الفصل الثاني والعشرون

القانون والمحلفون

بدأ توماس بين، مؤلِّف كتيبات الثورة الأمريكية العظيم، كتيبه المعروف «المنطق السليم» (فبراير ١٧٧٦)، بقوله إن المجتمع قد صار ضرورةً بفعل احتياجاتنا، والحكومة بفعل شرورنا. فكِّرْ في الأمر؛ إن القوانين تعبير عن أهداف الحكومة، وليس أهداف المجتمع؛ فهي تخبرنا بتعريف الحكومة للشر، والقدر الذي ستتجاوز عنه الحكومة، والعقوبة التي ستُنزِلها الحكومة بهؤلاء الذين يُضبَطون وهم يتجاوزون الحدودَ المقبولة. وحين نحاول تعريفَ الشر، وقياسَ حدود الشر، ونحدِّد العقوبةَ المناسبة للمذنبين، فتلك هي اللحظة التي يتحوَّل فيها القانون إلى عملية صنع قرار.

لن يواجِه هؤلاء الذين يبحثون عن نصائح بشأن مسائل قانونيةٍ صعوبةً في العثور على محامٍ؛ فهناك ما يقرب من مليون محامٍ في الولايات المتحدة؛ أي حوالي ضعف عدد الأطباء المتواجدين هناك، وأكثر من هذا عدد المحامين في بقية أنحاء العالم مجتمعة، مع أن بلادنا تحوي أقلَّ من ٥ بالمائة من سكان الأرض. وتكلِّف الخدمات القانونية الأمريكيين ما يزيد عن ١٠٠ مليار دولار سنويًّا؛ أي حوالي خمسمائة دولار سنويًّا لكلِّ واحد منَّا، فيما يتجاوز متوسطُ دخل المحامين دخْلَ أي مهنة أخرى. بالإضافة إلى ذلك، عددُ المحامين لكلِّ مواطن في ولاية كاليفورنيا — مسقط رأس مؤلف الكتاب — ضعفُ نظيره في بقية أنحاء البلاد.

سيتناول هذا الفصل كيفيةَ اتخاذ القرارات داخل هذا الإطار. لن نتساءل كيف تصنع القوانين نفسها؛ فالمقولة القديمة تقول إن مَن يحبُّون القوانين أو النقانق لا ينبغي أن يسألوا كيف صُنِعت. كما أن مستوياتنا المتنوعة من الحكم أنتجَتِ العديد من القوانين؛ ولا يوجد شخص فعليًّا يعرف ولو نسبةً صغيرةً منها. هناك مزحة مفادها أن القوانين الإلهية لم تتجاوز العشرة قوانين، ومع ذلك لم يستطع البشر فهمها فيما يبدو. ويوجد الآن عدد أكبر منها؛ تضم قوانينُ مصلحة الضرائب الفيدرالية ما يقرب من عشرة آلاف صفحة من النثر المكثف المبهم المرهق، وغالبًا ما تكون غامضةً أو متناقضةً مع نفسها داخليًّا، ومليئةً باستثناءاتٍ لاستثناءاتِ الاستثناءات، ومن الواضح أنها ليسَتْ مكتوبةً بحيث تكون مفهومةً حتى لأكثر المواطنين دافعي الضرائب ثقافةً وتعليمًا. (تُظهِر اختبارات عارضة جديرة بنشرها بالصحف أن الممثلين الرسميين لمصلحة الضرائب الفيدرالية في أغلب الأحيان يقدِّمون إجاباتٍ خاطئةً للأسئلة الضريبية الحقيقية التي يطرحها المواطنون الحقيقيون.) وقانون المركبات الآلية وحده، والخاص بولاية كاليفورنيا وحدها، يملأ ألفًا وخمسمائة صفحة بطباعة صغيرة بتفاصيل مملة ومضجرة، فيما يملأ قانونُ العقوبات لولاية كاليفورنيا ألفَيْ صفحة، وهناك قوانين أخرى أكثر بكثير؛ فنحن دولة ترزح تحت هيمنة قانونية بالغة إلى حد بعيد، وحوالي نصف مشرعينا الفيدراليين، والسيناتورات، وأعضاء الكونجرس محامون؛ لذا فليس لديهم هم وأصدقائهم حافزٌ كبير للحدِّ من هذا التعقيد؛ فالتعقيد والغموض هما أساس عمل المحامين والقضاة.

لا بد أن مهنة المحاماة كانت مختلفة عن ذلك في وقت من الأوقات؛ فعلى الرغم من أن جورج واشنطن كان رئيس الجمعية الدستورية في عام ١٧٨٧، كان أكثر من نصف الحاضرين محامين. غير أن الدستور سهل القراءة ويُعَدُّ في نفس الوقت إنجازًا رائعًا في الموازنة بين المصالح المتضاربة، وفي الوقت ذاته لا يزال يقدِّم مخططًا أوليًّا لأي حكومة فاعلة. وإذا كانت الحكومة تبدو بلا فاعلية الآن، فذلك خطؤنا، وليس خطأهم.

والعبء المتزايد للقانون ليس بمشكلة جديدة؛ فنادرًا ما يكون هناك أيُّ حافز قوي لإلغاء قانونٍ ما، فيما توجد رغبةٌ قوية مستمرة لإصدار قوانين ولوائح جديدة لمواجهة أي مشكلات جديدة أو مشكلات مُدرَكة حديثًا. يقال إن الطبيعة تمقت الفراغ (وهي مقولة دائمًا ما كان الكاتب يعتبرها حمقاء؛ فلما كانت الغالبية العظمى من الكون الطبيعي هي فراغًا ضخمًا في الواقع، فلا بد إذن أن الطبيعة تعشق الفراغ)، ولكن أي فراغات في كتب القانون تميل لأن تُملَأ فور إدراكها. وتُعتبَر القوانينُ الجديدة ضروريةً لحلِّ المشكلات الظاهرة الحالية، ونادرًا ما تُلغَى حين تتلاشى المشكلات؛ فلا يوجد جمهور يضغط من أجل إلغاء القوانين غير الضرورية؛ فالقوانين لا تُلغَى إلا عندما تسبِّب إزعاجًا حقيقيًّا وتثير جلبةً صاخبةً بين فئاتٍ سكانيةٍ يجاهر أفرادها بآرائهم بوضوح. فلا تُلغَى القوانين عندما تفقد أهميتها، أو تنطبق على عدد محدود للغاية من الحالات، لدرجة أن عدم وجودها في الكتب لن يسبِّب خسارةً كبيرةً. (في كاليفورنيا، قد يتمُّ ترخيص مركبة آلية مُصنَّعة قبل عام ١٩٢٣ ﮐ «عربة بلا أحصنة»، ولكن لا بد في هذه الحالة أن تُزوَّد بمرايا للرؤية الخلفية، وكاتم صوت، ورفارف، حتى لو لم تكن مزوَّدةً بهذه التجهيزات من الأصل. كم عدد السيارات التي ينطبق عليها ذلك؟)

لذلك، ومن خلال عملية تكديسٍ لقوانين لا تتغيَّر، في مجتمعٍ دائمِ التغيُّر، فإن معظم القوانين في الواقع ليس لها أهمية ومهجورة، ربما يكون وضعها هكذا هو أفضل ما يمكن. (هناك مقولة شائعة بين مديري الشركات تقول إن في أيِّ وقت تُعِيد هيكلةَ أي شركة، فأنت تنجح بالفعل في حلِّ المشكلة التي كانت تؤرقك، وفي نفس الوقت أنت تُعِيد إلى الوجود المشكلةَ التي كانت عمليةُ الهيكلة السابقة قد تعامَلَتْ معها وحلَّتْها؛ فأنت نسيتَ أمرها لأنها حُلَّت من قبلُ.)

