الفصل الثالث

في صبيحة اليوم التالي تساءلَت السيدة شيلبي: «لماذا تأخرَت إلايزا هكذا؟! لقد دقَقتُ الجرس ثلاثَ مراتٍ ولا يُمكنها سماعي! آندي.» فدخل طفلٌ أسود يحمل مياهًا للحلاقة للسيد شيلبي «اذهب إلى بابِ غُرفة إلايزا واستَدعِها.» ثم أضافت في نفسها بينما أطلقَت تنهيدة: «آه، أيها الطفلُ المسكين!»

جاء آندي عَبْر الردْهَة يُتأتئ من الدهْشَة وقال:

«سيدتي، إن أشياءَ ليزي مُبعثَرة في غُرفَتِها ويبدو أنها هَربَت!»

انتفَضت السيدة شيلبي واقفةً على قدَمَيها ونظَرت إلى زوجها. وصاحت قائلة: «شكرًا للرب!» لكن السيد شيلبي غَمْغَم بشيء لم يكن مسموعًا وأَسرعَ خارجًا من الغرفة.

عَجَّ المكان بالكثير من الإثارة، لكن السيدة شيلبي كانت في غُرفتها تَذْرعُها جيئةً وذهابًا وهي تبكي وتدعو أن تتمكَّن الأم الشابة المسكينة من الهَرَب بسلامٍ قبل أن يلحق بها هالي على حِصانِه السريع.

كان هناك مجموعةٌ من العبيد السود يقفون وكأنهم غِربانٌ على حديد الشُّرفة حين ظَهَر التاجر.

سألَت ماندي ذاتُ الشعر الخشِن كالصوف في نَبرةٍ تنمُّ عن اهتمامٍ كبير: «هل ستأخُذُ هاري الصغير؟»

أجابها التاجر بينما ضَربَها على ساقَيها السوداوَين العاريتَين بسَوطِه: «أجل.»

تَحوَّل الوهَنُ في وجهها إلى ابتسامةٍ صفيقة وقالت:

«هل ستأخُذُه الآن أم ستنتظر حتى تُمسِك به؟» وبينما كان التاجر ينظُر إليها في دهشةٍ رَدَّ عليها راستوس الذي كان جاثمًا على أحد العواميد:

«لقد جعلَت ليزي من نفسها صيدًا لهم، أوه، ما الذي يجعلها تَفعَل ذلك؟»

figure

كان هالي قد تَقدَّم نحو المنزل بعد أن دفع بالعبيد على الأرض، فتركهم مجموعةً من الأيادي والسيقان السوداءِ التي تتقافَز وتضحك.

ثم تحدَّث مع السيد شيلبي حديثًا قصيرًا حانقًا اتهمَه فيه بأنه ساعدَ الأم وابنَها على الهرب، ثم تَلقَّى سام أمرًا بأن يُحضِر الجياد بعد أن كان قابعًا تحت أشعة الشمس ينتظر أن يحدُث شيءٌ مثير.

قال آندي لاهثًا بينما أراد أن يُشدِّد على أهمية كلماته: «لقد عصَت ليزي الأَمرَ وهَربَت، ويُريد السيد منكم جميعًا أن تُساعدوا السيد هالي في اللَّحاقِ بها.»

قفَز سام على قدمَيه وقال: «أُوافِقُكَ الرأي! تلك المرأة الزنجية ذكيةٌ مثل توم، ولكنني سأُحضِرها إلى هنا في أقصر وقتٍ ممكن.»

اقترب آندي منه كثيرًا وحدَّثه بنبرةٍ خفيضة: «أوه، أحقًّا؟ حسنًا، إذا قبَضتَ عليها فعلًا فستجزُّ لك سيدتنا شَعركَ. إنها لا تُريد أن يُلقَى القبض على ليزي. أتسمعني! لقد سمعتُها وهي تقول «شكرًا للرب!» حين أخبرتُها أن الفتاة قد هَربَت. إذا كنتَ لا تُريد أن تُلهِب السيدة ظَهركَ بالسياط، فعليك أن تحرص على ألا يُمسِكوا بالفتاة اليوم!»

حَكَّ سام شَعره الخشِن وبدت عليه الحَيْرة، وعندما رأى التاجر وهو يقترب منهما، بادَر قائلًا:

«تَحرَّك سريعًا وجَهِّز تلك الجِياد، كما أخبرتُك. تتبَّع الآثار الآن أيها الألمعي، لقد سمعتُ السيدة وهي تقول «لماذا لا يُساعدهم سام صاحب الأَنفِ القوي مع كلٍّ من جيري وبيل؟»»

وعندما سَمِع سام ذلك بدأ يتعامل بجديةٍ وسرعان ما عاد بالحِصانَين القويَّين في كامل تجهيزاتهما. كان حِصانُ هالي فرسًا يافعًا مليئًا بالحيوية والنشاط، وكان يتقافَز ويتواثَب بينما كان سام يسحبه من رَسَنِه.

