الفصل الثالث عشر

في الجزء السفلي من قاربٍ صغير وضيع يُبحر في النهر الأحمر، جلس توم ويداه مكبَّلتان بالقيود والسلاسل، أما قلبه فكان يحمل حزنًا أثقل من الحديد وأقسى منه. كانت سماء أفكاره مُلبَّدة بالغيوم، فاختفى منها القمر والنجوم، وقد تجاوزَه الأمل كما تتجاوزه تلك الأشجار المصطفَّة على ضِفَّة النهر التي لن تعود أبدًا. ضاع منه منزله في ولاية كنتاكي وكوخه الصغير بساكنيه الأعزاء، ومزرعة سانت كلير وروعتها، وإيفا ذات الشعر الذهبي وابتسامتها البريئة ورفقتها الطيبة، وسيده الشاب الكريم اللطيف السخي الذي وَعدَه حُريتَه — كل ذلك ضاع منه؛ ذلك أن السيدة سانت كلير تجاهَلَت إرادة زوجها وباعَت توم والعبيد الآخرين، فأصبح صديقُ ابنتها والرفيقُ المخلص الرَّءوم لزوجها الذي قدَّم له المساعدة مُكبَّلًا بالأغلال مرةً أخرى، وكان سيده الحاليُّ رجلًا فظًّا غليظًا يحمل اسم سايمون لاجري.

أبحر القارب باتجاه أعالي النهر الأحمر المُوحِل العَكِر، خلال الْتواءاته الحادَّة المُتعرِّجة، فكانت عينا راكبِه الحزينتان تُحدِّقان في ارتباكٍ في ضفتَيه المُنحدرتَين الموحلتَين حتى توقَّف القارب عند بلدةٍ كئيبة ونزل عنه لاجري ومن يملكهم من عبيد.

وسار توم ورفقتُه خلفَ عربةٍ بدائية على طريقٍ أكثر خشونة بقلوبٍ منهزمة نحو مزرعة لاجري. ظلوا ينظرون بعيونٍ مُتَّقِدة إلى وجه مالكهم، وعرَفوا أن الحُزن والكَرب هو قسمتهم.

التفَت لاجري إليهم حيث كانوا يسيرون في صمتٍ وصاح فيهم قائلًا:

«أسمِعوني ما يُطربني، غنُّوا لحنًا مرحًا، لا تُغنُّوا التراتيل الميثودية، بل غنُّوا أغنيةً مُبهِجة. هيا، أسمعوني!»

فجاء صوتُ أحد الرجال يُغنِّي لحنًا خاصًّا بالزنوج:
طلب سيدي لحنًا زنجيًّا،
فصاح فينا كوغدٍ دنيء،
وأتوقَّع أننا سرعانَ ما سننتقل إلى دنيءٍ آخر،
أعلى أيها الزنوج، أعلى!
كان المغني يُؤلِّف الكلمات وهم يسيرون فتولَّى الآخرون الجوقة وقالوا:
ها يو أيها الزنوج!
ها يو أعلى!

كان الغِناء صاخبًا وحماسيًّا؛ لكن الأُذن التي علَتْهم سَمِعَت في غنائهم نداءً للمساعدة والخلاص، لكن مُراقبهم لم يَنتبِه إلى ذلك؛ حيث إنه جعلَهم يُكملون غِناءَهم حتى دخلوا طريقًا نبتَت فيه الأعشاب، وساروا فيه حتى وصلوا إلى منزلٍ كان يبدو عليه فيما مضى أنه جميل، لكنه الآن يحمل علاماتِ الإهمال والاضمحلال. اندَفَع نحو الوافدين الجدد ثلاثةُ كلاب أو أربعة كانوا وحوشًا شرسة مُزمجِرة، وكانت تلك الكلاب تُقطعهم إربًا لو لم يَنهرهم سيدُهم بسوطه الثعباني الأسود.

قال الرجل وهو ينظر إلى الكلاب نظرةً ذات مغزًى: «أتَرونَ ما يُمكنكم أن تتوقَّعوه إذا ما حاول أيُّ زنجيٍّ منكم أن يهرب؟ لا يُمكن لأي شخصٍ أن ينجو حيًّا من تلك الفِكاك أبدًا.»

figure
سار توم ورفقته خلف عربةٍ بدائية الصنع.

