الفصل الخامس

كان السيناتور بيرد من ولاية أوهايو يشرح لزوجته القانون الجديد الذي تمَّت الموافقة عليه وتمريره، والذي يمنع الناس من مساعدة العبيد الهاربين من ولاية كنتاكي أو إيوائهم. أما زوجته التي لا يتخطَّى طولها مستوى صَدْره فكانت واقفةً وعيناها لامعتان ووَجْنَتاها مُتوهِّجتان، وكانت تقول بأنها كانت ستَمحُو هذا القانون من الوجود لو أُتيحت لها الفرصة، ذلك حين أطل كادجو العجوز برأسِه ذي الشَّعر الخشِن من الباب وقال:

«سيدتي، أيُمكِنُكما الحضور إلى المطبخ لدقيقة؟»

figure
«أيُمكنكما الحضور إلى المطبخ لدقيقة؟»

أَسرعَت المرأة القصيرة الطيبة إلى المطبخ بينما وقَف السيناتور ينظُر مبتسمًا إلى النار حين سَمِعَها تُناديه فجأة:

«جون، يا جون! تعالَ هنا الآن، بسرعة!»

figure
امرأة يافعة ونحيلة ثيابها ممزقة ومتجمدة.

وضَعَ الرجل الورقة من يده وذهب إلى المطبخ، ووقَف مَشْدوهًا من المنظر أمامه: كان هناك امرأةٌ يافعة ونحيلة، ثيابُها مُمزَّقة ومُتجمِّدة وأحد حِذاءَيها مفقودٌ وجوربها مُمزَّق وقدمها مجروحة وتنزف، وكانت المرأة راقدة في حالة إغماء على كرسيَّين وُضِع أحدُهما بجانب الآخر. وقد بدَت على وجهها علامات العِرق البشري المحتقَر، لكن لم يستطع أحدٌ أن يتوقف عن الشعور تجاه جمال وجهها بالحزن والشفقة. وقف الرجل صامتًا يكاد لا يَتنفَّس. وكانت زوجته والعمة دينا العجوز مَشغولتَين في محاولاتِ إنعاش المرأة، بينما كان كادجو العجوز يُجلِس الصبي على رُكبَته ومشغولًا بخلع حِذائه وجَوْربه عنه، وكذلك محاولة تدفئة قدمَيه الباردتَين.

قالت دينا العجوز: «يا لها من مسكينة! يبدو أن برودة الجو هي ما جَعلَها تَفقِد وعيها، كانت فاقدةً لكل طاقةٍ فيها حين دخلَت عليَّ وطلبَت أن تُدفئ نفسها؛ وكنتُ قد سألتُها لتوِّي من أين أتَتْ، فوقعَت مَغشيًّا عليها في الحال. أعتقد أنها لم تبذُل مثل هذا القَدْر الكبير من الجُهدِ من قبلُ، وهذا من مَظهَر يدَيها.»

قالت السيدة بيرد: «مسكينة!» بينما فتحَت المرأة عينَيها ببطء وحدَّقَت فيها بنظراتٍ تخلو من أي تعبير، وفجأة، ظهر على وَجهِها تعبيرٌ يَنِمُّ عن الانزعاج، فهبَّت من مكانها وقالت: «عزيزي هاري! هل أمسَكُوا به؟»

في تلك اللحظة قفَز الصبي من على ركبتَي كادجو وهُرِع إلى جانبها فصاحت هي قائلة: «أوه، إنه هنا، إنه هنا!»

ثم قالت للسيدة بيرد بنَبرة استجداء: «أوه، سيدتي! نلتمس حمايتَكِ! لا تسمحي لهم بأخذه!»

قالت السيدة بيرد مُطمئِنةً إياها: «لن يُؤذيكِ أحدٌ هنا أيتها المسكينة. أنتِ بمأمنٍ هنا؛ لا تخافي.»

قالت المرأة بينما غطَّت وجهَها وانتحَبت: «باركَكِ الرب!» بينما حاول الصبي أن يدخل إلى أحضانها حين رآها تبكي.

هدأَت إلايزا كثيرًا بمرور الوقت؛ ذلك أن السيدة بيرد كانت تعرف جيدًا كيف تُهدِّئ من رَوعها. تَمَّ توفير سريرٍ لها بجانب نيران المدفأة، وبعد بُرهةٍ قصيرة كانت المرأة تغُطُّ في سُباتٍ عميق بجانب طفلها الذي نام على ذراعها وكان هادئًا تمامًا.

