ من الهيوليات المخترعات من مبدع المبدعات تعالى وجودًا من العدم، ليس من ليس، وشيء لا من شيء، دفعة واحدة بلا زمان ولا مكان ولا هيولى ولا صورة ولا حركة؛ لأنها كلها مبدعات الباري ومخترعاته ومصنوعاتُه — فتبارك الله أحسن الخالقين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين.

واعلمْ يا أخي بأن كل صانع من البشر محتاج في تتميم صنعته إلى ستة أشياء مختلفة وهو السابع، وإلى سبع حركات وإلى سبع جهات، فأما الأشياءُ المختلفةُ فهي الهيولى والمكان والزمان والأداة والآلة والحركة والسابع النفس، وكل صانع طبيعي فمحتاجٌ إلى أربعة منها، وهي الهيولى والمكان والزمان والحركة، وكل صانع نفساني فمحتاج إلى اثنين منها، وهما الهيولى والحركة حسب، وكل صانع عقلي فمحتاج إلى صورة واحدة فقط، وهو العقل الأول أثر من مبدع البدائع الحق، لا من شيء إلى شيء.

وأما الباري — جَلَّ ثناؤُهُ — فغيرُ محتاجٍ إلى شيء منها؛ لأنها كلها مخترعاتُهُ ومبدعاتُهُ؛ أعني: الهيولى والصورة والمكان والزمان والحركة والآلة والأدوات كلها.

(١) فصل في الصورة والهيولى والأداة

واعلم يا أخي أن الجسم الواحد يُسَمَّى تارةً هيولى وتارة موضوعًا وتارة صورة وتارة مصنوعًا وتارة آلة وتارة أداة، وإنما يسمى الجسم هيولى للصورة التي يقبلها، وهي الأشكالُ والنقوشُ والأصباغُ وما شاكلها، ويسمى موضوعًا للصانع الذي يعمل منه وفيه صنعته من الأشكال والنقوش، وإذا قبل ذلك سمي مصنوعًا، وإذا استعمله الصانعُ في صنعته أو في صنعة أخرى يسمى أداة، مثال ذلك قطعة حديد، فإنه يُقال لها هيولى لكل صورة تقبلها، ويقال لها أيضًا إنها موضوع للحداد الذي يعمل فيها صنعته، وإذا صنع الحداد منه سكينًا أو فأسًا أو منشارًا أو مبردًا أو غير ذلك سمي مصنوعًا، وإذا استعمل السكين القصاب أو غيره تسمى أداة، وهكذا الفأس وغيرها.

واعلم يا أخي أن موضوعات الصناع البشريين في صناعاتهم نوعان فقط: بسيط ومركب، فالبسيط أربعةُ أنواع، وهي النارُ والهواءُ والماءُ والأرضُ، والمركب ثلاثةُ أنواع، وهي الأجسامُ المعدنية والأجسامُ النباتية والأجسامُ الحيوانية، وهي كلها مصنوعات الطبيعة، كما أن موضوعات الطبيعة كلها مصنوعات نفسانيةٌ، وأن الموضوعات النفسانية كلها مصنوعات إلهية.

واعلمْ أن كل صانع من البشر لا بد له من أداة أو أدوات أو آلة أو آلات، يستعملُها في صنعته، والفرقُ بين الآلة والأداة: أن الآلة هي اليد والأصابع والرجل والرأس والعين، وبالجملة أعضاء الجسد. وأن الأداة ما كانت خارجةً من ذات الصانع كفأس النجار ومطرقة الحداد وإبرة الخياط وقلم الكاتب وشفرة الإسكاف وموس المزين، وما شاكل هذه من الأدوات التي يستعملُها الصناع في صنائعهم ولا تتم صناعاتُهُم إلا بها.

واعلم بأن كل صانع له في صنعته أدواتٌ مختلفةُ الأشكال والهيئات، وهذا أحد أسبابه في اختلاف أفعاله، وهو يظهر بكل واحد منها في صنعته ضروبًا من الحركات وفنونًا من الأفعال.

مثالُ ذلك النجار، فإنه بالفأس ينحت وحركته من فوق إلى أسفل وبالمنشار ينشر وحركته من قُدَّام إلى خلف وبالمثقب يثقب وحركتُهُ قوسيةٌ يمنة ويسرة وحركة مثقبه دورية، وعلى هذا القياس يوجدُ في كل صنعة لصانعها سبعُ حركات؛ واحدة دوريةٌ وستٌّ مستقيمة، وذلك بواجب الحكمة الإلهية؛ لأنه لَمَّا كانت حركاتُ الأجرام العلوية الفلكية سبعةُ أنواع؛ واحدة دورية بالقصد الأول وست عرضية كَمَا بَيَّنَّا في رسالة «السماء والعالم»؛ صارت حركات الأشخاص التي تحت فلك القمر أيضًا مماثلة لها؛ لأن تلك علل وهذه معلولات ومِن شأن المعلولات أن يوجد فيها علتُها وتأثيراتها، ومن أجل هذا قالت الحكماءُ إن الثواني من الأُمُور تحكي أوائلها كما يحكي الصبيان في لعبهم صناعةَ الآباء والأمهات والأستاذين.