تَبِع توم رجلًا ضخمًا صارمًا يُدعى سامبو إلى المأوى. كان توم يُفكِّر في مكانٍ وضيع لكنه هادئ يُمكنه أن يُحافظ على نظافته، وكان يأمُل أن يكون به رفٌّ يضع عليه كتابه المقدَّس، ويكون به فُسحة للراحة والصلاة بعد ساعاتٍ طِوالٍ من العمل. لكن كان هناك صفٌّ من العشَش الخَرِبة، كانت مجرد هياكلَ قذِرةٍ وبائسة وغير مريحة، حتى إن قلب توم القوي انقَبض حين رآها. لم يكن بأيٍّ من هذه العشَش أيُّ قطعة من الأثاث، وكان السرير الوحيد بها عبارةً عن كومةٍ من القَشِّ المتعفِّن.

سأل توم في خضوع: «أيُّ هذه العشَش ستكون لي؟»

«لا أعرف، يُمكنكَ أن تدخل إحداها حتى يُخرِجكَ منها أحدهم. لا يُوجد هنا مكانٌ خاص بأحد. أعتقد أنكم ستتكوَّمون في هذه العشَش مع الكثير من العبيد الآخرين.»

figure
كانت ساعة متأخرة، حين جاء ساكنو تلك العشَش المنهكون إلى المنزل.

كانت ساعةً متأخرة من المساء حين جاء ساكنو تلك العشَش المنهَكون في قطعان إلى المنزل. كانوا رجالًا ونساءً يرتدون ملابسَ مُتَّسخة وممزقة، وكانوا عابسين ومنزعجين، وفي حالةٍ لا تسمح لهم بأن ينظروا في سُرورٍ إلى الوافدين الجدد. كانت القرية الصغيرة تعجُّ بالنشاط لكن من دون وجود أصواتٍ واعدة؛ كانت الأصوات الوحيدة هي أصواتَ تناحُر العبيد عند المطاحن اليدوية حيث يتم طحن كمياتٍ صغيرة من الذرة الصُّلبة التي ستَتحوَّل فيما بعدُ إلى دقيقٍ يُصنَّع منه كِسراتٌ من الكعك هو غذاؤهم الوحيد. كان هؤلاء العبيد في الحقول منذ ساعات الصباح الأولى مدفوعين للعمل تحت ضَربات سِياطِ المشرفين عليهم؛ فقد كان ذلك الوقت هو أَوْجَ الموسم، ولم يكن المشرفون ليتركوا وسيلةً للضغط على كل عبدٍ منهم ليعمل بأقصى ما أُوتي من قوة. نظَر توم عبثًا في وجوه العبيد وهم يتدفَّقون محاولًا التعرُّفَ على أحدهم. ولم يرَ توم سوى رجالٍ متجهِّمين عابسين ونساءٍ واهنات ضعيفات. امتدَّت أصواتُ الطحن حتى ساعةٍ متأخرة من الليل؛ فقد كان عدد المطاحن قليلًا مقارنة بمن يطحَنون، فكان القويُّ فيهم يجور على الضعيف، فينتظر الضعيف دَوْرَه في النهاية.

كان توم جائعًا بسبب رحلته أثناء اليوم، وكاد يُغمَى عليه من شدة حاجته إلى الطعام.

قال سامبو وهو يُلقي إليه بكيسٍ خشِن يحتوي على بعض حبوب الذرة: «هاك! أمسِك أيها الزنجي بهذا، وانتبه إليه؛ فأنت لن تحصل على المزيد، هذا يكفيك أسبوعًا.»

انتظر توم حتى ساعةٍ متأخرة ليجد دورًا له عند المطحنة؛ ولمَّا وجد امرأتَين واهنتَين لا تقدران على الطحن رقَّ قلبه لهما فطحَن لهما ووضَع الدقيق على النار حيث خَبَز قبله الكثيرون كعكَهم وذهَب ليتناول طعامه. كان ما فعله شيئًا جديدًا عليهم، كان فِعلَ خيرٍ بسيط، لكنه لامَس قلوبهم، ارتسمَت على وجه السيدتَين ملامحُ العطف الأنثوي، فعَجَنتا له كعكته واعتَنيَتا به على النار، وجلس توم إلى الضوء بجوار النار، وأخرج كتابه المقدس لأنَّه شعر أنه بحاجة إلى التعزية.

