الفصل الثاني عشر

أبو الطيب في مصر

(١) قدومه على كافور في نسخة شرح المعري

فلما قدم عليه أبو الطيب أخلى له دارًا ووكل به، وأظهر التهمة له، وطالبه بمدحه وخلع عليه، (وأعطاه) آلافًا من الدراهم فقال يمدحه في جمادى الثانية سنة ست وأربعين وثلاثمائة:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا
وحَسبُ المنايا أن يكنَّ أمانيا.

وفي الصبح المنبي: «فطالبه بمدحه فلم يمدحه فخلع عليه فقال أبو الطيب … إلخ.»

ولست أدري لماذا يظهر كافور التهمة لأبي الطيب ويوكل به بعد أن كتب إليه يدعوه واحتفى به فأخلى دارًا لنزوله، ولماذا يمتنع الشاعر عن مدحه أول الأمر، وما قصد مصر إلا ليمدحه؟

لعل مجيبًا يقول: إن الشاعر قدم من عند سيف الدولة خصم كافور ومنافسه على الشام، فكان أهلًا للتهمة حتى يتبين أمره. لا أرى في الأمر ما يدعو إلى هذا، ولكن الراوي كما قدمت يريد أن يمثل لنا أبا الطيب مكرهًا على قصد كافور سجينًا عنده ليصوره مضطرًّا إلى مدحه، والناقد الخبير لا يعبأ بهذه الزيوف، ومدائح أبي الطيب الأولى تبين عن نفس مغتبطة آملة عظيمة الرجاء.

(٢) كم أقام وكم أنشأ من شعر؟

أقام أبو الطيب بمصر أربع سنين وستة أشهر، من جمادى الثانية سنة ست وأربعين، إلى تاسع ذي الحجة سنة خمسين وثلاثمائة.

ومدح كافورًا حين قدم عليه، وختم مدائحه بقصيدة أنشده إياها في شوال سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وبقي بعد ذلك سنة وشهرين لم ينشد كافورًا شيئًا من شعره.

وبين القصيدتين الأولى والآخرة ثلاث سنين وأربعة أشهر مدح فيها أبو الطيب كافورًا بتسع قصائد وقطعتين فيها كلها ثلاثة وسبعون وثلاثمائة بيت، وذلكم ربع ما مدح به سيف الدولة.

(٣) مدحه كافورًا وصلته به، وأحواله عنده

تنظر الآن كيف بدأت صلة الشاعر والأستاذ، وكيف وهنت حتى انقطعت، وماذا أمله أبو الطيب ولماذا حرمه أبو المسك ما أمل:
  • (أ)

    أبان أبو الطيب في القصيدة الأولى عن حزنه واضطراب قلبه بين صديقه الذي غدر به (يعني سيف الدولة) وبين كافور الذي رجا عنده بلوغ غايته، وأعرب عن عظم أمله في أميره الثاني وبالغ في مدحه، وليس في القصيدة ما يبين أو ينم عن أن الشاعر قصد كافورًا كارهًا، ومدحه مرغمًا كما يدَّعِي راوي القصة التي نقلنا بعضها من شرح المعري، بل رضي بالوقوف بين يديه وقيل له مرة: قد طال وقوفك في مجلسه فقال:

    يقل له الوقوف على الرءوس
    وبذل المكرمات من النفوس

    ويقول أبو الطيب في أول قصيدته:

    كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا
    وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا
    تمنيتها لما تمنيت أن تَرى
    صديقًا فأعيا أو عَدوًّا مُداجيا
    إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة
    فلا تستعدَّنَّ الحسام اليمانيا
    ولا تستطيلنَّ الرماح لغارة
    ولا تَستجيدنَّ العِتاق المَذاكيا
    فما ينفع الأسدَ الحياءُ من الطوَى
    ولا تُتَّقى حتى تكون ضواريا

    وفي هذا إشارة إلى سيف الدولة، وتحامله عليه، واضطراره إلى مفارقته، وقد بلغ به الحزن في هذا أن جعل مطلع قصيدته هذه الأبيات التي يتطير منها السامع، وبعد هذه الأبيات:

    حببتُك قلبي قبل حبك مَن نأى
    وقد كان غدَّارًا فكن أنت وافيا
    وأعلمُ أن البين يُشكيك بعده
    فلستَ فؤادي إن رأيتك شاكيا
    فإن دموع العين غُدرٌ بربها
    إذا كنَّ إثر الغادرين جواريا

    فتراه يطالب قلبه بأن يفي له هو ويترك سيف الدولة؛ فإنه أحب قلبه قبل أن يحب القلب هذا الأمير، وفي هذا إغراب عن توزع قلبه بين أصدقائه القدماء وبين انتصافه لنفسه بمفارقتهم ومدح غيرهم، ويسوغ ما فعله بقوله:

    إذا الجود لم يُرزَق خلاصًا من الأذى
    فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيا
    وللنفس أخلاقٌ تدل على الفتى
    أكان سخاءً ما أتى أم تساخيا

    ثم رجع إلى قلبه فيقول:

    أقلَّ اشتياقًا أيها القلبُ ربما
    رأيتك تُصفى الودَّ من ليس صافيا

    ثم ينثني فيذكر ما في نفسه من إلف بني حمدان، ويتخلص إلى مدح كافور يقول:

    خُلِقْتُ ألوفًا لو رجعتُ إلى الصِّبَى
    لفارقت شيبي موجَع القلب باكيا
    ولكنَّ بالفسطاط بحرًا أزرْته
    فؤادي ونُصحي والهوى والقوافيا

    ثم يصف سيره وخيله إلى أن يقول:

    قواصدَ كافور تواركَ غيره
    ومن قصد البحر استقل السواقيا
    فجاءت بنا إنسان عينِ زمانه
    وخلَّت بياضًا خلفها ومآقيا

    ثم يقول في أثناء المدح معربًا عن رجائه وأمله:

    إذا كسب الناس المعالي بالندى
    فإنك تعطي في نداك المعاليا
    وغيرُ كثير أن يزورَك راجل
    فيرجع ملكًا للعراقين واليا
    فقد تهبُ الجيش الذي جاء غازيا
    لسائلك الفرد الذي جاء عافيا
    وتحتقر الدنيا احتقار مجرِّب
    يرى كل ما فيها، وحاشاك، فانيا
  • (ب)
    وفي أواخر الشهر التالي (لثلاث بقين من رجب، عشية يوم الاثنين)، أنشد أبو الطيب قصيدة يهنئ بها كافورًا بدار جديدة بناها١ أولها:
    إنما التهنئات للأكفاء
    ولمن يدَّني من البُعداء
    وأنا منك لا يهنئ عضو
    بالمسرَّات سائر الأعضاء
    قال الواحدي:

    وهذا طريق المتنبي يدَّعي لنفسه المساهمة والكفاءة مع الممدوحين، في كثير من المواضع، وليس ذلك للشاعر فلا أدري لِمَ احتُمل منه.