حين تَولَّى الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول الحكْمَ في العام ٥٢٧ ميلادية، ورث ألف عام من تراكُم القوانين الرومانية، التي صِيغت عبر قرون على يد أجيال من القانونيين والأباطرة، ومجموعة أخرى متنوعة من الملوك والولاة المستبدين، ونادرًا ما كانت تُلغَى؛ لقد كانت أشبه بغابةٍ. كان من الممكن آنذاك، مثلما هو الحال اليوم (وظللنا على هذا الحال لمائتَيْ عام)، أن تجد دعمًا قانونيًّا للآراء المتعارضة في معظم القضايا؛ فقرَّرَ جستنيان، بشكل يستحق الإشادة، أن يفعل شيئًا حيال ذلك. (لقد ذكرنا بالطبع في الفصل الحادي عشر فيما يتعلَّق بماريا تيريزا، أنك إذا أردتَ للأشياء أن تُنجَز، فمن المفيد أن تكون إمبراطورًا.) أعلن الإمبراطور جستنيان عن الحاجة لإصلاح قانوني، واستدعى أفضلَ القانونيين في إمبراطوريته، وحثَّهم على البدء في مهمتهم، واكتمَلَ إنجاز الجزء الأول من المهمة في أربعة عشر شهرًا. بعد ذلك تمَّ تعيين مجموعة أخرى لإنجاز ما تبقَّى من المهمة، واكتملَتْ مهمة إصلاح ألف عام من القانون الروماني بحلول عام ٥٣٣. استغرقَتِ العملية ستةَ أعوام من العمل، وأنجزَتْها مجموعة من الأشخاص، وأُلغِيت جميعُ القوانين العتيقة المتحجِّرة بعدَها بمرسومٍ إمبراطوري. قارِنْ ذلك بموقفنا الحالي؛ حيث يمكن أن يستغرق الأمرُ تلك الفترةَ الطويلة لسَنِّ قانون واحد عديم الأهمية.

في النهاية، ظلَّتْ منظومة القوانين التي عمَّمها جستنيان بشكل أو آخَر في الدول التي كانت يومًا ما جزءًا من الإمبراطورية الرومانية، والمعروفة الآن بدول القانون المدني، وتضم معظم أجزاء أوروبا؛ لقد كانت روما إمبراطورية بحقٍّ. تتميَّز مثل هذه الدول باتِّباع أسلوبٍ يتدرَّج من أعلى لأسفل في التعامُل مع القانون؛ حيث يُعتبَر محتوى أيِّ قانونٍ أهمَّ من السبب الأصلي لظهوره؛ وفي مثل هذه الدول يطغى القانونُ المكتوب على العُرْف والسوابق.

والعكس في دول القانون العام؛ حيث تكون العادات التي تكوَّنت مع تطوُّر المجتمع عنصرًا مهمًّا من عناصر القانون، وفي هذه الدول يُقصَد (على الأقل بشكل جزئي) أن تكون القوانين تعبيرًا رمزيًّا للخبرة العامة المقبولة. في مثل هذه الدول (تُعَدُّ بريطانيا العظمى والولايات المتحدة أبرز أمثلتها) تتَّسِم السابقة القضائية — أيُّ قرارات سابقة أصدرَتْها محاكم أخرى، والتقاليد العادية البحتة — بأهميةٍ حيويةٍ لأيِّ حجة قانونية، والاعتماد البالغ على السوابق في تفسير القوانين الغامضة له أهميته في تقليل احتمالية حدوث تناقض داخلي. وبناءً عليه، نصَّتِ الماجنا كارتا على أنه لا يمكن تحميل أحدٍ مسئوليةَ إصلاح جسر، «ما لم يكن» مسئولًا بشكل قانوني بحكم العادات القديمة؛ فالقانون ليس مُعَدًّا لكي يقف بمفرده، بل أُعِدَّ ليعكس تاريخَ المجتمع. وقد قال تشارلز إيفانز هيوز، رئيس المحكمة الأمريكية العليا في ثلاثينيات القرن الماضي، إننا لدينا دستور بالفعل، ولكن «الدستور هو ما يقول القضاة إنه الدستور». إن المحكمة العليا بالفعل هي محكمة الملاذ الأخير، وما يقوله الدستور فعليًّا أقلُّ أهميةً ممَّا تعلَّمناه في المدرسة.

في وقت كتابة هذه السطور كان أحد الأطباء يُحاكَم في ميشيجان لارتكابه شيئًا ليس فيه انتهاكٌ لقانون مكتوب، ولكنَّ الادِّعاء قدَّمه للمحاكمة بتهمة انتهاك القانون العام غير المكتوب؛ وهذا الخيار المتاح للمدَّعين يفتح عالَمًا جديدًا بالكامل.

من الواضح أن الفَرْق بين الأسلوبين ليس دقيقًا؛ فكلٌّ منهما يجسِّد بعضَ عناصر الآخَر، ولكن الفلسفات الكامنة وراءهما وأصولهما تختلف؛ فالقانون في دول القانون العام — مثل الولايات المتحدة — تراكمي لكلا السببين؛ إصدار القضاة قرارات تضاف لمنظومة السوابق («القانون القضائي» هو المصطلح المستخدَم لوصف هذه العملية)، وإصدار الأجهزة التشريعية العديدَ من القوانين، مع إلغاء القليل منها. بالإضافة إلى ذلك، شهدت الولايات المتحدة زيادةً بالغةً في عدد الوكالات التنظيمية في النصف الثاني من القرن العشرين؛ تُصدِر هذه الوكالات قدرًا كبيرًا من اللوائح التنظيمية في مناطق مسئوليتها، وهي لوائح لها قوة القوانين. (هذا هو عملها؛ فلو لم تصدر لوائح وتطبقها، لَاعتُبر ذلك فشلًا منها في مهامها كجهات تنظيمية.) لذلك إذا ظللنا، مثل الإمبراطورية الرومانية، في هذا الجنون لألف عام — وهو الأمر المستبعَد إلى حدٍّ كبير من وجهة نظر المؤلف — فسنواجه مشكلةَ جستنيان على نطاقٍ لا يمكن تخيُّله.

ما علاقة هذا بصنع القرار؟ علاقة وثيقة بالطبع؛ لأنك لا تستطيع — كما أكَّدنا على مدار الكتاب — أن تتخذ قرارات تستهدف تحقيق هدفٍ ما دون أن تكون ماهيةُ هذا الهدف واضحةً في عقلك، وإلا وقعتَ في الفخ الذي عبَّرَ عنه ببراعةٍ فيلسوفٌ ألمانيٌّ نقَلَ كلماتِه يوجين فيجنر، حين قال إن الفلسفة هي سوء استخدامٍ لمصطلحات فنية ابتُكِرت لهذا الغرض خصيصى. كمثال واحد بسيط للغموض المتعمَّد في القانون، نجد الكثير من الإشارات لما سيفعله «الشخص العقلاني»، وغالبًا ما تكون مسئوليتنا أن نتصرَّفَ كأشخاص عقلانيين، خشيةَ أن نُعاقَب لانتهاك القانون؛ وذلك الغموض (نحن أنفسنا، بالطبع، دائمًا ما نكون عقلانيين، ولكنَّ أصدقاءنا لا يتَّسمون بالعقلانية دومًا، أما الأعداء فلا يمتلكون ذرَّة من العقلانية) يجيز للقانون اتِّباعَ الاتجاه السائد دون تغيير الكلمات. إن صنع القرار في مجال القانون يقوم على تحيُّزات ضمنية يُفترَض أن تعكس الأهدافَ المجتمعية، ويمكن أن تتغير دون تكبُّدِ عناءِ تغييرِ القوانين.

