الفصل الثاني عشر

كانت توبسي موهوبةً في تقليد كل شيء؛ ذلك أنها كانت تستطيع أن تُهروِل وتُصفِّر وتتسلق، وتُقلِّد صوت كل طائرٍ أو حيوانٍ يصدُف أن تسمعه. في البداية كانت الفتاة مَحطَّ ازدراءٍ من جميع خدَم سانت كلير، لكن بعد فترة كانت الفتاة تتلقَّى معاملةً هي الأفضل من ناحية مراعاتها واحترامها؛ ذلك أن قد اكتُشِف أنه كل من يُهين توبسي أو يُسيء إليها كان من المؤكد أنه سيحدث له مكروه؛ فقد يفقد حِليةً يعتز بها، أو تتلَف ثيابه، أو ربما يتعثر في خيطٍ ممدود عَبْر ممرٍّ مظلم ويقع في دَلْو من الماء الساخن؛ وربما يُلقَى عليه من فوقه دَلوٌ من الماء بينما يرتدي أفضل ثيابه.

لم يشكَّ أحد أبدًا فيمن يقف خلف تلك الحوادث، لكن الفتاة كانت تُمثِّل البراءة بحد ذاتها حين يتم توجيهُ أصابع الاتهام لها، كما أنها كانت أسرعَ من أن يتمَّ الإمساك بها وهي تُنفذ حيلها. وكانت دومًا ما تضبط توقيت تلك الحيل مع الوقت الذي تكون فيه السيدة سانت كلير ساخطة على ضحيتها، سواءٌ كانت تلك الضحية هي روزا أو جين أو أيَّ شخصٍ آخر؛ وحيث إن ذلك كان يحدث كثيرًا، فإنها كانت دومًا في أمانٍ من غضب تلك المرأة؛ لذا ساد بين بقية خدَم المنزل أن يتمَّ تملُّق توبسي واسترضاؤها طوال الوقت، وكانت هي تَحكُمهم بقبضةٍ حديدية.

كانت الفتاة ذكيةً ونشيطة في كل أعمالها، فلم يكن بمقدور أحدٍ أن يجد خطأً في أيِّ سريرٍ تُسوِّيه توبسي، لكن لو صدَف أن خَرجَت السيدة أوفيليا وتركَتها وحيدة لتقوم بعملها، كانت توبسي تُقيم كرنفالًا من الفوضى يمتدُّ لساعتَين؛ فبدلًا من أن تُرتب السرير، كانت تُسلي نفسها بخلع أغطية الوِسادات ووضع رأسها بين الوسائد حتى يلتصق الريش برأسها في جميع الاتجاهات بأشكالٍ بشعة. كانت تتسلَّق أعمدة السرير وتتعلَّق بها رأسًا على عَقِب، وتنثُر الملاءات والأغطية في كل أرجاء الغرفة. دَخلَت عليها السيدة أوفيليا ذات صباح لتجدها قد ألبسَت إحدى الوسائد الطويلة ثيابَ نومها بينما انتَصبَت بطولها في منتصف الغرفة، وكانت توبسي تتشقلب من حولها على يدَيها وهي تضع أفضل وشاحٍ قرمزي لدى سيدتها والمصنوع من القماش الرقيق.

figure
ألبست إحدى الوسائد الطويلة ثياب نومها، كانت توبسي تتشقلب من حولها على يدَيها.

صاحت السيدة أوفيليا في نَبرةٍ غاضبة: «توبسي! ماذا تفعلين بوِشاحي؟ وما الذي يجعلكِ تفعلين هذا؟»

توقفَت توبسي فجأة، واستقامت في وقفتها أمامها وقالت:

«لا أعرف يا سيدتي، أظن أنني أفعل ذلك لأنني مُزعِجة.»

«لا أعرف ماذا أفعل بكِ يا توبسي.»

«سأقول لكِ يا سيدتي. ينبغي عليكِ أن تضربيني. لقد اعتادت سيدتي السابقة أن تضربني، وأنا لستُ معتادة على العمل من دون أن أتعرَّض للضرب.»

«لماذا يا توبسي؟ أنا لا أُريد أن أضربكِ. ألا يُمكنكِ أن تكوني صالحة من دون أن أضربكِ؟»

«لا، من المؤكد أنني لا بُد أن أُضرَب. سأُحضِر لكِ تلك العصا، ومن الأفضل لكِ أن تضربيني ضربًا مُبرحًا.»