    وقال العكبري:

    وهذه عادة أبي الطيب يدعي المساهمة والكفاءة لنفسه ويشركها مع الممدوحين في كثير من المواضع، وليس ذلك للشاعر وإنما كان هو يعمله إدلالًا عليهم.

    وجوابنا للواحدي والعكبري أن أبا الطيب قد وضع نفسه فوق الشعراء وتعود ذلك منه الممدحون، والمرء حيث يضع نفسه، ولكل امرئ من دهره ما تعودا.

    ويقول في آخر هذه القصيدة:

    يا رجاء العيون في كل أرض
    لم يكن غير أن أراك رجائي
    ولقد أفنت المفاوزُ خَيلي
    قبل أن نلتقي وزادي ومائي
    فارم بي ما أردتَ منِّي فإني
    أسدُ القلب آدميُّ الرُّواء
    وفؤادي من الملوك وإن كان
    لساني يُرى من الشعراء

    فهو يدعوه إلى أن يكل إليه بعض الشئون ولكن في كلام يُخيف كافورًا ويوهمه أنه أمام ملك لا شاعر.

    وفي شرح المعري بعد هذه القصيدة، ولما أنشده أبو الطيب حلف ليبلغنه جميع ما في نفسه. وإنه لأكذب ما يكون إذا حلف.

  • (جـ)

    ويمضي شهران فنرى أبا الطيب ينشد الأستاذ أبا المسك يوم عيد الفطر قصيدة أولها:

    مَن الجآذر في زي الأعاريب
    حُمرُ الحلى والمَطايا والجلابيب

    وفي هذه القصيدة يُعرِّض بسيف الدولة في قوله:

    قالوا هجرتَ إليه الغَيثَ قلتُ لهم
    إلى غيوثِ يديه والشآبيب
    إلى الذي تهبُ الدولاتِ راحتُه
    ولا يمنُّ على آثار موهوب
    ولا يَروع بمغدور به أحدًا
    ولا يُفزِّع موفورًا بمنكوب

    ثم يفخر فيقول بعد ذكر الخيل:

    تهوي بمنجَرِد ليست مذاهبُه
    للبس ثوب ومأكول ومشروب
    يرى النجومَ بعيني مَن يحاولها
    كأنها سَلَب في عين مسلوب

    وهذا فخر جدير بأن يفزع كافورًا.

    ونجد ريح الشكوى في آخر هذه القصيدة حيث يقول:

    يا أيها الملك الغاني بتسمية
    في الشرق والغرب عن وصف وتلقيب
    أنتَ الحبيب ولكني أعوذ به
    من أن أكون مُحبًّا غيرَ محبوب

    ذلكم ولما يمض على أبي الطيب عند كافور أكثر من أربعة أشهر!

  • (د)

    وفي عيد الأضحى من السنة أنشده القصيدة الرابعة:

    أودُّ من الأيام ما لا تَودُّه
    وأشكو إليها بيننا، وهي جُنده

    وهو مطلع ناطق بالشكوى والتحسر.

    ويقول في القصيدة:

    وأتعبُ خلق الله من زاد همُّه
    وقصَّر عما تشتهي النفس وجدُه
    فلا ينحلل في المجد مالُك كلُّه
    فينحلَّ مجد كان بالمال عقدُه
    ودبِّره تدبيرَ الذي المجدُ كفُّه
    إذا حارب الأعداءَ والمالُ زَنده
    فلا مجدَ في الدنيا لمن قلَّ ماله
    ولا مالَّ في الدنيا لمن قلَّ مجده

    وفي هذا إبانة عما يختلج في فؤاد الشاعر من الأسى وقد طمح إلى مجد قصر عنه ماله، فطوف في الآفاق يبغي ما يبني به مجده فلم يظفر ببغيته.

    ويقول أبو الطيب بعد هذا، ومثل هذا الكلام يروع الممدوح ولا يستعطفه:

    وفي الناس من يَرضى بميسور عيشه
    ومركوبُه رِجلاه والثوبُ جِلده
    ولكنَّ قلبًا بين جنبيَّ ما له
    مَدًى ينتهي به في مُراد أحُدُّه
    يرى جسمَه يُكسى شُفوفًا تَرُبُّه
    فيختارُ أن يُكسى دُروعًا تهدُّه

    ثم يقول عن كافور:

    أنا اليوم من غلمانه في عشيرة
    لنا والدٌ منه يُفَدِّيه وُلده
    فمِن مالِه مالُ الكبير ونفسُه
    ومن ماله دَرُّ الصغير وَمهده
    نجرُّ القنا الخطيَّ حول قِبابه
    وتَردى بنا قُبُّ الرباط وجُرْده
    ونمتحن النشَّاب في كلِّ وابل
    دَويُّ القسيِّ الفارسيةِ رَعده
    فإلا تكن مصر الشرى أو عرينه
    فإن الذي فيها من الناس أُسدُه
    ويقول العكبري في شرح البيت الأول:

    يريد أنه وهب له غلمانًا وأنه منهم في عشيرة؛ لأنه إذا ركب ركبوا معه وأطافوا به فكأنهم عشائره وأقاربه.