ألَيس تحرير شخص بريء أهم من منع شخص مذنب حقًّا من التسبُّب في مزيدٍ من الضرر والإفساد؟ هل نفضِّل أن يعاني بعضُ الأبرياء في السجن، أم أن يُطلَق سراح بعض معتادي الاغتصاب أو القتل كي يعاوِدوا مزاولةَ جرائمهم؟ في معظم الحالات المتنازع عليها يكون هناك شكٌّ حقيقي كافٍ إزاء الإدانة، حتى إن كلتا النتيجتين غير المرغوب فيهما لأي محاكمةٍ تكونان واردتَي الحدوث على أقل تقدير. وقد حدث كلا الأمرين عدة مرات بالفعل؛ إن قواعدنا الخاصة بصنع القرار تحدِّد في أي اتجاه نميل، ولكن لا ينبغي أن نواسي أنفسنا بوهمِ أن كلتا النتيجتين غير المرغوب فيهما يمكن تجنُّبهما؛ فهذا غير ممكن في مواجهة أي شك حقيقي. فإذا أردتَ أن تطلق كلَّ الأبرياء، فسوف تطلق أيضًا بعض المذنبين معهم، وإذا أردتَ أن تدين كلَّ المذنبين، فسوف تدين بعض الأبرياء؛ لا يمكنك أن تحقِّق كلا الأمرين معًا.

بالطبع لا تُعَدُّ الإدانة بجريمة أو البراءة منها سوى نوعٍ واحدٍ من المسألة القانونية؛ فلا بد أن نتحدَّث أيضًا عن الجوانب الأخرى لصنع القرار القانوني؛ مثل حقوق الملكية، وما يُسمَّى بالحقوق المدنية، ومجموعة من مشكلات صنع القرار القانوني الأخرى. سيكون ذلك جرعةً زائدة من القانون، ومن شأنه أن يجعل هذا الفصل يطغى حجمًا على بقية الكتاب؛ لذا سوف نتخيَّر بعضَ القضايا التوضيحية ونترك البقية لخيال القارئ.

بريء أم مذنب؟

على مدار قدرٍ كبيرٍ من فترات التاريخ القديم، كانت مسائل الإدانة أو البراءة سهلةَ الحل نسبيًّا؛ فقد كانت الآلهة تَعرف الإجابة الصحيحة؛ لذا كانت المشكلة الوحيدة في إيجاد الحقيقة الحقيقية تكمن في فهم لغة الآلهة. فحين سأل الربُّ قابيلَ: «أين أخوك هابيل؟» كان السؤال بلاغيًّا؛ لأنه بالطبع كان يعرف. (وقد تساءل ستيفن برامز، أحد دارسي نظرية الألعاب: لماذا اختار الرب أن يلعب تلك اللعبة؟) كان ذلك، على أي حال، تواصُلًا مباشِرًا. في مجتمعات أخرى لم تكن الآلهة تميل دومًا للتواصل بهذا القدر؛ لذا كان ضروريًّا إما خداعهم وإما مداهنتهم؛ لدفعهم للإفصاح عن حقائق الأمر. وفي العديد من المجتمعات القديمة (وبعضها ليس قديمًا للغاية) كان (ولا يزال) مفترضًا بالكهنة والملوك الآخرين أن يكونوا على اتصالٍ مباشِرٍ بالآلهة، حتى يستطيعوا أن يكونوا بمنزلة وسطاء في تلك الأحكام، أو يستطيعوا قراءة الإشارات المرسلة من الآلهة؛ وهناك الكثير من التنويعات على هذه الفكرة. ولكن لا يوجد في هذه الترتيبات القديمة أيُّ اعتراف بأنه قد يكون هناك لايقين حقيقي؛ فذاك مفهوم جديد نسبيًّا للجنس البشري. ولما كانت الآلهة تعرف، فقد كان الأمر يقتصر فقط على دفعها للتحدُّث. ثمة أثر باقٍ من هذه النظرية في عادتنا الحالية المتمثِّلة بمطالبة الشهود بحلف يمين (وهو المصطلح الذي تمَّتْ علمنته الآن ليصبح إدلاءً بشهادة)؛ نظرًا لافتراض وجود سلطة أعلى تعرف الحقيقة، وسوف تغضب من الأكاذيب. يفترض بالشهود أن يؤمنوا بهذا؛ ومن ثَمَّ أن يكونوا أكثر تحفُّزًا لإخبار الحقيقة حين يكونون تحت القسم. (هناك عقوبات قانونية للكذب تحت القسم، ولكن ليس للكذب اليومي العادي؛ وهو فارق طالما حيَّرَ مؤلف الكتاب.)

تقوم إجراءات مثل المحاكمة بالمبارزة، والمحاكمة بالمحنة، والمحاكمة بالنار، والمحاكمة بالغرق، وحتى المحاكمة بالتعذيب، على مبدأ أن الآلهة سوف تحرص على أن تعكس النتيجةُ حقيقةَ الأمر في القضية.

من الكتب الرائعة في هذا الموضوع كتاب «مطرقة الساحرات»، الذي تم تأليفه في عام ١٤٨٤ للتعامل مع المشكلات القانونية المرتبطة بوجود الساحرات في المجتمع. كان أهل ذلك العصر (على الرغم من اعتدادنا بأنفسنا، فهم لا يقلُّون ذكاءً عنَّا بأي حال) يعتقدون أن العالَم المسيحي يتعرَّض لهجمة من الشيطان، وأن أتباعه الفاسدين، أيِ الساحرات، حَوْلنا في كل مكان؛ في ظل هذا الاعتقاد (وسوف تبدو معتقداتنا في النهاية مضلَّلةً بشكل مماثل)، كان واضحًا أن قطع دابر الساحرات هي مسألة بقاء؛ فعند التعرُّض لهجوم، يعمد المرء للمقاومة وصدِّ الهجوم. كانت المخاطر عاليةً، والحرب من أجل حماية أرواحنا مستعرة، وكانت محاكم التفتيش هي النتيجة. ولكن كان واضحًا بنفس القدر، حتى آنذاك، أن أي شخص مَوْتور كان يستطيع حسم أي ضغينة شخصية من خلال توجيه اتهام كاذب بالسحر؛ لذا كان من الضروري الحرصُ على التوصُّل لحقيقة المسألة، ومعرفة إذا ما كانت المتهمة تعمل حقًّا بالسحر. وقد بذل قاضيا التفتيش اللذان قامَا بتأليف الكتاب (والذي صدَّق عليه البابا باعتباره مصدرَ الحكمة الرسمي عن موضوع السحر) قصارى جهدهما للتأكُّد من ثبوت الإدانة بشكل دامغ (وفقًا لمعايير الزمن) قبل إعدام الساحرات. لم يكن وجود ساحرات من عدمه محلَّ بحثٍ — فقد أطال كتاب «مطرقة الساحرات» النقاشَ حول هذه النقطة — بل كان محور التركيز معرفة إذا ما كانت متَّهَمةٌ بعينها تشتغل بالسحر أم لا.

إذن لم يكن الغرض من التعذيب انتزاعَ اعتراف من امرأة بريئة، بل اختبار مدى سيطرة الشيطان عليها؛ وعلى ذلك تكون المرأة التي تعترف دون تعذيب، أو بعد بدء عملية التعذيب مباشَرةً، مذنبةً بالطبع، ولكن الاعتراف الفوري يوفِّر إمكانية التطهُّر والخلاص من الخطيئة. أما المرأة التي لا تعترف إلا بعد تعذيب شديد، يكون واضحًا أنها قد تلقَّتِ المساعدة من الشيطان، الذي لا بدَّ أنه تربطه علاقة بها. أما أسوأ تلك النسوة فهن مَن لا يعترفن مطلقًا، حتى تحت التعذيب الشديد؛ لأن هذا ببساطة لا يمكن أن يتم دون سيطرة كاملة من الشيطان. أجل، قد يبدو لنا ذلك منطقًا ملتويًا، ولكنه لم يكن يُعتبَر كذلك لدى أولئك الذين كانوا يحاولون تخليصنا من الساحرات، وكانوا يسعون لتحديدهن عن طريق اختبار تأثير الشيطان عليهن؛ كان كل ذلك من أجل إنقاذ الحضارة المسيحية، وكتاب «مطرقة الساحرات» ينصُّ صراحةً على أن «العدالة العامة تقضي بوجوب عدم الحكم على ساحرةٍ بالموت ما لم تُدَنْ باعترافها»؛ ولذلك كان الاعتراف مهمًّا. ولعل ذلك معيارٌ أعلى للإدانة ممَّا نلتزم به الآن للجرائم التي عقوبتها الإعدام، ولكننا بالطبع لسنا بنفس البراعة في انتزاع الاعترافات.