واعلمْ يا أخي بأنه لا بد لكل صانع من البشر من تحريك عضو من أعضائه في صناعته أو عدة أعضاء كاليد والرجل والظهر والكتف والركبة.

وبالجملة: ما مِنْ عضو في الجسد إلا وللنفس بذلك العضو فعلٌ أو عدةُ أفعالٍ خلاف ما يكون بعضو آخرَ؛ فإن أعضاء الجسد هي آلاتٌ للنفس وأدواتٌ لها، وقد بَيَّنَّا طرفًا من ذلك في رسالة تركيب الجسد وفي رسالة الحاسِّ والمحسوس، وفي رسالة العقل والمعقول، وفي رسالة الإنسان عالم صغير.

(٢) فصل في أن موضوع الصناع نوعان

واعلم يا أخي بأنه لا بُدَّ في كل صنعةٍ من موضوع يعمل الصانع منه وفيه صنعتَه، فالموضوعُ في صناعة البشريين نوعان: روحاني وجسماني، فالروحاني هو الموضوع في الصناعة العلمية — كَمَا بَيَّنَّا في رسالة المنطق — والجسماني هو الموضوع في الصناعة العملية، وهو نوعان بسيطة ومركبة، فالبسيطة هي النار والهواء والماء والأرض، والمركبة ثلاثة أنواع، وهي الأجسامُ المعدنية والأجسامُ النباتية والأجسام الحيوانية.

فمن الصنائع ما هي الموضوع فيها الماء حسب، كصناعة الملاحين والسقائين والروائين والشرَّابين والسباحين ومَن شاكلهم، ومنها ما هي الموضوع فيها التراب حسب، كصناعة حفار الآباء والأنهار والقني والقبور والمعادن، وكل من ينقل التراب ويقلع الحجارة، ومنها ما هي الموضوع فيها النار حسب كصناعة النفاطين والوقادين والمشعلين، ومنها ما هي الموضوعُ فيها الهواء حسب كصناعة الزمارين والبواقين والنفاخين أجمع، ومنها ما هي الموضوع فيها الماء والتراب حسب كصناعة الفخارين والغضارين والقدوريين وضرابي اللبن وكل من يبل التراب، ومنها ما هي الموضوع فيها أحد الأجسام المعدنية كصناعة الحدادين والصفارين والرصاصين والزجاجيين والصواغين ومن شاكلهم.

ومنها ما هي الموضوع فيها أُصُولُ النبات من الأشجار والقضبان والأوراق كصناعة النجارين والخواصين والبوارين والحصريين والأقفاصيين ومَنْ شاكلهم، ومنها ما هي فيها لحاء النبات حسب، كصناعة الكتانين، ومن يعمل القنب والكاغد ومن شاكلهم، ومنها ما هي الموضوع فيها ورقُ الأشجار والحشائش وزهر النبات ونورها وعروقها وقشورها، ومنها ما هي الموضوعُ فيها ثمرُ الأشجار وحَبُّ النبات؛ كصناعة الدقاقين والرزازين والنوائيين والعصارين والبزارين والشيرجيين، وكل من يخرج الأدهان من ثمر الشجر وحب النبات.

ومنها ما هي الموضوع فيها الحيوان كصناعة الصيادين ورُعاة الغنم والبقر وساسة الدواب والبياطرة وأصحاب الطيور ومَنْ شاكلهم، ومنها ما هي الموضوعُ فيها أحدُ الأجسام الحيوانية من اللحم والعظم والجلد والشعر والصوف والقز؛ كصناعة القصابين والشوائين والطباخين والدباغين والأساكفة والخرازين والسيوريين والدنانين والحذائين ومن شاكلهم، ومن الصنائع ما هي الموضوعُ فيها مقاديرُ الأجسام كصناعة الوزانين والكيالين والذراعين ومَنْ شَاكَلَهم، ومن الصنائع ما هي الموضوع فيها قيمة الأشياء كصناعة الصيارفة والدلالين والمقومين ومن شاكلهم.

ومن الصنائع ما هي الموضوعُ فيها أجسادُ الناس؛ كصناعة الطب والمزينين ومَنْ شاكلهم، ومن الصنائع ما هي الموضوع فيها نفوس الناس؛ كصناعة المعلمين أجمع، وهي نوعان: عملية وعلمية، فالعلمية مثل ما ذكرنا في رسالة أجناس العلوم وأنواعها، مما قد شرحناه في إحدى وخمسين رسالة من رسائلنا والعملية مثل ما ذكرنا في ما تقدم.