    ولست أرى في الأبيات إبانة عن هبة وهبها كافور، ولكن أبا الطيب يخبر عن نزوله بين غلمان كافور ومشاركته إياهم في رمي النشاب، فالأبيات تصف جندًا لا خدمًا وليس فيها ولا بعدها شكر على هبة.

    وفي القصيدة يكرر أبو الطيب سؤال كافور أن يصطنعه ويجربه، ويستنجز وعده، ويتبين من كلامه أن كافورًا كان قد وعده بولاية:

    فإن نلتُ ما أمَّلت منك فربما
    شَرِبتُ بماءٍ يُعجز الطيرَ وِرده
    ووَعدُك فعلٌ قبل وعد لأنه
    نظيرُ فعال الصادقِ القولِ وعدُه
    فكن في اصطناعي محسنًا كمجرِّب
    يبن لك تقريبُ الجواد وشَدُّه
    إذا كنت في شكٍّ من السيف فابلُه
    فإمَّا تُنفِّيه وإمَّا تُعِدُّه
    وما الصارم الهندي إلا كغيره
    إذا لم يفارقه النِّجادُ وغمده
    وإنك للمشكورُ في كل حالة
    ولو لم يكن إلا البشاشةَ رِفدُه
    فكل نوال كان أو هو كائن
    فلحظةُ طرف منك عندي نِده
    وإني لفي بحر من الخير أصلُه
    عطاياك أرجو مدَّها وهي مدُّه
    وما رَغبتي في عسجد أستفيده
    ولكنَّها في مفخر أستجِدُّه
    يجود به من يفضح الجودَ جودُه
    ويحمدُه من يفضح الحمدَ حمدُه
    فإنك ما مرَّ النحوس بكوكب
    وقابلتَه إلا ووجهُك سعدُه
  • (هـ)
    والقصيدة الخامسة أنشدها أبو الطيب يوم الأحد رابع عشر ربيع الثاني سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، أي بعد ثلاثة أشهر من القصيدة السابقة، وكان فرس أبي الطيب جرح فحزن عليه فتبين كافور الحزن في وجهه، فأرسلَ خلفه من يسأله فلما عرف هذا بعث إليه فرسًا أدهم.٢

    وفي هذه القصيدة يمدح سيف الدولة، بعد أن فضَّل كافورًا عليه فيما تقدم.

    ويذكر أن الحمدانيين بكوا لفراقه رجالًا ونساء، ويُلقي التبعة على سيف الدولة.

    وأول القصيدة:

    فراقٌ ومن فارقتُ غير مذمَّم
    وأمٌّ من يَمَّمت خيرُ مُيَمَّم
    وما منزلُ اللذاتِ عندي بمنزل
    إذا لم أبَجَّلْ عنده وأكَرَّم
    سجيةُ نفس ما تزال مُليحةً
    من الضَّيم مَرميًّا بها كلُّ مَخرَم
    رحلتُ فكم باكٍ بأجفان شادن
    عليَّ وكم باكٍ بأجفان ضيْغم
    وما ربَّة القُرط المَليح مكانُه
    بأجزعَ من ربِّ الحسام المصمِّم
    فلو كان ما بي من حبيب مقنَّع
    عَذَرتُ ولكن من حبيب مُعمَّم
    رمَى واتقى رميي، ومن دون ما اتقى
    هوًى كاسرٌ كفِّي وقوسي وأسهمي

    ويقول في آخر القصيدة يتنجز وعده، ويستبطئه:

    ولو كنت أدري كم حياتي قسمتها
    وصيَّرت ثلثَيها انتظاركَ، فاعلم
    ولكنَّ ما يمضي من الدهر فائتٌ
    فجُدْ لي بحظٍّ البادر المتغنم
    رضيتُ بما ترضى به لي محبةً
    وقُدْتُ إليك النفسَ قَود المسلِّم
    ومثلُك من كان الوسيطُ فؤاده
    فكلَّمَه عنِّي ولم أتكلَّم
  • (و)
    ووقع خلاف بين أنوجور وكافور؛ لأن جماعة من الجند اتصلوا بالأمير فأنكر كافور هذا وطالبه بتسليمهم فوقعت بينهما وحشة أيامًا ثم سلمهم إليه فقتلهم.٣ واصطلحا وطولب أبو الطيب بذكر الصلح فقال قصيدة هي خير ما يُقال في ثمرات الوفاق وعواقب الشقاق، ومدح فيها كافورًا، وأنشدها في شعبان سنة ٣٤٧ بعد شهرين من القصيدة السابقة، ومطلعها:
    حسم الصلحُ ما اشتهته الأعادي
    وأذاعته ألسن الحسَّاد
    وأرادته أنفس حال تدبير
    ك ما بينها وبين المراد
  • (ز)

    مضت على أبي الطيب سنة وثلاثة أشهر ولم يبلغ من كافور منيته، فلما جاء عيد الفطر سنة سبع وأربعين وثلاثمائة أنشده القصيدة التي أولها:

    أغالب فيك الشوقَ والشوقُ أغلب
    وأعجبُ من ذا الهجر، والوصل أعجب

    وفي شرح المعري ونسخ من الديوان: «كان كافور تقدم إلى أصحاب الأخبار يُرجفون بأنه ولاه موضعًا من الصعيد، وينفذ إليه قومًا يعرفونه ذلك، فلما كثر هذا وعلم أن أبا الطيب لا يثق بكلام يسمعه حمل إليه ستمائة دينار ذهب، فقال هذه القصيدة.»