هناك فقرة كاشفة في «مطرقة الساحرات» عن المحاكمة بالحديد الساخن؛ فبحكم تقليد قديم، كان لأي شخص متَّهم بجريمةٍ الحقُّ في المطالَبة بمحاكمةٍ بالحديد الساخن، والتي كان يمكن للشخص من خلالها أن يحاول حملَ قضيبٍ حديدي ساخن لمسافة معينة؛ كان نجاح الشخص في ذلك يعني إطلاقَ سراحه. يورد كتاب «مطرقة الساحرات» حالةً طالبَتْ فيها ساحرة (كانت معروفةً في القرية بأنها ساحرة حقيقية) بالحق الأصيل في المثول لمحاكمةٍ بالحديد الساخن، بالطبع سُمِح لها بذلك — لم يكن ثمة سبيل للرفض — وتمكَّنَتْ من حمل القضيب الحديدي ضعفَي المسافة المطلوبة؛ ووفقًا للعادة القديمة أصبح حتميًّا إطلاقُ سراحها. رأى مؤلِّفَا كتاب «مطرقة الساحرات» تلك النتيجةَ بمنزلة إجهاض خطير للعدالة؛ إذ كان محالًا أن تكون الساحرةُ قد تمكَّنَتْ من حمل الحديد لتلك المسافة دون مساعدة الشيطان، ولم يكن الشيطان بدوره ليُسدِي إليها تلك المساعدة ما لم يكن ذلك تقديرًا لولائها؛ ولكن كان لا بد من إطلاق سراحها، ولم يَعُدْ حق المحاكمة بالحديد الساخن مُعترَفًا به للساحرات المدانات. وَلْنكتفِ بهذا القدر من الحديث عن الساحرات.

بمجرد أن نخرق النموذج المنطقي من خلال الاعتراف بأن حقيقةَ أي جريمةٍ ما قد لا تكون معروفةً لأي شخص (ما عدا المتهم على الأرجح)، وأن الآلهة لن تُسدِي أي نفع؛ تصبح مشكلة صنع القرار أصعبَ بكثيرٍ، وتلك هي النقطة التي نقف عندها ونحن في نهاية القرن العشرين. في التعريف البحت للايقين الذي وصفناه في الفصل الثالث، يوجد لايقين بشأن إنْ كان متَّهمٌ ما مذنبًا أم لا، وتكمن المشكلة الاجتماعية في كيفية اتخاذ القرارات اللازمة في مواجهة هذا اللايقين؛ ويعتمد هذا بشكل حتمي، كما هو الحال دائمًا، على أهدافنا. وإحدى الطرق المستخدمة لدينا، في الولايات المتحدة، هي عرض القضية على هيئة محلفين.

لهيئات المحلفين تاريخ غامض؛ فيُعتقَد أنها قد ظهرت لأول مرة في زمن شارلمان، وأنها قد نُقِلت إلى إنجلترا على يد النورمانديين، وغالبًا ما يُعزَى تاريخ استخدامها في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية إلى وثيقة ماجنا كارتا (١٢١٥ق.م)، ولكن في الحقيقة لا يوجد في الماجنا كارتا شيء عن هيئات المحلفين. صحيح أن الوثيقة تعلن أن بعض العقوبات قد لا تُفرض إلا «بقسم رجالٍ أمناء في الجيرة»، ولكن ذلك دور قضائي. وتنص نفس الوثيقة على أن السلوك السيئ من جانب الإيرلات والبارونات قد لا يُعاقَب عليه إلا من خلال أقرانهم، ولكن ذلك من قبيل تقييم النظراء، وليس محاكمة أمام هيئة محلفين.

وبغضِّ النظر عن أصل هذه الفكرة، فقد ترسخت منذ حوالي خمسمائة عام، ونمَتْ ببطء في أوروبا الشرقية، ثم عبرت القنال وصولًا إلى إنجلترا؛ حيث انتقلت من هناك إلى الولايات المتحدة (مستعمرات إنجلترا في ذلك الوقت)، بعدها واجهَتِ انحدارًا في شعبيتها في بقية أنحاء العالم، ولكنها ظلَّتْ تتنامى وتتسع هنا. كانت محاكمات هيئة المحلفين إما مهجورةً، وإما على وشك الاضمحلال في معظم الدول المتحضرة، باستثناء الولايات المتحدة التعيسة الحظ؛ فالمحامون يحبونها، وتُعَدُّ روابط المحامين أطرافًا مساهمة ذات ثقل في هيئات المشرعين التي تعوق التطوير. ينص دستورنا صراحةً على الحق في محاكمةٍ أمام هيئة محلفين محايدة، و٩٠ بالمائة من إجمالي محاكمات المحلفين التي تنعقد في العالم بأسره تنعقد في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من هذا الاعتقاد الشائع، والذي يعزز في المدارس، فإن الدستور «لا ينصُّ» على أي شيء بشأن أيِّ حقٍّ في المثول أمام هيئة محلفين مكوَّنة من أقراننا؛ وإنما يُشترط فقط أن تكون هيئةُ المحلفين محايدةً. وهناك اشتراطات أخرى لاحقة مثل أن تكون هيئة المحلفين ممثلةً للمجتمع، وأن يكون للمتهمين دورٌ في اختيار هيئة المحلفين التي تحاكمهم، وتلك الاشتراطات أيضًا لم تَرِدْ في الدستور. (وربما كانت محلَّ سخرية من جانب الجمعية الدستورية.) ينعقد ما يزيد على مائة ألف محاكَمة محلفين كلَّ عام في الولايات المتحدة؛ ولا توجد دولة أخرى تقارب هذا الرقم، ولا يعرف مؤلِّف هذا الكتاب دولةً واحدة يحقُّ فيها لمتهم أن يختار هيئةَ المحلفين التي ستحاكمه. ويُعَدُّ البحث عن هيئة المحلفين المناسبة مكوِّنًا رئيسًا في الإعداد للمحاكمة في الولايات المتحدة، ولو كان البحثُ عن الحقيقة وتحديدُ الحقائق هما الهدفين الحقيقيين لأي محاكمة أمام هيئة محلفين، فإن هذا يبدو من قبيل الجنون في نظر المؤلف، ولكن من الواضح أن هذا المؤلِّف ليس محاميًا.