عاد السيد والسيدة بيرد إلى الصالة ولم يُعطِ أيٌّ منهما تعليقًا على المحادثة السابقة، لكن السيدة بيرد شغلَت نفسها بأعمال الحياكة، وتَظاهَر السيد بيرد بقراءة ورقةٍ ما.

ثم قال السيد بيرد في النهاية بينما كان يضع الورقة من يده: «أتساءل مَن تكون هذه المرأة!»

قالت السيدة بيرد: «سنعرف حين تَستيقِظ ونرى أنها قد استراحت ولو قليلًا.»

قال السيد بيرد بعد أن تطلَّع إلى جريدته في صمت: «أقول يا زوجتي!»

«ماذا تقول يا عزيزي؟»

«لا يُمكنها أن ترتدي أحد ملابس النوم الخاصة بكِ، بأيِّ شكلٍ من الأشكال، أليس كذلك؟ تبدو وكأنها أكبر حجمًا منكِ.»

لمَعَت ابتسامةٌ خفيفة على وجه السيدة بيرد وأجابته قائلة: «سنرى.»

وبعد لحظة صمتٍ أخرى قال السيد بيرد:

«أقول يا زوجتي!»

«حَسنًا! ماذا تقول الآن؟»

«هناك ذلك المِعطَف القديم الذي تحتفظين به عمدًا والذي تُغطِّينني به حين أنام قيلولة بعد الظهر؛ يُمكنكِ أن تُعطِيها إياه؛ إنها بحاجة إلى الملابس.»

في تلك اللحظة دخلَت دينا وقالت إن المرأة استيقَظَت وترغب في رؤية السيدة.

فذَهَب السيد والسيدة إلى المطبخ، وتَبِعَهما الصبيَّان الكبيران.

كانت إلايزا الآن جالسة على المقعد الخشبي بجوار النيران.

كانت تنظُر إلى ألسنة اللهب بنظراتٍ ثابتة وتعتلي وجهَها تعبيراتٌ هادئة تَنِمُّ عن كسرة القلب، وكانت تلك التعبيرات تختلف للغاية عن حالتها السابقة من الانزعاج.

قالت السيدة بيرد بنَبرةٍ لطيفة: «هل أردتِ رؤيتي؟ آمُل أنك تشعرين بتحسُّن الآن أيتها المرأة المسكينة!»

كانت إجابتُها الوحيدة هي تنهيدةً طويلة مرتعشة؛ لكنها رفعَت عينَيها الكئيبتَين وثبَّتَت نظراتها البائسة والمتوسِّلة تجاه السيدة حتى اغرورقَت عيناها بالدموع.

قالت السيدة: «لستِ في حاجة إلى أن تخافي من أي شيء؛ نحن أصدقاؤك هنا. أخبريني من أين أتيتِ وماذا تُريدين.»

قالت إلايزا: «أتيتُ من كنتاكي.»

قال السيد بيرد: «متى؟»

«الليلة.»

«كيف أتيتِ؟»

«عَبرتُ النهر على الجليد.»

قال جميع الحضور: «عَبَرتِ على الجليد؟!»

قالت إلايزا بنبرةٍ بطيئة: «أجل، فعَلتُ. بمساعدة الرب عبَرتُ على الجليد؛ لأنهم كانوا خلفي — كانوا خلفي تمامًا — ولم يكن أمامي أي حلٍّ آخر.»

قال كادجو: «سيدتي، الجليد كله مكسور إلى قطعٍ كبيرة تتأرجح وتطفو على الماء.»

قالت إلايزا بنبرةٍ غليظة وعينَين لامعتَين: «أعلم أنه كذلك — أعلم! لكنني فعلتُها! لم أكن لأعتقد أني باستطاعتي فِعلُها — لم أفكر إن كان ينبغي عليَّ ذلك أم لا، لكنَّني لم أكن أهتم! كنتُ سأموت لو لم أفعل ذلك. لقد قدَّم لي الرب يد العون؛ لا يُمكن لأي أحدٍ أن يتخيل كيف يُمكن للرب أن يُساعده إلا إذا حاول.»

قال السيد بيرد: «هل كنتِ أمَة؟»

«أجل سيدي، كنت مملوكةً لرجلٍ في كنتاكي.»

