الفصل الرابع عشر

figure
أجاب توم في هدوء: «أجل يا سيدي.»

خرج سايمون لاجري والغضب يتملَّكه في إثر توم والزنوجِ الغِلاظ الآخرين الذين ساروا على كِلا جانِبَيه نحو سقيفة الجَلد. كان قلب المُزارِع الخبيث الوحشي مُفعَمًا بالغضب بينما كان يُفكِّر في كلماتِ العبد البائس الضعيف.

غمغمَ لاجري في نفسه: «سأُريه إن كنتُ قادرًا على إيذائه أم لا! سأُذيقه العذاب!»

كانت السَّقيفة تقَع على مسافةٍ من المنزل، وكانت مُضاءةً بمصباحٍ وحيد في عُلبة صفيح علَّقَها سامبو على الحائط، تمامًا فوق عمودٍ وُضِع بين حلقتَين معدِنيتَين في أحد جوانب السقيفة. قام كلٌّ من كويمبو وسامبو بجرِّ توم نحو العمود وقيَّداه، فكان وجهه قُبالةَ الحائط ويداه ممدودتَين في الحلقتَين المعدنيتَين. وقف سايمون لاجري يُشاهِد ما يحدث، ثم ذهَب نحو توم وأمسَكَ به من كَتفِه وقال وهو يتحدَّث من بين أسنانه:

«أتعلَم أنني عَقدتُ العزم على أن أقتُلكَ؟»

أجابه توم في هدوء: «أجل يا سيدي.»

فاستطرد لاجري: «لقد فعلتُها من قبلُ. أنتَ تعتقد أنني لن أفعلها بكَ؛ تعتقد أنني سأجلدكَ بعض الوقت ثم أُخلِّي سبيلكَ. لكنني أحضرتُكَ هنا إما لكي أكسر عزيمتكَ أو أقتُلَك. سأُصفِّي دمك قَطرةً قطرة حتى تستسلم.»

قال توم وقد رفَع نظره وأدار رأسَه للخلف فنظر في وَجْه الرجل الأبيض المريع: «سيدي، لو كنتَ في ورطة أو كنتَ مريضًا وكان بإمكاني إنقاذك، فأنا على استعدادٍ أن أُضحِّي بحياتي من أجلك. وإذا كانت تصفية دمي قطرةً قطرة من جسَدي العجوز البائس هو ما سيُنقذ روحك الغالية، فسأُقدِّم دمي عن طيبِ نفسٍ كما فعَل ربِّي المسيح من أجل روحي. لكن ما ستفعَلُه سيُؤذيك أكثرَ مما سيُؤذيني. أنا سأموت، لكن سيتحتَّم على روحكَ يا سيدي أن تحمل دومًا عبء الجريمة التي ارتكبتها.»

ساد الصمت لحظة، ووقف لاجري مذعورًا. ثم راودَته الروح الخبيثة مرةً أخرى فصاح بصوتٍ أجشَّ مُفعَمٍ بالغضب:

«جهِّزوا سياطكم أيها الرجال!»

قام أولئك الرجالُ الغِلاظ التابعون لذلك السيد المُتوحِّش بهزِّ سياطهم فوق ظهر توم.

«قطِّعوا لحمه حين آمركم! سأبيع جثتكَ بخمسين دولارًا!»

«قَبِلتُ بذلك! هل آخذك على كلمتك؟ هذا الرجل ملكي!»

جاء صوتٌ صِبيانيٌّ رنَّان يُغطي على صوت التمتمات حيث اندفَع شابٌّ إلى داخل المكان من دون سابقِ إنذار، ودفع بنفسه بين توم والسياط التي هوَت أمام ناظِرَيه.

تَراجَع المزارع وقد تملَّكَته الدهشة وتقَهقَر الزنوج نحو الحائط، أما توم فقد استدار برأسه ونظر بعينَيه المتعبتَين الذاهلتَين في وجه الغريب، فانفَجَرت شفتاه في صرخةٍ مُدوِّية مُبتهِجة:

«سيدي جورج! سيدي جورج الشاب! الحمد للرب!»

لَفَّ جورج شيلبي ذراعَيه حول جسد العبد العاري وقال وقد خنقَته عَبرة: «العم توم، العم توم العزيز، كنتُ أبحثُ عنك في كل مكان، لكنني وصَلتُ في الوقت المناسِب لأُنقِذكَ في النهاية! لكن هناك مسألة عليَّ أن أُسوِّيَها مع ذلك الشيطان قبل أن نذهب للمنزل.»