طرأ تغيُّر كبير وجوهري على شخصية المحلفين في الولايات المتحدة خلال العقود القليلة الماضية؛ فحتى وقت قريب للغاية، كانت معاييرُ اختيار هيئات المحلفين هي المعايير الدستورية إلى حدٍّ كبير، وعلى رأسها شرط الحيادية، ولم يكن هناك قيود على البحث عن محلفين أكْفاء، حتى لو كانوا محلفين على علم بشيء عن الموضوع محل النزاع. كانت الدوائر القضائية الفيدرالية (وعددها تسعون دائرةً على مستوى البلاد)، بشكل عملي، تتبع الممارسات والتقاليد المعتمدة في الولايات التي تتواجد بها، وكانت المعايير تختلف بشكل كبير بين الولايات، ولكن في عام ١٩٦٨ أقَرَّ الكونجرس قانونًا يشترط «اختيار» هيئات المحلفين الفيدرالية «عشوائيًّا من قطاع عريض نزيه من المجتمع». كان ذلك قانونًا، وليس بندًا من بنود الدستور؛ لذلك، وبدءًا من عام ١٩٦٩، أصبح لدينا في المحاكم الفيدرالية تشديدٌ أكبر كثيرًا، سرعان ما انتقَلَ إلى بقية المنظومة، على التمثيل المتناسِب في هيئات المحلفين، إلى الحد الذي صارت عنده الكفاءة والمعرفة تُعتبَران عمليًّا معوقاتٍ إقصائيةً. إن المهمة المدركة لمحامِي كلِّ طرف من أطراف القضية هي إقناع هيئة المحلفين بصحة رؤيتهم للحقائق؛ ما يجعل من مصلحة المحامين، بشكل واضح، أن تكون هناك هيئة محلفين يمكن إقناعها؛ أيْ يمكن خداعها، وأفضل مَن يمكن القيام معهم بذلك هم المحلفون ذوو العقول غير المشتتة بالمعرفة أو بفهم الموضوع محل النزاع؛ أو إذا أردنا الحقيقة، هؤلاء الذين يملكون ما يزيد بالكاد عن الحد الأدنى من الذكاء أو التعليم. (إن مؤلف هذا الكتاب يعترف جهارًا بعار عمله كأستاذ جامعي، وبالعار الأكبر وهو حصوله على درجة الدكتوراه — ثمن طيش الشباب ورعونته — لذا يُرفَض على الفور طلب التحاقه بهيئات المحلفين حين تتضح هذه الحقائق للمحامين في القضية. وإنْ لم يُرفَض من أحد الطرفين، يتم رفضُه من الطرف الآخَر بكل تأكيد؛ الأمر يعتمد على الطرف صاحب القضية الأضعف الذي يعوِّل أكثر على إرباك هيئة المحلفين. بالطبع يبالغ المحامون في تقديرهم لِلَّقب والدرجة العلمية، ولكن ماذا يعرفون عن ذلك؟) وقد حكمَتِ المحكمة العليا (مرةً أخرى لم يَرِد هذا في الدستور) بأنه لا يجوز للمحامين رفْضُ محلَّف لأسباب تتعلَّق بالعِرْق، أو النوع، أو الانتماء الديني، ولكن التعليم لا يندرج في هذه القائمة. وكانت نتيجةُ هذا التغيُّرِ الجوهري — وهو بالفعل جوهري — انحدارًا كبيرًا في الثقة بالمنظومة من قِبَل نسبة كبيرة من السكان، عزَّزه بشكل جزئي بعض قرارات المحلفين التي يصعب تبريرها والدفاع عنها في كلٍّ من القضايا الجنائية والمدنية؛ فقرارات هيئة المحلفين، التي تحسم بشكل واضح نزاعاتٍ بشأن الحقيقة، قد لا تخضع للمراجعة والتقييم من جانب أي محكمة في البلاد، وفقًا للدستور؛ فهي قرارات نهائية.

خلال هذه الفترة الانتقالية — من توخِّي الحيادية وإيجاد الحقائق عند اختيار المحلفين إلى التمثيل المتكافئ واللامبالاة — كانت هناك أحداث بارزة، ولكن الحدث الذي سيظل راسخًا في ذاكرة مؤلف الكتاب هو مشهد أحد السيناتورات الأمريكيين وهو يتحدَّث تأييدًا لمرشح للتعيين بالمحكمة العليا الأمريكية، أعلى محكمة في البلاد. كان هذا المرشح قد تعرَّضَ لانتقادات واسعة لكونه ما نسميه الآن قاصرًا ذهنيًّا؛ فلم يكن يبدو على قدر كبير من الذكاء (حتى نكون منصفين، من الممكن أن تكون المظاهر خادعةً)، إلا أن السيناتور دافَعَ عن اختيار الرئيس بالاعتراف بأن المرشَّح قد يكون متوسط المستوى، أتبعه بتصريحٍ بأنه حتى الأشخاص المتوسطون يستحقون التمثيلَ في المحكمة العليا. يبدو الأمر سخيفًا (بل مضحكًا تمامًا)، ولكن بمجرد أن نبدأ طريق المطالَبة بأن تكون أي هيئة محلفين ممثلة لقطاع عريض من المجتمع، لماذا لا نوسِّع نطاق الفكرة ليشمل القضاة؟ يُعَدُّ هذا تغيُّرًا مهمًّا في المعايير، وتلك الحجة تمتدُّ الآن للعديد من قوائم المؤهلات الوظيفية؛ فحق كل فرد في الحصول على وظيفةٍ، له الأولوية على الحق السابق لصاحب العمل في البحث عن الشخص الأكفأ والأجدر للوظيفة. إن الثمن الذي سندفعه مقابل هذا ليس معروفًا بعدُ، ولكن سيكون هناك ثمن.

إن هيئة المحلفين يستعان بها فقط لتحديد الحقائق محل النزاع، وليس تفسير القانون، على الرغم من التشابُك الحتمي بين الأدوار. قد يعتقد أحدهم من قبيل السذاجة أن مسألة الأهداف التي أوليناها أهمية كبيرة في هذا الكتاب لن تكون ذات صلة بتحديد الحقائق، ولكن من الخطأ اعتقاد ذلك؛ فحين يكون هناك شك إزاء الحقائق، يتَّسع المجال لظهور نتائج مختلفة، ويمكن دفع القرار في أي اتجاه بفعل تحيُّزٍ فطريٍّ ما. لقد اكتسبَتْ كلمة «تحيُّز» سمعةً سيئةً، ولكن كل ما تعنيه الكلمة الميل في اتجاهٍ ما، وقد يكون هذا الميل — أو لا يكون — مبررًا باعتبارات أخرى.

على سبيل المثال، في مسألة البراءة أو الإدانة، اتخذنا قرارًا مجتمعيًّا بتفضيل الحكم بعدم الإدانة في القضايا الجنائية، وقد فعلنا ذلك بإلقاء عبء الإثبات على كاهل الادِّعاء؛ فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته. في المقابل، في تعاملاتك مع مصلحة الضرائب أنت مدان حتى يمكنك إثبات براءتك؛ فإذا كنتَ تطالب بخفض قيمة ضرائبك، يجب أن تكون مستعِدًّا لإثبات أحقيتك في ذلك؛ إذ إن قَسَمك ليس كافيًا. وإذا اتهمك شرطي المرور بتجاوز السرعة المقرَّرة أو كسر الإشارة، وأقسمْتَ أنك لم تفعل أي شيء من هذا القبيل، فإن من الخيال أن تقول إن عبء الإثبات يقع على كاهله هو؛ فهو يقع عليك أنت.

لذا نوجِّه هيئات المحلفين في الدعاوى الجنائية إلى ضرورة الحكم بعدم الإدانة (وهو يختلف عن البراءة)، ما لم يقنعهم الادِّعاء — بما لا يَدَع مجالًا للشك — بأن المتهم مذنب بالفعل. وهذه الكلمات ما هي إلا محاولة متعمدة لإمالة كفة الأمور قليلًا، وهي تعكس رأيًا (وهو الأمر الذي غالبًا لا يشاركه ضحايا الجريمة) مفاده أن من الأفضل أن تطلق سراح مذنب ليعود للجريمة مرة أخرى عن أن تحبس بريئًا. وإذا انطبق هذا المبدأ على معتادي الجرائم الشنيعة ضد الأفراد، فلن يوافق عليه سوى قلة من الناس في الشارع؛ ولكنْ تلك قوانينُنا، وقد حاول مؤلِّف الكتاب أن يسأل أصدقاءَ له إذا ما كانوا يرون إن كان يجب إطلاق سراح شخص اتُّهِم بجريمة اغتصاب، مع أن فُرَص إدانته بالجريمة متساوية. (معظم المغتصبين ارتكبوا تلك الفعلة من قبلُ؛ فهي ليست من الجرائم التي تُقترَف مرة واحدة في العمر.) وفقًا لعاداتنا وأعرافنا، لا بد أن يُطلَق سراح هذا الشخص؛ إذ إن وجود فرصة إدانة بنسبة ٥٠ : ٥٠ يشير ضمنًا بالتأكيد إلى شك معقول. ينفعل معظم الناس من جرَّاء السؤال، ويفضِّلون عدم مواجهته، ولكن حين يتعرَّضون لضغط، يودُّون لو تم تطبيق معايير مختلفة للإثبات مع اختلاف الجرائم. وبالنسبة إلى الجرائم مثل جريمة الاغتصاب، حيث يكون من المرجح لشخص ارتكَبَ الجريمة مرةً أن يعاوِد الكَرَّة مرة أخرى، يفضِّل الناس تحرِّي الأمان، حتى لو كان هناك مجالٌ للخطأ في الحكم، أما في حالة الجرائم الأقل شناعةً، أيْ غير الموجَّهة نحو الأفراد، يستيقظ الجانب الرحيم بداخلنا، ولكن قوانيننا ليس بها هذا التمييز.

