الفصل السابع

الدَّعَوات ونهضات الإصلاح

أتى على الأمم الإسلامية حين من الدهر لم تكن شيئًا مذكورًا.

حرمت العلم والثروة والسلاح والحرية والمكانة السياسة، وهي عدة الأمم في تنازع البقاء.

والويل للأمم التي تحرم هذه العدة في الحالتين.

والويل لها إذا أحست نقصها، والويل لها إذا غفلت عنه، ولم تفطن لمصابها. فإن إحساسها بالنقص في جميع هذه العدد يذلها وييئسها، ويهون عليها الخضوع لغيرها، والاستسلام لسوء مصيرها.

أما الغفلة عن النقص فهي أشد عليها من الإحساس به إن كانت هناك حالة أشد من حرمانها العلم والثروة والسلاح والحرية والمكانة السياسية؛ لأنها تزيد عليها حرمانًا آخر لا تزال له بقية فيها، وهو الحرمان من محاولة التبديل إن كان للمحاولة سبيل.

ويحدث في بعض هذه الأحوال أن تتماسك الأمة بعض التماسك لاعتصامها بكبرياء الجنس أو بكبرياء الدم والسلالة، وهي كبرياء تخامر النفوس بغير حجة، وتداخل الجاهل مداخلة العارف أو أشد وأقوى.

فالجنس الأصفر ينظر إلى الأمم الأخرى كأنها الغريب المتطفل على العالم؛ لأن أوطانها في عرفها هي مركز العالم ومحوره، فلا محل في خارجه لغير المتطفلين المشردين.

والجنس الأسود يعيب على جميع الأمم أنها لا تأخذ بعاداته ومراسمه، واليونان الأقدمون كانوا يحسبون الناس ما عداهم في زمرة واحدة هي زمرة البرابرة، والمصريون يحسبون الناس واليونان منهم أجلافًا مستوحشين، والعرب يسمون غيرهم عجمًا، والعجم يأنفون من عيشة الصحراء كأنها مسبة لمن يقبلها ومسبة لمن يفضلها على غيرها.

وكان للأمم الإسلامية أن تلوذ بهذه الكبرياء لولا أنها تنتمي إلى جميع الأجناس، وقد تنتسب في رقعة واحدة إلى البيض والسود والصفر كما تنتسب إلى الآريين والساميين والحاميين، وأعلم من فيها يعلم أنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى.

ففي هذه المحنة التي مرت بالأمم الإسلامية في عصر الاستعمار لم تكن لها غير عصمة واحدة: وهي عصمة الدين.

عصمها؛ لأنها لم تهلك هلاك الأمم التي حرمت مقومات الحياة، وعُدَدَ الكفاح، فاستسلمت ويئست، وأيقنت أنها أقل من سائر الأمم في جميع الصفات، وأنها محتاجة من تلك الأمم إلى كل شيء.

عصمها؛ لأنها لم تهلك هلاك الأمم التي تجهل حاجتها، وتغفل عن نقصها؛ لأن نزولها منزلة العبودية كاف وحده لتعريفها بتبدل حالها وقبولها ما ليس ينبغي أن تقبله وتستقر عليه.

بقي لها شيء يوحي إليها أنها ليست ضائعة محرومة من كل شيء بعد حرمانها العلم والثروة والسلاح والحرية والمكانة السياسية.

ولم يكن هذا الشيء كبرياء الجنس العمياء، أو كبرياء الحيوانية في الإنسان؛ بل كان شيئًا يليق بالإنسان لأنه منوط بأشرف مزاياه، وهي مزية الضمير والوجدان.

بقي لها الإيمان بدينها.

بقي لها الإيمان بأنها في حالة لن تدوم، وأنها قمينة أن تغيرها لو غيرت ما بنفسها، وأن الله يريد منها هذا التغيير، ويعينها عليه.

ولم يزل الإسلام منذ كان يعلم المسلم أنه مطالب بعلم الدين وعلم الدنيا، وأن نبي الإسلام — فضلًا عمن هو دونه — قد يقول لمن يهديهم: إنكم أعلم بأمور دنياكم.

وانحلت المعضلة الكبرى على هذه الصورة التي لا صعوبة فيها على النفس المسلمة، ففي وسع الدول المستعمرة أن تتغلب بسلاحها، وفي وسع الأمم الإسلامية أن تدفعها بمثل ذلك السلاح إذا ملكته، وعليها أن تملكه بأمر دينها.

هذه العصمة هي سر العقيدة الوافية الذي تلوذ به حين تخذلها كل عصمة، وهو قيمة حقيقية لا تفرط فيها أمة متى وجدتها، ولا يكون التفريط فيها إلا علامة على الوهن والانحلال.