قالت إحداهما: «ما هذا؟»

قال توم: «إنه الكتاب المقدس.»

«آه! لم أرَ واحدًا منذ كنت في كنتاكي.»

قال توم باهتمام: «هل تَرعرعتِ في كنتاكي؟»

قالت المرأة وهي تتنهَّد: «أجل، وقدَ تلقَّيتُ تربيةً جيدة أيضًا؛ لم أتوقَّع أبدًا أن أصل إلى هذه الحال!»

قالت المرأة الأخرى: «ما هذا الكتاب على أية حال؟»

«إنه الكتاب المقدَّس.»

قالت المرأة: «يا إلهي! وماذا يعني هذا؟»

قالت المرأة الأخرى: «أحقًّا؟! ألم تسمعي به من قبلُ؟ لقد اعتدتُ أن أسمع سيدتي وهي تقرأ فيه أحيانًا في كنتاكي. لكن يا إلهي! إننا لا نسمع هنا شيئًا سوى أصواتِ الضرب والإهانة.»

قالت المرأة الأُولى في فُضولٍ حيث رأت توم منكبًّا عليه: «اقرأ لنا شيئًا منه على أية حال!»

فقرأ توم: «تعالَوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم.»

قالت المرأة: «تلك كلماتٌ جيدة بما يكفي. مَن قالها؟»

قال توم: «الرب.»

قالت المرأة: «إنما أتمنَّى فقط لو أنني أعرف أين أجده. كنت أذهب إليه؛ يبدو لي أنني لن أستريح أبدًا. إن جسدي مليء بالآلام، وأنا أرتعِد طَوال اليوم، وسامبو يُلهِبني بالسوط؛ لأنني لا أجمع المحصول بالسرعة الكافية، وفي الليل لا أتناول طعامي إلا بحلول منتصف الليل، ثم إنني لا أكاد أغفو حتى أستيقظ على صوت النفير، ويتكرر الأمر معي في الصباح مُجدَّدًا. لو أنني أعرف أين هو الرب لكنتُ أخبرتُه.»

قال توم: «إنه هنا؛ إنه في كل مكان.»

قالت المرأة: «يا إلهي! لا تُحاول أن تقنعني بذلك! أنا أعرف أن الرب ليس هنا. الكلام لا يُجدي. سأستريح فقط وأنام بينما لا يزال بإمكاني النوم.»

ذَهبَت المرأتان إلى عشَّتَيهما وجلس توم وحيدًا بجوار النار المشتعلة التي تُومِض بوميضٍ أحمر في وجهه.

كان القمر الفضِّي الباهت في كَبِد السماء الأُرجوانية، وكان يُطل على الأرض في هدوء وسكون كما ينظر الرب إلى مَشهَد البؤس والاضطهاد هذا. أطلَّ القمر في هدوءٍ على الرجل الأسود الوحيد بينما كان جالسًا وذراعاه مطويَّتان وكتابه المقدَّس على ركبته.

وفي أثناء اليوم التالي، كان توم يعمل بجوار المرأة الخلاسية التي بِيعت معه في المجموعة نفسها. كانت وبلا شكٍّ في حالة من الكَرب الشديد، وسمِعَها توم بضع مراتٍ وهي تُصلي بينما كانت تَرتجِف وتَرتعِش وبدت وكأنها ستسقُط مغشيًّا عليها. وبينما كان توم يقترب منها في صمتٍ نقَل إلى كيسها بضع حفناتٍ من القطن من كيسه.

قالت المرأة وقد بدَت مندهشة: «أوه، لا تفعل، لا تفعل! ستتأذَّى بسبب هذا.»

أكمل توم مهمته في صمت، لكن المرأة التي كانت قد وصلَت إلى أقصى مراحل التعَب سقطَت مغشيًّا عليها.

وحين استعادت وَعْيَها أتى توم نحوها مرةً أخرى ووضع كلَّ ما جمع في كيسها — رغم ما ينطوي عليه ذلك من مُخاطَرة له بفعِل ما سيُلاقيه.»

قالت المرأة: «لا ينبغي عليك أن تفعل ذلك! أنت لا تعلم ما سيفعلونه بكَ!»