إن منظومتنا الحالية تُلزِمنا بتعريف الشك المعقول بكلمات بسيطة؛ لأن من غير المتصوَّر أن تتعامل مع مثل هذا المفهوم غير المألوف كاحتمالية قائمة في قاعة محكمة. والحق أن الأمر قد يتحوَّل إلى كارثة حين يكون بين أيدي القضاة والمحامين. (في إحدى الدعاوى الفيدرالية التي استُدعِي فيها مؤلف الكتاب للمثول للشهادة، قال القاضي في جلسةٍ علنيةٍ إنه لا يهتم بالاحتمالية؛ لأنه لو كان مهتمًّا، لَتصرَّفَ كمراهن، و«هذه المحكمة ليست مكانًا للمراهنات». هذا تعليق سخيف بطبيعة الحال، وسرعان ما تمَّتْ الإطاحة به من قِبَل المحكمة العليا.) ولكن في ضوء عدم قدرتنا على التحدُّث عن الاحتمالية، التي تُعَدُّ اللغة الملائمة للتعامُل مع عملية صنع القرار تحت الشك، ماذا نفعل حيال الشك المعقول؟ نتعامل مع الموضوع من خلال الإطناب والمواربة في الكلام، والكلمات المثقلة بالاحتمالات والمتعدِّدة المقاطع، ولكنها في الوقت ذاته بلا أي معنًى. تذكَّرِ الفيلسوفَ الألماني الذي تحدَّثنا عنه آنفًا.

في معظم المحاكم يُعتبَر اختيار الكلمات المناسبة لتعريف الشك المعقول أمرًا مهمًّا لدرجةٍ يجب معها ألَّا يُترَك للقاضي، بل يُعتمَد من قِبَل سلطة أعلى، ربما بعد مشاورات طويلة من جانب فقهاء القانون. وفيما يلي نص التعريف المعتمَد للمصطلح في كاليفورنيا؛ وهو مشابه لنظيره في الولايات الأخرى:

يُعرَّف الشك المعقول كالتالي: إنه ليس مجرد شك جائز؛ لأن كلَّ شيء يتعلَّق بالشئون الإنسانية، ويعتمد على الدليل المعنوي، عرضةٌ لبعض الشك الممكن أو الخيالي. إنه تلك المرحلة من القضية التي تكون فيها عقولُ المحلفين — بعد مقارَنةِ واعتبار كلِّ الأدلة — في حالةٍ يعجزون معها عن القول بأنهم يشعرون بقناعة ملزمة، تستند إلى يقين معنوي، بحقيقة الاتهام.

هذا التعريف يعيننا بالتأكيد، ألَيس كذلك؟ فليس عليك أن تكون متأكِّدًا، بل أن تمتلك يقينًا معنويًّا فحسب. هذا اللغو يجب تلاوته، حرفيًّا، على هيئة المحلفين في أي محاكمة جنائية في كاليفورنيا؛ إنه الثمن الذي ندفعه مقابل عدم ذِكْر الاحتمالات في قاعة المحكمة، وهو أحد أسباب استحالة التنبُّؤ بنتائج محاكمات المحلفين.

لذا إنْ أردنا في بعض الأحيان إدانةَ الأبرياء، يمكن اتخاذ التعذيب مسلكًا، وهو لا يزال يُمارَس على نطاقٍ واسع في العالم المتحضِّر ظاهريًّا. وإذا فضَّلنا إطلاقَ سراح المذنب، فإن منظومتنا الحالية بارعة في ذلك إلى حدٍّ ما، ولكن لا يمكننا أن نحقِّق الأمرين معًا.

الدقة

تتمركز عملية صنع القرار في مجملها حول مشكلة اتخاذ قرارات معيَّنة في مواجهة الشكوك؛ سواء أكان إزاء الحقائق، أم الاحتمالات، أم المنافع، أم أي شيء كان؛ فالشكوك جزء من مجموعة العناصر التي تدخل في صنع القرار. ويسري هذا أيضًا على مشكلة الإدانة التي ناقشناها في الجزء السابق — فالقوانين فضفاضة بما يكفي، والحقائق غير واضحة بما يكفي، بما يجعل قضية الإدانة أو البراءة صعبةً — حيث يكثر الشك وعدم اليقين.

ثمة وسيلة أخرى لحسم العديد من الشكوك، وهي صياغة القانون ذاته مع وضع التطبيق في الذهن؛ فيمكنك أن تضمِّن الإدانةَ داخل القانون عن طريق صياغته صياغةً مبسَّطة بحيث يكون إثباتُ الإدانة أسهلَ ما يمكن، ويمكن تنفيذ ذلك، بالتبعية، عن طريق التضحية بالغرض الاجتماعي للقانون في سبيل قابلية تطبيقه.

على سبيل المثال، من المفترض أن معظم حدود السرعة على الطرق السريعة هي بدائل للسلامة والأمان؛ وبديهيًّا، لا توجد سرعة آمنة على أي طريق سريع لجميع السائقين، ولجميع المركبات، ولجميع ظروف المرور والطريق، كذلك لا يوجد أيُّ معيار متَّفق عليه يحدِّد كيف ينبغي أن تكون الطرق السريعة آمنة؛ ولعل من أحد أوهامنا السخيفة العديدة أننا لو حاولنا فقط بجهد أكبر، لَاستطعنا القضاء على كل حوادث الطرق السريعة. إن الغرض الأساسي لذلك الوهم هو إعفاء أنفسنا من مشقة تحديد قدر الأمان الذي نريده بالفعل؛ وما نحن على استعدادٍ للتخلِّي عنه من أجل تحقيقه. لا توجد سرعة محدَّدة تفصل ما هو آمِن عمَّا هو خطر بشكل دائم ودقيق؛ فكما يعلم كل قائدي السيارات، هناك متغيِّرات أخرى عديدة؛ فبعض قائدي السيارات لا يستطيعون التحكُّمَ في سياراتهم وهي على سرعة أربعين ميلًا في الساعة، بينما يقود آخرون بسرعات أعلى بكثيرٍ، والعديد من قوانين السرعة (ولكن ليس جميعها) تدرِك ذلك من خلال السماح للسائق المسرِع بادِّعاء (ومحاولة إثبات) أنه كان في الواقع يقود بسرعةٍ وأمانٍ على حدٍّ سواء. (لا تحاول ذلك؛ فليست لديك فرصةٌ تُذكَر للفوز في المحكمة، برغم أنف القانون.) وهناك بعض حدود السرعة المطلقة لا تُطبَّق عليها أي استثناءات، وهي تلك المنصوص عليها في قوانين السرعة الأساسية، وقد كان لدى الولايات المتحدة بأسرها مثل هذا الحد المطلَق للسرعة، البالغ خمسة وخمسين ميلًا في الساعة على مدى عشرين عامًا. صحيح أن الأمر قد بدأ كوسيلة للحفاظ على البنزين بعد الحظر الأول للنفط العربي عامَيْ ١٩٧٤ و١٩٧٥ (لن يكون هناك أي حظر آخَر)، ولكن تمَّ الإبقاء عليه لعشرين عامًا بعدها لأسباب تتعلَّق بالأمان. (قبل فرْضِ الحد القومي للسرعة، لم يكن لدى بعض الولايات أيُّ حدود للسرعة على الإطلاق، وكان القانون يشترط الحذر فقط. لكن إثبات رعونة سائقٍ ما في القيادة أصعبُ كثيرًا من قياس سرعته؛ ومن ثَمَّ يفضِّل مسئولو تطبيق القانون حدودَ السرعة المطلقة بدرجةٍ أكبر. إن تجنُّبَ اتخاذ القرار، وليس تجنُّب الصدام، هو ما يقف وراء مسألة حدود السرعة.)