ولم تشعر الأمم الإسلامية بمثل هذا الشعور قبل عصر الاستعمار.

لم تشعر به في عهد الحروب الصليبية؛ لأنه خرجت منها، وهي مالكة لبلادها منفردة بانتصارها وارتداد المغيرين عليها.

ولم يكن ثمة فارق في عدد القتال بينها وبين الصليبيين، فيدخل في روعها أنها مطالبة باقتباسه مفتقرة إليه.

ولم يكن في أحوال الصليبيين ما تغبطهم عليه؛ بل كان الأكثرون منهم على حالة، يترفع عنها بنو الحضارة، ويحسبونها من التخلف والهمجية.

أما صدمة الاستعمار فلم تكن من هذا القبيل، ولم تكن بالصدمة العابرة التي تمر في ساعتها، ولا تترك بعدها عبرة للمعتبر ولا أثرًا للمتأثر؛ بل كانت هي الصدمة الماثلة أمام كل نظر، الملِحَّة في كل حين، المتجددة في كل جهة، المعاودة على نحو واحد في جميع الأقطار، وعلى اختلاف التجارب والأحداث.

وقد تقدم في خلاصة أحداث القرن التاسع عشر أن هزائم تركيا وإيران ومراكش ومصر كانت هي نقطة التحول في تواريخ تلك الأمم، وأن الجامدين على القديم لم يؤمنوا بضرورة التحول إلا بعد هزيمة من هذه الهزائم، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم.

وسيتبين من «رد الفعل» الذي أعقب هذه الهزائم أن «العالم الإسلامي» لم يزل بنية حية تستجيب للمؤثرات، وتستبقي منها ما صلح وأجدى.

وتلك هي العلامة الصادقة على كل بنية حية.

علامتها أن تستجيب للمؤثرات، وأن تعالجها بما يصلح ويجدي، فلا يبقى في البنية عارض من حقه أن يطرد وينفى.

إن رد الفعل الذي أعقب الهزائم أمام الاستعمار قد تنوع بكل نوع يخطر على البال، فكانت منه الدعوة إلى معاودة القديم على قدمه، وكانت منه الدعوة إلى البدعة التي لم تسبقها سابقة، وكانت منه الدعوة إلى حفظ الأصول واقتباس الجديد على توافق واتصال، وكانت منه الدعوة الغالية والدعوة المعتدلة، فلم تستبق البنية الحية من جميع هذا إلا ما هو جدير بالبقاء، ودلت البنية الحية بذلك على نصيبها من الحياة.

وسنعلم الأصلح من هذه الدعوات في خلاصة سريعة لما أرادته، ولما حققته، ولما تركته بعدها غير قابل للتحقيق أو قابلًا له على مدى من الزمن قد يقصر وقد يطول.

الدعوة الوهابية

كان أول هذه الدعوات في تاريخ ظهورها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي ولد في أوائل القرن الثاني عشر للهجرة ببلد العيينة من نجد في جزيرة العرب.

وسبق هذه الدعوة في تاريخها يرجع إلى بساطة المجتمع الذي ظهرت فيه، وإلى ابتعاده في داخل شبه الجزيرة عن عوائق الحياة العصرية بين الأمم الإسلامية الأخرى التي تختلط فيها عوامل السياسة والاجتماع.

وقد ترجم له المولى محمود الألوسي صاحب تفسير «روح المعاني» وهو بعض مريديه، فقال: إنه «ابن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاض بن ريس بن زاخر بن محمد بن علي بن وهيب التميمي النجدي صاحب الدعوة المشهورة.» قال: «وقد نشأ الشيخ محمد في بلد العيينة من بلاد نجد في حجر أبيه الشيخ عبد الوهاب بن سليمان القاضي في بلدة العيينة في زمن إمارة عبد الله بن محمد بن حمد بن عبد الله بن معمر المشهور صاحب العيينة التي تزخرفت في أيامه، وذلك قبل انتقال الشيخ عبد الوهاب إلى بلد حريملة من بلاد نجد. فقرأ الشيخ محمد على أبيه الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وكان الشيخ محمد في صغره كثير المطالعة لكتب التفسير والحديث والعقائد، فصار ينكر على أهل نجد كثيرًا من الأمور، فلم يسعفه على ذلك أحد وإن استحسن إنكاره بعض الناس، فسافر من بلده العيينة إلى حج بيت الله الحرام، فلما قضى نسكه صار إلى المدينة فأخذ فيها عن الشيخ العالم عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف رؤساء بلد المجمعة المعروفة في ناحية سدير من نجد، والشيخ عبد الله هو والد الشيخ إبراهيم مصنف كتاب «العذب الفائض في علم الفرائض.»»