    ومهما يكن فقد أظهر فيها أبو الطيب ندمه على ترك سيف الدولة إلى كافور، وهذه جرأة على الممدوحين لا يعرفها الشعراء. يقول بعد المطلع:

    أما تغلط الأيام فيَّ بأن أرى
    بغيضًا تُنائي أو حبيبًا تقرِّب
    ولله سَيرى ما أقل تئيَّةً
    عشيةَ شَرقيَّ الحَدالى وغُرَّب٤
    عشيةَ أحفى الناس بي من جفوته
    وأهدى الطريقين التي أتجنَّبُ

    ويقول بعد أبيات:

    لحى الله ذي الدنيا مُناخًا لراكب
    فكلُّ بعيد الهمِّ فيها معذَّب
    ألا ليت شعري هل أقول قصيدة
    فلا أشتكي فيها ولا أتعتَّب
    وبي ما يذود الشعر عني أقلُّه
    ولكنَّ قلبي يا ابنة القوم قُلَّب

    ويقول:

    أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أناله
    فإني أغنِّي منذ حين وتشرب
    وهبت عَلَى مقدار كفَّيْ زماننا
    ونفسي على مقدار كفَّيك تطلب
    إذا لم تَنُط بي ضيعة أو ولاية
    فجُودك يكسوني وشُغلك يسلُب
    يضاحك في هذا العيد كلٌّ حبيبَه
    حذائي وَأبكي من أحب وأندب
    أحِنُّ إلى أهلي وأهوى لقاءهم
    وأين من المشتاق عَنقاء مُغرب
  • (ح)

    ويصمت أبو الطيب بعد هذه القصيدة ثمانية أشهر لا يمدح كافورًا، وما كان قبل يسكت عن مدحه أكثر من شهرين أو ثلاثة، وهذا يدل على أن سخط أبي الطيب، ونقمته على أبي المسك، قد اشتدا ولا سيما إذا عرفنا أن عيد الأضحى سنة ٣٤٧ كان في هذه الأشهر الثمانية فلم يهنئه به خلافًا لما عوده، وفي هذه الأشهر نظم الشاعر قصيدتين، نظم الأولى حين بلغه أن جماعة نعوه في مجلس سيف الدولة، وقد أعرب فيها عن حزنه، وسخطه على زمانه، وعتبه على الحمدانيين، وعرض بفراق كافور كما فارقهم، وأول القصيدة:

    بم التعلل؟ لا أهل ولا وطن
    ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سكَنُ
    أريد من زمني ذا أن يبلِّغني
    ما ليس يبلغه في نفسه الزمن

    ويقول فيها لسيف الدولة:

    يا من نُعيتُ على بُعدٍ بمجلسه
    كلٌّ بما زعم الناعون مرتَهَن
    كم قد قُتلت وكم قَدْ مِتُّ عندكم
    ثم انتفضتُ فزال القبر والكفن
    قد كان شاهَد دفني قبل قولهم
    جماعةٌ ثم ماتوا قبلَ مَن دَفنوا

    ويصف بني حمدان بأنهم لا يرعون الجوار وينغِّصون رفدهم بالمن ثم يقول:

    سهرتُ بعد رحيلي وحشةً لكم
    ثم استمر مريري وارعوَى الوسَن
    وإن بليتُ بودٍّ مثل ودِّكم
    فإنني بفراق مثله قَمِنُ

    قال ابن جني: حُكي أن سيف الدولة لما سمع هذا البيت قال: سار وحق أبي.

    ولم ينشد كافورًا هذه القصيدة، ولكن ختمها بأبيات في مدحه واستنجازه الوعد علمًا بأنها ستبلغه. يختم القصيدة بقوله:

    أبلى الأجلة مهري عند غيركم
    وبُدِّل العُذْرُ بالفسطاط والرسَن
    عند الهمام أبي المسك الذي غرقت
    في جُوده مضرُ الحمراء واليمن
    وإن تأخر عني بعضُ موعده
    فما تأخرُ آمالي ولا تَهِنُ
    هو الوفيُّ ولكني ذكرتُ له
    مودَّةً فهو يبلوها ويمتحن

    والقصيدة الثانية التي نظمها في هذه الفترة قصيدة يتبين فيها تفكيره في الناس والدنيا، ويقول فيها: إن مصائب الزمان كثيرة، ولكن الناس لا يكتفون بها فيخلقون لأنفسهم مصائب بالقتال والنزال، وإن مطلب النفوس أصغر من أن يتقاتل الناس عليها.

    وهذه القصيدة من خير ما قال في الحكم ومطلعها:

    صَحب الناسُ قبلنا ذا الزمانا
    وعناهم من أمره ما عنانا
  • (ط)

    ثم تكون وقعة تضطر أبا الطيب إلى أن ينشد كافورًا من شعره، ذلكم أن كافورًا كان قد اصطنع شبيبًا العقيلي الخارجي، وولاه عمان والبلقاء وما يليهما، فعظم أمره، وخرج على كافور، وسار إلى دمشق في جيش كثيف ودخل المدينة.

    وفي أثناء الهرج والمرج أُلفي شبيب ميتًا، فارتاع أصحابه وهزموا وتفرقوا. واختلفت الروايات في موته: قيل: ألقت عليه امرأة حجرًا، وقيل: سقطت رجل فرسه في قناة فسقط عنها، وقيل: شرب سويقًا مسمومًا، وقيل: اعتراه صرع كان يعتريه.

    وجاءت الأخبار مصر يوم الجمعة ثاني جمادى الثانية سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وطالب كافور أبا الطيب بأن يذكر هذا في شعره فقال القصيدة التي أولها:

    عدوُّك مذموم بكل لسان
    وإن كان من أعدائك القمَران

    وهي قصيدة يلقى بها الشاعر ممدوحه بعد ترك مدحه ثمانية أشهر، وكأنه أراد أن يهجوه ويغيظه بها لا أن يمدحه، فأول القصيدة:

    عدوك مذموم بكل لسان
    وإن كان من أعدائك القمران
    ولله سرٌّ في عُلاك وإنما
    كلام العِدى ضربٌ من الهذَيان

    ثم لم يستطع أن يكتم إعجابه بشبيب، وأبو الطيب تعجبه الشجاعة والبطولة حيثما تجليا، وكأنه يرثي شبيبًا في هذه القصيدة لا يُهنئ كافورًا بقتله، يقول:

    فإن يك إنسانًا مضى لسبيله
    فإن المنايا غايَةُ الحيَوان
    وما كان إلا النارَ في كل موضع
    تُثير غبارًا في مكان دُخان
    فنال حياةً يشتهيها عدوُّه
    وموتًا يُشهِّي الموتَ كلَّ جبان
    نفى وقع أطراف الرماح برمحه
    ولم يخشَ وقعَ النجم والدبران
    ولم يدر أن الموت فوق شواته
    مُعارُ جَناح محسنُ الطيران
    وقد قتلَ الأقرانَ حتى قتلته
    بأضعفِ قِرن في أذلِّ مكان
    أتته المنايا في طريق خفيَّة
    على كلِّ سمع حوله وعِيان
    ولو سلكت طُرْق السلاح لردَّها
    بطول يمين واتساع جنان
    تقصَّده المقدارُ بين صِحابه
    على ثقةٍ من دهره وأمان
    وهل ينفع الجيشَ الكثيرَ التفافُه
    على غير منصور وغير مُعان

    يريد أبو الطيب أن يقول لكافور: إنك لم تغلب شبيبًا وما كنت لتقدر عليه في الحرب ولكنك قتلته غيلة أو كفاك أمره القضاء.

