الفصل الثامن

من بين الركاب على متن القارب الذي يحمل العم توم وبقية عبيد هالي على طول النهر باتجاه نيو أورليانز، كان هناك رجلٌ نبيل يحمل اسم سانت كلير، وبصُحبتِه ابنتُه بعمر ستِّ سنوات. كانت هذه الفتاة الصغيرة تتنقل على سطح باخرةِ نهر المسيسيبي وكأنها حُوريَّةٌ صغيرة؛ فتارةً تبتسم من فوق إحدى بالات القطن إلى أحد هؤلاء العبيد المساكين، وتارة تضع يدَيها البيضاوَين الرائعتَين كأزهار الزَّنْبق على جبهة أحدهم الداكنة الخافقة، وتارةً تستمع إلى الأغاني التي يُنشِدها الزنوج في المساء.

كانت الفتاة نحيلةَ البِنْية حَسَنة المظهر وكانت عيناها الزرقاوان واسعتَين، وكانت في عيون العبيد الحَزانَى من حولها تُشبه الملائكة في جمالها ورقَّتها. وقد سمح لها والدها بالتنقُّل بحُريَّة على أسطح الباخرة كيفما شاءت، وكانت الفتاة تُحب أن تجثُم على أحد الصناديق أو بالات القطن على مَقرُبة من المكان الذي يجلس فيه توم وكأنها طائرٌ صغير ذو أجنحة بألوانٍ زاهية، وتُحب أن تراه وهو يصنع سِلالًا صغيرة من حجارة الكرز أو يصنع من سيقان النباتات أشياءَ غريبة تُصدِر أصواتَ صفير أو تتقافز.

قال لها توم ذات يوم: «ما اسم سيدتي الصغيرة؟»

أجابته الطفلة: «إيفانجلين سانت كلير، لكن الجميع يُناديني بإيفا. ما اسمك؟»

أجابها: «اسمي توم، وقد اعتاد الأطفال الصغار في كنتاكي أن يُنادوني بالعم توم.»

«إذن سأُناديك بالعم توم؛ لأنني أحبك. إلى أين أنت ذاهب أيها العم توم؟»

«لا أعرف سيدة إيفا.»

«لا تعرف؟»

figure
«ما اسم سيدتي الصغيرة؟»

«لا سيدة إيفا؛ لكنني سأُباع إلى أحدهم، ولا أعرفه.»

قالت الفتاة بينما قفزَت من مكانها وصفَّقَت بيدها: «سيشتريك أبي، ينبغي له أن يشتريك؛ سأطلب منه ذلك الآن. وستكون حينها عمي توم.» ثم قفزت واستدارت لتجريَ بعيدًا، لكنها توقَّفَت حين رأت الدموع في عينَي توم الصادقتَين فقالت: «لن تبكي أبدًا إذا ما اشتراكَ أبي. وداعًا حتى أعود إليك مرةً أخرى.»

نظر توم إلى يده السوداء الكبيرة التي لامسَت فستانها الأبيض.

وهمَس قائلًا: «ليُباركِ الرب ذلك الحمَل الصغير. ليبارِكْها الرب.»

توقَّف المركب عند قطعة أرضٍ صغيرة لكي يتم تحميله بالقطن وساعد توم في وضع الحمولة في مكانها؛ حيث وُجد أنه قوي ويُمكن الاعتماد عليه، وقد عيَّنه سيده ليحُلَّ محل أحد أعضاء طاقم المركب الذي أصابه التعب. كان توم يقف على السطح السفلي بينما كان المركب يتحرك، ولمَع أمامه شيءٌ أبيض ثم وقع في الماء.

صاح أحدهم: «ابنة سانت كلير!» وفي اللحظة التالية كان توم في الماء، وقد حال بين الطفلة وبين العجلة في مؤخرة السفينة التي كانت ستسحق الفتاة الصغيرة وتمكَّن من الإمساك بها بذراعه القوية حين ارتفَعَت إلى سطح الماء. امتدَّت مئات الأيادي لتَتلقَّف الفتاة الصغيرة التي رفعَها إليهم توم، وفي غضون لحظاتٍ كانت آمنة بين يدَي والدها وتسأل عن توم. قالت الفتاة: «كنت سأطلُب منك أن تَشتريهَ ليكون رفيقي في اللعب حين سقطتُ في الماء. ستشتريه لي يا أبي، أليس كذلك؟» ونظَرت بثقة إلى والدها وهي بين ذراعَيه فأجابها والدها: «أجل يا صغيرتي، إذا كانت هذه رغبتك. بالطبع سأفعل. هل سَتلعبين به باستخدام صندوق الألعاب أم ستمتطينه كالحصان؟»

فهمَسَت له: «إنه صديقي يا أبي.»