وروى الألوسي في الهامش أن محمد بن عبد الوهاب كان عنده يومًا فقال له: تريد أن أريك سلاحًا أعددته للمجمعة؟ قال محمد بن عبد الوهاب: نعم. قال: فأدخله منزلًا فيه كتب كثيرة، فقال: هذا الذي أعددت لها.

ثم استطرد الألوسي فقال: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنكر استغاثة الناس بالنبي عند قبره، ثم رحل إلى نجد، ثم إلى البصرة يريد الشام، فلما ورد البصرة أقام فيها مدة، وأخذ على العالم الشيخ محمد المجموعي من أعلى المجموعة محلة من محال البصرة، فأنكر أيضًا أشياء كثيرة على أهل البصرة فأحس الناس به فآذوه وأخرجوه وقت الهجيرة، ولحق بعض الأذى بالشيخ محمد المجموعي أيضًا لمؤاتاته للشيخ محمد، فلما خرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب هاربًا من البصرة، وتوسط الطريق فيما بين البصرة وبلد الزبير في وقت الصيف في شدة الحر، وكان ماشيًا على رجليه، كاد يهلك من شدة العطش، فوافاه رجل من أهل بلد الزبير يسمى أبا حميدان، ووجده من أهل العلم، فسقاه الماء، وحمله على حماره حتى أوصله إلى بلد الزبير. ثم إن الشيخ محمدًا أراد السفر إلى الشام، فضاق زاده، فانثنى عزمه عن الشام فقصد الأحساء فنزل بها عند الشيخ العالم عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الأحسائي. ثم خرج من الأحساء وقصد بلد حريلمة من نجد، وكان أبوه الشيخ عبد الوهاب قد انتقل إليها من بلد العيينة سنة تسع وثلاثين ومائة وألف بعد وفاة عبد الله بن معمر صاحب العيينة في الوباء الذي وقع بها فأفناها، وتولى فيها بعده ابن ابنه محمد بن حمد الملقب بخرفاش، فوقع بينه وبين الشيخ عبد الوهاب منازعة، فعزله عن قضاء العيينة، وجعل مكانه أحمد بن عبد الله بن عبد الوهاب بن عبد الله النجدي قاضيًا، فانتقل الشيخ عبد الله إلى بلد حريلمة، ولما وصل الشيخ محمد إلى بلد حريملة لازم أباه، وقرأ عليه، وأظهر الإنكار على أهل نجد في عقائدهم، فوقع بينه وبين أبيه منازعة وجدال، وكذلك وقع بينه وبين الناس في بلد حريملة جدال كثير، فأقام على ذلك مدة سنتين حتى توفي أبوه الشيخ عبد الوهاب سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف.

ثم أعلن الشيخ محمد بالدعوة والإنكار على الناس، وتبعه أناس من أهل حريملة واشتهر بذلك، وكان رؤساء بلد حريملة قبيلتين أصلهما قبيلة واحدة، وكل منهما يدعي الرئاسة، وليس في البلد رئيس يحكم على الجميع، وكان لإحدى القبيلتين عبيد يقال لهم الحميان، وهم أهل الفساد، فأراد الشيخ محمد أن يمنعهم من فسقهم وفجورهم، وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، فهمَّ العبيد ليلًا بقتل الشيخ محمد خفية، فلما تسوروا عليه من وراء الجدار علم بهم بعض الناس فصاحوا بهم، فانتقل الشيخ محمد من بلد حريملة إلى العيينة ورئيسها يومئذ عثمان بن حمد بن معمر، فتلقاه بالقبول وأكرمه وحاول نصرته، وقال لعثمان: إني أرجو إن أنت قمت بنصر (لا إله إلا الله) أن يظهرك الله وتملك نجدًا وأعرابها، فساعده عثمان، فأعلن الشيخ محمد بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشدد في النكير على الناس، فتبعه بعض أهل العيينة، وقطع أشجارًا كانت تعظم في تلك النواحي، وهدم قبة قبر زيد بن الخطاب — رضي الله عنه — عند الجبيلة، فعظم أمره، فبلغ خبره إلى سليمان بن محمد بن عزيز الحميدي صاحب الأحساء والقطيف وما حوله من العربان، فأرسل سليمان كتابًا إلى عثمان وكتب فيه: إن المطوع الذي عندك قد فعل ما فعل وقال ما قال، فإذا وصلك كتابي فاقتله، فإن لم تقتله قطعنا خراجك الذي عندنا في الأحساء، وكان خراجه ألفًا ومائتين ذهبًا وما يتبعها من طعام وكسوة.

