أقوال الكتاب في الإسلام والمسلمين

في روسيا جمعيات عديدة دينية أنشئت لتبشير الأمم الإسلامية بالدين المسيحي؛ مثل قبائل الكيرجيز، والتتر، والشركس، وغيرها، ويبلغ عدد المسلمين في روسيا وأوروبا نحو ستة عشر مليونًا ونصف، هذا عدا مسلمي القوقاس وأواسط آسيا الخاضعين للحكومة الروسية، وحسب آخر إحصاء عام أجري في روسيا عام ١٩٠٧ بلغ عدد المسلمين ١٠٦ في الألف من مجموع السكان، وإذا راجعنا تاريخ المسلمين في روسيا نجد أنه مرت عليهم أزمان قاسوا فيها صنوف الاضطهاد الديني، وأرغموا مرارًا على ترك دينهم، واضطر منهم ألوف أن يتنصروا بالاسم، ونقلوا أسماءهم من سجلات المسلمين إلى سجلات المسيحيين، ولكنهم تنصروا اسمًا وهم لا يعرفون شيئًا من الديانة المسيحية سوى تسميتهم بحنا وبطرس ومرقص ومَتَّى، وفي الوقت نفسه لبثوا محافظين على عقائد الدين الإسلامي والأخلاق الإسلامية، ولبثت نساؤهم محافظة على الحجاب، وأذكر أنه منذ ثماني سنوات تمكن بعض نوابغ المسلمين الروسيين وأعيانهم من استصدار أمر قيصري بإعطاء الحرية للمسلمين المتنصرين اسمًا أن يرتدوا للدين الإسلامي؛ فارتد منهم في أيام قليلة نحو أربعين ألفًا ونيف، وكانت أيام الارتداد هذه أيام أعياد واحتفالات شائقة بين المسلمين؛ أقاموا فيها الزينات والولائم، ونحروا فيها الجُزُرَ، وأكثروا من الصدقات على الفقراء والمحتاجين، وأقاموا الصلاة في جميع مساجد روسيا.

وأهم مسألة يشتغل فيها النواب المسلمون في مجلس الدوما هي توسيع الحرية للمسلمين، وتخويلهم حق الدفاع عن دينهم كلامًا وكتابة، والرد على جماعة المبشرين الذين يصدرون في كل عام مئات من الكتب، ويكتبون في مجلاتهم وجرائدهم المطاعن على الدين الإسلامي، وكان المسلمون من قبل لا يصح لهم أن يردوا على تلك المطاعن أو يدحضوها بالبراهين الساطعة والأدلة الدامغة؛ بل كانوا مرغمين على سماع تلك المطاعن وهم صامتون، وقد أحرجت صدورهم وتغلغل الحقد في قلوبهم، ولكن بعد الجهد والعناء استطاع النواب المسلمون في مجلس الدوما بمساعدة بعض النواب المسيحيين المنصفين الذين طهرت قلوبهم من أدران التعصب الذميم وأشربت أفئدتهم بحب الإنصاف ونشر أولوية المساواة، من استصدار قرار من المجلس المذكور صادق عليه جلالة القيصر نقولا الثاني؛ يتضمن الأمور الآتية:
  • أولًا: منح المسلمين حق الدفاع عن دينهم، والرد على أقوال المبشرين وغيرهم من الذين يطعنون على الدين الإسلامي.
  • ثانيًا: منحهم الحق في إصدار جرائد ومجلات باللغة العربية، وكانوا من قبل لا يستطيعون إصدار جريدة أو مجلة إلا باللغتين: الروسية، والتترية.
  • ثالثًا: منحهم الحق في إنشاء مدارس وكتاتيب بجوار المساجد تعلم العلوم باللغتين: التركية، والعربية؛ وكانوا من قبل مجبورين على تدريس اللغة الروسية في مدارسهم.
  • رابعًا: تخويلهم الحق في تعيين الأئمة ورجال الدين من أشخاص يعرفون اللغتين: التترية، والعربية؛ وكانت الحكومة من قبل لا تسمح بتعيين المسلمين في الوظائف الدينية إلا إذا كانوا يجيدون اللغة الروسية، وأمثال هؤلاء قليلون بين رجال الدين المسلمين؛ ولذلك كانت الحكومة تعين رجالًا جهلاء في الدين، وتهمل المستحقين؛ لعدم معرفتهم اللغة الروسية.
  • خامسًا: تخويلهم حق إدارة مدارسهم الدينية وأوقافها، وكانت — من قبل — هذه المدارسُ تديرها وزارة المعارف الروسية.
  • سادسًا: منع المسلمين من الاتجار ببيع المشروبات الروحية.
  • سابعًا: منع المسلمات من إنشاء مواخير للفساد وإدارتها.
  • ثامنًا: إعطاء المسلمين الحرية في قفل مخازنهم ومحلات متاجرهم يوم الجمعة، وعدم إرغامهم على قفلها يوم الأحد.
  • تاسعًا: تعيين أئمة من الجيش للقيام بخدمة الجنود المسلمين الدينية.
  • عاشرًا: تقديم مأكولات للجنود المسلمين ليس فيها طعام محرم في الدين الإسلامي.
  • حادي عشر: منح المسلمين الحرية في إنشاء الجمعيات الخيرية، والنوادي الأدبية العلمية؛ لتعمل على ترقية المسلمين ماديًّا وأدبيًّا.