ضحك السيد سانت كلير وقال: «صديقك؟ حسنًا حسنًا، تُرى ماذا سيكون قول والدتكِ في هذا الشأن؟ لكن أُراهِن أنه سيكون صديقًا مخلصًا. لن أنسى أبدًا أنه أنقذ حياة صغيرتي اليوم.»

مَرَّت الأيام وشارفَت الرحلة الطويلة على النهاية حين وجد السيد سانت كلير ذات صباحٍ أن توم يجلس بين بالات القطن مع إيفا وهي تستمع له يقصُّ عليها قصة الأرنب الماكر والأرنبة القطنية الذيل.

قال توم: «كانا يعيشان في بُقعةٍ خلف كوخي، وذات ليلة — أنت تُدرِكين أن هذه الحكايات غير حقيقية يا سيدتي، أليس كذلك؟

- بلى، أكمِل، أكمِل أيها العم توم!

- حَسنًا، كنتُ أجلس هناك ورأيتُ تلك الأرنبة الصغيرة ذات الذيل القُطني وهي تركُض هنا وهناك، فناديتُ عليها وقلتُ: «كيف حالُكِ سيدة أرنبة؟ هل أنتِ وأهلُكِ بخير؟» ثم قفزَت باتجاهي ثلاث قفَزات، وجلَسَت تنتظر وهي تُحدِّق بي وكأنها تتفحَّص وجهي، ثم قفَزت ثلاث قفزاتٍ أخرى وقالت: «أوه، العم توم، لقد آذى السيد أرنب نفسه بأن وقع في أحد الفِخاخ التي نصَبها سيدُك، وليس لديَّ أدويةٌ له في منزلي.»

figure
صاح أحدهم: «ابنة سانت كلير!»

فقُلتُ لها: «حَسنًا سيدة قُطنية الذيل، سآتي لك بأحد الأدوية ولكنكِ ستنتظرينني قليلًا حتى أرى ما لدى كِلوي.» ورحتُ أبحث وأبحث حتى وجدتُ الدواء، ثم عُدتُ لها وبدأنا نسير باتِّجاه الحقل، فكانت السيدة أرنبة تجري أمامي، ثم تتوقَّف لتنظُر ما إذا كنت أتبعها أم لا، ثم وصلنا ووجدتُ أن السيد أرنب يجلس وفَخُّ سيدي مربوط بقدَمه.

نظَر إليَّ في قلقٍ بالغ فقلتُ له:

«عذرًا أيها الأرنب، لقد أتيتُ لأرى إن كنتَ قد تخلَّصتَ من فخِّ سيدي للثعالب؟ إذا ما تخلَّصتَ منه فسآخذه للمنزل.»

تحدَّث السيد أرنب بلهجةٍ مُهذَّبة وقال: «فجأةً يا سيدي وقعتُ في هذا الفَخ، ولا أعرف كيف أُخلِّص نفسي منه. أيُمكنني أن أُثقِل عليك بأن أطلُب مُساعدتَك؟ أشعر بأنني مُتعَبٌ كثيرًا هذا المساء.» ثم رفع قدَمه وخلَّصتُه من الفَخ، وقالت الأرنبة القطنية الذيل بنَبرةٍ لطيفة: «حَسنًا، وداعًا أيها العم توم وسأُحضِر لك الدواء حين ننتنهي.» فقلتُ لها: لا داعي للاستعجال يا سيدة أرنبة، وودَّعتُهما.»

تقَدَّم السيد سانت كلير نحوهما وهو يضحك وأمسَكَ بذَقنِ توم ورفَع رأسه وقال:

«انظر يا توم، انظر إلى سيدك الجديد.»

صاحت إيفا من سعادتها، واهتَز قلب توم فرحًا وقال شاكرًا:

«ليُبارككَّ الربَّ يا سيدي؛ سأخدُمكَ وسيدتي الصغيرة بكل ما أُوتِيتُ من قوة وعزم.»

وضعَت إيفا يدَها عليه وقالت: «احكِ لي قصةً أخرى أيها العم توم.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