فلما ورد الكتاب إلى عثمان لم تسعه مخالفته، فأرسل إلى الشيخ محمد وأخبره بكتاب سليمان، وقال له: لا طاقة لنا بحرب سليمان، فقال الشيخ محمد: إنك إن نصرتني ملكت نجدًا، فأعرض عنه عثمان، وأرسل إليه ثانيًا أن سليمان قد أمرنا بقتلك في بلدنا، فشأنك ونفسك وخلَّ بلادنا، وأمر فارسًا يقال له الفريد الظفيري بإخراجه من البلد، فركب الفارس جواده والشيخ يمشي على رجليه أمامه وليس معه إلا المروحة، وذلك في أشد الحر من الصيف، فهمَّ الفارس بقتله في الطريق، فكف الله يده عنه لما أصابه من الرعب والخوف العظيم وخلى سبيل الشيخ، فصار الشيخ إلى الدرعية، وكان ذلك سنة ستين بعد المائة والألف، ووصل إليها وقت العصر، فنزل في بيت عبد الله بن سويلم العريني، فلما دخل عليه ضاقت به داره، وخاف على نفسه من محمد بن سعود صاحب الدرعية، فوعظه الشيخ وسكن جأشه وروعه، وقال: سيجعل الله لنا ولك فرجًا، فاستقر فأراد أن يخبر محمد بن سعود بحاله ويرغبه في نصرته، فالتجأ إلى أخويه مشاري وثنيان ولدي سعود وزوجته موخي بنت أبي وحطان من آل كثير، وكانت ذات عقل وفهم، فأخبروها بحال الشيخ وصفته من الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقذف الله محبة الشيخ في قلبها، فأخبرت زوجها محمد بن سعود بحاله، وقالت له: إن هذا الرجل أتى إليك، وهو غنيمة ساقها الله تعالى إليك، فأكرمه وعظمه، واغتنم نصرته، فقبل قولها، وألقى الله محبته في قلبه، ورغبوا محمد بن سعود في زيارته لعل ذلك يكون سببًا لتعظيم الناس له وإكرامه، فسار محمد بن سعود إليه، فلما دخل عليه في بيت ابن سويلم رحب به، وقال: أبشر بالخير والعزة والمنعة، فقال له الشيخ: «وأنا أبشرك بالعز والتمكين والغلبة على جميع بلاد نجد، وهذه كلمة (لا إله إلا الله) من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم.»

واستطرد الألوسي إلى تعاهد الرجلين على النصرة؛ إذ قال الشيخ للأمير: «أما الأولى: فامدد يدك، فمدها وقبضها، وقال له: الدم بالدم والهدم بالهدم١ … وأما الثانية: فلعل الله تعالى يفتح عليم الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منه، أي من خراج أهل الدرعية. فبايع محمد بن سعود الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى استقامة الشعائر.»

إلى أن قال: «ثم أمر أهل الدرعية بالمقاتلة معهم، فامتثلوا أمره، وقاتلوا أهل نجد والأحساء دفعات كثيرة إلى أن أدخلوهم إلى طاعتهم، وحصلت إمارة بلاد نجد وقبائلها جميعًا لآل سعود بالغلبة، وكان الشيخ كثير العطايا بحيث كان يهب كل ما غنمه الجيش مع كثرته إلى رجلين أو ثلاثة، وفي تاريخ ابن بشر إلى حمد وابنه عبد العزيز، وكانت الغنائم تسلم بيده، ثم هو يضعها حيث يشاء، ويعطيها إلى من يشاء، ولا يأخذ أمير نجد شيئًا من ذلك إلا بأمره، ولما فتحوا الرياض من بلاد نجد، واتسعت بلادهم، وأمنت الطرق، وانقاد لهم كل صعب — عرض الشيخ أمور الناس وأموال الغنائم إلى عبد العزيز الأمير، وانسلخ الشيخ، وتفرغ للعبادة وتعليم العلم، ولكن لا يقطع عبد العزيز الأمير ولا أبوه أمرًا ولا ينفذ حكمًا إلا بأمر الشيخ محمد، وتوفي الشيخ المشار إليه في سنة ست بعد المائتين والألف، وهي السنة التي غزا فيها سعود بن عبد العزيز ناحية جبل شمر، وأخذ أهله، وكسب منهم أموالًا كثيرة منها ثمانية آلاف بعير، وقتل منهم عدة رجال، فأخرج خمسها وقسم الباقي على جيشه.»

قال الألوسي: «وله من التصانيف كتب كثيرة، منها: كتاب التوحيد، وتفسير القرآن، وكتاب كشف الشبهات … وغير ذلك من الرسائل والفتاوى الفقهية والأصولية، وأعقب أربعة أولاد كلهم من أجلَّة العلماء، وهم الشيخ حسين والشيخ عبد الله والشيخ علي والشيخ إبراهيم، تغمدهم الله برحمته أجمعين.»