«هل كان لا يرفُق بحالك؟»

«لا يا سيدي، بل كان سيدًا صالحًا.»

«وهل كانت سيدتُك لا ترفُق بحالك؟»

«لا يا سيدي — لا! كانت سيدتي رفيقةً بي دومًا.»

«إذن ما الذي يدفَعُكِ لترك منزلٍ جيد كهذا، والهرب وتعريض نفسك لمثل هذه المخاطر؟»

قالت إلايزا: «سيدتي، هل فقدتِ طفلًا من قبلُ؟»

استدار السيد بيرد وسار نحو النافذة وانفَجَرت السيدة بيرد باكية، ثم قالت بعد أن استعادت رباطة جأشها:

«لماذا تسألين هذا السؤال؟ لقد فقدتُ طفلًا صغيرًا.»

«إذن ستشعُرين بي. لقد فقدتُ اثنَين، واحدًا تلو الآخر — تركتهما مدفونَين هناك حين هربتُ؛ ولم يتبقَّ لي سوى هذا. لم أنَم ليلةً واحدة من دونه؛ كان هو كل ما أملكه. إنه قُرَّة عيني وما أعتز به في كل يوم وليلة يا سيدتي، وكانوا سيأخذونه مني — كانوا سيبيعونه — جنوبًا يا سيدتي؛ كان سيذهب وحيدًا — طفل لم يبتعد عن أمه قَطُّ في حياته! لم أَستطِع لذلك صبرًا يا سيدتي. علمتُ أنني لن أكون صالحة لأي شيءٍ بعده إذا ما حدث ذلك، وحين علمتُ أن الأوراق قد وُقِّعَت وأنه قد بِيعَ بالفعل، أخذتُه ليلًا وهربتُ به، وطاردوني — الرجل الذي اشتراه وبعض عبيد سيدي، وكانوا خلفي تمامًا وسمعتُهم — فقَفزتُ على الجليد ولا أعلم كيف عَبَرت؛ لكن كنتُ محظوظة في النهاية إذ ساعدَني رجلٌ عند الضفة الأخرى من النهر.»

لم تبكِ المرأة ولم تنتحِب. كانت قد ذَهبَت إلى مكانٍ تُجفف فيه الدموع؛ لكن كل من حولها كان يُظهر نحوها تعبيراتِ التعاطف معها.

كان الصبيَّان قد ألقَيا بأنفسهما في جونلةِ فستان والدتهما، حيث بكيا وانتحبا مِلءَ صُدورهما؛ وغطَّت السيدة بيرد وجهها بمنديلها، بينما هَتفَت دينا العجوز بحماسةٍ كبيرة والدموع تَتحدَّر على وجنتَيها: «فليرحمنا الرب!» فيما كان كادجو العجوز يَمسَح عينَيه بأطراف كُمِّه.

figure
حيث بكيا وانتحبا ملء صدورهما.

قالت السيدة بيرد حين تمكَّنَت من الحديث مرةً أخرى: «وإلى أين تَنوينَ الذَّهاب أيتها المرأة الصالحة؟»

أجابت وهي تنظر إلى وجه السيدة بيرد بنظرة ثقة: «إلى كندا، إلا أنني لا أعرف أين هي. أهي بعيدة عن هنا؟»

قالت السيدة بيرد بعَفْوية: «أيتها المسكينة!»

«هل هي بعيدة لهذه الدرجة؟»

قالت السيدة بيرد: «أبعد مما تظُنِّين أيتها الشابَّة المسكينة! لكننا سنُحاوِل ونُفكِّر فيما يُمكن أن نُساعدك به. هيا يا دينا، أعِدِّي لها سريرًا في غرفتك، بالقرب من المطبخ، وسأُفكِّر فيما يُمكن أن نفعل لها في الصباح.»

كان السيد والسيدة بيرد قد عادا مرةً أخرى إلى الصالة، جلست السيدة في كرسيها الهزَّاز أمام النار، وراحت تَهتَز به للأمام والخلف وهي غارقة في التفكير. بينما ذرَع السيد بيرد الغرفة جيئةً وذهابًا وهو يُغمغِم في نفسه: «أفٍّ! يا له من أَمرٍ مُربِك ومُحيِّر!» ثم قال وهو يتجه نحو زوجته:

«أقول يا زوجتي إنها ينبغي أن تذهب بعيدًا عن هنا في هذه الليلة. إن ذلك الرجل سيتبعها وسيأتي إلى هنا في الصباح الباكر؛ ولو كانت المرأة وحيدة لكان بإمكانها أن تختبئ بلا حَراكٍ حتى ينتهي الأمر، لكن ذلك الطفل الصغير لن يصمُت أمام الكثير من الجياد والأشخاص، إنني خائف من أن يكشف نفسه بأن يُطِل برأسه من أحد الأبواب أو النوافذ. سيكون من غير المفيد لي أن يتم الإمساك بهما عندي! لا، ينبغي أن يرحلا عن منزلنا الليلة.»