    وكأنه بعد هذه الأبيات يريد أن يكفر عنها قليلًا وينال ثقة كافور ليركن إليه وينيله ما ابتغى فتراه ينعي الوفاء ويقول: إن العاقل لا يكفر النعمة، وإن كفران شبيب أودى به، ويختم الكلام بقوله:

    وعند مَن اليوم الوفاءُ لصاحب؟
    شبيبٌ وأوفى مَن ترى أخَوان

    وأنَّى ينفع أبا الطيب كلامه في كفر النعمة والوفاء بعد أن أسمع ممدوحه شعرًا يهون فيه انتصاره على عدوه، ويشيد بذكر هذا العدو، ولم يكن أبو المسك غبيًّا عن فهم دقائق الشعر، وقد روى ابن جني في شرح هذه القصيدة، قال: حكى إبراهيم بن محمد العلوي أنه كان بحضرة كافور، وأبو الطيب ينشده هذه القصيدة فلما قال: «بأضعف قرن في أذل مكان»، قال كافور وهو يتكلم بكلام الخدم: «لا والله بل أشد قرن في أعز مكان، فروى الناس بأضعف قرن وجعلوا مكان أذل أعز.»

  • (ي)

    وبعد هذه القصيدة التي اضطرته إليها الحادثات والتي هي أقرب إلى الهجاء من المدح انقطع شاعرنا عن مدح الأستاذ كافور الإخشيدي ستة عشر شهرًا.

    وفي هذه الفترة أصابته حمى فقال قصيدة باكية شاكية يصف فيها حاله في مصر، ويعرض ببخل كافور ومنعه إياه السفر ويتمنى الرحيل، وكتبها يوم الاثنين لأربع خلون من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، ويقول في أول القصيدة:

    مَلومكما يجلُّ عن الملام
    ووقعُ فعاله فوق الكلام
    ذراني والفلاةَ بلا دليل
    ووَجهي والهجيرَ بلا لثام
    فإني أستريح بذي وهذا
    وأتعبُ بالإناخة والمُقام
    عيونُ رواحلي إن حِرتُ عيني
    وكلُّ بُغام راحلةٍ بُغامي
    فقد أرد المياه بغير هاد
    سوى عدِّي لها برقَ الغمام
    يُذمُّ لمهجتي ربِّي وسيفي
    إذا احتاج الوحيد إلى الذمام
    ولا أُمْسِي لأهل البخل ضيفًا
    وليس قِرًى سوى مُخ النعام
    ولما صار وُدُّ الناس خِبًّا
    جزيت على ابتسام بابتسام
    وصرت أشك فيمن أصطفيه
    لعلمي أنه بعض الأنام

    إلى أن يقول:

    أقمت بأرض مصر فلا ورائي
    تخِبُّ بي الرِّكاب ولا أمامي
    وملَّنِي الفِراش وكان جنبي
    يملُّ لقاءه في كلِّ عام
    قليل عائدي سَقِمٌ فؤادي
    كثير حاسدي صَعبٌ مرامي
    عليل الجسم ممتنع القيام
    شديدُ السكر من غير المُدام

    ويصف الحمى ونوباتها ثم يقول:

    أبنتَ الدهر عندي كل بنت
    فكيف وصلتِ أنت من الزحام
    جرحت مجرَّحا لم يبق فيه
    مكانٌ للسيوف ولا السهام

    ويذكر شوقه إلى السفر ثم يقول:

    يقول لي الطبيب أكلت شيئًا
    وداؤك في شرابك والطعام
    وما في طِبِّه أني جواد
    أضرَّ بجسمه طولُ الجِمام
    تعوَّد أن يغبَّر في السرايا
    ويدخلَ من قتام في قتام
    فأمسِك لا يُطال له فيَرعَى
    ولا هو في العليق ولا اللجام

    وقد قال ابن جني، ومثله في شرح المعري: إن أهل مصر شغفوا بهذه القصيدة وبلغت كافورًا فساءته.

    • (أ)

      أبو شجاع فاتك: وفي هذه الفترة أيضًا كان اتصال أبي الطيب بأبي شجاع فاتك الملقب بالمجنون.

      وكان فاتك روميًّا أسر ورُبي في فلسطين، ثم أخذه الإخشيد من سيده في الرملة كرهًا بلا ثمن فأعتقه صاحبه.

      قال في شرح المعري: «فكان معه حرًّا في عدة المماليك كريم النفس حر الطبع بعيد الهمة.

      وكان في أيام كافور مقيمًا بالفيوم من أعمال مصر، وهو بلد كثير الأمراض لا يصح به جسم؛ وإنما أقام به أنفةً من الأسود وحياءً من الناس أن يركب معه، وكان الأسود يخافه ويكرمه فزعًا، وفي نفسه ما في نفسه، فاستحكمت العلة في بدن فاتك، وأحوجته إلى دخول مصر فدخلها ولم يمكن أبا الطيب أن يعوده وفاتك يسأل عنه ويراسله بالسلام، ثم التقيا في الصحراء فحمل إلى منزله للوقت هدية قيمتها ألف دينار ذهب، ثم أتبعها هدايا بعدها.»

      وقال صاحب الإيضاح: وصل إليه من أنواع صلاته وأصناف جوائزه ما تبلغ قيمته عشرين ألف دينار.