قال سام وقد لَمعَت عينه فجأة: «على رِسلِكَ! هل أنتَ خائف؟ حَسنًا، سأُجهِّزكَ أنت وسيدك!»

كان هناك شجرةُ زانٍ طويلةٌ وكبيرة تُظلِّل المكان وتحتها كانت ثمارُ أشجار الزان الصغيرة المدبَّبة والمثلَّثة الشكل مُبعثَرة بكثرة في الأرجاء. اقتَربَ سام بيده من الحِصان بينما كان يَحمِل إحدى هذه الثمار في يده، وبدأ يُداعبه ويُربِّتُ عليه وبدا وكأنه يُحاول تهدئةَ اهتياجه. تَظاهَر سام بأنه يُعدِّل من وَضْع السَّرْج، ووَضَع هذه الثمرة الحادَّة الصغيرة تحت السَّرجِ بطريقة تتسبَّب للحِصان بالانزعاج عند أدنى حُمولةٍ عليه، وذلك من دون أن تُصيبه بأيِّ خَدشٍ أو جرح.

ثم قال سام وهو يدُور بعينَيه بينما اعتلَت شفَتَيه ابتسامةٌ تدُل على أن الأمر قد أُنجِز: «ها أنا أُحاول ضبط كل شيء!»

في هذه اللحظة ظهرَت السيدة شيلبي في الشُّرفة العُلْوية وأومأَت إليه.

«لماذا تتلكَّأ يا سام؟ لقد أرسلتُ آندي ليُخبِركَ أن تُسرع.»

قال سام: «باركَكِ الرب سيدتي! لا يُمكن تجهيز الجياد في دقائق، إنهم سيذهبون إلى أقصى المراعي الجنوبية، والرب وحده يعلم ما يُمكن أن يحدث!»

«حسنًا يا سام، ستَذهَب مع السيد هالي لتدُلَّه على الطريق وتُساعِده. كن حريصًا على الجياد يا سام، تعلم أن الحصان جيري كان يَعْرَج قليلًا في الأسبوع الماضي، لا تركُض به بسرعةٍ كبيرة!»

قالت السيدة شيلبي كلماتها الأخيرة هذه بنبرةٍ خفيضة وتأكيدٍ قوي.

figure
وتشَقلَب رأسًا على عَقِب.

قال سام بينما رفع عينَيه بنظرة تنِمُّ عن معانٍ كثيرة: «لنَترُكِ الأمر كلَّه لذلك الحِصان اليافع.»

ثم قال بينما عاد إلى مَوقعِه تحتَ شجرة الزان: «والآن يا آندي، أترى، لن أكون مُتفاجئًا إذا ما طَرحَ هذا الحِصانُ السيد النبيل أرضًا إذا حاوَلَ أن يَمتطيَه. تعرف يا آندي أن هذه المخلوقات يُمكن أن تفعل مثل هذه الأشياء.» ثم نكَز سام آندي في جانبه.

قال آندي بنبرةِ استحسانٍ فوري: «عظيم!»

«أجل، أترى يا آندي، تُريد السيدة أن تمنحها بعض الوقت — هذا واضح ويُمكن لأيِّ شخصٍ عادي أن يُلاحظه. وكل ما أفعله أنني أُوفِّر لها بعض الوقت. والآن، أترى، أَطلِق سَراحَ تلك الجياد، دَعْها تَتحرَّك بحُرية في هذه المساحة وحتى الباب الخشبي، وأتَوقَّع ألا يَنطلِق سيدنا مُسرعًا.»

ابتَسَم آندي.

ثم قال سام: «ولا يُمكن لأيِّ شخصٍ أبدًا أن يعرف ما سيَفعلُه الحصان. وإذا حدث أنْ هَربَ حِصانُ السيد هالي، فسيكون من الطبيعي أن نترك جيري وبيل لكي نُساعِده.»

figure
وتبعه آندي.

وبدأ الاثنان يُنفِّذان أشكالًا كثيرة من رقصاتٍ صامتة للتعبير عن فرحتهما، ثم قفَز سام في النهاية من الشرفة وأخذ يَتشَقلَب حتى وصل إلى السياج وكأنه كرةٌ سوداءُ كبيرة. وتَبِعَه في ذلك آندي، فكان يتقافز على يدَيه وقدَمَيه حتى حطَّ عند أسفلِ المُنحَدر تمامًا في اللحظة نفسِها التي خرج فيها السيد هالي من المنزل.