«الليلة! كيف ذلك؟ وإلى أين؟»

قال السيناتور بينما كان قد بدأ في ارتداء حذائه: «في الواقع أعرف جيدًا إلى أين يُمكنهما أن يذهبا.»

كانت السيدة بيرد امرأةً حصيفة، امرأة لم تقل في حياتها أبدًا جملة «لقد أخبرتُك بذلك!» وفي اللحظة الراهنة، وعلى الرغم من معرفتها بالشكل الذي تتخذه أفكارُ زوجها، إلا إنها لم تتطفل عليه فيها، بل جلست في غاية الهدوء في كُرسيِّها، وبدت مستعدة لأن تسمع أفكار زوجها حين يرى أنه من الملائم أن ينطق بها.

قال السيد بيرد: «هناك عميلي القديم، وهو فان ترومب، وقد أتى من كنتاكي وحرَّر جميع العبيد لديه، وقد اشترى منزلًا في الغابة على بُعد سبعة أميال من النهر هنا، وهو مكان لا يذهب إليه أحد إلا عمدًا، كما أن ذلك المكان لا يُمكن للمرء أن يجده وهو على عجلة من أمره. هناك ستكون هذه المرأة بأمان؛ لكن أسوأ ما في الأمر أنه ليس بمقدور أحدٍ سواي أن يقود العربة والخيول إلى ذلك المكان.»

«ولماذا؟ إن كادجو يقود العربة بمهارة.»

«أجل، أجل. لكن إليك السبب. لا بد وأن يتم عبور النهر مرتَين، وتكون المرة الثانية في غاية الخطورة إلا إذا كان المرء على درايةٍ كبيرة بها كما أفعل. لقد عَبَرتُ النهر مئات المرات على ظَهر الخيل وأعرف تمامًا الخطوات والمنعطفات التي أسلكها. ينبغي أن يُجهِّز كادجو الجياد بحلول الثانية عشرة عند منتصف الليل، بأقصى قَدْر يستطيعه من الهدوء، وسوف أُوصلها إلى هناك؛ ثم أذهب بعد ذلك إلى حانة كولومبوس عند الساعة الثالثة أو الرابعة، وبهذا سيبدو الأمر وكأنني لم آخذ العربة سوى للذَّهاب إلى تلك الحانة.»

قالت الزوجة بينما وضعَت يدَيها البيضاء ضئيلة الحجم على يدَيه: «قلبُكَ أفضل من عقلِكَ في هذا الموقف يا جون. هل كنتُ لأُحبَّك قَط لو لم أكن أعرفك أفضل مما تعرف أنت نفسك؟» وبدت المرأة رائعة الجمال حين تَرقْرقَت الدموع في عينَيها، حتى ظن السيناتور أنه رجل في غاية المهارة والذكاء بحيث تَمكَّن من جَعلِ مخلوق في غاية الجمال والروعة كزوجته تمدحه، وبهذا ما الذي يُمكن له أن يفعله سِوى أن يسير مبتعدًا عنها لينظر في أمر العربة؟ وقف الزوج عند الباب لحظة ثم قال بينما عاد إليها وفي صوته شيءٌ من تردُّد:

«ماري، لا أعرف كيف سيكون شعورك حيال الأمر، لكن هناك ذلك الدرْج المليء بأشياء … أشياء هنري.» وبقوله لتلك الكلمات استدار مسرعًا وسار نحو الباب وأغلقَه خلفه.

فتحَت زوجته باب حجرة النوم الصغيرة المُلحَقة بحُجرتها، وأخذت الشمعة ووَضعَتها على مكتبٍ بها؛ ثم أخرجَت مفتاحًا من تجويفٍ صغير ووضَعَته ببطءٍ في قُفل أحد الأدراج، ثم تَوقَّفَت فجأة؛ حيث وقَف طفلان صغيران كانا قد تَبِعاها وراحا ينظُران إلى أمهما.

figure
فتحت السيدة بيرد الدرج ببطء.