ركضَت توبسي خارج الغرفة وسرعان ما عادت ومعها العصا. أخذت السيدة أوفيليا العصا في رقَّة ثم ضربتها على ظهرها ضربةً خفيفة؛ لكنَّها توقفَت مذعورة بسبب الصُّراخ الفظيع الذي تسبَّبت به تلك الضربة.

«أوه، أوه، أوه، سيدة فيلي، لا تفعلي! أنتِ تقتلينني! أوه، سيدة فيلي!»

قالت السيدة المسكينة وهي ترتعش: «توبسي، تَوقَّفي عن ذلك الصراخ. أنا بالكاد لمستك.»

«أوه، أوه، أنتِ تُؤذينَني! لا تفعلي سيدة فيلي، أوه، أوه!» ثم تَوقَّفَت الفتاة فجأة وهي في خِضمِّ صراخها وقالت:

«من فضلِكِ سيدتي، أيتها السيدة فيلي، اضربيني مرة أخرى. أنا في حاجة إلى ذلك، حقًّا. أنا في حاجةٍ ماسَّة إلى ضربةٍ أخرى.»

«اخرُجي من الغرفة يا توبسي، وحين تكونين فتاةً صالحة يُمكنكِ أن تعودي وتُرتِّبي سريري.»

خرجَت توبسي من الغرفة وهي تَئِنُّ وتنتحب، وفي غُضون دقيقةٍ أو أكثر، كانت جاثمة في الشرفة وكأنها طائر شُحرور أسود وحولها مجموعة من الأطفال الزنوج المعجبين بها يستمعون لخبراتها.

قالت توبسي متفاخرة: «ينبغي أن تَشعُروا بالضرب الذي تلقَّيتُه من السيدة فيلي. كانت نقرةً واحدة صغيرة لا تكفي لأن تقتل بعوضةً حتى. ألا تَتمنَّون جميعًا أن تكونوا سيِّئين مثلي؟ أنا أَردَأ طفلةٍ زنجية في هذه المزرعة. هذا صحيح، وأنتم جميعًا مذنبون، والبيض مذنبون أيضًا، السيدة فيلي تقول ذلك. لكن لا يستطيع أحدٌ أن يَمسَّني، أنا أسوأ زنجيةٍ على وجه الأرض، ولا يُمكن لأيِّ شَخصٍ أن يفعل لي أيَّ شيء.» ثم قامت بأداء عدةِ حركاتٍ بجسدها مما أبهج جمهورها.

كانت السيدة أوفيليا في أيام الأحد تَشغَل نفسها في تعليم توبسي التعاليمَ المسيحية شفهيًّا. وكانت الفتاة تتمتَّع بذاكرةٍ رائعة وتستطيع أن تتذكَّر الكلمات بدقة، فكان لدى السيدة أوفيليا آمالٌ عريضة أن يستقرَّ معنى تلك الكلمات في قلب الطفلة التي أثبتَت أنها قادرةٌ على الحُب حين لمسَته إيفا.

وكان السيد سانت كلير يضحَك على ما يُلِم بابنة عمه من آلام ومعاناة، لكنه اندهَش حين سمع الفتاة وهي تُرتِّل بطريقةٍ مُبجَّلة، وتقف أمامهم وكأنها تمثالٌ أَسوَد وهي تقول:

«آباؤنا الأولون، الذين كانوا يتمتَّعون بحريةٍ كاملة وبإرادةٍ خاصة بهم، خرَجوا من الولاية التي خُلِقوا فيها.»

سأل السيد سانت كلير: «من كان آباؤنا الأولون يا توبسي؟»

«لا أعلم يا سيدي، لم أعرف أولئك الزنوج من قبل قط.»

قالت السيدة أوفيليا محتجة: «أوجستين، لماذا تُقاطعها؟»

«ابنة عمي العزيزة، إنما أردت أن أعرف بعض المعلومات من تلميذتك. توبسي، ما هي الولاية التي خُلقوا فيها؟»

«كانت ولاية كنتاكي القديمة يا سيدي. كلنا نأتي من تلك الولاية. لقد سَمِعتُ العم توم وهو يقول ذلك. وسيعود توم إلى هناك حين يُصبِح حُرًّا. لكنني والسيدة فيلي سنصعد إلى الأعلى معًا، أليس كذلك سيدتي؟»

«هذا إذا كُنتِ فتاةً صالحة يا توبسي.»