ومدَّ يدَيه المرتعشتَين ليفُكَّ الحبال عن توم، وكان وجهُه أبيض حين التفَت لينظُر إلى لاجري. لكن المكان أصبح خاويًا ولم يَعُد هناك سواه وتوم الذي كان يبكي في تلك اللحظة ويتضرع عند قدمَيه؛ ذلك أن المزارع كان جبانًا رِعديدًا — شأنه في ذلك شأن جميع الطغاة — يخشى القانون الذي سيُنزِل به عقابًا في النهاية. بدا للسيد لاجري أن وصول الشاب الأبيض في نفس اللحظة التي قَرَّر فيها قَتْل توم إنما هو من ترتيبٍ إلهي، رغم أن الشاب في واقع الأمر كان يُحاول مُدَّة شهرَين — منذ وفاة والده — العثورَ على خادمهم العجوز وصديقهم المخلص، وإعادتَه إلى مزارع ولاية كنتاكي. وكان وصوله — على قَدْر ما كان مواتيًا — هو النتيجةَ الطبيعية للرحلة التي قام بها في أعالي النهر الأحمر الكَدِرةِ مياهُه على مَتن باخرةٍ صغيرة مُبتذَلة كانت قد توقَّفَت بالقرب من مزرعة لاجري من أجل التزوُّد بالفحم، بالإضافة إلى المعلومات التي جمعها قبل التوجُّه شمالًا من نيو أورليانز، والتي تقول بأن رجلًا يحمل اسم لاجري كان قد ابتاع أحدَ عبيدِ سانت كلير، الذي يُدعى تو، ثم الكثير من الوقائع هنا، لكن من ذا الذي يُمكنه أن يقول إن رب العالمين لم يكن يُرشد ذلك المنقِذ نحو سَقيفة الجَلد تلك؟

figure
«سيدي جورج! سيدي جورج الشاب! الحمد للرب!»

حين أفاقَ توم من صَدمة إنقاذه، شبَّكَ جورج ذارعَه في ذراعِه وخرجا من السقيفة وسارا معًا نحو المنزل. نظر إليهم لاجري — الذي كان قد استَجمَع بعض شجاعته الآن — في عُبوسٍ واستهزاء وقال:

«أعتقد أنكَ أتيتَ من أجل شراء ذلك الوغد الأسود. حَسنًا، أقول لكَ إنني لن أبيعكَ إياه.»

ثم راح يتبختر حول الشاب وكأنه يُهدده، لكنه لم يكن يعلم شجاعة قلب وهدوء عقل الشاب الذي يتعامل معه.

أجاب جورج وهو ينظُر في عينَي المزارع الصغيرتَين الوقحتَين حتى زاغت عينا الأخير حرجًا: «لكنكَ ستفعل! ستبيع توم وستسمح له أن يُغادر معي هذا المكان في الحال، وإلا فستَمثُل أمام المحكمة في قضايا أكبرَ من تلك التي شَهِدتُها قبل لحظات. هناكَ رجالٌ بيض مستعدون ليشهدوا بالكثير مما يحدث هنا، وبما أنني رجلٌ نبيل من ولاية كنتاكي، فسأُقدِّمك بنفسي للعدالة! هيا، قُم بإعداد الأوراق. سأدفع لك ما دفعتَه في توم.»

figure
أخرج جورج الأموال وعدَّها.

نظر توم إلى الشاب ودموعُ الفَخر والفرحة تَترقرقُ في عينَيه. في تلك الساعة كان الصبي قد أصبح شابًّا قويًّا قادرًا على الدفاع عنه وحمايته. نظَر إليه لاجري للحظة من خلال عينَيه الضيقتَين، لكن وجه الشاب كان يَنِمُّ عن الصرامة والثبات، ثم انكبَّ في النهاية على الطاولة وقد أطلق ضحكةً هي أكثرُ بشاعةً من كونها تأوهًا، وأخرج أدوات الكتابة وأعدَّ وثيقة البيع.

أخرج جورج الأموال وعدَّها في شيءٍ من نشوة إنجاز الأعمال، ودفَعها إلى مراقب العبيد ثم استدار، بينما وضَع الأوراق في جيبه — ومن دون أن ينطق بكلمةٍ إلى لاجري — ومَدَّ يده إلى الرجل الأسود الواقف صامتًا كالتِّمثال عند الباب وقال:

«هيا أيها العم توم، إن منزلكَ وأصدقاءكَ القُدامى ينتظرونَك. العمة كِلوي والأطفال يتلهَّفون إلى عودتِك. سأُحرِّركَ بمجرد أن تدخُل من بابِ كوخك. أنصِت! ذاك هو صوتُ صفير الباخرة عند رصيف المرفأ. هيَّا أيها العم توم، ينبغي علينا أن نعود إلى المنزل.»