      وقال صاحب الإيضاح أيضًا: «وقادوا بين يديه (يدي فاتك) في مدخله إلى مصر أربعة آلاف جنيبة منعلة بالذهب فسماه أهل مصر بفاتك المجنون.

      ويزيد ابن خلكان على هذا أن الفيوم كان إقطاعًا لفاتك، وأن أبا الطيب كان يسمع بكرم فاتك وشجاعته، ولا يستطيع أن يقصده خيفة كافور، وأن أبا الطيب استأذن كافورًا في مدح فاتك فأذن له.»٥

      وسيرى القارئ كيف جزع الشاعر لوفاة أبي شجاع ورثاه أبلغ رثاء، ورثاء فاتك بثلاث قصائد بعد خروج الشاعر من مصر وانقطاع أمل الشاعر في مثوبة فاتك أو أحد من أقاربه، وما في هذه القصائد من الحزن ومن الإعجاب بشجاعة فاتك ومروءته وسخائه، كل هذا يدل على وفاء الشاعر، كما يدل على إكباره الشجاعة والمروءة وما يتصل بهما من أخلاق.

      وفي النسخة (١٥٣٠) أن هذا المدح كان بعد استقرار الحال بين فاتك والأستاذ.

      ولا ريب أن شاعرنا ما اتصل بفاتك واستأذن كافورًا في مدحه، وهو يعلم ما بينهما من المنافسة، إلا بعد أن يئس من كافور أو كاد.

      أنشد الشاعر مدح فاتك في تاسع جمادى الثانية سنة ٣٤٨، وفي هذه القصيدة أبيات تعد تعريضًا بكافور، فأولها:

      لا خيل عندك تُهديها ولا مال
      فليُسعد النطق إن لم تُسعِد الحال
      واجز الأميرَ الذي نعماه فاجئة
      بغير قول، ونُعمى الناس أقوال

      أليس هذا تعريضًا بكافور الذي وعده فلم يفِ له؟ وفيها يقول:

      كفاتك ودخول الكاف منقصة
      كالشمس قلت، وما للشمس أمثال

      •••

      يريك مخبره أضعاف منظره
      بين الرجال وفيها الماء والآل
      تملك الحمد حتى ما لمفتخر
      في الحمد حاء ولا ميم ولا دال

      وأكبر الظن أن هذه القصيدة أسخطت كافورًا على أبي الطيب، وأبعدت أمل الشاعر في كافور.

    • (ب)

      آخر المدائح: وفي شوال سنة ٣٤٩ أنشد أبو الطيب كافورًا آخر مدائحه، بعد أن انقطع عن إنشاده ستة عشر شهرًا كما أسلفت، وبعد أن مدح فاتكًا، وبعد أن أنشأ قصيدة الحمى التي ساءت كافورًا، فلماذا عاد إلى مدحه وماذا قال؟

      أما عوده إلى المدح فإجابة لطلب كافور، وفي نسخة المعري: «وكان كافور يتطلع إلى مدحه ويقتضيه، ولم يكن له بد من مداراته.»

      وأحسب تطلع كافور إلى مدح أبي الطيب أحيا في نفسه حشاشة الأمل، فعاد يرمي آخر سهم غير يائس أن يصيب.

      •••

      بدأ الشاعر يذكر شيبه، وأنه يحمده ولا يذمه، ثم قال فاخرًا بنفسه غير مطامن منها ولا غافل عنها ساعة يتوسل فيها بكافور إلى مطالبه:

      وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه
      ولو أن ما في الرأس منه حراب
      لها ظفر إن كل ظفر أعده
      وناب إذا لم يبق في الفم ناب
      يغير مني الدهر ما شاء غيرها
      وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب
      وإني لنجمٌ تهتدي صحبتي به
      إذا حال من دون النجوم سحاب
      غنيٌ عن الأوطان لا يستخفني
      إلى بلد سافرت عنه إياب
      وعن ذملان العيس، إن سامحت به
      وإلا ففي أكوارهن عقاب

      ومطلع القصيدة:

      مُنًى كن لي أن البياض خضاب
      فيخفى بتبييض القرون شباب

      تحدث عن نفسه في ثمانية عشر بيتًا ثم مدح كافورًا بتسعة، ثم طالبه بإنجاز ما وعد:

      لنا عند هذا الدهر حق يلطه
      وقد قل إعتاب وطال عتاب
      وقد تُحدث الأيام عندك شيمة
      وتنعمر الأوقات وهي يباب
      ولا ملك إلا أنت والملك فضلة
      كأنك سيف فيه وهو قراب
      أرى لي بقربي منك عينًا قريرة
      وإن كان قربًا بالبعاد يشاب
      وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا
      ودون الذي أملت منك حجاب
      أقل سلامي حب ما خف عنكم
      وأسكت كيما لا يكون جواب
      وفي النفس حاجات وفيك فطانة
      سكوتي بيان عندها وخطاب
      وما أنا بالباغي على الحب رشوةً
      ضعيف هوًى يبغى عليه ثواب
      وما شئت إلا أن أدل عواذلي
      على أن رأيي في هواك صواب
      وأعلم قومًا خالفوني فشرقوا
      وغربت أني قد ظفرت وخابوا

      ويمدحه بعد هذه الأبيات بثلاثة أبيات، ثم يختم القصيدة بقوله:

      إذا نلت منك الود فالمال هين
      وكل الذي فوق التراب تراب
      وما كنت لولا أنت إلا مهاجرًا
      له كل يوم بلدة وصحاب
      ولكنك الدنيا إليَّ حبيبة
      فما عنك لي، إلا إليك، ذهاب

      بقي أبو الطيب بمصر بعد هذه القصيدة أربعة عشر شهرًا لا يمدح كافورًا، وتتفق نسخ الديوان والشروح على أنه ما كان يلقاه إلا أن يركب فيسير معه في الطريق لئلا يوحشه.