(٣) فصل في الحاجة إلى الآلات والأدوات

واعلم يا أخي أن من الصناع مَنْ يحتاج في صنعته إلى استعمالِ عضوٍ مِنْ جسده أو عضوين، وأداة من خارج أو أدوات كثيرة كالحراث والبناء والدباغ والحائك وأمثالهم، فإن كل واحد منهم يحتاج إلى أدوات من خارج وتحريك يديه ورجليه في صناعته، ومن الصنائع ما لا يحتاج فيها إلى أدوات من خارج، بل يكفيه عضو من جسده كالخطيب والشاعر والقاضي والقارئ ومَنْ شاكلهم، فإن كل واحد منهم يكفيه لسانُهُ حسب.

وكذلك الناطور والديدبان وأصحاب المراتب يكفيهم في صناعتهم العينان حسب، ومنهم مَنْ يستعملُ في صنعته عضوين كالحاكي والنائحة باليد واللسان، ومنهم مَنْ يحتاج إلى استعمال جسده كله كالرقاص والسابح، ومِنَ الصناع مَنْ يحتاج في صنعته إلى المشي كالساعي والماسح، ومنهم مَنْ يحتاجُ إلى القُعُود دائمًا كالرفاء والنداف.

ومن الصناع مَنْ لا يحتاج في صناعته إلا إلى أداة واحدة كالبوَّاق والزمار والدفاف، ومنهم من يحتاج إلى أداتين كالخياط والكاتب؛ فإن الخياط يكفيه في صنعته الإبرةُ والمقص، والكاتب يكفيه القلم والدواة، وأما استعمالُ الكاتب السكينَ فليس من صناعة الكتابة، ولكن من صناعة النجارة.

ومن الصناع من يحتاج إلى القيام دائمًا في صناعته كالحلاج ودقاق الأرز والذي يدير الدولاب برجليه.

(٤) فصل في أَنَّ النار من الأدوات المفيدة في الصناعة

واعلم يا أخي بأن أكثر الصنائع لا بد من استعمال النار فيها، وكل صانع استعمل النار في صناعته فَلأحد أسبابٍ ثلاثة، إما في موضوعه كالحدادين والصفارين والزجاجين، ومن يطبخ الجص والنورة وأمثالهم وغرضهم هو تليين الهيولى لقبول الصورة والأشكال، وذلك أنه لَمَّا كانت موضوعاتُهُم أحجارًا صلبة لا تقبل الصورة والأشكال إلا بعد تليين بالنار، فإذا لانتْ أَمْكَنَ الصانعَ أن يصنع الصنعة التي في فِكره، فتصيرُ الهيولى بعد قبولها تلك الصورة مصنوعة.

ومن الصناع من يستعمل النار كالجرارين والقدوريين والغضارين ومن يطبخ الآجر، وغرضهم في ذلك تقييدُ الصورة في الهيولى وثباتها فيها؛ لئلا تنسلَّ منها الصورةُ بالعجلة؛ لأن مِنْ شأن الهيولى دفع الصورة عن ذاتها ورجوعها إلى حالها الأول جوهرًا بسيطًا لا تركيب فيه ولا كمية ولا كيفية.

ومن الصناع من يستعمل النار في موضوعه ومصنوعه كالطباخين والشوائين والخبازين وأمثالهم، وغرضهم تتميمها وتنضيجها ليتم الانتفاع بها.

(٥) فصل في مراتب الصناعات

واعلم يا أخي بأن من هذه الصنائع ما هي بالقصد الأول دعت الضرورة إليها، ومنها ما هي تابعةٌ لها وخادمة، ومنها ما هي متممةٌ لها ومكملة، ومن الصنائع ما هي جمالٌ وزينة، فأما التي بالقصد الأول فثلاثة، وهي الحراثةُ والحياكة والبناء، وأما سائرها فتابعة وخادمةٌ ومتممة؛ وذلك أن الإنسان لما خلق رقيق الجلد عريانًا من الشعر والصوف والوبر والصدف والريش، وما هو موجود لسائر الحيوان دعته الضرورة إلى اتخاذ اللباس بصناعة الحياكة، ولما كانت الحياكةُ لا تتم إلا بصناعة الغزل وصناعة الغزل لا تتم إلا بصناعة الحلج؛ فصارت هذه الثلاثةُ تابعةً لها وخادمة.

وأيضًا لما كان اللباس لا يتم إلا بالحياكة حسب صارتْ صناعةُ الخياطة والقصارة والرفو والطرز متممةً لها ومكملة، وأيضًا لَمَّا خُلِقَ الإنسانُ محتاجًا إلى القوت والغذاء، والقوت والغذاء لا يكونان إلا من حب النبات وثمر الشجر دَعَتِ الضرورة إلى صناعة الحراثة والغرس، ولما كانت صناعة الحراثة والغرس محتاجة إلى إثارة الأرض وحفر الأنهار، ولا يتم هذا إلا بالمساحي والفدن وما شاكلها، والمساحي والفدن لا تكون إلا بصناعة النجارة والحدادة؛ دَعَتِ الضرورةُ إلى اتخاذهما، وصناعة الحديد محتاجةٌ إلى صناعة المعدن وإلى صنائعَ أُخرى، فصارت كلها تابعةً وخادمةً لصناعة الحراثة والغرس.