وبعد صدور الأمر القيصري بالتصديق على هذا القرار انشرحت صدور المسلمين في روسيا، وتنسموا رائحة الحرية التي ساعدتهم على السير في طريق الرقي الأدبي؛ فأنشأوا الجرائد العديدة بلغتهم العربية؛ فأصبح عندهم نحو مائتي جريدة ومجلة: سياسية، وأدبية، وتاريخية، ودينية، بعد أن كانت جرائدهم قليلة العدد جدًّا، وألغى كثيرون القسم الروسي من جرائدهم، وأنشأوا أيضًا كثيرًا من الجمعيات الخيرية والأدبية والمدارس العديدة، وأصبحوا يرفلون في رياض الحرية.

على أن كثيرين من كتابهم الفضلاء ما زالوا يشكون من جمود المسلمين في روسيا، وتمسكهم بعقائد وتقاليد قديمة، وأنه يلزمهم وقت طويل لمجاراة الأمم الغربية في مضمار الحياة، وإقبالهم على تعلم العلوم العالية، وكثيرون من أولئك الكتاب الأفاضل أخذوا يؤلفون الكتب، ويكتبون المقالات في الجرائد والمجلات؛ يحثون بها أبناء دينهم على طرح نير الجمود والاستكانة، ويرشدونهم إلى طريق الرقي، وبوجه الإجمال فإن مسلمي روسيا نهضوا في هذه الأيام نهضة شريفة تبشر بحسن الاستقبال وخير المآل، إن لبثوا سائرين على محور الهمة والنشاط حقق الله آمالهم.

على أن الحكومة الروسية من قديم الزمان كانت — وما زالت ولن تزال — عاملة على معاملة المسلمين في بلادها بالحسنى، ومنحتهم كثيرًا من الحقوق لم تمنحها لغيرهم من الأمم المستظلة بالراية الروسية، ولا عجب في ذلك؛ فإن المسلمين في روسيا أظهروا في حوادث كثيرة على أنهم من أشد الناس إخلاصًا لحكومتهم، وطالما دافعوا عنها بنفوسهم وأموالهم، واشتهرت الجنود الإسلامية في الجيش الروسي بالبسالة والإقدام والدفاع عن حقوق الوطن، وقد عرف فيهم ذلك قياصرة روسيا فاختاروا حرسهم الخاص منهم، ومنحوهم حقوقًا عديدة.

والحكومة الروسية من قديم الزمان تحافظ على شعور المسلمين الديني، وتعاملهم في الحقوق المدنية بحسب الشريعة الإسلامية، وقد نشرت في العدد ٣٦٠٥ من جريدة المؤيد الصادرة يوم الاثنين الموافق ١٠ مارس سنة ١٩٠٢ مقالة تحت عنوان «الشريعة الإسلامية في المحاكم الروسية» وجدْتُ إظهارًا للحقيقة أن أنشرها هنا، وهي معربة عن جريدة نوفويه فريميا أشهر الجرائد الروسية، ولسان حال وزارة الخارجية الروسية، وها هي بنصها وفصها:

لا توجد مقاطعة في أنحاء المعمورة تقضى فيها حقوق أهاليها بشأن الإرث حسب نصوص شريعة الديانة المتدين بها أهل تلك المقاطعة الخاضعون لمملكة متدينة بدين يخالف دينهم، ففي الجزائر والهند تستعمل محاكمها الشريعة الإسلامية في قضايا الوطنيين الأصليين فقط، وأما في سائر أنحاء فرنسا وإنجلترا فإن المسلمين يرثون حسب نظام قانون نابليون، والقوانين المدنية للبلاد التي يقيمون بها، غير أن روسيا شذت عن هذه الطريقة ففيها وحدها يرث المسلمون حسب نصوص الشريعة الإسلامية، وقضاة محاكمها مأمورون بالسير على تلك الشريعة المرعية في محاكمنا من عهد بعيد، ومصرحة في البند ١٣٣٨ وما بعده من بنود المجلد العاشر من القانون المدني، ومشروحة شرحًا واضحًا لا يدع أثرًا للريب في النفوس.

ومع ذلك فإني أقول: لقد حان لحكومتنا أن توجه التفاتها إلى الصعوبات التي تنجم عن استعمال تلك الشريعة التي لا يبررها بند القانون القائل باستعمالها بالنظر لعدم مطابقتها للعقل.

ولقد ظهر من آخر إحصاء أن نسبة عدد المسلمين ١١ في المائة من جميع الأهالي الروس،١ منهم ثلاثة في المائة من مسلمي أوروبا بروسية، والباقون في أملاك روسيا في آسيا، ثم إنه في بعض ولايات روسيا يكثر عدد المسلمين حتى إنه يبلغ عدد نصف الأهالي؛ كولاية أوفا، وفي بعضها يقل عددهم.