(٤) ما الذي أمَّل الشاعر من كافور؟

وكان أبو الطيب ضيف كافور مدة مقامه في مصر، وكانت هذه الضيافة صلة بينهما بعد انقطاع الشاعر عن مدحه وغشيان حضرته، ودليلنا على هذه الضيافة ما نقلنا أولًا من أن كافورًا أخلى للشاعر دارًا، وما نجده في هجاء كافور بعد كقول أبي الطيب:

إني نزلت بكذابين ضيفهم
عن القرى وعن الترحال محدود

•••

جوعان يأكل من زادي ويُمسكني
لكي يقال عظيم القدر مقصود

•••

لو كان ذا الآكل أزوادنا
ضيفًا لأوسعناه إحسانًا
لكننا في العين أضيافه
يُوسعنا زورًا وبهتانًا

لو كانت منية أبي الطيب أن ينال مالًا من كافور لبلغ بعض منيته فقد أعطاه كافور وأكثر العطاء أحيانًا، ولكن أبا الطيب طمع في ضيعة أو ولاية:

أبا المسك هل في الكأس فضل أناله
فإني أغني منذ حين وتشرب
وهبت على مقدار كفي زماننا
ونفسي على مقدار كفيك تطلب
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية
فجودك يكسوني وشغلك يسلب

قال هذا في قصيدة أنشأها بعد أن أرسل إليه كافور ستمائة دينار ذهب كما تقدم.

ومن قبل قال بعد قدومه مصر بشهر واحد:

فارم بي ما أردت مني فإني
أسد القلب آدمي الرواء
وفؤادي من الملوك وإن كا
ن لساني يرى من الشعراء

ثم قال بعد أن وعده الولاية:

فكن في اصطناعي محسنًا كمجرب
يبن لك تقريب الجواد وشده
إذا كنت في شك من السيف فابله
فإما تنفيه وإما تعده
وما الصارم الهندي إلا كغيره
إذا لم يفارقه النجاد وغمده

وقال في القصيدة نفسها:

وما رغبتي في عسجد أستفيده
ولكنها في مفخر أستجده

وقال في القصيدة النونية التي لم ينشدها أمام كافور، وقد أشرف على اليأس:

هو الوفي ولكني ذكرت له
مودة فهو يبلوها ويمتحن

(٥) لماذا خيب كافور أمله؟

طلب أبو الطيب ولاية أو ضيعة وألح في الطلب، ووعده كافور وذاع بين الناس حينًا أنه ولاه كما تقدم، فلماذا أخلف كافور وعده، وخيب أمل صاحبه؟

قال في الصبح المنبي: وسأل أبو الطيب كافورًا أن يوليه صيداء من بلاد الشام أو غيرها من بلاد الصعيد، فقال له كافور: «أنت في حال الفقر وسوء الحال وعدم المعين سمت نفسك إلى النبوة، فإن أصبت ولاية وصار لك أتباع فمن يطيقك؟»

ولست أصدق أن كافورًا قال للشاعر هذا ولعل هذا كان في نفسه.

ولم يأل أبو الطيب في فخره، وذِكر همته وآماله البعيدة، مما يراه القارئ بينًا فيما قدمت من شعره.

وسبب آخر يذكره مؤرخو أبي الطيب هو ذكر سواده.

في الصبح المنبي، قال الوحيدي:

كان المتنبي يعلم أن ذكره السواد على مسامع كافور أمر من الموت، فإذا ذكر لون السواد بعد ذلك فقد أساء إلى نفسه، وعرضها للقتل والحرمان، وكان من إحسان الصنعة وإجمال الطلب ألا يذكر لونه، وله عنه مندوحة.

ولست أشارك في هذا الرأي، فقد ذكر أبو الطيب سواد كافور في القصيدة الأولى، ثم ذكره من بعد، ولم يكن أبو الطيب غبيًّا، فلو أحس كراهة كافور هذا لتجنبه، وقد قدمت أنه لما أنشده:

إنما التهنئات للأكفاء
ولمن يدني من البعداء

حلف ليبلغنه جميع ما في نفسه، وفي هذه القصيدة يذكر السواد، ويقول:

يفضح الشمس كلما ذرت الشمس
بشمس منيرة سوداء
إنما الجسم ملبس وابيضاض
النفس خيرٌ من ابيضاض القباء

فلو كره كافور ذكر السواد هذه الكراهة ما اهتز للقصيدة هذه الهزة.

وينبغي ألا ننسى أن الشاعر بعد أشهر من إقامته بمصر شرع يشكو إخلاف كافور، فلما طال عليه الأمد أكثر من تذكيره واستنجازه في كلام لا يخلو من توبيخ كقوله:

أبا المسك هل في الكأس فضل أناله
فإني أغني منذ حين وتشرب

وقوله:

وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا
ودون الذي أملت منك حجاب

فهذا وأشباهه زاد في نفور كافور، وأبعد الشاعر من غايته.

وقصيدة شبيب التي أنشدها الشاعر أمام كافور، وقصيدة الحمى التي بلغت كافورًا على ألسنة الناس، كان لهما وقع سيئ عليه.

وكذلك مدح فاتك لم يكن ليُرضي كافورًا، وإن أذن به، وقد أثبت فيما تقدم أبياتًا في قصيدة فاتك يمكن عدها تعريضًا بكافور. ولم يقتصر الشاعر على مدح فاتك بل أنس به وركن إليه، وتمكنت بينهما المودة.

وفي نسخة الديوان التي نشرتها:

ولما مدح أبو الطيب أبا شجاع فاتكًا شق على الأسود وشقت عليه قصيدة الحمى.

ولقائل أن يقول: إن الشاعر ما ألحف في مطالبة كافور وخاطبه بما يقارب التوبيخ، ولا قال ما قال في قصيدة شبيب ولا مدح فاتكًا، إلا بعد أن يئس من كافور.

والجواب أن أبا الطيب أعرب عن رجائه في كافور حتى القصيدة الأخيرة، فحشاشة الأمل في نفسه كانت جديرة أن تمنعه أن يقول ويفعل ما يبعده من آماله.

وما أحسب أبا الطيب كان غبيًّا عن أثر ما يقول ويفعل في نفس كافور، ولكن الرجل كان عظيم النفس، أبيًّا، جريئًا لا يحاسب نفسه فيما يقول ولا يبالي كثيرًا موقع كلامه من نفوس الممدوحين، ولم يكن إشفاقه من العواقب يملك عليه قوله وفعله، ويخفض من كبريائه.