فتَحَت السيدة بيرد الدرْج ببطء، وكان به الكثير من المعاطف الصغيرة المتعددة الأشكال، وأكوامٌ من المآزر وصفوفٌ من الجوارب الصغيرة، ومن بين طيَّاتِ ورقٍ برَز زوجان من الأحذية الصغيرة كان يبدو عليها أنها ارتُدِيَت من قبل، وقد ظَهرَت عليها آثارٌ من ناحية الجزء الذي يُغطي أصابع القدم. وكان بالدرْج دُميةٌ على شكل حصانٍ وعربة فوق كرة. جلَسَت السيدة بيرد واتَّكَأت برأسها على راحتَي يدَيها وظلَّت تبكي حتى انسابت الدموع من بين يدَيها وسقَطَت على الدرْج؛ ثم فجأةً وبشيء من التوتُّر أسرعَت بتجميع أبسط الأشياء وأَهمِّها وتحزيمها.

قال أحد الطفلَين وهو ينظر إليها في دهشة: «أمي، هل ستَتبرَّعين بهذه الأشياء؟»

لفَّتْ ذراعها بلطفٍ بالغ حَوْل كَتفِه وقالت:

«عزيزي، لو كان هنري الصغير ينظر إلينا من السماء الآن فسيكون مسرورًا لأن نفعل ذلك. لم يكن بإمكاني أن أُعطيهم لأي أحدٍ يشعر بالسعادة، لكنني أُعطيهم لأمٍّ تشعر بالحزن أكثر مني، وأُصلي للرب أن يُبارك لها في صبيها.»

كانت الدموع تسيل غزيرةً على خدَّيها، ولَمعَت بعضها على المِعطَف الصغير وكأنها قطرة ندًى، لكنَّ شفتَيها كانتا تبتسمان ابتسامةً رائعة. ثم استدارت وأخذَت من خِزانة ملابسها بعض الملابس التي يمكن لإلايزا أن تَرتديَها، ثم جلَسَت تقيس طولها. وأَحضَر الصبيَّان صندوقًا صغيرًا مغطًّى بالجلد من العلِّية وساعَداها على حزم الملابس فيه. كان الوقت قد تخطَّى موعد نومهما بفَترةٍ طويلة، ونظَرا إلى الساعة ثم إلى بعضهما ثم استرَقَا النظر إلى أمهما. لكنها سَمحَت لهما بأن يظلا مُستيقظَين؛ لأنها شَعَرت أنهما الآن يَتلقَّيان أوَّل وأفضَل دروسهما في مساعدة المحتاجين والعطف عليهم.

figure
«أجل، يا إلهي. أجل.»

دقَّت الساعة معلنة الثانيةَ عشرة، وسَمِعوا صوت العجلات على الطريق خارج المنزل. كانت تلك إشارة إيقاظ إلايزا وصبيها الصغير. ظل الصبيان يُداعبان الطفل الصغير تحت ذَقَنه حتى ضحك وفتح عينَيه، وألبساه حذاءه وجوربه وجهَّزاه للرحلة التي هو على وشك أن يخوضها. كانت السيدة بيرد تُساعد إلايزا في تحضيراتها ووَضعَت حول جسدها معطفًا ليُدفئها حين أكملَت الفتاة المرتعشة ارتداء ملابسها.

قال السيد بيرد: «هيا!» بينما دخل الغرفة مرتديًا معطفًا كبيرًا ويُمسِك في يده مصباحًا مُضاءً ثم تَبِعاه حيث كانت العربة تنتظرهم في الخارج. ساعد السيد بيرد إلايزا على ركوب العربة وأخذت هي هاري على ساقَيها وخبَّأَته تحت المِعطَف الذي ترتديه، وكأنها كانت خائفةً من أن تراه النجوم وتُفشي سر مكانه إلى من يبحثون عن العبيد. وحين جلَسَت هي وصبيها وارتاحا في جلستهما، أخذ السيد بيرد مكانه على العربة.

قال الطفلان الصغيران في صوتٍ واحد بينما كانا يقفان بجوار والدتهما على دَرَج المنزل: «وداعًا.»