لقد ذكرنا أن العربات غير المزوَّدة بأحصنة في كاليفورنيا لا بد أن تكون لها رفارف، ومَرايا للرؤية الخلفية، وكاتم صوت؛ فلِمَ لا يتم تركيب المجموعة الكاملة لتجهيزات الأمان؟ لِمَ لا يُفرَض حدٌّ على ضوضائها، بدلًا من اشتراط تركيب كاتم صوت ليس له فاعلية محدَّدة؟ حسنًا، بإمكانك رؤية المرايا، والرفارف، وكواتم الصوت، ولكن لا يمكنك رؤية الضوضاء. وكمثال آخَر، من غير الآمن بشكل واضح أن تقود بزجاج أمامي يحجب الرؤية، ولكن ما قدر الحَجْب المطلوب لكي يمثِّل الأمر مشكلةً؟ في كاليفورنيا (وَلْنلتمس العذرَ لمؤلف الكتاب لتكراره الحديث عن ولايته؛ فقوانين كاليفورنيا متاحة له، والولايات الأخرى لديها قواعد مماثلة) من القانوني أن تُحجَب مساحةٌ مربعةٌ قطرُها خمسُ بوصات على أحد جانبي الركن السفلي من الزجاج الأمامي الأقرب للسائق، ولكن المساحة المحجوبة يمكن أن تكون سبع بوصات على الجانب الآخَر. كلنا يعرف أن مربعًا قطرُه خمسُ بوصات، بالنسبة إلى بعض أنواع الزجاج الأمامي وبعض السائقين (لا سيما ذوي القامة البالغة القِصَر)، يسبِّب حجبًا بالغًا للرؤية، بينما سائق ذو قامة طويلة للغاية لا يلحظ حتى ذلك الجزء من الزجاج الأمامي، ولكن القانون على هذه الصياغة يسهل تطبيقه؛ فهو يتجنَّب اتخاذَ قرارٍ في المحكمة، على الرغم من أنه يحمل صلةً محدودة بغرضه المزعوم.

سيجد المرء في كل كتب القانون قوانينَ وقواعدَ مصاغة لتسهيل عملية تطبيقها، موفِّرةً بذلك حدودًا قاطعةً للخط الفاصل بين الصواب والخطأ، والذي يُعَدُّ في الواقع ضبابيًّا للغاية. يحمل هذا ضررًا جوهريًّا لأي ديمقراطية؛ لأنه في الواقع يسلم لوكالات تطبيق القانون عملية صنع القرار التي ينبغي أن تئول للمنظومة القضائية، كما أنه يعزِّز التمييز. ففي خلال الأشهر الأخيرة من عُمْر تطبيق حدِّ الخمسة والخمسين ميلًا في الساعة، لم يكن هناك أيُّ سائق يمتثل للقانون إلا بالكاد، وكان هذا يعني أن بإمكان الشرطة اختيار أي سيارة أو سائق لتطبيق القانون عليه، وفقًا لتفضيلاتهم الخاصة. ومن المعروف جيدًا بين سائقي السيارات الرياضية الصغيرة أنهم تحديدًا عرضة للتطبيق التمييزي للقانون، شأنهم شأن قائدي السيارات الشباب والسائقين الذي يقودون سيارات ذات ألوان برَّاقة.

ولكن القوانين الدقيقة، مهما كانت غير مدروسة، تقلِّل بالفعل من الحاجة لاتخاذ قرار في القانون؛ إنها بمنزلة مخرج.

أمور معقَّدة

إن أمورًا مثل الإدانة أو البراءة لها أهميتها، ولكنها بسيطة في الشكل، مثل اختبار الصواب والخطأ، ولكنَّ بعض المسائل القانونية لا تكون كذلك؛ هل كان هناك تعاقُد صحيح؟ هل هناك خطورة من المبيدات؟ هل نتج هذا النوع من سرطان الرئة عن التدخين؟ هل كان تصميم الجسر رديئًا، أم أن انهياره كان نتيجة الفيضان؟ هل كانت هذه الثآليل نتيجةً للإفراط في تناول الشوكولاتة في عيد الحب؟ وهكذا. تتخذ هيئات المحلفين قراراتٍ مهمةً في تلك الأمور أيضًا، ويجد المحامون في هذا الأمر متعةً كبيرة، في كل مرة يحدث فيها. سوف يخبرك المحامون المحترمون أن مهمة أي محامٍ هي مساعدة هيئة المحلفين أو المحكمة على رؤية الحقيقة أينما كانت، ولكنَّ المحامين الذين يتخذون من هذا هدفًا رئيسًا لهم، سيعانون من قلة العملاء عمَّا قريب؛ وسيخبرك معظم المحامين أن التزامهم الحقيقي هو تمثيل العملاء الذين يدفعون لهم على أفضل نحوٍ ممكن، وهو هدف مختلف تمامًا. وبعض النزاعات التي يفصل فيها المحلفون تتضمن أمورًا غايةً في التعقيد، لدرجة أنه لا أحد في قاعة المحكمة — سواء أكان المحامي، أم القاضي، أم هيئة المحلفين — يتناول الأمرَ ولديه أي معرفة مسبقة بالموضوع. (أي محلف محتمل لديه مثل هذه المهارات، سرعان ما سيتم رفضه.) إن نوعًا من الغطرسة هو ما يؤدِّي إلى الاعتقاد (الذي صار مقدَّسًا في عام ١٩٩٣ في حكمٍ تاريخي للمحكمة العليا بشأن آثار أحد أنواع المخدرات) بأن أي قاضٍ لديه القدرة على التعامل بشكل مسئول مع أي موضوع يأتي في طريقه. لم تذكر المحكمة العليا أيَّ شيء عن المحامين أو المحلفين، إلى جانب أن المحكمة التي كتبت هذا الحكم مؤلَّفة من قضاة، هم محامون في الحياة الواقعية.

إنه موضوع طويل لا نستطيع أنْ نَفِيَهُ حقَّه في المناقشة هنا (انظر الكتاب الرائع «ثأر جاليليو»، تأليف بيتر هوبر للاطِّلاع على جوهر الموضوع). إن إغراء التعمُّق في الكتابة هائل: محاكمة سكوبس في ولاية تينيسي، التجارب العديدة على صلاحية الأدلة العلمية، الفلورة، علاجات السرطان، حوادث الطائرات، دليل الحمض النووي، الأسبستوس، وما إلى ذلك. وعمليةُ صنع القرار المتعلِّقة بالقضايا المعقَّدة التي تتضمن الحكومة والقانون عمليةٌ فوضوية. اقرأ كتاب هوبر، واستمتع.