ففي قضايا ميراث ومخاصمات المسلمين تسير المحاكم الروسية حسب نصوص الشريعة المحمدية، وذلك مما يدعونا إلى إنعام النظر في هذا الأمر.

إن المسلمين القاطنين في روسيا وأوروبا يخضعون دينًا لرئيسين روحيين عظيمين: أحدهما يقيم في ولاية القرم، والثاني في ولاية أورنبرج، وأما مسلمو القفقاس فينقسمون إلى قسمين: سنية، وشيعية؛ يقيم رئيساهما في مدينة تفليس عاصمة تلك البلاد، ورؤساء الدين هؤلاء يقضون في مصالح المسلمين؛ من زواجهم، وأحكام دينهم، وإرثهم، وإنما في قضايا الإرث يكونون كوسطاء للتراضي والصلح بين الورثة، وإذا لم يستطيعوا ذلك فالورثة يترافعون أمام المحاكم الروسية التي تحكم لهم حسب نصوص الشريعة الإسلامية كما قدمنا، وإذا أجلنا الطرف في هذا النظام المطابق لنصوص المجلد العاشر بخصوص إرث المسلمين فلا يبقى في نفوسنا ريب أن هؤلاء يترافعون في مسائلهم الدينية لدى أئمتهم الذين يؤلفون محكمة لا يقبل حكمها النقض والإبرام، وأما في القضايا العامة — وعلى الأخص قضايا الإرث — فإنهم يترافعون أمام المحاكم الروسية التي تقضي لهم أيضًا حسب نصوص شريعتهم المرعية الإجراء، والموضوعة بين بنود قوانيننا الخاصة بالمسلمين، وعليها ذيول شتى بخصوص إرث المسلمات لأزواجهن، وهنا نورد نص الفقرة الأخيرة من قانوننا الذي يصرح بذلك في قوله: «في قضايا إرث المسلمين وكذلك في جميع قضاياهم العامة ينبغي على القضاة الروس أن يسيروا طبقًا لنصوص الشريعة الإسلامية، ولا أدري لماذا تفضل حكومتنا المسلمين على اليهود من رعاياها مع أن تلمودهم يتضمن شرائع مختلفة ونواميس متعددة لجميع ظروف وأحوال اليهود المدنية والدينية، وإذا فرضنا بأن ذلك التفضيل ناجم عن حصول المسلمين عندنا على حقوق وامتيازات أكثر من اليهود، وأن شرائع التلمود غير وافية أو تامة كالشريعة المحمدية؛ فإنه كان يمكننا الوقوف عند هذا الحد في الكلام، ونرضى بسير الأحكام التي ذكرناها على محورها ومجراها، غير أن محاكمنا لحد الآن لم تتمكن من السير على قاعدة معلومة محدودة؛ لكي تقوم بما عهد إليها من الواجب الملقى على عاتقها؛ ذلك لأن قوانين الشريعة الإسلامية غير مرتبة الوضع، ومن جهة أخرى فإنه لا توجد في بنود نظاماتنا صراحة ترشد القضاة إلى طريقة معلومة ليسيروا بموجبها، وتلك النظامات الإسلامية المعروفة بالشريعة تؤلف مجموعة أجوبة مختلفة لأسئلة متعددة بخصوص الحقوق والأحكام، قد وضعها ألوف من المتشرعين المسلمين، وكلهم من رجال الدين الذين وضعوها باللغة العربية طبقًا لأحكام القرآن ونصوصه، وقد اجتمع من هذه القواعد والأجوبة منذ ظهور الإسلام حتى يومنا هذا عدد لا يحصيه حاسب، وقد اجتهد علماء العرب في جمع شتات قواعد تلك الشرائع في مجموعات خاصة؛ بقصد نشرها، وتسهيل وجودها، والرجوع إليها عند مسيس الحاجة، وترجم أكثر هذه الكتب إلى اللغتين: الفرنسية، والإنكليزية؛ وإنما لم يترجم منها إلى اللغة الروسية سوى الكتب الآتية:
  • أولًا: مجموعة عقائد الشيعيين وشرائعهم ترجمة الأستاذ ميرزا قاسم بك في عامي ١٨٦٢ و١٨٦٣.
  • ثانيًا: كتاب شريعة السنيين ترجمة غورديكوني عام ١٨٩٣ تحت اسم الهداية.
  • ثالثًا: نظام إرث المسلمين ترجمة العالم موخين عام ١٨٩٨. وهذه الكتب الثلاثة نافعة جدًّا لدرس الشريعة الإسلامية.

ثم إنه كما أشرنا آنفًا بأن بنود المجلد العاشر من النظام المدني الروسي لا تصرح للمحاكم الروسية صراحة تامة بالاستناد على نظام إسلامي معروف أو مترجم للغة الروسية؛ ولذلك كان القضاة في أكثر القضايا يقعون في أشد الارتباك، ولا يجدون لهم مخرجًا من تلك الحالة الحرجة سوى الكتابة إلى أئمة المسلمين يسألونهم حل مشكل تلك القضية فيجاوبونهم عليها بذكر فقرة الشريعة الموافقة لحل تلك القضية حلًّا صحيحًا عادلًا حتى يبنوا حكمهم عليها، ولكن شوهد كثيرًا بأن تلك الفقرات المرسلة من رجال مختلفين لحل قضية واحدة تناقض الواحدة الأخرى، وعدا ذلك فإن نظام الإرث واسع جدًّا، وهو أعقد فصول الشريعة، ولذا جعل علمًا مستقلًّا لا يدركه إلا بعض أئمة المسلمين الذين يسمون القسام، والقضاة الروسيون يصعب عليهم درس هذا العلم الواسع، أو درس الشريعة الإسلامية؛ لجهلهم اللغة العربية الموضوعة بها.