انحنت إلايزا خارج العربة وأمسكَت بيد السيدة بيرد، وحاولت أن تتحدث مرة أو اثنتَين لكن ذابت الكلمات على شفتَيها. لكنَّ عينَيها الواسعتَين الداكنتَين كانتا مثبَّتتَين على وجه صديقتها وتملؤهما نظرات الامتنان والعِرفان الصادقة، ثم رَفعَت يدها وأشارت باتجاه السماء، ونظَرت إليها نظرةً لا يُمكن أن تُنسى أبدًا. ثم غطَّت وجهها وأُغلق باب العربة.

قال كادجو العجوز للجياد: «هيا تحركوا، انطلقوا.» فبدأَت الجياد تجري نحو البوابة وخَرجَت إلى الطريق. كانت العربة تترنَّح وتَصُرُّ وأحيانًا ما كانت تغوص عميقًا حتى محاور العجلات في الطين، لكن الجياد ظلَّت تسير من دون وقوعِ أي حادث؛ ذلك أن كادجو العجوز كان يقود العربة ويعرف قصة هروب إلايزا وكان يعرف ما تعنيه الحرية.

كانت ساعةً متأخرة من الليل وبعد رحلةٍ صعبة تملؤها المخاطر حين وصلَت المجموعة الصغيرة إلى المنعطف الأخير من جدولٍ صغير، فعبَرَته العربة ووصلَت إلى بوابةٍ كبيرة لمنزلٍ ريفي. ذهب السيد بيرد بسرعة نحو الباب وطَرقَه، وأتاه صوتٌ جَهْوري عميق من الداخل يقول:

«من أنت وماذا تريد؟»

أجابه السيناتور بيرد بأن أخبره باسمه، وأضاف:

«أريد أن أعرف إذا ما كنتَ أنتَ الرجل الذي سيُئوي امرأةً مسكينة وطفلها ويحميهما من صائدي العبيد؟»

وعَرفَت إلايزا أن الليلة الطويلة المليئة بالرعب قد انتهت حين رأت وجه الرجل النبيل والقوي الذي انفرج عنه الباب وسَمِعَت إجابته الرنَّانة:

«أجل، يا إلهي. أجل.»

وضَع المزارع العريضُ المنكبَين مصباحه بداخل الباب على الأرض وخرج ليُساعد إلايزا وهاري؛ لكنه توقَّف وسلَّم بيده على السيناتور بيرد، وعَرَف تفاصيل هروب إلايزا منه. ثم دخلوا جميعًا المنزل، واكتسَت النيران بداخل حُجرة المعيشة بوهجٍ مُبهج بعد أن كانت مشتعلةً تحت غطاء من الرماد. مكَث السيد بيرد وكادجو طويلًا بما يكفي ليُدفئا نفسَيهما ويستعيدا طاقتَيهما؛ لأن السيناتور أراد أن يحتفظ بتلك الرحلة الليلية سِرًّا عن جيرانه. لكن أُرسِلَت إلايزا وطفلها إلى الطابق العلوي ليستريحا في ظل عناية امرأةٍ سوداء ناعسة كانت قد أُوقِظَت من نومها قبل أن يرحل السيد بيرد وكادجو، وقبل أن يبدأ السيد بيرد رحلةَ عودته كان قد حصَل على تأكيدٍ من المزارع أنه سيُوفِّر للاجئَيه المأوى حتى يتمكَّن من إرسالهما بأمانٍ إلى مستعمرة كويكر، حيث سيمكثان حتى يتمكَّن أصدقاؤه من إرسالهما إلى كندا.

ثم دخل السيناتور إلى العربة وبدأَت الخيول رحلة العودة إلى المنزل بعد أن كانت قد حُلَّ وثاقُها وأُطعِمَت خلال الفترة التي مكثوها في المنزل.

وصل السيد بيرد وكادجو إلى المنزل من دون أن يُقابلوا أحدًا، وأثناء الفطور في صباح اليوم التالي قال أحد الصبية:

«لا أحد يعلَم بأَمْر رحلةِ الليلة الماضية عَداكَ يا أبي وأمي وتوم وأنا وكادجو، أليس كذلك يا أبي؟»

ابتسم السيد بيرد وأومأ مجيبًا إياه أن نعم، لكن الأم رفعت بصرها إليهما وقالت بابتسامةٍ رقيقة كانا يرغبان في رؤيتها:

«بلى، يا عزيزي، الرب يعلم.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