نادَى عليهما قائلًا: «تعالَيَا إلى هنا أيها الوَغْدان الأَسْودان! أَحضِرا حِصاني.»

صاح سام: «أمركَ سيدي!» بينما حلَّ حزام اللِّجام من العامود وبعد لحظةٍ جاء آندي برفقة الحصانَين بيل وجيري.

قال التاجر: «أَسْرِعا، واحرِصا على ألَّا نُضيع المزيد من الوقت.» ثم قفَز إلى السرج فطَرحَه حصانُه أرضًا بقفزة منه ووثَب بعيدًا وهُرِع بأقصى سرعةٍ له نحو النهاية البعيدة في الجهة الأخرى من الساحة، وتَبِعَه بيل وجيري.

قفَز هالي واقفًا على قدمَيه وصاح: «أَمسِكا به!» بينما كان يُحاول الجري خَلْف الجِياد الهاربة. نظَر آندي بعينَين بريئتَين من فوق كتفَيه وقال:

«أَمركَ يا سيدي، من المؤكد أننا سنُمسِك به، أليس كذلك أيها الفِتْيان الأذكياء؟ هيا أيها الأطفال، ستُساعِدوننا جميعًا في الإمساك بحِصانِ السيد هالي!»

بدأ خمسون فتًى زَنْجيًّا أو أكثر بأعمارٍ متفاوتة في الجري وهم يَصِيحون ويفتحون أذرُعَهم، وكانت الجياد بالطبع تَفِرُّ وتتواثَب وظلَّت بعيدة عن مُتناوَلهم. ثم اشتَركَت جميع كلاب المزرعة في العملية، وزادوا من حالة الفوضى، وبدا أن حِصان التاجر السريعَ والمفعَم بالحيوية يستمتع حين يرى مدى اقتراب مُطارِديه منه من دون أن يتَمكَّنوا من الإمساك به. عَدَت الجيادُ الهاربة الثلاثة مسافةَ مِيلٍ تقريبًا في أرضٍ بها مَرْج، وبعد هذه الأرض كان هناك غابةٌ مساحتها أربعون فدانًا. كان سام قد تَركَ الحاجز بين الساحة وبين الغابة مفتوحًا، فكانت الجياد بين الحين والآخر تختفي فيها لبُرهةٍ من الوقت ثم تُعاود الظهور مرةً أخرى ويبدو عليها وكأنها على استعدادٍ لأن تستسلم. لكن في اللحظة التي تَمتدُّ إحدى الأيادي التي تُلاحِقهم نحو لجامِ أيٍّ منهم، كانت الجياد تَهربُ بعيدًا بأقصى سُرعة لديها، وكان التاجر يَندَفع ويستشيط غضبًا، لكن صوته كان غيرَ مسموع في خِضمِّ جلَبة النُّباح والصياح وجلَبة حوافر الجياد.

كان السيد شيلبي يُحاول أن يصيح إليهم بالتوجيهات من النافذة، وكانت السيدة شيلبي في الشرفة العلوية تُشاهدهم وتضحك وتبكي، بينما كانت تدعو بأن تَحصُل إلايزا وطفلها على المزيد من الوقت. وفي الساعة الثانية عشرة تقريبًا، كان سام يمتطي ظهر الحِصان جيري ويسير بجانبه حِصان السيد هالي.

قال الوغد الأسود: «لقد أمسكنا به! ألم أقل لك إننا سنُمسك به؟»

غَمغَم التاجر: «أنتما؟ لولاكما لما حدث كل هذا.»

خرجَت السيدة شيلبي إلى الشرفة التحتية وعلى مُحيَّاها ترتسم ابتسامةٌ لطيفة.

فقالت بنَبرةٍ ودية: «ينبغي أن تنتظر يا سيد هالي حتى وقتِ الغَداء، لن نُؤخِّرك طويلًا، كما أنه لا بُد أنكَ تشعر بالتعب.»

نظر إليها الرجل بإمعان، لكنها بدَت بمظهرٍ بريء تمامًا، فقال الرجل:

«شكرًا لك سيدتي؛ أعتقد أنني سأنتظر بالفعل.»

بينما كان كلٌّ من آندي وسام آمِنَين تحت مِظلة الحظيرة يتدحرجان على الأرض ويضحكان بسبب نجاحهما.

قال سام: «لن يُغادر من هنا قبل الساعة الثانية، وبحلول تلك الساعة لا بد أن تكون ليزي قد قطَعَت مسافةً كبيرة. هيا يا آندي، لنذهب إلى المطبخ. ستَحرِص سيدتُنا على أن نتناول غَداءً ممتازًا هذه المرة.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١