ثم إنه لا يتسنى لإحدى المحاكم أن تصدر حكمًا بإرث ولم يرضخ له المترافعون الورثة ورفعوه إلى محكمة أعلى، فربما نقضت هذه المحكمة بعض الحكم الابتدائي؛ استنادًا على فتاوى أئمة المسلمين الموجودين بالقرب منها، وبذلك تخالف الحكم الأول الذي أصدرته المحكمة الابتدائية؛ طبقًا لفتاوى أئمة المسلمين الذين أفتوا لها بتلك الفتوى، وكانت فتواهم مخالفة لفتوى الآخرين، وكثيرًا ما تصل تلك القضايا إلى مجلس الشيوخ الذي لا يجد أيضًا إلى حلها سبيلًا سوى الاستناد على فتاوى الأئمة، وبالاختصار؛ فإن قضايا إرث المسلمين وغيرها تسبب لمحاكمنا ارتباكًا عظيمًا هي في غنًى عنه، وينجم أكثره من عدم معرفة قضاتنا الشريعة الإسلامية، وأنى لهم ذلك؟!

ثم استطرد الكاتب كلامه فقال: ولقد طالعت مقالة في مجلة وزارة الأديان بهذا الشأن ذيلها كاتبها بعدة آراء، إذا سارت عليها حكومتنا تخلصت من تلك الحالة الحرجة، ولإتمام الفائدة أذكر تلك الآراء:
  • أولًا: ينبغي أن يضاف إلى نموذج مدارس القضاة الحقوقية درس الشريعة الإسلامية حسب الطريقتين: السنية، والشيعية؛ وعلم الإرث.
  • ثانيًا: ينبغي على وزارة الأديان أن تنتخب عدة علماء أفاضل لهم معرفة تامة وخبرة زائدة بالشريعة الإسلامية، وتعهد إليهم ترجمة تلك الشريعة إلى اللغة الروسية؛ ليسير بموجبها القضاة.
  • ثالثًا: ينبغي أن تضاف إلى بنود النظام المدني بنود جديدة يبين فيها كيفية استعمال الشريعة الإسلامية، والطريقة التي ينبغي على القضاة أن يسيروا عليها في تطبيق فتاوى الأئمة على نصوص الشريعة، وإيجاد الفقرات الموافقة من الشريعة للفصل في منازعات المتخاصمين بكيفية عادلة غير مجحفة بحقوق أحد.
  • رابعًا: ينبغي على محاكمنا أن تسير أيضًا على نظام محاكم تركستان الأهلية.
  • خامسًا: ينبغي على حكومتنا أن تنتخب من المسلمين أئمة ذوي أهلية وكفاءة تعيِّنهم معاونين للقضاة الروس في حل مسائل الإرث والحكم في بعض القضايا، وتسن لهم نظامًا يسيرون عليه، وترتب لهم رواتب شهرية.

ثم ختم الكاتب مقالته بقوله: ولنا وطيد الأمل بأن حكومتنا تعير التفاتها إلى هذه المسألة الخطيرة التي لا يحسن السكوت عليها.

وفعلًا لبت الحكومة الروسية نداء هذا الكاتب الحر المعتدل، ونداء غيره من الكتاب الروسيين المنصفين، وعهدت إلى لجنة من الكتاب المسلمين الروس والمستشرقين تعريب الشريعة الإسلامية؛ ليسير بموجب نصوصها القضاة الروسيون في القضايا الخاصة بالمسلمين.

ومما يحسن نشره ويطيب ذكره أن للمسلمين الروسيين عناية خاصة لا توجد لدى غيرهم؛ وهي حفظ القرآن الكريم؛ لا سيما تحفيظه للفتيات، وإتمامًا للفائدة أنشر مقالة بهذا الصدد، كنت نشرتها في العدد ٣٧٢٥ من جريدة المؤيد الغراء الصادرة في ١٥ أغسطس سنة ١٩٠٢ عربتها عن جريدة ترجمان الروسية الإسلامية؛ وها هي:

جرى في التاسع من شهر يوليو الماضي امتحان مدرسة البنات التي تحت إدارة حضرة الفاضلة بمبة خانم بولاتوقوف، وقد حضر الامتحان ما ينيف عن مائة سيدة من والدات الطالبات وقريباتهن، فكان عدد المنتهيات اللواتي نلن الشهادة الابتدائية باللغة العربية والروسية والدين والحساب وغير ذلك من العلوم عشر فتيات، وقد أجادت تلميذات المدرسة الأجوبة، وشنَّفن أسماع الحاضرات بتلاوة بعض سور القرآن الشريف.