والكتاب الذي تضمن دعوة الشيخ من هذه الكتب التي ذكرها المولى الألوسي هو كتاب «التوحيد … حق المولى على العبيد» وفيه يحصي الشيخ الذنوب التي تكفر صاحبها وتعتبر شركًا بالله، وأكثرها من البدع والخرافات، والمغالاة بتعظيم الأحبار، والأولياء، ومن الشرك: لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، ومن الشرك: اتخاذ الرقى والتمائم للوقاية والتبرك بالشجر والحجر، والذبح لغير الله والنذر لغير الله والاستعاذة بغير الله، والعبادة عند القبور، وأن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله، وأن الكهانة والعيافة والتطير والتنجيم من الشيطان، وأورد الشيخ الآيات والأحاديث التي تحرم الاستسقاء بالأنواء، وأنكر على المتصوفة تأويلاتهم وخوارقهم، واستشهد على تحريم الصور بما ورد عن مسلم:
ومن أظلم ممَّن ذهب يخلُق خلقًا كخلقي.٢

ويقول النبي عليه السلام في رواية عائشة: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله.» وحذر من المغالاة في تعظيم النبي عليه السلام مستشهدًا بقول أنس: إنا ناسًا قالوا يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل.»

وكان الشيخ ينكر الغلو، ويستشهد بقول الرسول عليه السلام: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»، وقوله عليه السلام: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون.»

ولا آخر للمناقشات التي دارت حول دعوة ابن عبد الوهاب مقابلة لتفسير بتفسير أو لآية بآية أو لحديث بحديث أو مخالفة لما يفهم من مقاصد هذه الآيات وهذه الأحاديث، فلا يعنينا هنا أن نفصلها أو نخوض مع الخائضين في جدلها، ولكننا نرى في جملة ما تصفحناه من الآراء المتقابلة أن الإجماع منعقد أو يكاد على استنكار البدع والخرافات التي ذكرها ابن عبد الوهاب، ولكن الخلاف على الشرك والتكفير، أو على درجة الشرك الذي يخرج صاحبه عن الملة، وأكبر من خالف الشيخ في ذلك أخوه الشيخ سليمان صاحب كتاب الصواعق الإلهية، وهو لا يسلم لأخيه بمنزلة الاجتهاد والاستقلال بفهم الكتاب والسنة، ويقابل تفسيراته بتفسيرات تذهب في غير مذهبها، ويعتمد على ابن تيمية وابن القيم في مناقشة أخيه، فيقول: إن من أصول أهل السنة المجمع عليها كما ذكراها «أن الجاهل والمخطئ من هذه الأمة يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين الحجة التي يكفر تاركها بيانًا واضحًا لا يلتبس على مثله، أو ينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعًا جليًّا قطعيًّا يعرفه كل من المسلمين.» ويرى أن البدع التي يمر بها الأئمة جيلًا بعد حيل ولا يكفرون أصحابها لا يكون الكفر فيها من اللزوم الذي يوجب القطع به ويستباح من أجله القتال، ويقول في ذلك: «إن هذه الأمور حدثت من قبل زمن الإمام أحمد في زمان أئمة الإسلام، وأنكرها من أنكرها منهم، ولا زالت حتى ملأت بلاد الإسلام كلها وفعلت هذه الأفاعيل كلها التي تكفرون بها، ولم يروَ عن أحد من أئمة المسلمين أنهم كفروا بذلك، ولا قالوا هؤلاء مرتدون، ولا أمروا بجهادهم، ولا سموا بلاد المسلمين بلاد شرك وحرب كما قلتم أنتم، بل كفرتم من لم يكفر بهذه الأفاعيل وإن لم يفعلها. أتظنون أن هذه الأمور من الوسائط التي يكفر فاعلها إجماعًا، وتمضي قرون الأئمة من ثمانمائة عام، ولم يروَ عن عالم من علماء المسلمين أنها كفر؟ نبهنا الله وإياكم من الضلال.»

وظاهر من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه لقي في رسالته عنتًا، فاشتد كما يشتد من يدعو غير سميع، ومن العنت إطباق الناس على الجهل، والتوسل بما لا يضر ولا ينفع، والتماس المصالح بغير أسبابها، وإتيان المسالك من غير أبوابها، وقد غبر على البادية زمان يتكلون فيه على التعاويذ والتمائم وأضاليل المشعوذين والمنجمين، ويدعون السعي من وجوهه توسلًا بأباطيل السحرة والدجالين حتى في الاستسقاء ودفع الوباء، فكان حقًّا على الدعاة أن يصرفوهم عن هذه الجهالة، وكان من أثر الدعوة الوهابية أنها صرفتهم عن ألوان من البدع والخرافات، ولكن المهم في الإصلاح أن ينصرفوا عن الجهل الذي يوقعهم في بدع غير تلك البدع، وخرافات غير تلك الخرافات، وأن يكون النهي على قدر الضرر الزائل وعلى قدر النفع المنتظر، وهذا ما بقي للزمن أن يحكم فيه بعد دعوة ابن عبد الوهاب.