وبعدُ فلا ينبغي أن ننسى الوزير ابن الفرات، وقد أغفله أبو الطيب فلم يمدحه، وقد مدحه شعراء آخرون منهم الناشئ، مدح كافورًا ووزيره، ولو توسل شاعرنا بالوزير لكان أقرب إلى أمله، وأظنه كبر عليه أن يمدحه، أو لم يجد من حفاوته ما يغريه بمدحه، كما أبى مدح الوزير المهلبي في بغداد.

(٦) روايات عن أبي الطيب بمصر

قبل أن أتكلم في رحيل أبي الطيب عن مصر أثبت واقعات حدثت له أيام مقامه بها:

كان أبو بكر الكندي من أدباء مصر وعلمائها في القرن الرابع، برع في الحديث واللغة والنحو والأدب ولقب سيبويه لمكانته في النحو وغريب اللغة، وقد حدث علي بن حمزة، قال حدثني أبو الطيب قال: «وسيبويه هذا فصيح خفيف الروح يركب حمارًا يدور عليه ويتكلم والناس يكتبون ألفاظه.» وقال: «وقف سيبويه المجنون على باب مسجد الجامع بمصر فقال: ملوك الناس ثلاثة أقرع وأفظع وأرقع، وذكر كلامًا كثيرًا، ثم قال: وهذا الذي لهج أهل مصر بشعره، لو قال:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوًّا له ما من مداجاته بد

لكان أحسن من «صداقته».

قال علي بن حمزة: فاستحسنت أنا وجميع من حضر وقلنا هو أحسن.

فقال أبو الطيب: لم يدر ما أردت، قال: والذي أراد أبو الطيب أحسن.»٦
وهذه القصة تُروى في الصبح المنبي على هذه الصورة:

حدث محمد بن الحسن الخوارزمي قال: مررت بمحمد بن موسى الملقب بسيبويه وهو يقول مدح الناس المتنبي على قوله:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوًّا له ما من صداقته بد

ولو قال ما من مداراته أو مداجاته بد لكان أحسن وأجود، قال: واجتاز المتنبي به فوقف عليه وقال: أيها الشيخ أحب أن أراك، فقال له: رعاك الله وحياك؛ فقال له: بلغني أنك أنكرت عليَّ قولي: «عدوًّا له ما من صداقته بد»، فما كان الصواب عندك؟ فقال له: الصداقة مشتقة من الصدق في المودة، ولا تسمي الصديق صديقًا وهو كاذب في مودته، فالصداقة إذن ضد العداوة، ولا موقع له في هذا الموضع، ولو قلت: ما من مداراته أو مداجاته لأصبت. هذا رجل منا (يريد نفسه) قال:

أتاني في قميص اللاذ يسعى
عدو لي يلقب بالحبيب

فقال المتنبي: أمع هذا غيره؟ قال: نعم.

وقد عبث الشراب بوجنتيه
فصير خده كسنا اللهيب
فقلت له متى استعملت هذا
لقد أقبلت في زي عجيب
فقال الشمس أهدت لي قميصًا
مليح اللون من نسج المغيب
فثوبي والمدام ولون خدي
قريب من قريب من قريب

فتبسم المتنبي وانصرف، وسيبويه يصيح عليه: أُبكم الرجل وجلال الله.

وفي معجم الأدباء٧ أن الخطيب أبا الوليد بن عسال حج، فلما انصرف تطلع إلى لقاء المتنبي، واستشرف، ورأى أن لقيته فائدة يكتسبها، وجملة فخر يحتسبها فصار إليه فوجده في مسجد عمرو بن العاص ففاوضه قليلًا، ثم قال: ألا أنشدني لمليح الأندلس — يعني ابن عبد ربه — فأنشده:
يا لؤلؤًا يسبي العقول أنيقًا
ورشًا بتقطيع القلوب رفيقًا
ما إن رأيت وما سمعت بمثله
درًّا يعود من الحياء عقيقًا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه
أبصرت وجهك في سناه غريقا
يا من تقطع خصره من رقة
ما بال قلبك لا يكون رقيقا

فلما أكمل إنشاده استعادها منه، ثم صفق بيديه وقال: «يا بن عبد ربه لقد يأتيك العراق حبوًّا.»

وفي يتيمة الدهر٨ عن ابن جني قال: وحدثني المتنبي قال حدثني فلان الهاشمي من أهل حران بمصر، قال: أحدثك بطريفة، كتبت إلى امرأتي وهي بحران كتابًا تمثلت فيه ببيتك:
بِمَ التعلل لا أهل ولا وطن
ولا نديم ولا كأس ولا سكن

فأجابتني عن الكتاب وقالت: ما أنت والله كما ذكرته في هذا البيت، بل أنت كما قال الشاعر في هذه القصيدة:

سهرت بعد رحيلي وحشةً لكم
ثم استمر مريري وارعوى الوسن

هذا ولا ريب أن ديوان أبي الطيب قرئ عليه بمصر، وسنبين في الكلام على معرفته باللغة أنه أملى بها تصحيحًا لكتاب المقصور والممدود لابن ولاد.

١  عند الجامع في القطائع (نسخة ١٥٣٠).
٢  في نسخة شرح المعري أن أبا الطيب نظر إلى كافور فثار الدم في وجهه وخرج، فأرسل وراءه من يسأله، فقال: جرح فرسي إلخ.
٣  نسخة المعري ونسخة الديوان التي نشرتها.
٤  الحدالى وغرب جبلان في الشام كانا شرقيه وهو ذاهب إلى مصر، وهذا كما قال في القصيدة «وا حر قلباه ممن قلبه شبم»:
لئن تركنا ضميرًا عن ميامننا
ليحدثن لمن ودعتهم ندم
٥  وكذلك في نسخة ١٥٣٠.
٦  نسخة الأوقاف ببغداد.
٧  ترجمة ابن عبد ربه.
٨  ترجمة أبي الطيب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