وفي الحادي عشر من الشهر المذكور جرى في مسجد المدينة امتحان إحدى طالبات هذه المدرسة البالغة من العمر تسع سنوات في حفظ القرآن واستظهاره أمام جمهور غفير من الوجهاء والأعيان، وقد فازت تلك الفتاة في الامتحان فوزًا مبينًا وتلت القرآن جميعه في ساعات متوالية، فلقِّبت بالحافظة، وحسب العادة الجارية عندهم ألبسها الإمام عمامة خضراء صغيرة، وعلى إثر الامتحان أولم والد الفتاة السيد حسن النحاس وليمة فاخرة لجميع الحاضرين.

ثم قالت الجريدة عن حفظ القرآن ما مؤداه: إن استظهار القرآن وحفظه عادة قديمة عند المسلمين، ولا تخلو الآن عندنا مدينة أو قرية من حافظين وحافظات للقرآن الكريم، وهذه العادة كانت لها أهمية عظمى في صدر الإسلام؛ لحفظ القرآن سالمًا من التغيير والتحريف؛ لعدم انتشار المطابع في ذلك الوقت، ونسخه الخطية كانت قليلة جدًّا، ولذا كان يحفظه الحافظون جيلًا عن جيل، فلما شاعت المطابع طبع منه ملايين النسخ.

ومن ذلك أيضًا أن حضرة الفاضلة السيدة صفية عليه خانم عقيلة سليم أفندي جانتورين تحصلت من وزارة المعارف على رخصة لإنشاء مكتب، وبعد أن فازت بضالتها المنشودة شادت من جيبها الخاص دارًا فسيحة للمدرسة؛ لتعليم الأولاد فيها اللغتين: العربية، والروسية، وصناعة الأحذية والحدادة، وقد استحقت هذه الفاضلة الشكر.

وقد أخذت بعد ذلك النهضة بين مسلمي روسيا تسير سيرًا مطردًا، وظهر بينهم من نوابغ الكتاب والمؤلفين الذين تلقوا العلوم في مدارس روسيا وأوروبا العالية، وأخذوا قسطًا وافرًا من مدنية الغرب؛ مثل: صدر الدين أفندي مقصودوف أحد النواب المسلمين في مجلس الدوما، الذي خطب من عهد قريب خطبة في مجلس الدوما كان لها دوي هائل في جميع أنحاء روسيا، أنحى فيها باللائمة على بعض الموظفين الروسيين الذين يضطهِدون في بعض الجهات المسلمين ويصادرون مدارسهم، ولكني لدى إمعان النظر في خطبته ألفيته يبالغ في سرد الحوادث، وكأني به كان يبلغ تلك المبالغة؛ ليجعل لخطبته تأثيرًا في النفوس، ويحرك الحكومة على الاقتصاص من الموظفين الذين يخالفون القوانين ويعتدون على الرعية بدون حق، والذي أعلمه بنفسي وسمعته من أفواه الكثيرين من كبار مسلمي روسيا وسراة القوم أن المسلمين في روسيا يرفلون بحلل الصفاء، ويرتعون في رياض الهناء.

ومن نوابغ الكتاب المسلمين في روسيا الكاتب الشهير أحمد بك أجايف المقيم الآن في الآستانة العلية يحرر بجرائدها، وقد رأيت لحضرته في بعض مؤلفاته مقدمة دافع بها عن الدين الإسلامي، وذكر الأسباب التي حملت الأوروبيين على الطعن على ذلك الدين؛ لسبب جهلهم معتقداته، وقد رأيت أن أنقلها عنه بالحرف الواحد:

قال الكاتب يذكر الترهات والاختلاقات التي كان ينسبها الأوربيون للدين الإسلامي كما يأتي: إن سواد الأوروبيين الأعظم الذي يسلم بداهة بالأمور دون بحث بأسبابها ونتائجها؛ وذلك بالنظر لاستيلاء العقائد الفاسدة على عقولهم، ورسوخها في أذهانهم؛ سواء كان في أوروبا أو روسيا فإنهم يعتقدون اعتقادًا متينًا بأن الذنب على الإسلام في جميع ما يجري في البلاد الإسلامية، ولولا وجوده لكانت الحال هناك على غير ما هي عليه الآن، المعتقدون بهذا الاعتقاد يرون أن المسلمين ما داموا مسلمين لا يستطيعون الإقبال على المدنية الأدبية العمومية، ثم إنهم — أي الغربيين — يزعمون أن الشر جميعه متمثل في الإسلام، ويتصورون أن أعظم وسيلة تنقذهم منه هي ملاشاة نفس الدين ومحقه من وجه الأرض، وهذه الأفكار رسخت في العقول منذ أجيال عديدة سالفة من جراء الخصام والشقاق والنزاع العنيف بين الغرب والشرق؛ وذلك في خلال قرون مديدة بسبب اختلاف الإسلام والمسيحية، الأمر الذي يظهر الرجل الساذج الذي لم يعتد التبصر والتفكر والتروي بأن هاتين الديانتين على طرفي نقيض في الجواهر والمعتقدات، ولا يمكن التوفيق بينهما، وأخيرًا فإن هذا الاعتقاد ساد مدة طويلة بين أهل الغرب، يدلنا على ذلك دلالة واضحة الآداب البزنطية واللاطينية المضادة للإسلام، ومن أراد زيادة إيضاح فعليه أن يقف على مؤلفات ومخلفات العصور الوسطى، لا سيما الفترة التي حدثت فيها الحروب الصليبية.