السَّنوسية

وتقارب الوهابية في عصرنا دعوة أخرى في البادية هي السنوسية التي تنسب إلى السيد محمد بن علي السنوسي الخطابي الذي ولد ببلدة مستغانم من بلاد الجزائر (سنة ١٧٨٧).

والدعوتان تتشابهان في حماسة الدعوات البادية، وفي نبذ البدع والخرافات، والرجوع بالإسلام إلى الكتاب والسنة، ولكنهما تختلفان بعد ذلك في أمور كثيرة.

فليست السنوسية مذهبًا ولا نحلة، ولا نقضًا لمذهب من المذاهب، وإنما هي «أخوة» في الله أو طريقة يتبعها من شاء من المسلمين، ولا يطلب منه عند اتباعها غير قراءة الفاتحة على العهد، واتباعها على درجات أولها درجة الخواص ثم الإخوان ثم المنتسبون، ولا فرق بين هذه الدرجات في غير العلم والإخلاص وحسن السيرة والولاء للآخرين، ولا يشترط في درجاتها العليا أن تنحصر في البيت السنوسي؛ بل يكون منهم الأقرباء وغير الأقرباء.

والسنوسي مجتهد، ولكنه يتبع مذهب الإمام مالك إلا في القليل الذي صح عنده أنه أقرب إلى السنة، ولا يتصدى بالنقض لأحد من الأئمة؛ بل كان أبغض الأشياء إليه — كما قال الشيخ محمد بن عثمان الحشايشي في رحلته — أن يسمع مقالة السوء في إمام أو غير إمام، وقد تعرض للقتل من جراء اجتهاده، وألمع الأستاذ الإمام محمد عبده إلى ذلك في كتابه عن الإسلام والنصرانية؛ إذ يقول: «ألم يسمع السامعون أن الشيخ السنوسي كتب كتابًا في أصول الفقه زاد فيه بعض مسائل على أصول المالكية، وجاء في كتاب له ما يدل على دعواه أنه ممن يفهم الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة، وقد يرى ما يخالف رأي مجتهد أو مجتهدين فعلم بذلك أحد المشايخ المالكية، وكان المقدم من علماء الجامع الأزهر الشريف، فحمل حربة وطلب الشيخ السنوسي ليطعنه بها؛ لأنه خرق حرمة الدين، وتبع سبيلًا غير سبيل المؤمنين، وربما كان يجترئ الأستاذ على طعن الشيخ السنوسي بالحربة لو لاقاه، وإنما الذي خلص السنوسي من الطعنة، ونجى الشيخ المرحوم من سوء المغبة، وارتكاب الجريمة باسم الشريعة: هو مفارقة السنوسي للقاهرة.»

وقد اجتهد الشيخ في مذهبه بعد أن حضر دروس الفقه والتفسير والحديث في بلده وفي مراكش، ولقي العلماء بمصر ومكة واليمن، وصاحب بعض أئمة الطرق في المغرب والمشرق، ثم ضاقت به سبل الدعوة تحت نظر الحكومة العثمانية التي كانت تتوجس من أمثال هذه الدعوات، فعكف على زاويته البيضاء، واختار لمقامه واحة جغبوب وبنى بها مسجدًا ومدرسة للعلوم الدينية، واستصوب أن ينشر طريقته بنشر الزوايا في أرجاء العالم الإسلامي؛ فانتشرت حيثما استطاع بين برقة وطرابلس ومصر والسودان وبلاد العرب، واطلعنا في كتاب «سنوسي برقة» الذي ألفه برتشارد على أسماء مائة وست وأربعين مدينة وقرية فيها زوايا للطريقة، ويوشك أن يكون شيوخ هذه الزوايا مرجعًا لأتباعهم في أمور الدين والدنيا يرشدونهم إلى الفرائض والواجبات، ويفضون خصوماتهم، ويكفونهم عن الشر كما قال ابن مقرب:

فكَم مِن حريم قد أباحوا وأجحفوا
بمال غنيٍّ لا يخافون عاديا
فأرشدهم للرشد من حل بينهم
فلا زال مهديًّا ولا زال هاديا
وكم بدويٍّ في الفلا خلْف ناقةٍ
«يجول» على الأعقاب أشعث حافيا
تلقَّاه في مهد الضلالة هاويًا
فأصبح نجمًا في الهداية عاليا
وكم من جهولٍ أسود اللون خلقة
كساهُ لِبَاسَ العِلْمِ أبيض صافيا

ولا تبيح السنوسية الغلو في تقديس المشايخ الأحياء أو الأموات، ولا تأذن لأتباعها أن يذكروا ميتًا عند قبره بغير الدعاء له والترحم عليه، ولكنها لا تمنع اللياذ بالمقامات للعظة والتبرك، وشرعتها في ذلك أنها نشأت حيث كانت مقامات المرابطين من عهد الأندلس فأرادت أن تجددها، ولا تشعر أهل الصحراء بالتقحم عليها.

