النبي محمد

جاء في إحدى المجلات الروسية١ تحت هذا العنوان ما يأتي بالحرف الواحد:

في شبه جزيرة العرب المجاورة لفلسطين؛ حيث كان الناس يدينون بالديانتين المسيحية واليهودية — ظهرت ديانة عظيمة أساسها الاعتراف بوحدة الله، وهذه الديانة تعرف بالمحمدية، أو كما يسميها أتباعها: الإسلام، وقد انتشرت هذه الديانة انتشارًا سريعًا بين قبائل متعددة، وأمم كثيرة؛ حتى بلغ عدد منتحليها في هذا العصر نحو مائتي مليون نفس.

مضى على ظهور الديانة الإسلامية ١٣٣٠ عامًا، أو بعد ظهور الديانة المسيحية بنحو ٦٠٠ سنة، ومؤسس هذا الدين هو العربي محمد.

كان العرب — أقرباء اليهود باللغة والجنس — قبل ظهور الرسول وثنيين يعبدون آلهة متعددة، وأرواحًا صالحة وشريرة، وكانت تقسم إلى قسمين: عائلية، ووطنية؛ فكان كثير من العائلات تصنع لها صنمًا خاصًّا تعبده، وكان في كل قبيلة صنم عام تسجد له برمتها، ولكن العرب عمومًا كانوا يعتقدون بوجود إله يعتبرونه أبًا لهذه الأرباب ويسمونه «الله العلي العظيم».

وكانت اعتقادات العرب الدينية مملوءة بالخرافات، وديانتهم مبنية على القسوة والانتقام والتعادي.

ولقد انقسمت بلاد العرب إلى ثلاث مقاطعات؛ وهي: اليمن ذات التربة الخصبة؛ ويعمل أهلها بالزراعة وتربية المواشي، ثم نَجْد؛ ويسكنها قومٌ رُحَّل يتوفرون على تربية الماشية والغزو والنهب، ثم الحجاز؛ أهلها أرباب تجارة مع مصر وسوريا والجهات الأخرى، وعاصمة هذه الجهة مكة؛ وهي المدينة المقدسة عند جميع القبائل العربية، ولكل قبيلة فيها أصنام خاصة بها، وفيها الكعبة؛ المعبد العظيم الذي يحفظ فيه الحجر الأسود الذي تقول تقاليد العرب بشأنه: إن الله سبحانه وتعالى أنزله على إبراهيم جد العرب؛ لأنهم يعتقدون أنهم من نسل إسماعيل ابن هاجر.

وكان العرب يزورون مكة في كل عام، وحتى يأمنوا على نفوسهم من القتل والسلب في خلال هذه الزيارة عينوا أربعة أشهر في العام، حرموا في أثنائها سفك الدماء، والغزو، والسرقة.

ولما وحد النبي محمد قبائل العرب وأنار أفكارهم وأبصارهم بمعرفة الإله الواحد هذب أخلاقهم، ولين طباعهم وقلوبهم، وأصلح عاداتهم البربرية الهمجية، وجعلهم أمة مستعدة للرقي والتقدم.

كان العرب قبل ظهور النبي محمد يقدمون لآلهتهم الذبائح البشرية من أسرى الحرب ومن أولادهم؛ فيئدون بناتهم، ويقتلون عدوهم، وعلى الجملة؛ فقد كانت أخلاقهم مبنية على القساوة، والانتقام، وسفك الدماء، وقد قضى النبي محمد على ذلك جميعه، ونادى بعبادة الخالق — سبحانه وتعالى — وساوى جميع العرب أمام الله، وحرم الانتقام، ومنع سفك الدماء، وهذه الأعمال العظيمة التي قام بها محمد تدل على أنه من المصلحين العظام، وعلى أن في نفسه قوة فوق قوة البشر.

ولد النبي محمد عام ٥٧١ من أبوين فقيرين، وقد توفي والده قبل ولادته بشهرين، وتوفيت والدته في العام السادس من عمره؛ فكفله أولًا جده، ثم عمه الذي كان يصحبه معه في سفراته التجارية.