غادر الرجلان المكان مغًا، وجلَس المزارع عند الطاولة حيث وقَّع أوراق البيع ودفَن وجهه بين كفَّيه. لا يُمكن لأحدٍ سوى الرب المُطلع على القلوب أن يعرف ما كان يُفكِّر فيه، لكن العبيد كانوا قد تسلَّلوا عَبْر الباب على أطرافِ أصابعِهم ووقَفوا خارج المنزل في مجموعاتٍ وهمَسوا إلى بعضهم قائلين:

«بالتأكيد نال سيدنا ما يستحقُّه هذه المرة.»

كانت العمة كِلوي قد ارتدَت أفضل فستانٍ قطني لديها، وزيَّنَت رأسها بعمامةٍ لونها أحمرُ بَرَّاق. أما الأطفال فكانوا يتألَّقون في ملابسَ بيضاء نظيفة كانت السيدة شيلبي قد بعثَت بها إليهم من المنزل الكبير على شَرف مَن يترقَّبون وصولهما. كان المكان كله نظيفًا تمامًا، وكان كلٌّ من موس وبيت — اللذَين أصبحا صبيَّين يافِعَين الآن — يقفان خارج الكوخ ويعزفان على آلة البانجو، وبعد أن قلَّدا كل أصوات الطيور المألوفة لهما، شرعا في غناءِ لحنٍ خاص بهما يقول:
هناك عصفورُ قَرْقفٍ يُغني بين الأغصان،
صهٍ عُصفور المُوَّاء.
هناك عُصفور قَرْقف صغير يُخبِرني،
أن والدي سيُصبح من الأحرار.
أوه، أوَليس هذا خبرًا سعيدًا؟!

وقفَت العمة كِلوي عند الباب وقالت:

«ألم تسمعا حوافر الجياد على الطريق حتى الآن؟ ينبغي أن يكون والدُكما والسيد جورج على وَشَك الوصول.»

«لا، لم نسمع شيئًا. يا أمي!»

«نعم يا عزيزي.»

نظر بيت في وجه أمه في قلق، وارتَجفَت شفتاه قبل أن ينطق بما يُريد: «أمي، ماذا لو أن السيد جورج لم يستطع أن يجد أبي في أيِّ مكان؟»

هوَت صفعةٌ على خَدِّه، فكانت بمثابةِ عقابٍ له على قلة إيمانه.

figure
«اصمت ولا تقل هذا عن سيدك جورج!»

«اصمُت ولا تقل هذا عن سيدك جورج. سوف يجده. سأذهَب الآن كي أطهوَ الدجاج على النار. ما هذا الصوت الذي سمِعتُ؟»

«لا شيء يا أمي. لا يُوجد أي صوتٍ بعدُ.»

لكن قلب العمة كِلوي كان يسبق آذانها في الإنصات، ثم ازداد جمالُ وجهها الأسود بفعل مشاعر الحب والعرفان، وقالت بنَبرةٍ مُنكسِرة:

«غنِّيَا أيها الصبيَّان! أسمِعاني أفضَلَ ما لديكما من ألحان. إنني أسمع صوت عجلات العرَبة على الطريق هناك. لقد أوشَكَ والدُكما على العودة إلى المنزل.»

أمسَكَ الصبيَّان بآلتَي البانجو وغنَّيا ورقَصا وكأنهما طائران يَخفِقان بأجنحتهما الخياليَّة، ونزلَت السيدة شيلبي عن دَرَج المنزل الكبير وسارت نحو الكوخ. وجَدَت السيدة شيلبي الأولاد في حالةٍ من البهجة، ورأت على وجه الزوجة المنتظرة المخلصة أماراتِ الترقُّب والأمل.

فقالت بنَبرةٍ لطيفة للغاية: «أيتها العمة كِلوي، لا ترفعي سقفَ آمالك عاليًا. ربما لم يتمكَّن جورج من العثور على توم في النهاية. أنتِ تعرفين أننا لم تصلنا أيُّ أخبار.»

figure
«سيدتي، توقفوا جميعًا عن الشك. أنا متيقنة. أنصتي!»

رفعَت المرأة السوداء يدَيها نحو السماء وقالت:

«سيدتي، توقفوا جميعًا عن الشك. أنا متيقِّنة. أنصِتي!»

جاء صوتٌ صبيانيٌّ جميل من بعيد، كان خافتًا في البداية لكنه ظلَّ يقترب، وكان الكلام يصل إليهم مُتقطعًا، وتساقطَت الدموع على الأوجُه البيضاء والسوداء على حدٍّ سواء، بينما سمِعوا وهم ينتظرون:
ما أجملَ العودة إلى الوطن! ما أجملَ العودةً إلى الوطن!
فليحفظه الرب دومًا، فليس هناك ما هو أجمل من الوطن.

كان الصوت يزداد قُربًا ووضوحًا وقوة، فاختلَطَت البسمات بالدموع، وفي غُضون لحظاتٍ كانت العربة تندفع عَبْر الباحة، فتوقفَت عند باب كُوخ العم توم وعلى مَتْنها راكبان سعيدان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١