وكان الشيخ السنوسي — بخلاف الغالب على مشايخ الطرق — خبيرًا بأحوال السياسة العالمية، فوقر في ذهنه أن النابلطان، أي الإيطاليين، مغيرون لا محالة على برقة في يوم قريب، فأوغل بمقامه إلى واحة الكفرة على طريق السودان؛ ليشرف من ثمَّ على تعليم أهل الصحراء جنوبًا وشمالًا وشرقًا وغربًا، ويهيئ في جوف الصحراء ملاذًا لمن تقصيهم غارات المستعمرين عن السواحل ومدن الحضارة.

وتوفى الشيخ سنة ١٨٥٩ فدفن بالجغبوب حيث بنى مزاره الكبير، وخلفه على إمامة الطريقة ابن أخيه السيد أحمد الشريف.

وقد كان أثر الطريقة السنوسية في المغرب والسودان والصحراء الكبرى أثرًا صالحًا في جملته، وشهدنا ما لأبناء الشيخ وعشيرته من السلطان الروحي بين أهل البادية في رحلتنا الانتخابية يوم كنا نرشح للنيابة عن الصحراء، فرأينا من هذا السلطان ما لم تبلغه القوة ومخافة السطوة، وحدث مرة أن واحدًا من أصحابنا ألقى على جمع من البدو إلى جوار بيت السيد السنوسي بمرسى مطروح أكوابًا من الورق المقوى لشرب الماء، فتهافتوا عليها، وتعذر على الجند أن يفضوهم بالحسنى، فما هو إلا أن نهض السيد إبراهيم، وناداهم إلى قراءة الفاتحة حتى تركوا ما هم فيه جميعًا، وقاموا يتبعونه في تلاوتها، ثم أومأ إليهم فانصرفوا بسلام.

ويرى العارفون بالصحراء أن هذا السلطان الروحي ينبسط إلى جوفها الأقصى، ويهدي أبناءها مع حسن التعهد والقوامة إلى سبيل الصلاح والتعمير.

طرائق أخرى

وقد عاصرت الوهابية والسنوسية حركات كبيرة أكثرها من قبيل الطرائق و«الأُخُوَّات» التي تنشر الزوايا والخلوات في البوادي الشاسعة كالصحراء الغربية وما يليها، ومنها طرائق تضارع في كثرة أتباعها الوهابية والسنوسية، ولكنها نمط آخر من الحركات الإسلامية التي لا ترتبط بحوادث القرن التاسع عشر أو القرن العشرين خاصة، ويصح أن تظهر قبل ثلاثة قرون أو أربعة كما يصح أن تظهر بعد العصر الحاضر في بيئاتها التي تلائمها فليست هي من قبيل رد الفعل للعوارض السياسية أو الاجتماعية التي أصابت الدول الإسلامية في القرون الأخيرة؛ لأن أمثالها من حركات الاعتكاف قد ظهر قبل ستمائة سنة، وشعاره الغالب عليه «دع الخلق للخالق» بخلاف الحركات الأخرى التي تتصدى لشئون السياسة بالتأييد أو بمقاومة تهيئ العدة للمستقبل في هذا الميدان.

وأكبر الطرائق التي عاصرت الدعوة السنوسية على وجه التقريب طريقتان: إحداهما: شاعت في المغرب وشواطئه، ثم في السودان وآسيا الصغرى وهي الطريقة التجانية، والأخرى: شاعت في الحجاز، ثم في مصر والسودان، وهي الطريقة الميرغنية.

وتنسب الطريقة التجانية إلى تجان بالمغرب حيث أقام إمامها الشيخ «أحمد محمد المختار» الذي ولد بقرية «عين ماضي» سنة ١٧٣٧ ميلادية، وكان في شبابه من أتباع الطريقة الشاذلية، ثم دعا إلى طريقته بعد أن جاوز الأربعين، من آداب الطريقة: أنها لا تناهض الحكم القائم، ولا يعني أتباعها بعد الولاء لشيخها بتغيير السلطان حيث كان، فمنهم من بايع الدولة الشريفية بمراكش، ومنهم من بايع محمد سعيد باشا بمصر واعتبره من الزمرة التجانية، ومنهم من كان يسفر بين سلطان دارفور والسلطان العثماني عبد المجيد، ولكنهم لا يقبلون الهوادة في مسألة الولاء للشيخ الكبير، ويرتابون أشد الريب فيمن يشرك في ولائه أحدًا غير إمام طريقته كأنه قابل لأن يتدرج من ذلك إلى المشاركة في ولائه لنبيه وخالقه، وقد قال صاحب كتاب الرماح، وهو من كتبهم المعدودة، إن «من أكبر الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده ألا يشرك في محبته غيره، ولا في تعظيمه ولا في الاستمداد منه ولا في الانقطاع إليه، ويتأمل ذلك في شريعة نبيه ، فإن من سوى رتبة نبيه برتبة غيره من النبيين والمرسلين في المحبة والتعظيم والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب والتشريع، فهو عنوان على أن يموت كافرًا إلا أن تدركه عناية ربانية.»