وكان النبي محمد في حداثته يخدم أعمامه؛ فيرعى ماشيتهم، ويقود جمالهم.

ولما بلغ العام العشرين دخل في خدمة قريبته الأرملة خديجة من ذوات الثروة الواسعة بصفة وكيل لها، وبعد مرور سنة قضاها في خدمتها تزوجها؛ مع أنها كانت أكبر منه بعشرين عامًا، وقيل: بخمسة عشر.

كان محمد ذا فكر نير وبصيرة وقادة، واشتهر بدماثة الأخلاق، ولين العريكة والتواضع، وحسن المعاملة للناس، واشتهر بميله للأبحاث الدينية؛ حتى إنه كان يناقش اليهود والنصارى، ومن هذه المناقشات عرف أشياء عن موسى والمسيح، وعرف بعض الشيء من تعاليم التوراة والإنجيل، وعرف أنه يوجد إله عظيم لم تصنعه الأيدي البشرية.٢

مضت على محمد أربعون سنة قضاها بسلام وطمأنينة، وكان جميع أقاربه يحبونه محبة شديدة، وأهل مدينته يحترمونه احترامًا عظيمًا؛ لما هو عليه من المبادئ القويمة، والأخلاق الكريمة، وشرف النفس والنزاهة، وكانت ثروة زوجته تكفيه مؤونة الكدح للمعاش؛ فعاش رخاءً وهناءً، ولكن من جهة أخرى كانت في نفسه عواطف دينية قوية تدفعه إلى القيام بعمل عظيم؛ ألا وهو إخراج أمته ومواطنيه من دياجير الجهل وظلمات الخرافات الدينية.

وصل الاعتقاد الديني بمحمد إلى الاعتراف بأن موسى وعيسى من أنبياء الله، ولكنه لم ترقه بعض عقائد الديانتين: المسيحية، واليهودية.

ولطالما انقطع محمد في حداثته إلى الجبال المجاورة لمكة؛ حيث يقيم شهرًا متعبدًا، وكان شعوره الديني يزداد عامًا فعامًا، أيقن في النهاية أن أرباب أمته لا شعور لها ولا قوة، وأن الإله الحقيقي واحد؛ وهو الله منشئ الكائنات ومدبرها بقوته غير المحدودة؛ ففي سنة من سنوات اعتزاله، تواترت عليه ذات يوم الأفكار الدينية، وبعد ذلك اضطربت لها نفسه اضطرابًا شديدًا، فدخل مغارة، ونام فيها، وفي خلال نومه رأى رؤيا، دعاه في خلالها هاتف ليكون نبيًّا يدعو أمته لمعرفة الإله الواحد، ولما استيقظ من نومه عاد إلى منزله مضطربًا، وبعد عدة أسابيع رأى رؤيا أخرى دعاه فيها صوت ذلك الهاتف ليكون نبيًّا لأمته، فعزم بعد هذه الرؤيا بدون تردد على دعوة أمته إلى معرفة الحق، وصمم العزم على تطهير البلاد من الأصنام.

ومن أراد أن يحكم على الدين الإسلامي ومبادئه وروح تعاليمه؛ فليطالع الآيات الآتية التي اقتطفناها من القرآن؛ وهي:
  • إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.٣
  • كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.٤
  • لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ.٥
  • إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ ۗ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.٦
  • لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ.٧
  • فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.٨
  • لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ.٩
  • كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.١٠
  • قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.١١
  • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.١٢
  • لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ.١٣
  • وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا.١٤
  • وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا.١٥
  • الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.١٦
  • إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.١٧
  • يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.١٨
  • إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ.١٩
  • قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.٢٠
  • كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.٢١
  • الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.٢٢
  • اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.٢٣
  • قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.٢٤
  • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.٢٥
  • يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ.٢٦
  • وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ * أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ.٢٧

وقد صدقت عائلة النبي محمد برسالته، وكذلك علي وزيد، وانضم إليه أبو بكر الذي غدا من أكبر أنصاره، وأكد أكثر مؤرخي العرب أن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وأن خديجة أول من أسلمت من النساء.