وَلَمَّا كان حَبُّ الزرع وثمر الشجر يحتاج إلى الدق والطحن؛ دعت الضرورة إلى اتخاذ صناعة الطحن والعصر، ولَمَّا كان الطحنُ لا يتم الغذاءُ به إلا بعد الخبز دعت الضرورة إلى صناعة الخبز والطبخ، وكل واحدٍ منهما محتاجٌ إلى صناعةٍ أُخرى متممة له وخادمة، وأيضًا لَمَّا كان الإنسانُ محتاجًا إلى ما يكنه من الحر والبرد، والتحرز من السباع وتحصين القوت؛ دَعَتْهُ الضرورةُ إلى صناعة البناء، وصناعة البناء محتاجةٌ أيضًا إلى صناعة النجارة والحدادة، وكل واحدةٍ منهما محتاجةٌ إلى صناعة أُخرى معينة أو متممة بعضها لبعض.

وأما صناعة الزينة والجمال فهي كصناعة الديباج والحرير وصناعة العطر وما شاكلها، والصنائعُ كُلُّها الحذق فيها هو تحصيلُ الصور في الهيولى وتتميمها وتكميلها؛ لينال الانتفاع بها في الحياة الدنيا حسب.

واعلم يا أخي أن الناس كلهم صناع وتجار أغنياء وفقراء، فالصناع هم الذين يعملون بأبدانهم وأدواتهم في مصنوعاتهم الصور والنقوش والأصباغ والأشكال، وغرضهم طلب العوض عن مصنوعاتهم لصلاح معيشة الحياة الدنيا، والتجارُ هم الذين يتبايعون بالأخذ والإعطاء، وغرضهم طلب الزيادة فيما يأخذونه على ما يعطون، والأغنياء هم الذين يملكون هذه الأجسام المصنوعة الطبيعية والصناعية، وغرضهم في جمعها وحفظها مخافة الفقر، والفقراء هم المحتاجون إليها وطلبهم الغنى.

واعلم أن الغرض في كون الناس أكثرهم فقراء، وخوف الأغنياء من الفقر؛ هو الحث لهم على الاجتهاد في اتخاذ الصنائع والثبوت فيها والتجارات، والغرض فيها جميعًا هو إصلاحُ الحاجات وإيصالها إلى المحتاجين، والغرضُ في ذلك متاعٌ لهم إلى حين، والغرضُ في تمتُّعهم إلى حين هو أن تتمم النفس بالمعارف الحقيقية والأخلاق الجميلة والآراء الصحيحة والأعمال الزكية، والغرض في تتميم النفس التمكين لها من الصعود إلى ملكوت السماء، والغرضُ في صعودها إلى ملكوت السماء هو النجاةُ مِنْ بحر الهيولى وأَسْرِ الطبيعة والخروج من هاوية عالم الكون والفساد إلى فُسحة عالم الأرواح والمكث هناك فرحًا مسرورًا ملتذًّا مخلدًا أبدًا.

(٦) فصل في أن كل صناعة تحتاج إلى الفكر والتعقُّل

واعلم يا أخي أنا إنما ذكرنا هذه الصنائعَ والمهن ونَسَبْنَا هذه الرسالة إلى رسائل العقل والمعقول؛ لأن هذه الصنائع يعملُها الإنسانُ بعقله وتمييزه ورَوِيَّتِهِ وفكرته التي كلها قُوًى روحانية عقلية، وأيضًا إن كل عاقل إذا فَكَّرَ في هذه الصنائع والأفعال التي تظهر على أيدي البشر، فيعلم أن مع هذا الجسد جوهرًا آخر هو مظهر هذه الأفعال المحكمة، وهذه الصنائعُ المتقنة من هذا الجسد؛ لأن الجسد قد يوجد بعد الممات برمته تامًّا لم ينقص منه شيء، وقد فقدت منه هذه كلها، فيعلم أن معه جوهرًا آخر فارقه، فمِنْ أجل ذلك فقدت هذه الفضائلُ كُلُّها؛ لأنه هو الذي يحرك هذا الجسد وينقله من موضع إلى موضع في الجهات الست.

وكان يحرك أيضًا بتوسطه أشياء خارجة من ذاته، وكان أيضًا يحمل معه حملًا على ظهره وكتفه، فلما فارقه احتاج هذا الجسد إلى أربعة نفر يحملونه على لوح مطروحًا عليه لا يطيق قيامًا ولا قعودًا ولا حركة ولا يحس بوجوده ولا ما يفعل به من غسل ودفن.