قال توم: «يُمكنني أن أتحمَّل ذلك! أكثر منكِ.» ثم ذهب إلى مكانه مرةً أخرى، وقد حدث كل ذلك بسرعةٍ كبيرة.

figure
وجلس توم إلى الضوء بجوار النار.

لكن في تلك الليلة وفي غرفة الوزن، نادى لاجري على توم ليتقدَّم للأمام.

قال بابتسامةٍ خبيثة: «يا توم، لقد أخبرتُكَ حين اشتريتكَ أنني سأجعل منكَ أكثرَ من مجرد يدٍ عاملة، أليس كذلك؟»

«بلى يا سيدي.»

«هذا صحيح. فعلتُ وسأحفَظ كلمتي وسأجعلُ منك جلادًا. إن إحدى أولئك السيدات الكسالى الوضيعات شُوهِدت وهي تتهرب من العمل اليوم وتسمح لشخصٍ آخر بأن يملأ كيسها بالقطن. والآن أخرِجْها وأَلهِبها بالسوط، أتسمعني؟ ألهِبها بالسوط وأنقِذ نفسك، وإلا فسأُوكل إلى الرجال مهمة إعادتك إلى رُشدكَ.»

وقف توم ثابتًا كالصخر ولم يتحرك أدنى حركة تجاه المرأة المرتعشة.

صاح لاجري: «حسنًا! انصرف إلى سقيفة الجَلد.» لكن توم لم يُقدِم على أيِّ حركة أيضًا، ثم سقَطَت يد المزارع العنيفة على كتفه، لكن عينَيْ توم لم تُظهرا أي خوفٍ في مواجهة عين الرجل المتجهِّم أمامه.

قال توم: «أستميح سيدي عذرًا. أتمنى ألا يحكم عليَّ سيدي بسبب ذلك. أنا لم أعتد فعل ذلك — قَط — ولا يُمكِنُني فعل ذلك، بأي طريقةٍ كانت.»

قال لاجري وهو يرفع جِلدةَ بقرة ويَهْوي بها على وجنة توم: «ستتعلَّم الكثير من الأشياء التي لم تكن لِتعرفَها قَطُّ من سواي!» ثم أتبعَ ضربتَه بوابلٍ من اللَّكَمات.

ثم قال: «هاك! هل ستقول لي إنكَ لا تستطيع فعلها؟»

قال توم وهو يرفع يده ليمسح الدم السائل على وجهه: «أجل سيدي. سأعمل ليلَ نهار، سأعمل ما دامت لا تزال بي أنفاس الحياة، لكنني لن أفعل هذا الشيء أبدًا — إطلاقًا!»

كانت نَبْرةُ صوتِ توم عذبةً ومعتدلةً بشكل ملحوظ، وكان أسلوبه دالًّا على الاحترام، وكان ذلك قد أوحى إلى لاجري بفكرة أنه قد يكون جبانًا أو سهل الانقياد. لكنه حين تحدَّث بتلك الكلمات الأخيرة، سرَت قُشَعريرة من الدهشة في جسد الحضور أجمعين؛ فشَبكَّت المرأة المسكينة يدها وقالت: «أوه إلهي!» فنظر الجميع إلى بعضهم وحبَسوا أنفاسهم، كما لو كانوا يستعدُّون للعاصفة التي على وَشكِ أن تنفجر.

بدا لاجري متحيرًا ومرتبكًا، لكنه أخيرًا انفجر قائلًا:

«ألستُ أنا سيدك؟ ألم أدفع ألف دولار ومائتَين لأحصل على كل ما بداخل رأسكَ الأسود الملعون؟ ألستَ ملكي الآن، جسَدًا وروحًا؟ أجبني!»

أطلق هذا السؤالُ في روح توم بصيصًا من الفرح والانتصار بينما كان في أعماق معاناته الجسدية خانعًا تحت وطأة هذا الجَور والطغيان الوحشي. ثم انتصَب توم فجأةً ونظر بشجاعةٍ نحو السماء وصاح والدمُ والدمعُ يسيلان مختلِطَين على وجهه:

«لا! لا! لا! روحي ليست ملكًا لكَ! أنت لم تَشترِ روحي — لا يُمكنكَ أن تشتريَها! لقد اشتراها ودفع ثمنَها مَن هو قادرٌ على الاحتفاظ بها. لا يُمكنكَ أن تُؤذيَني بأيِّ طريقةٍ كانت!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١