وقد أراد النبي محمد في بدء رسالته أن يسير على عادات قبيلته فدعا كبار عشيرته، وأعلنهم برسالته، فلما سمعوا منه مقالته استكبروا منه ذلك، وأخذ الغضب منهم مأخذًا عظيمًا؛ لأنهم انتظروا أن يسمعوا منه كلامًا عن تجارة أو غزوة، وقال له أبو لهب أحد أعمامه بلهجة الغضب: ألهذا دعوتنا؟! فاختنق واصمت، ثم تفرقوا صاخبين هازئين.

ثم أخذ النبي محمد يجاهر برسالته؛ فعاب دين قبيلته، وسفه أحلامها، وسب آلهتها، فأساء بذلك إلى أشراف القبيلة، ورأوا في رسالته خطرًا على البلاد وأهلها، ولكن لم يجسر أحد منهم أن يقاومه؛ خيفة من وقوع النزاع والشقاق، وفي سني رسالته الأولى لم يصدق بنبوته إلا ٤٣ شخصًا؛ أكثرهم من الفقراء والعبيد الذين سامهم مواليهم صنوف الاضطهاد والهوان، فأخذ إذ ذاك أبو بكر أعظم أنصار النبي محمد يفتدي أولئك العبيد بأمواله، واشترى مرارًا بماله المعذبين لإنقاذهم من الآلام.

وفي خلال ذلك طلب القريشيون من أبي طالب عم النبي محمد؛ لكي يُرْجِعَ ابن أخيه عن كلامه وحاله؛ فنصح له أبو طالب، ولكن النبي أجاب بقوله: «لو أعطوني الشمس بيميني، والقمر بشمالي؛ لكي أترك هذا الأمر قبل أن ينصره الله أو أهلك أنا في سبيله؛ فلن أتركه.» ولما قال هذا أراد الخروج فمسك به أبو طالب، وقال له: جاهر بأمر رسالتك وعلِّم ما تريد، فلست بمسلمك لهم يا ابن أخي، ولن أتركك أبدًا.

وفي عام ٦١٧ توفيت خديجة، وبعد وفاتها بعدة أسابيع توفي أبو طالب أيضًا، وبذلك انقطعت علاقات النبي محمد القبلية مع مكة؛ فغادرها إلى المدينة، ولم يمض على إقامته فيها زمن طويل حتى آمن برسالته كثيرون؛ ألفوا جماعة أطلق عليها جماعة المؤمنين، اشتهروا بالتقوى والصلاح، وحسب تعاليم الإسلام كانوا جميعهم متساوين في كل شيء، ولم يكن بينهم أثر للسيادة والانقسام إلى طبقات متفاوتة في الحسب والنسب كما كان الحال عليه عند القبائل العربية، وقد ضربت السكينة بين جماعة المؤمنين أطنابها، ورفعت المساواة قبابها، فتناسوا ما كان بينهم من الحزازات والضغائن، وأصبحوا يعيشون كنفس واحدة، وكان الواجب يقضي عليهم أن يدافعوا عن بعضهم بعضًا، ويردوا هجمات غير المؤمنين.

وقد جرت عدة وقائع حربية بين أنصار النبي وأهالي مكة، انتهت بانتصار الأنصار الذين دخلوا مكة ظافرين، وقد طاف النبي وهو على ناقته حول الكعبة سبع مرات، ومس الحجر المقدس بعصاه، ثم أمر بتحطيم جميع الأصنام التي كانت منصوبة حول الكعبة، وأعلن أن جميع الناس متساوون أمام الله — عز وجل — ثم أمر المكيين أن يحطموا الأصنام الموجودة في منازلهم، وقد لبى الجميع هذا النداء؛ لوثوقهم بضعف آلهتهم، وأنها لا قوة لها.

وفي آخر رحلة رحلها النبي إلى مكة جمع حولها الحجاج، وذكرهم بجميع وصايا الإسلام، ونصح لهم بأن يعيشوا مع بعضهم عيشة سلام وأمان، وأن يكونوا إخوانًا، وأن يتناسوا الأحقاد القديمة، ويكفوا عن سفك الدماء والأخذ بالثأر، وأوصاهم خيرًا بزوجاتهم وعبيدهم، وفي الختام قال: إنني قد قمت بما عهد إليَّ.