وقد زعم كثير من أهل العلم ممن ليست له خبرة بأمر النفس ولا معرفة بجوهرها؛ أن هذه الصنائع المحكمة والأفعال المتقنة التي تظهر على أيدي البشر الفاعل لها هو هذا الجسد المؤلف من اللحم والدم والشحم والعظام والعصب بأعراض تحله مثل الحياة والقدرة والعلم وما شاكلها، ولم يعرفوا أن هذه الأعراض ليس حلولها في الجسم، وإنما هي أعراضٌ نفسانيةٌ تحل جوهر النفس، وذلك أن الإنسان لما كان مجموعًا من جسم ميت ونفس حية، وجدت هذه الأعراض في حال حياته وفقدت في حال مماته وليست الحياة شيئًا سوى استعمال النفس الجسد، ولا الممات شيئًا سوى تركها استعماله، كما أنه ليست اليقظة سوى استعمالها الحواس الخمس ولا النوم شيئًا سوى تركها استعمالها.

(٧) فصل في شرف الصنائع

اعلمْ يا أخي بأن الصنائع يتفاضل بعضها على بعض من عدة وجوه؛ إحداها من جهة الهيولى التي هي الموضوع فيها، ومنها من جهة مصنوعاتها، ومنها من جهة الحاجة الضرورية الداعية إلى اتخاذها، ومنها من جهة منفعةِ العموم، ومنها من جهة الصناعة نفسها. فأما التي شرفها من جهة الحاجة الضرورية إليها فهي ثلاثةُ أجناس، وهي: الحياكةُ والحراثة والبناء كما ذكرنا قبل. وأما التي شرفها من جهة الهيولى الموضوع فيها فمثل صناعة الصاغة والعطارين وما شاكلها. وأما التي من جهة مصنوعاتها فمثل صناعة الذين يعملون آلات الرصد، مثل الأسطرلاب وذوات الحلق والأكر الممثلة بصورة الأفلاك وما شاكلها؛ فإن قطعة من الصفر قيمتها خمسة دراهم إذا عمل منها أسطرلاب يساوي مائة درهم، فإن تلك القيمة ليست للهيولى، ولكن لتلك الصورة التي جعلت فيها.

وأما الذهب والفضة اللذان هما الهيولى الموضوع في صناعة الصواغين أو الضرابين إذا ضرب منهما دراهم ودنانير أو صياغة ما، فليس مبلغ تفاوُت القيمة ما بين الموضوع والمصنوع مثل ما يبلغ في صناعة أسطرلاب وغيرها.

وأما التي شرفها من جهة النفع منها للعموم فهي مثل صناعة الحمامين والسمادين والكناسين وغيرهم، وذلك أَنَّ الحمام المنفعة منه للصغير والكبير والشريف والوضيع والمدني والغريب والقريب والبعيد كلهم بالسوية لا يتفاضلون في الانتفاع به.

وأما أكثرُ الصنائع فأهلُها متفاوتون في منافعها كاختلافهم في الملبوسات والمأكولات والمشروبات والمسكونات وأمثالها من الأمتعة المصنوعة، حال الغني فيها خلاف حال الفقير إلا الحمام المزين وأمثالهما، وأما صناعة السمادين والزبالين فإن الضرر في تركها عظيم عامٌّ على أهل المدينة؛ وذلك أن العطارين الذين الموضوع في صناعاتهم مضاد للموضوع في صناعة السمادين لو أنهم أغلقوا دكاكينهم وأسواقهم شهرًا واحدًا لم يلحق من ذلك من الضرر لأهل المدينة مثل ما يلحق من الضرر من ترك السمادين صناعاتهم أسبوعًا واحدًا؛ فإن المدينة تمتلئُ من السماد والسرقين والجيف والقاذورات وما يَتَنَغَّصُ عيشُ أهلها من أجله.

وأما التي شرفُها من الصناعة نفسها فهي مثل صناعة المشعبذين والمصورين والموسيقيين وأمثالهم، وذلك أن الشعبذة ليست شيئًا سوى سرعة الحركة وإخفاء الأسباب التي يعملها الصانع فيها حتى إنه مع ضحك السفهاء منها يتعجب العقلاء أيضًا من حذق صانعها. وأما صناعة المصورين فليست شيئًا سوى محاكاتهم صور الموجودات المصنوعات الطبيعية أو البشرية أو النفسانية، حتى إنه يبلغ من حذقهم فيها أن تصرف أبصار الناظرين إليها عن النظر إلى الموجودات أنفسها بالتعجب من حُسنها ورونق منظرها، ويبلغ أيضًا التفاوُتُ بين صناعها تفاوتًا بعيدًا، فإنه يُحكى أن رجلًا في بعض المواضع عمل صورًا وتماثيلَ مصورة بأصباغ صافية وألوان حسنة براقة، وكان الناظرون إليها يتعجبون مِنْ حُسنها ورونقها، ولكن كان في الصنعة نقصٌ حتى مَرَّ بها صانع فارهٌ حاذقٌ، فتأملها فاستزرى بها وأخذ فحمة من الطريق ومثل بجانب تلك التصاوير صورة رجل زنجي كأنه يشير بيديه إلى الناظرين، فانصرفت أبصارُ الناظرين بعد ذلك عن النظر إلى تلك التصاوير والأصباغ بالنظر إليه والتعجب من عجيب صنعته وحسن إشارته وهيئة حركته.