«أينبغي أن أكون صالحة، وإلا فلن تأخذيني؟»

«أجل يا توبسي.»

«إذن، فمن الأفضل أن أبقى هنا.»

سألها السيد سانت كلير مُبتسِمًا بينما نظَر إليها من فوق الجريدة: «ألا تريدين أن تكوني صالحة يا توبسي؟»

«من؟ أنا؟ لا سيدي، لا أريد أن أكون صالحة. أنا أُحب الصحبة.»

جلسَت توبسي على الدرَج أمام السيدة أوفيليا ووجَّهَت عينَيها إليها لتنظُر في وجهها العابس.

وسألَتها: «هل أنتِ غاضبةٌ سيدة فيلي؟»

«لا يا توبسي.»

«هل أنتِ حزينةٌ سيدة فيلي؟»

هزَّت السيدة أوفيليا رأسَها وقالت:

«أجل يا توبسي. أجل.»

«ألن تذهب السيدة إيفا إلى الجنة؟ لقد أرادت أن تذهَب إلى هناك، وستطلُب من الرب أن يسمح لي ولكِ بالذَّهاب إليها. ستفعل ذلك. سأكون أنا مَلاكًا صغيرًا أسود ذا جناحَين، ولكن ماذا ستكونون أنتم جميعًا أيتها السيدة فيلي؟»

لم تُجبها السيدة أوفيليا، وجاء توم إلى المنزل. وفي غُضون العام الذي مَرَّ منذ وفاة إيفا، كان توم قد زاد حُزنه وظهرَت علامات التقُّدم في السن على وَجهِه أكثر، وظل قلبه يهفو إلى قومه في ولاية كنتاكي.

كان السيد سانت كلير قد وعدَه حريته، لكنَّ قلب توم المخلص ظلَّ معلقًا بسيده في أكثرِ أوقاتِه حُزنًا.

قال توم: «سأعود إلى مَوطِني يا سيدي، حين تشعر بالسعادة مُجدَّدًا.» وعلى الرغم من أنه قد تقطَّعَت نفسه شوقًا إلى عودته إلى وطنه، إلا إنه لم يكن ليترك سيده في وقت حزنه.

قال سانت كلير في اليوم الذي شَرَع فيه في اتخاذ الإجراءات القانونية الخاصة بتحرير توم: «حَسنًا يا توم، سأُحرِّركَ؛ لذا عليكَ أن تَحزِم أمتعتكَ وأن تستعدَّ للذَّهاب إلى كنتاكي.»

شَعَر السيد سانت كلير بأنه مُنزعِج أكثرَ من الفرحة المفاجئة التي ظَهرَت على وجه توم حين رفع يدَيه نحو السماء وظلَّ يُردد: «الحمد للرب!» ذلك أنه لم تَرُق له فكرةُ أن توم مستعد لتركه بهذا الشكل.

قال السيد سانت كلير بنَبرةٍ جافة: «أنت لم تشهَد هنا أوقاتًا سيئة إلى هذا الحد حتى تنتابكَ مثلُ تلك السعادة يا توم.»

«لا، لا يا سيدي! ليس هذا هو السبب؛ إنما سبب سعادتي هذه أنني رجلٌ حر! هذا هو سِرُّ ابتهاجي.»

«لماذا يا توم، ألا تعتقد — في رأيكَ — أننا من الأفضل لنا ألا نكون أحرارًا؟»

قال توم بنبرةٍ بها شيءٌ من الحماسة: «لا، لا أعتقد ذلك قطعًا يا سيد سانت كلير. بالطبع لا!»

«لماذا يا توم؟ أنتَ لم تكن لتتمكَّن وحدك من أن تحصُل على الملابس التي أعطيتُها لكَ، ولا على الحياة التي وفَّرتُها لكَ.»