وبعد عدة شهور مضت على مغادرته مكة انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، وكانت وفاته في اليوم الثامن من شهر يونيه سنة ٦٣٨ في العام الثالث والستين من سني حياته، وقبل وفاته أعتق جميع عبيده.

إن محمدًا نبي الإسلام الذي يدين به الآن أكثر من مائتي مليون نفس قد قام بعمل عظيم جدًّا؛ فإنه هدى الوثنيين الذين قضوا حياتهم بالحروب الأهلية وسفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، إلى معرفة الإله الواحد، وأنار أبصارهم بنور الإيمان، وأعلن أن جميع الناس متساوون أمام الله — سبحانه وتعالى — والحق الذي لا مراء فيه أن النبي محمدًا قام بعمل عظيم، وانقلاب كبير في العالم، ومن أراد أن يتحقق ما هو عليه الدين الإسلامي عليه أن يطالع القرآن الكريم بإمعان، وإذ ذاك يصدر حكمًا مبنيًّا على الحقائق الباهرة التي يتضمنها، وقد جاءت فيه آيات كريمة تدل على روح الدين الإسلامي السامية؛ فمنها الآية الكريمة القائلة: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.

هوامش

(١) (المعرب) هذه أقوال كاتب روسي مسيحي منصف نشرها بين قومه لإطلاعهم على جوهر الدين الإسلامي وما فيه من الحقائق الباهرة وهي حَرِيَّة بالاعتبار لصدورها من كاتب فاضل يقول الحق، ولا غرابة فرجال الفضل المنصفون وجدوا في الدنيا لتقرير الحقائق ودفع التهم وإرشاد الناس إلى الحقيقة الناصعة التي لبثوا أعوامًا طوالًا وهم في ريبة منها لما قرأوه عنها من الاختلافات التي بثها في نفوسهم بعض الكتاب الذين يجرون وراء تيار الأهواء ويخالفون ضمائرهم لإرضاء فريق من الناس، وهي خلة ذميمة في الكتاب الذين هم مصابيح الأزمنة، والواجب يقضي عليهم بتبديد غياهب الجهل وإنارة الأفكار بنبراس الحقيقة فإذا سار العلماء والكتاب على خطة هذا الكاتب الروسي أفادوا العالم فوائد لا يقدرها إلا كل ذي شعور حي يتألم لتنابذ الناس وتباغضهم.
(٢) (المعرب) إن الذي نعرفه من كتب الإسلام والسير النبوية لا يثبت هذه الرواية.
(٣) سورة المائدة (٦٩).
(٤) سورة الرحمن (٢٦، ٢٧).
(٥) سورة البقرة (٢٨٦).
(٦) سورة التوبة (٦٠).
(٧) سورة آل عمران (١١٣، ١١٤، ١١٥).
(٨) سورة التوبة (١٢٩).
(٩) سورة الأنبياء (٢٢).
(١٠) سورة البقرة (١٥١).
(١١) سورة الأنعام (١٤).
(١٢) سورة آل عمران (١٣٠).
(١٣) سورة المائدة (٨٢، ٨٣).
(١٤) سورة الإسراء (٢٩).
(١٥) سورة الإسراء (٢٦، ٢٧).
(١٦) سورة البقرة (٢٧).
(١٧) سورة آل عمران (١٩، ٢٠).
(١٨) سورة النساء (١).
(١٩) سورة محمد (٣٦).
(٢٠) سورة البقرة (١٣٦).
(٢١) سورة البقرة (٢١٣).
(٢٢) سورة البقرة (٢٧٤).
(٢٣) سورة النور (٣٥).
(٢٤) سورة النور (٣٠، ٣١).
(٢٥) سورة التحريم (٦).
(٢٦) سورة البقرة (٢١٥).
(٢٧) سورة البقرة (٤٢، ٤٣، ٤٤).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١