وأما شرف صناعة الموسيقى فمِن وجهين اثنين: أحدهما من جهة الصناعة نفسها، والآخر من جهة تأثيراتها في النفوس، وأيضًا من جهة تفاوُت ما بين صُنَّاعها؛ وذلك أن الواحد منهم يضرب لحنًا فيطربُ بعض المستمعين وآخرُ يضرب لحنًا فيطرب كل المستمعين، وقد يُحكى أن جماعة من أهل هذه الصناعة كانوا مجتمعين في دعوة رجل كبير رئيس؛ إذ دخل عليهم إنسانٌ رثُّ الحال عليه ثيابُ النساك، فرفعه صاحبُ المجلس عليهم كلهم، فتبين الإنكارُ في وجوههم فأراد أن يبين فضله، فسأله أن يسمعهم شيئًا من صنعته، فأخرج خشبات وركبها تركيبًا ومد عليها أوتارًا كانت معه وحركها تحريكًا، فأضحك كل من كان في المجلس من اللذة والفرح، ثم قلب وحرك تحريكًا آخر، فأبكى كل من كان في المجلس من الحزن ورقة القلب، ثم قلب وحرك تحريكًا فنوم كل من كان في المجلس، وقام وخرج فلم يُعرف له خبر!

واعلم يا أخي بأن الحذق في كل صنعة هو التشبه بالصانع الحكيم الذي هو الباري — جَلَّ ثناؤُهُ — ويقال إن الله تعالى يُحب الصانع الفاره الحاذق، وروي عن النبي أنه قال: إن الله تعالى يحب الصانع المتقن في صنعته، ومِنْ أجل هذا قيل في حد الفلسفة إنها التشبُّه بالإله بحسب طاقة الإنسان، وإنما أردنا بالتشبُّه التشبهَ في العلوم والصنائع وإفاضة الخير؛ وذلك أن الباري — جَلَّ ثناؤُهُ — أعلم العلماء وأحكم الحكماء وأصنع الصناع وأفضل الأخيار، فكل من زاد في هذه الأشياء درجة ازداد من الله قربة، كما ذكر الله سبحانه في وصف الملائكة الذين هم خالص عباده؛ فقال: يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ.

واعلم يا أخي أن الوسيلة لا تكون إلا بعمل أو علم أو عبادة؛ لأن العباد لا يملكون شيئًا سوى سعيهم كما ذكر الله — عز وجل — فقال: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى.

(٨) فصل في قابلية الإنسان الصنعة

واعلمْ أَنَّ قبول الصبيان تَعَلُّم الصنائع يختلف بحسب طباعهم المختلفة واختلاف طباعهم بحسب مواليدهم، وَقَدْ شَرَحْنَا ذلك في رسالة تأثيرات النجوم في المواليد، ولكن نُريد أن نذكر ها هنا من ذلك طرفًا، فاعلمْ أن من الناس مَنْ هو مطبوعٌ على تَعَلُّم صناعة واحدة أو عدة صنائع بسهولة في قبولها حتى إن كثيرًا من الناس من يتعلم صناعة بجودة قريحته، إذا رأى أهل تلك الصناعة في أعمالهم بأدنى تأمل كأنه قد وقف عليها، ومنهم من يحتاج إلى توقيف شديد وحث دائم وترغيب، وربما لا يفلح فيها إذا لم يكن فيها موافقًا للطبيعة، وما أوجبه له مولده، ومن الناس من لا يتعلم الصناعة البتة، ويكون فارغًا خلوًا منها جميعًا، والسبب في ذلك أن الصناعة لا تأتي للمولود إلا بدلالة كوكب متول لبرج العاشر من طالعه؛ وذلك أنه إذا استولى عليه من أحد الكواكب الثلاثة واحدٌ فلا بد من صنعة يتعلمها، وهي المريخ والزهرة وعطارد؛ وذلك أن كل صنعة فلا بد لها من حركة ونشاط وحذق، فالحركةُ للمريخ والنشاط للزهرة والحذق لعطارد.

وأربعة منها إذا انفرد أحدُها بالدلة فلا يعطي الصنعة ولكن يدل على ما يشاكله من الأعمال، وهي الشمس وزحل والمشتري والقمر؛ وذلك أن من استولى عليه في مولده على الدرجة العاشرة الشمس، فهو لا يتعلم الصناعة لكبر نفسه مثل أولاد الملوك، وأما من استولى عليه المشتري فهو لا يتعلم ولا يعمل لزهده وورعه ورضاه بقليل من أُمُور الدنيا وإقباله على طلب الآخرة مثل الأنبياء — عليهم السلام — ومن يقتدي بهم.