والإنسان يتأثر تأثيرًا شديدًا تهتز له أعصابه لدى مطالعته تلك الترهات والمثالب والمطاعن التي كان يتناشدها مغنو وشعراء الرومان الساذجون، وينادي بها النساك ورجال الدين في المعابد والمجتمعات العامة والبراري؛ يصفون فيها شخصَ وتعليمَ سائقِ الجمال الذي أطلقوا عليه اسم «النبي العربي الكاذب»،٢ ومن الأمور المضحكة المبكية نظر أهل الأجيال الوسطى إلى الإسلام، واعتقادهم به، فكان الشعب يصدق بداهة كل افتراء على الإسلام وأتباعه، وقد بالغوا في استنباط المفتريات والسفاسف لدرجة لا يجوز تصديقها؛ لما فيها من الغرابة المنكرة، وقد أدى بهم الجهل إلى تصوير محمد بهيئة الشيطان ذي قرنين، وأطلقوا عليه (ضد المسيح) الراسخ في أذهان القوم بأنه يفسد الناس ويخرجهم عن دينهم، ولذلك لا بد أن يزج في سعير النار؛ حيث لا يقر له فيها قرار، ثم إن تيورين الكاذب المفتري ألف رواية وصور فيها محمدًا بهيئة الصنم ماهوم الذي كانوا يعبدونه في قادس ولم يجسر كارلوس الأعظم على تحطيمه وتكسيره؛ خوفًا من الأبالسة المختفية في جوفه.

ومما مر يتضح للقارئ أن العقول النيرة كانت منغمسة بمثل هذه الاعتقادات الفاسدة والمفتريات الباطلة البعيدة عن الحقيقة بُعد السماء عن الماء، وقد أجمعوا عليها كلهم حتى إنه لو قام بينهم في مثل ذلك الوقت رجل كشف الله له عن نور الحقيقة وجاهر بها؛ لكنت ترى الناس يصبون عليه صواعق سخطهم ونقمتهم؛ فقد كادوا يحرقون دانتي في النار؛ لأنه عد محمدًا في (روايته الإلهية) بين الرجال العقلاء المصلحين ذوي المدارك السامية، فاضطر لكي ينجو من سخط الشعب الذي تهدده بالقتل أن يضعه في عداد الرجال الأشرار الذين عاثوا في البلاد فسادًا، وبثوا بذور الشقاق والنفاق والخصام بين معاصريهم؛ مثل «فراد التشينو» و«برتران بورن» وغيرهما اللذين هم في عرف الشعب من سكان جهنم، ثم إن المصور الإيطالي الشهير أركانيوس وضع عدة رسوم للأشخاص الذين يحتقرون جميع الديانات على الإطلاق واتخذوها لمجرد الهزء والسخرية، فصورهم واقفين في جهنم ولهيب النار يكتنفهم من جميع الجهات؛ وفي مقدمتهم محمد، وأفيردوئيس (الوليد بن رشد)، والمسيح الدجال أو ضد المسيح.