ويعرف أتباع التجانية في السودان باسم «الفلاتة» وهو الاسم الذي يطلق في الغالب على الغرباء المهاجرين من شواطئ إفريقية الغربية، ومن أتباعها من يقيم الآن في آسيا الصغرى، ويحاول أن يسترد حريته في نشر الدعوة إلى الطريق وإلى شعائر الدين.

ويرجع الفضل الأكبر في انتشار الطريقة الميرغنية إلى السيد محمد عثمان الميرغني المتوفى سنة ١٨٥٣ ميلادية، أحد تلاميذ السيد أحمد بن إدريس بالحجاز، وقد زامله في هذه التلمذة السيد السنوسي الكبير، وكلاهما عالم فقيه واسع التحصيل، ولكن الميرغني أقرب إلى خلائق العزلة والتعمق في الأسرار الصوفية، وزميله السنوسي أقرب إلى خلائق الدأب والمجاهدة والسياسة العملية، ولهذا كان الملوك والأمراء يتتبعون أخباره، ويخشون بأسه من سلطان القسطنطينية إلى سلطان دارفور، وكان المحافظون من العلية والرؤساء في الحجاز يميلون إلى الطريقة الميرغنية، ويوجسون خيفة من شيوع السنوسية بين أهل البادية العربية والبادية المغربية، ولم يتفق التلميذان بعد شيخهما الكبير ولكنهما لم يتنازعا في مكان واحد، وانقسم الميدان لهما بغير تقسيم.

كان الشاغل الأكبر للسيد محمد عثمان في شبابه أن يبحث عن الحقيقة الصوفية حيثما وجد سبيلًا إليها، فاتبع الطريقة النقشبندية، ثم الطريقة القادرية، ثم الطريقة الجنيدية، ثم الطريقة الشاذلية طريقة أستاذه أحمد بن إدريس، وقد ندبه أستاذه للدعوة باسمه في مصر والسودان، فبرح الحجاز إلى القصير، وقصد إلى أسوان من طريق النيل، فانتشرت دعوته بين النوبيين، وبرح مصر من ثم إلى السودان، ونجح نجاحًا طيبًا بين أهل دنقلة وكردفان، واتبعه كثيرون من قبائل البجاة.

ثم قفل إلى الحجاز، وواظب على حضور الدروس، وملازمة أستاذه الكبير إلى يوم وفاته (سنة ١٨٣٧) ولكنه أحس العداء ممن كانوا ينافسونه في مكة، فعكف على العبادة بالطائف، واكتفى بجهود ولديه في نشر الدعوة؛ إذ اتجه السيد محمد سر الختم إلى اليمن، واتجه السيد الحسن إلى سواكن فالتف به المريدون من قبائل بني عامر والحلانقة وأكثرهم من البجاة.

ولم تظهر في العهد الحديث طريقة أكبر من هذه الطرق الثلاثة: وهي السنوسية والتجانية والميرغنية، ويستلفت النظر أن هذه الطرق جميعًا تشيع بين السنيين، وقلما تشيع بين الشيعة ولا سيما الشيعة الإمامية، ولعلها بين السنيين بديل من اعتقاد الشيعة في الإمامة المنتظرة بشروطها الخاصة التي يصعب ادعاؤها بغير ادعاء المهدية، وهي دعوة كبيرة يشتد الشيعة أنفسهم في محاسبة من يجترئ عليها، فلا يتيسر برهانها، ولا تخلو من المخاطرة؛ لأنها تصطدم بسلطان الدولة وسلطان الدين.

١  أي دمي دمك، وهدمي هدمك. قال أبو عبيدة: كانوا في الجاهلية الأولى إذا تحالفوا وتعاقدوا أوقدوا نارًا حتى تكاد تحرقهم. ويتصافحون عندها ويقولون: الدم الدم والهدم الهدم. (انتهى) من شرح الألوسي.
٢  يراجع كتاب التصوير عند العرب، تأليف أحمد تيمور باشا ص١٣١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١