تكمن المشكلة في أنه إذا كان موضوعٌ ما معقَّدًا، فهو معقَّد بالفعل، وما تعنيه الكلمة هنا هو أنه ليس بالأمر البسيط؛ ما يعني عدم إمكانية شرحه في كلمات بسيطة، حتى لِمستمعٍ متأهِّب ومتلهف للمعرفة. لقد كان مؤلف هذا الكتاب أستاذًا في الفيزياء لمعظم حياته، ويَعرف من واقع التجربة العملية المباشرة أن الفيزياء ليست من المواد التي يسهل تدريسها، حتى تحت أفضل الظروف؛ ولكن تخيَّلْ أنك تحاوِل تدريسها في فصلٍ به شخص مهمته تفنيد ودحض كل شيء تقوله، وتحريف الأشياء التي لا يدحضها، والكذب دون عقاب، وعدم إخفاء اشمئزازه منك، والإلحاح على الطلاب بأن أوراق الشاي، مثلًا، طريقة أفضل للتنبُّؤ بالكسوف؛ كل هذا يجري أمام فصلٍ من الطلاب اختيروا خصيصى لعدم وجود خلفية مسبقة لديهم، وتمَّ توجيههم بإعطاء الآراء المضادة نفسَ الثِّقَل. (أحيانًا نطلق على حدثٍ كهذا مناقشة متوازنة، مثلما تُصنَع يخنة الحصان والأرنب بحصان واحد وأرنب واحد.) إن لدينا في مجالسنا التشريعية منظومةً معرقلة بما يكفي من الضوابط والتوازنات لوضع الأمور تحت قدرٍ ولو ضئيلًا من السيطرة، ولكن لا وجود لهذا في المحاكم. (حتى في المجالس التشريعية، لدينا مشاهد مجلس ولاية إنديانا التشريعي وهو يكاد يمرِّر قانونَ عام ١٨٩٧ الذي ذكرناه في الفصل الرابع عشر، وقانون تينيسي الذي أسفَرَ عن محاكمة القرد سكوبس، والقرارات التي تُتَّخَذ من جانب الهيئات الحاكمة لأي عدد من الولايات والمدن — بما فيها لوس أنجلوس — لإنكار فوائد الفلورة لأطفالهم التعساء الحظ. وفي بعض هذه الحالات يُعزَى الأمر للجهود الفعالة التي يبذلها أشخاص متحمِّسون غير متعلِّمين، وفي حالات أخرى لا يكون هذا حتى ضروريًّا؛ فالمجالس التشريعية تتصدَّى للمهمة دونما مساعدة من أحد.)

لا تزال هناك جمعية للأرض المسطحة؛ لذا تخيَّلْ وجود جمعية مكرَّسة لفكرة أن ٢ + ٢ = ٥. إن مثل هذه الجمعية قد ترفع دعوى لمنع المدارس من تعليم الطلاب أن ٢ + ٢ = ٤ وكأنها حقيقة، ومطالبتها بتقديمها ﮐ «مجرد نظرية» لها احتمالية بديلة، وهي أن ٢ + ٢ = ٥، وهي احتمالية تستحق وقتًا مساويًا لدراستها؛ وقد كانوا بلا شك سيقولون إن الهدف من أي مدرسة هو التعليم، وليس غرس العقائد والأفكار. (هل يبدو كلُّ هذا مألوفًا؟ تلك هي الحال مع نظرية الخلق والتطور.) لن يكون من الصعب إيجاد مرجع في مكانٍ ما، أو حتى خبير، على استعدادٍ لاتخاذ موقف مؤيد لفكرة أن ٢ + ٢ تساوي حقًّا ٥. (يأتي الخبراء بمستويات مختلفة من الخبرة، وأتعاب مختلفة. وقرار المحكمة العليا عام ١٩٩٣ الذي ذكرناه آنفًا أعطى مجالًا واسعًا للقاضي في اختيار نوعية شهادة الخبير المسموح بها في المحكمة. في قضية محيط الدائرة هناك مرجع إنجيلي يقدِّره بثلاثة أضعاف القطر؛ وهو اقتراح ليس خاطئًا كقيمة إنديانا المقترحة لباي، ولكنه يظلُّ خاطئًا جدًّا.) لذا، في هذا السيناريو الخيالي عن مسألة ٢ + ٢، يستدعي الدفاعُ عالِمَ رياضيات وفيزياء معروفًا من برنستون للمنصة (لنسَمِّه د. إي)، ليدور الحوار التالي:

دكتور، متى توصَّلْتَ للاعتقاد بأن اثنين زائد اثنين تساوي أربعة لأول مرة؟

أوه، لقد عرفتُها منذ كنتُ طفلًا.

هل أثبَتَها لك معلِّموك، أم أخبروك فقط بأن تصدِّقهم، وتتقبَّلها دون إثبات؟

حسنًا، ليس من السهل إثبات مثل هذه الأمور في المدرسة الابتدائية؛ فحين تبدأ في دراسة الرياضيات، تحتاج بعض الأشياء للحفظ.

إذن فقد جعلوك تتشرَّبها فحسب. وهل تعلَّموها من معلِّميهم؟

اعتراض، تلك مجرد أقاويل منقولة عن الغير.

تم قبول الاعتراض. التزِمْ بما يعرفه الشاهد بصفته خبيرًا.

حسنًا يا دكتور، هل أخبرك معلِّموك عن النظريات البديلة؟

كلا (يتملَّكه الغضب) لا توجد نظريات بديلة تستحق أن يُطلَق عليها نظريات من الأساس.

اهدأ يا دكتور، فنحن هنا اليوم لأن هناك أناسًا أفاضل يعتقدون عكس ذلك، ولهم حقوق أيضًا.

أشعر بالأسف من أجلهم؛ لأنهم مضلَّلون.

حسنًا، إذن يا دكتور، إذا كنتَ واثقًا من نفسك إلى هذا الحد، فهل يمكنك أن تثبت لهيئة المحلفين الفاضلة هذه أن اثنين زائد اثنين تساوي أربعة؟ فنحن جميعًا نودُّ أن نسمعك تحاول إثبات ذلك.

نحن لا نستخدم كلمة «إثبات» في الرياضيات بالشكل الذي تُستخدَم به في المحكمة.

إذن لا يمكنك أن تفعل. حسنًا يا دكتور، هل سمعتَ من قبلُ عن بديهيات بيانو؟

بالطبع، إنها مجموعة من البديهيات تشكِّل الأساسَ للمنظومة الرياضية للأعداد الطبيعية.

رائع يا دكتور، إذن يمكن القول بأن الفكرة الغريبة اثنين زائد اثنين تساوي أربعة تعتمد عليها؟

حسنًا، يمكن أن تنطلق منها، أجل.

وهل يمكنك إثبات تلك البديهيات لهيئة المحلفين؟ كلهم آذان صاغية.

لقد أخبرتُكَ من قبلُ أن كلمة إثبات تعني …

أجل، أجل يا دكتور، وهل أثبَتَ بيانو تلك البديهيات المزعومة؟

بالطبع لا، إنها بديهيات، والبديهيات لا تُثبَت؛ فالبديهيات هي الافتراضات التي تضعها من أجل إثبات نظريات.

فهمتُ؛ أنت تدرِّس كلَّ هذا لأطفال أبرياء، لكنها جميعًا محض افتراضات، ولا تستطيع إثباتها؟

[القاضي]: دكتور، دكتور، أنزل تلك المطرقة، تمالَكْ أعصابك.

إن الأمر ليس مُستبعَدًا كما قد تعتقد؛ فالتساؤلات بشأن إذا ما كانت موادُّ كيميائيةٌ معيَّنة «تسبِّب» السرطان، أو كيف ينبغي تفسير أدلة الحمض النووي، أو إذا ما كان انهيارٌ إنشائيٌّ ما يُعزَى إلى المواد أم إلى التصميم؛ كلها تحسمها هيئات محلفين تحت ظروف مشابهة. وأينما يمثِّل الأمر أهمية حقيقية لنا — كما في اختيارِ جرَّاحٍ لاستئصال زائدة دودية ملتهبة — فإننا نميل للتخلِّي عن الديمقراطية من أجل الخبرة، ولكن ليس في محاكمات هيئة المحلفين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