وبوجه الإجمال فإن الأجيال الوسطى — كما قال أرنست رِنان — قد اشتهر أهلها بالحدة وعدم التروي، ولم يكن عندهم درجة متوسطة لأمر من الأمور، فكان محمد في عرفهم خداعًا ماكرًا متخذًا مهنة سرقة الجمال، وقالوا عنه بأنه كاردينال سعى للحصول على وظيفة البابوية فلم يفز بها؛ فوضع ديانة جديدة؛ لكي ينتقم من زملائه الكرادلة، وما ضارع ذلك من الأوصاف المجردة عن الإنصاف ولا تنطبق على العقل السليم،٣ تمر الأجيال، وتنقضي السنون؛ ولا تزال سفاسف الناس وترهاتهم وأفكارهم السخيفة الواهية تضغط على العقول النيرة كما كانت في العصور المظلمة، إن بيبلياندر وهوتينبجر وماراجي وغيرهم أخذوا يدرسون القرآن درسًا مدققًا على قصد تقويض أركانه، وأما ليبنتس وشكسبير فإنهما تكلما كثيرًا عن نبي المسلمين بقصد إضحاك الجمهور وتسليتهم، وأما فولتير فإنه التمس الغفران من البابا بواسطة تقديمه له رسالة الطعن المشهورة التي عنوانها «محمد»، وقد نسب بها إلى النبي محمد أمورًا منكرة لم تخطر بباله، ومنافية على خط مستقيم لروح تعليمه ومبادئه.
ثم إن الجيل التاسع عشر المسمى بحق جيل العلم والانتقاد الصحيح لم يخلُ من مثل هذه المختلقات والمفاسد التي جاهر بها بعض قادة الأفكار وأصحاب العقول الممتازة؛ فقد وضع العالم الإنكليزي الشهير كارلوس فورستير عام ١٨٢٩ مجلدين ضخمين وقعا موقع الاستحسان والاحترام في نفوس رجال الدين؛ لأنه برهن فيهما بالأدلة الكثيرة على أن محمدًا هو قرن الكبش الصغير الوارد ذكره في الإصحاح الثامن من نبوة دانيال، وأن قرن الكبش الكبير هو البابا،٤ ولكن النصف الثاني من الجيل التاسع عشر الذي أشرقت فيه أشعة العلم، وأماطت النقاب عن الشرق وتاريخه وحياته؛ وذلك أنه عندما ازدادت المواصلات بين الشرق والغرب بواسطة انتشار السكك الحديدية، وازداد توافد الغربيين إلى الشرق؛ حيث دفعتهم المصالح التجارية والصناعية إلى الضرب في طول البلاد وعرضها؛ فقاد العلم وحب الاستقرار علماءهم وأصحاب الأفكار الفياضة منهم إلى درس أخلاق وعادات أهل الشرق المتدينين بغير دينهم، ودرس أحوال البلاد في نفس البلاد، ولم يقفوا عند هذا الحد بل تجاوزوه إلى مطابقة الحاضر بالغابر مطابقة مبنية على العلم والتحقيق والكتابات الماضية، وأبدوا في خلال ملاحظاتهم على الأدوار العديدة التي تقلبت فيها الأديان منذ ظهورها وما تحملته من الانقلاب والتغيير، ولم يميلوا في عملهم هذا ودرسهم مع الأهواء؛ بل دونوا الحقيقة مجردة عن كل غرض فاسد، وميل منحرف، وهذا يناقض حالة العلماء في الأجيال الماضية، الذين غشى التعصب الديني أبصارهم، وأسدل حجابًا كثيفًا على أفكارهم؛ فأعماهم عن المجاهرة بالحقيقة، وقادهم إلى الابتعاد عن جادة الحق والإنصاف، وقد تبعهم في ذلك سواد الناس الأعظم الذين لزعمهم بأنهم حاملو الحق فإنهم لا يستطيعون احتمال معتقدات غيرهم من الناس، والوقوف حيالهم موقف السكينة والرضى، بل يسفهونها، ويذهبون في انتقادها كل مذهب.

أما في أيامنا الحاضرة التي أصبحت فيها الأديان مادة للمباحث العقلية فقط؛ لأنها فقدت مادة التعلق بها؛ ذلك التعلق الديني الشديد، ولا يهتم بها الناس الآن إلا لأنها من مظاهرات نفس الإنسان، ولم يعد الناس يتحاورون بشأنها، ولا يوجه كل صاحب دين إلى الأديان الأخرى أنواع السباب والمطاعن والتهكم، وأصبح عمل المستشرق الذي يهتم بأمور الأديان والوقوف على تاريخ الشرق يخرج من تحت ذراعه؛ كتحليل الكيماوي الذي يخرج من معمله، وتراه — أي المستشرق — يهتم بجميع العوارض والمظاهر اهتمامًا واحدًا دون أن يفضل أمرًا منها على الآخر، وإنما ينشرح صدره وتطيب نفسه لدى اطلاعه ووقوفه على مبتكرات فكر الإنسان في كل آنٍ وزمان، وإظهار قواه الفياضة، ولذلك فلا عجب إذا شاهدنا في هذا العصر الانقلاب العظيم الشأن الذي أحدثه درس أحوال الشرق؛ فإنه غيَّر نظر العلماء السابق بشأن الأديان المختلفة وشؤون الشرق على العموم؛ لا سيما بشأن النبي محمد وتعاليمه، فأصبح محمد في عرفهم ونظرهم ليس صورة للصنم ماهوم، ولا هو ضد المسيح المقيد في جهنم، ولا قرن الكبش الصغير الوارد ذكره في نبوة دانيال؛ بل هو ذلك المصلح العظيم الذي هز العالم بتعاليمه ومبادئه وأفكاره السامية، وأنه وضع أساس تعليمه؛ ليس لأنه كان كاردينالًا ولم يفز بوظيفة البابوية؛ بل لأن فؤاده كان يلتهب غيرة على الحق الذي شوهت وجهه الشكوك أو الاختلافات التي دخلت عليه، ذلك الحق الذي نادى به في العالم ذلك «النبي العظيم» قبل ظهوره بستة قرون، ولم يدرك جوهره تلاميذه النشيطون الغيورون، بل ذهبوا في تأويله كل مذهب عندما علموا الناس به؛ لا سيما في البلاد العربية، وقد ورد في القرآن آيات كثيرة تدل على ذلك بأجلى بيان، وتأملوا فقط ذلك الشكران الجميل الذي جاهر به نبي المسلمين بشأن الصابئين الذين ظنوا لأول وهلة أنه ينادي بتعليم المسيح.