«أعرف كل هذا يا سيد سانت كلير، أنتَ يا سيدي كنتَ كريمًا معي، لكنني يا سيدي أُفضِّل أن أرتديَ ملابسَ رثة، وأن أعيش في منزلٍ خَرِب وأن أنال الفُتات من كل شيء، على أن يكون كلُّ شيء ملكًا لي، إنني أُفضِّل ذلك على أن يكون لديَّ الأفضل من كل شيء، بينما كل شيء ملك لرجلٍ آخر؛ هذا هو الأَمْر سيدي؛ أعتقد أن هذه هي الطبيعة سيدي.»

فقال بنَبرةٍ تنمُّ عن الاستياء: «أظن ذلك يا توم، وستتركنا وتُغادر من هنا في غضون شهر أو نحو ذلك.» ثم أضاف بنَبرةٍ مُغايرة: «رغم أنني لا أرى ما يمنع عن ذلك، لا أحد يعلم.» ونهَض من مكانه وراح يَذْرع الأرض سَيرًا.

قال توم: «لن أترك سيدي وهو لا يزال يُواجه متاعب. سأمكُث قدْر ما يُريد سيدي أن أمكُث كي يستفيد من خدمتي له.»

figure
قال توم: «لن أترك سيدي وهو لا يزال يُواجه متاعب.»

قال سانت كلير وهو ينظُر في حزن من النافذة: «ليس وأنا أُواجه متاعب يا توم؟ ومتى ستنتهي متاعبي؟»

قال توم: «حين يكون سيدي سانت كلير مَسيحيًّا بحق.»

قال سانت كلير وهو يبتسم نِصفَ ابتسامة بينما استدار بوجهه عن النافذة ووضع يده على كتف توم: «وهل ستمكُث حقًّا حتى يأتي ذلك اليوم؟ آه يا توم، أيها الرجل السخيف الرقيق القلب! لن أدعَكَ تمكُث هنا حتى ذلك اليوم. عُد إلى زوجتكَ وأطفالكَ، وبَلِّغهم جميعًا حبي.»

قال توم في حماسة والدموع في عينَيه: «أنا أؤمن أن هذا اليوم سيأتي. الرب يحتفِظ لك بعمل تقوم به يا سيدي.»

قال سانت كلير: «عمل؟ حَسنًا، أخبرني الآن يا توم مزيدًا عن رأيك في نوع ذلك العمل. لنسمَع منكَ.»

«إن رجلًا فقيرًا ذليلًا مثلي له عملٌ لدى الرب، فما بالُكَ بالسيد سانت كلير المتعلم الثري الذي يتمتَّع بصداقات، كيف يكون مقدار العمل الذي سيُؤدِّيه للرب؟!»

قال سانت كلير مُبتسِمًا: «يبدو أنك تَعتقِد يا توم أن الرب في حاجة إلى أن نُنجِز له الكثير من الأعمال.»

قال توم: «نحن نَخدُم الرب حين نخدُم خلقه.»

قال سانت كلير: «نظريةٌ جيدة يا توم؛ أفضلُ من موعظة واعظٍ.»

استحوذَت مشاعر فقدان إيفا على ماري سانت كلير أكثرَ من أي شيءٍ آخر؛ وبما أنها امرأة تَتمتَّع بقدرةٍ كبيرة على جعل كلِّ من حولها غيرَ سعيد حين تكون هي غير سعيدة، فقد كان لدى الذي يتعاملون معها تعامُلًا مباشرًا سببٌ أقوى ليأسفوا على خَسارة السيدة الصغيرة، تلك السيدة التي كانت أساليبها الساحرة وشفاعاتها الرقيقة كثيرًا ما تُمثِّل درعًا لهم يقيهم من أنانيَّة أمها واستبدادها التعسُّفي تجاههم. وعلى وجه الخصوص، تلك المُمرِّضة العجوز المسكينة التي انقطَع قلبها عن كل العلاقات المنزلية الطبيعية، كانت الممرضة تتخذ من الفتاة الصغيرة عَزاءً لها، فشَعَرت بعد خسارتها بأن قلبها قد انفطر. كانت تبكي ليلَ نهار، وكانت جرَّاءَ حُزنها على الصغيرة أقلَّ انتباهًا وإتقانًا بشكل أكثر من المعتاد في إسعافها لسيدتها ماري؛ الأمر الذي تسبَّب في تعرُّضها المستمر لوابلٍ من التوبيخ.