وأما من استولى عليه زحل فإنه لا يعمل ولا يتعلم لكسله وثقل طبيعته عن الحركة ويرضى بالذل والهوان في طلب معاشه كالمكدين والسؤال، وأما مَنْ استولى عليه القمرُ فإنه لا يعمل مِنْ أجل مهانته واسترخاء طبيعته وقلة فهمه مثل النساء وأمثالهن من الرجال.

ومن أجل هذا كان اليونانيون الذين كانوا في قديم الزمان إذا أرادوا تسليم الصبي إلى صناعة من الصنائع اختاروا له يومًا من الأيام وأدخلوه إلى هيكل الصنائع وصور سائر الكواكب وقربوا قربانًا لصنم ذلك الكوكب الذي دل على صناعته وسلموه إلى تلك الصناعة بعد ما عرفوا ذلك من مولده، وإن لم يكونوا عرفوه من مولده عرضوا عليه الصنائع المصورة في ذلك الهيكل، فإن رغب في واحدة منها بعد توقيفهم له على أحوال تلك الصنعة سلموه إليها.

واعلم يا أخي بأن صناعة الآباء والأجداد أنجع في الأولاد من صناعة الغرباء، وخاصة من دل مولده عليها، ويكونون فيها أحذق وأنجب. ومن أجل هذا أوجبوا في سياسة أزدشير بن بابكان على أهل كل طبقة من الناس لُزُوم صناعة آبائهم وأجدادهم قطعًا وأن لا يتجاوزوها، وزعموا أن ذلك فرض من الله — عز وجل — في كتاب زرادشت.

واعلم بأن هذا كله صيانةٌ للملك أن لا يرغب فيه من ليس من أهله؛ لأنه إذا كثر الطالبون للملك كثر التنازُعُ بينهم، وإذا كثر التنازُعُ كثر الشغب، واضطربت الأُمُور، وانفسد النظامُ، وفساد النظام يتبعه البوار والبطلان.

(٩) فصل في الغرض من الملك

واعلمْ بأن الغرض من الملك هو حفظُ الناموس على أهله أَنْ لا يندرس بتركهم القيام بموجباته؛ لأن أكثر أهل الشرائع النبوية والفلسفية لولا خوف السلطان لَتَرَكُوا الدخولَ تحت أحكام الناموس وحدوده وتأدية فرائضه واتباع سنته واجتناب محارمه واتباع أوامره ونواهيه.

واعلمْ بأن الغرض من حفظ الناموس هو طلبُ صلاح الدين والدنيا جميعًا، فمتى ترك القيام بواجباته انفسدا جميعًا وبطلت الحكمةُ، ولكن السياسة الإلهية والعناية الربانية لا تتركهما ينفسدان؛ لأنها هي العلة الموجبة لوجودهما وبقائهما ونظامهما وتمامهما وكمالهما، وكل صورة في المصنوع فإنها أولًا تكون في فكر الصانع وعلمه.

(١٠) فصل في أَنَّ الجسم لا يتحرك مِنْ ذاته

واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن موضوعات الصناع ومصنوعاتهم وآلاتهم وأدواتهم وأجسادهم كلها أجسام، والجسم من حيث الجسمية ليس بمتحرك والأفعال لا تكون إلا بالحركة، فالمحرك للأجسام جوهرٌ آخرُ وهو الذي نسميه نفسًا، والنفوس من حيث النفسية جوهر واحد، كما أن الأجسام من حيث الجسمية جوهرٌ واحد، وإنما تختلف النفوس بحسب اختلاف قواها واختلاف قواها بحسب اختلاف أفعالها ومعارفها وأخلاقها، كما أن اختلافَ الأجسام بحسب اختلاف أشكالها، واختلاف أشكالها بحسب اختلاف أعراضها.

واعلم بأن نفس العالم نفس واحدة، كما أن جسمه جسم واحد بجميع أفلاكه وكواكبه وأركانه ومولداته، ولكن لما كانت لنفس العالم أفعال كلية بقوًى كلية، وأفعال جنسية بقوًى جنسية، وأفعال نوعية بقوًى نوعية، وأفعال شخصية بقوًى شخصية، وهي حركتها من المشرق إلى المغرب وبالعكس، ومن الشمال إلى الجنوب وبالعكس، ومن فوق إلى أسفل وبالعكس؛ سميت هذه القوى بأفعالها نفوسًا جنسية ونوعية وشخصية، فتكثرت النفوس بحسب قواها المختلفة، وتكثرت قواها بحسب أفعالها المفتنة، كما تكثر جسم العالم بحسب اختلاف أشكاله، وتكثر أشكاله بحسب اختلاف أعراضه، فأفعالُ نفس العالم الكلية هي إدارتها الأفلاك والكواكب من المشرق إلى المغرب بالقصد الأول وتسكينها مركزها الخاص بها، وأفعالها الجنسية ما يختص بكل فلك وكل كوكب من الحركات الست العارضة، كما بينا في رسالة السماء والعالم، وما يختص أيضًا بالأركان الأربعة التي تحت فلك القمر من الحركات الطبيعية، كَمَا بَيَّنَّا في رسالة الكون والفساد.