ثم إن آيات القرآن النازلة بشأن آلام عيسى وولادته، وذكر مريم والدة روح الله، فإنك ترى التأثر ظاهرًا من كل كلمة منها، مقرونًا بذلك بمزيد التعظيم والاحترام، وفوق هذا وذاك فإن المسلمين يعظمون مريم أكثر من بعض الطوائف النصرانية؛ فهي في عرف المسلمين عذراء طاهرة صالحة قد اصطفاها وشرفها رب العالمين، والنبي يظهر لها احترامًا دينيًّا يفوق الوصف؛ حتى إنه عندما أراد أن يمتدح ابنته فاطمة قال: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران.» ثم إن النبي أدرك تعليم عيسى كما هو، وجاءت الديانة المحمدية مطابقة لها، ونفت جميع المعتقدات الباطلة التي دخلت عليها وشوهت جوهرها، وورد في أمكنة كثيرة من القرآن ما مؤداه: وإني جئت لإثبات تعليم عيسى الحقيقي.٥
قال المستشرق الإنجليزي الشهير ماكس موللر: سوف يعلم المسيحيون بدهش عظيم أن محمدًا أحد معضدي يسوع، وأن الديانة المحمدية ما هي إلا شيعة من شيع الديانة النصرانية، وإذ ذاك يندهش المسلمون والمسيحيون معًا بسبب ما جاء في تاريخهما من الخصام والشقاق والعداء بسبب الدين،٦ وقد وافق كثير من علماء أوروربا المستشرقين على رأي هذا العالم، وعضدهم في ذلك أيضًا كثير من الروسيين العقلاء ذوي الأفكار السامية؛ مثل: فلاديمير سولوفييف، وبيترون.

والعالمة المشهورة مدام ليبيديف التي تقيم معظم السنة في القاهرة، ويعرفها كثيرون من أفاضل ونبلاء وعلماء المصريين، فإنها وضعت عدة كتب بلغات مختلفة؛ دافعت بها عن الدين الإسلامي دفاعًا شديدًا، وأظهرت فضله، ولحضرتها مؤلفات كثيرة بشأن المرأة حَرِيَّةٌ بالمطالعة والاعتبار.

ولكن مع الأسف نقول: إن سواد الناس الأعظم لم يزل على غيه تائهًا في فيافي الضلال، ولا يجنح إلى الحقيقة الثابتة التي أيدها علماؤه وقادة الأفكار منهم، بل ما زال رازحًا تحت نير اعتقادات وخرافات القرون الوسطى بشأن محمد وتعليمه، ناسيًا ضعف الأمم الإسلامية في عصرنا الحاضر، وانحطاطهم السياسي والأدبي، والاختلاف العام فيما بينهم إلى الإسلام، وجاهلًا بأن كل إنسان في هذه الحياة لا يستطيع أن يلعب على الدوام دور النجاح والتقدم، وأن الديانة ما هي إلا شيء مستقل مجرد عن كل قوة لا تستطيع تحسين حالة الحياة، ثم إنه وأخيرًا لا بد من حصول الشقاق المتبادل الدائم بين المتدينين بالديانات المختلفة، ولو كان ذلك بطريقة غير محسوسة، لكنه دائم الحركة المشتركة بين المتحالفين في المعتقدات، وكل ديانة كما لا يخفى تكون في أول ظهورها محركًا قويًّا تدب روح الحركة في قلوب الذين يتبعونها؛ وذلك على قدر ما يكون لها من الثأثير الروحي والمادي في نفوسهم، ولكنها — أي الديانة — تتقلب مع مرور الزمان في أدوار مختلفة بحسب حالة تابعيها من العلو والانحطاط؛ فتعتز وتعلو بعلو شأنهم، وتنحط بانحطاطهم، ويدخل عليها في الحالة الأخيرة الفساد، وتشوه الاختلافات التي تدخل عليها وجه حقيقتها، وتزعزع أساس جوهرها، وهذا هو السبب الوحيد والبرهان الفرد على ظهور البدع والشيع المتعددة في هيكل الديانة الواحدة، وكذلك دخول الفساد على تعاليمها وتفاسيرها، ولو قابلنا حالة الديانة المسيحية بحالتها في القرون الوسطى، وفي أيام الإصلاح، وأيامنا الحاضرة؛ لظهرت لنا بأجلى بيان تلك الأدوار المختلفة التي كابدتها، وما دخل عليها من التغيير والفساد والتفاسير المتناقضة المتباينة؛ مع أنها ديانة مبنية على أساس متين واضح، ومثل ذلك جرى للديانة الإسلامية؛ بقطع النظر عما دخل عليها من البدع والتفاسير التي لا تطابق حقيقة جوهرها، وليست منها في شيء.

هوامش

(١) هذا على حسب إحصاء أجري عام ١٩٠٠، ولكن هذا العدد تزايد جدًّا.
(٢) انظر تاريخ الآداب الفرنسية والآداب البيزنطية ضد الإسلام تأليف جمعية المبشرين في قازان.
(٣) انظر تاريخ الأديان لأرنست رنان ورواية محمد لمؤلفها ف. ميشيل.
(٤) كشف النقاب عن الدين الإسلامي، وهو بحث في انتشار الدين وبقائه على طريقة تؤدي إلى زيادة الاعتقاد في الدين المسيحي.
(٥) راجع ترجمة القرآن لسابلو جوف.
(٦) راجع كتاب محمد والمحمدية لماكس موللر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١