سمِعَت السيدة ماري صوت زوجها وهو يَتحدَّث مع توم، فالتفتَت مُبتعِدةً وهي تهزُّ كتفَها استهجانًا.

قالت: «كنتُ أحتفظ بالزنوج في أماكنهم لو لم أكن أَملِك أَمْر هذه المزرعة.»

لكن السيد وعبْدَه جلسا طويلًا في الضوء المتلاشي، وقد وجد قلبُ الأب المتألم عزاءً وراحة في كلمات المحبة والإيمان التي نطقَت بها تِلكما الشفَتان السوداوان.

قال سانت كلير: «ستَحصُل على حُريتكَ يا توم، أيها الصديق المخلص. سأكون قد جهَّزتُ أوراقكَ غدًا.»

«لا أعلم ما الذي يدفعني إلى التفكير في أمي كثيرًا الآن. لديَّ شعورٌ غريب، وكأنها قريبةٌ مني. إنني أُفكر في أشياءَ كانت معتادةً على قولها. هذا غريب، ما الذي يجعلنا نُفكِّر في بعض الأحيان في تلك الذكريات فتتمثَّل أمامنا بتلك الصورة الحية؟!»

راح سانت كلير يَذْرع الغرفة جيئةً وذهابًا لبضعِ دقائقَ ثم قال:

«أعتقد أنني سأخرجُ إلى الشارع لبضعِ دقائقَ لأسمع الأخبار.»

أخذ قُبَّعَته وخرج.

تَبِعه توم إلى الممر وعَبرَ الفِناء وسأله إن كان عليه أن يذهب معه.

قال سانت كلير: «لا أيها الفتى. سأعود في غُضون ساعة.»

جلس توم في الشرفة، كانت الأمسية جميلةً مُقمِرة، فجلس يُشاهد رذاذ النافورة المتطايرَ ويستمع إلى صوت خرير الماء فيها. فكَّر في منزله وأنه سيكون حُرًّا في القريب وأنه سيتمكَّن من العودة إلى موطنه حين يُريد. فكَّر كيف أنه سيتعيَّن عليه أن يعمل من أجل أن يشتري حرية زوجته وأطفاله. شعر بنوعٍ من السعادة يسري في عضلاتِ ذِراعَيه القويَّتَين حين فكَّر أنهم سيكونون ملكه، وكيف يُمكنهم أن يُسهموا في حُرية عائلته. ثم فكَّر في سيده النبيل الصغير، الذي دومًا ما يتبع تفكيرَه فيه صلاةٌ ثابتة كان يهَبُها له؛ ثم ذَهبَت أفكاره إلى إيفا الجميلة التي يعرف أنها الآن بين الملائكة، وظل يُفكر فيها ويُفكر حتى ظنَّ أنها تنظر إليه من بين رذاذ النافورة بوجهها المشرق وشَعرها الذهبي. ثم غشيَه النوم وهو في خِضمِّ تأملاته، وحَلمَ بها آتيةً نحوه وهي تتقافز، تمامًا كما اعتادت أن تفعل، وفي شعرها إكليلٌ من الياسَمين، وكانت وجنتاها مشرقتَين، وعيناها تُشعَّان سعادة وفرحة، لكن وبينما كان ينظر إليها، بدَت إليه وكأنها ترتفع عن الأرض وقد بدا على وَجْنتَيها شيءٌ من شحوب — وكانت عيناها تلمعان بضوءٍ عميق سماوي، وبدَت كأنَّ هناك هالةً ذهبية حول رأسها — ثم اختفَت من أمامه؛ واستيقظ توم على صوت طرقاتٍ صاخبة، وعلى أصواتٍ لأشخاصٍ كثيرين عند الباب.

figure
جلس توم في الشرفة.

أَسرعَ توم ليفتح الباب فدخل بضعةُ رجالٍ أصواتهم مخنوقة وخطواتهم ثقيلة، كانوا يحملون جثةً ملفوفة في مِعطَف وممدَّدةً على لَوحٍ خشبي. سقط ضوء المصباح على وجه الجثة فأضاءه، فصرخ توم صرخةً مدوية من الدهشة والقنوط؛ ذلك أن سيده الشاب سانت كلير قد أُصيب في قلبه الحنون بطلقةٍ كانت تستهدف شخصًا آخر أثناءَ سيره في الشارع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١