وأفعالها النوعية ما يختص بالكائنات المولدات التي هي الحيوان والنبات والمعادن وأفعالها الشخصية التي تظهر من أشخاص الحيوانات وما يجري على أيدي البشر من الصنائع التي تَقَدَّمَ ذكرها.

واعلم يا أخي بأن النفس جوهرةٌ روحانيةٌ حيةٌ بذاتها، فإذا قارنت جسمًا من الأجسام صَيَّرَتْه حيًّا مثلها، كما أن النار جوهرةٌ جسمانيةٌ حارةٌ بذاتها، فإذا جاورتْ جسمًا من الأجسام صَيَّرَتْه حارًّا مثلها، واعلم بأن للنفس قوتين اثنتين؛ إحداهما علامة والأخرى فعالة، فهي بقوتها العلامة تنزع رسوم المعلومات من هيولاها وتصورها في ذاتها، فتكون ذات جواهرها لتلك الرسوم كالهيولى، وهي فيها كالصورة وبقوتها الفعالة تخرج الصور التي في فكرها، وتنقشها في الهيولى الجسماني، فيكونُ الجسمُ عند ذلك مصنوعًا لها، وكل متعلم علمًا فإن صورة المعلوم في نفسه بالقوة، فإذا تعلمها صارت فيها بالفعل.

وهكذا كل متعلم صنعة فإن صور المصنوعات في نفسه بالقوة، فإذا تَعَلَّمَها صارتْ فيها بالفعل، والتعلم ليس شيئًا سوى الطريق من القوة إلى الفعل، والتعليم ليس شيئًا سوى الدلالة على الطريق.

والأستاذون هم الأدلاء وتعليمهم هو الدلالة، والتعلم هو الطريق، والمعلوم هو المطلوب المدلول عليه، فنفوس الصبيان علامة بالقوة، ونفوس الأستاذين علامة بالفعل، وكل نفس علامة بالقوة لا بد لها من نفس علامة بالفعل تخرجها من القوة إلى الفعل.

واعلم يا أخي بأن كل صانع من البشر لا بد له من أستاذ يتعلم منه صنعته أو علمه، وذلك الأستاذ من أستاذ له قبل، وهكذا حتى ينتهي إلى واحدٍ ليس علمُهُ من أحد من البشر، فيكونُ عند ذلك أحد الأمرين، إما أن نقول: إنه استخرجه بقوة نفسه وفكره ورويته واجتهاده — كما يزعم المتفلسفون — وإما أن نقول: إنه أخذه عن موقفٍ له ليس من البشر كما يقول الأنبياء — صلواتُ الله عليهم.

واعلم يا أخي علمًا يقينًا أنه ليس من البشر أحدٌ يحيطُ بعلمٍ من العلوم لا الأنبياء ولا الفلاسفة ولا غيرهم إلا بما شاء الذي وَسِعَ كرسيُّهُ السماواتُ والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم؛ وذلك أن الذين زعموا أنهم استخرجوا العلوم والصنائع بقوة عقولهم وجَوْدَةِ فكرهم ورويتهم لولا أنهم رأوا وشاهدوا مصنوعات الطبيعة، فاعتبروها وقاسوا عليها، وكان ذلك لهم كالتعليم من الطبيعة؛ لَمَا اهتدَوا إلى شيء منها، والطبيعة أيضًا لولا أنها مؤيدة بالنفس الكلية، والنفس الكلية لولا إنها مؤيدة بالعقل الكلي الذي هو أول الموجودات من الباري سبحانه، والباري سبحانه هو المؤيد للكل كيف شاء الذي هو صانع الأسباب، والمؤيد لِلُبِّ ذوي الألباب.

وإذ قد فرغنا مِنْ ذِكْرِ الصنائع البشرية وموضوعاتها وأغراضها وشرفها ومنافعها؛ فقد بَيَّنَّا أَنَّ خير صناعة تبلغ إليها طاقةُ البشر وضع الناموس الإلهي، وقد ذَكَرْنَا كيفيتها وشرائطها في رسالة الناموس الإلهي، فاجتهدْ يا أخي في معرفة أسراره؛ لعل نفسك تنتبه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة وتحيا بروح المعارف العقلية، فتعيش بعيش العلماء الربانيين وتنال نعيمَ عالم الروحانيين في جوار الملائكة المقربين مخلدًا أبد الآبدين، فإن لم يستوِ لك ذلك فكن خادمًا في الناموس بحفظ أحكامه والقيام بحدوده، فلعلك تنجو بشفاعة أهله من بحر الهيولى وأسر الطبيعة وهاوية عالم الجسام بالكون والفساد ذوي الآلام، وفقك الله وإيانا أيها الأخ للرشاد وجميع إخواننا حيث كانوا في البلاد، إنه كريمٌ جواد، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