الفصل السابع

معضلة السجينين

نبدأ جولتنا في مشكلات القرارات المتعددة الأطراف بمثال نموذجي معروف، يُسمَّى «معضلة السجينين»، لا لشيء إلا لكي نورده في الكتاب، ولنبيِّنَ أن هناك مشكلات قرارات ذات بساطة خادعة وليس لها حلول جيدة، وسيكون ذلك هو أول مثال يمكن فيه أن يعتمد أفضل قرار للَاعب فردي على ما يعلمه عن نوايا لاعِب آخَر، أو على ما يمكنه أن يتنبَّأ به منها.

أُلقِي القبض على جيري وكيث للاشتباه بارتكابهما جريمة شنعاء، وحُجِزَا حجزًا انفراديًّا في زنزانتين منفصلتين. كانت الشرطة والمدَّعون على يقينٍ من أنهما مذنبان، لكنهم ليسوا على قناعة من قدرتهم على إثبات ذلك لأي هيئة محلفين. (ربما عُثِر على الدليل المقنع خلال تفتيش غير قانوني، أو تنصُّت غير قانوني على مكالمات الهاتف، ولا يمكن استخدام أيٍّ من هذا في المحكمة. أو ربما أدلَيَا باعترافاتٍ دون تفكير قبل «إخبارهما بحقوقهما القانونية»، أو ربما اختفى أحد الشهود الأساسيين في ظروف غامضة.) لذا، ودون السماح لأيٍّ منهما بالتواصُل مع الآخر، عُرِضَت صفقة على كلٍّ منهما على حدة نصها: استمِرَّا في ادِّعاء البراءة طوال الوقت في المحكمة، بالرغم من أننا جميعًا نعلم علم اليقين أنكما مذنبان، وسندعي عليكما في جريمة عقوبتها أقل، نعرف كيف نثبت إدانتكما فيها، بحيث يمكث كلٌّ منكما عامين في السجن. هذا شيء مؤكَّد إن لم تُظهِرَا تعاونًا، وسنشعر بالضيق حقًّا لأننا لن نستطيع إثبات التهمة الحقيقية عليكما، لكننا سنعاقبكما بأقصى ما نستطيع، حتى لو كان هذا يعني قضاء عامين فقط في السجن.

أما إذا اعترفتما وأبديتما الندمَ على ما اقترفتما، فسيحصل كلٌّ منكما على خمس سنوات فقط، وهو ما يُعَدُّ حكمًا مخفَّفًا إلى حدٍّ ما بالنسبة إلى تلك الجريمة الشنعاء، لكنه يتناسب مع خطورتها أكثر من الحكم بعامين.

«ومع هذا»، وها هي الصفقة، إذا ما اعترف أحدكما وأدلى بشهادته للولاية، بينما استمرَّ الآخَر في الإصرار على براءته، فسيفلت الذي اعترف ويحصل على ثلاثين يومًا فقط — فعلى أي حال، سنقدِّر ذلك التعاوُن، لكننا لا نستطيع إطلاق سراحكما — بينما سنُدين غيرَ النادمِ والرافضَ للتعاون بعدة قضايا، وسيُمضِي عشر سنوات في السجن. هذه هي الصفقة، إما أن تقبلاها وإما أن ترفضاها.

لا يستطيع السجينان التشاوُر كلٌّ مع الآخَر، ومع ذلك يعتمد مصير كلٍّ منهما على قرارٍ من الآخَر. لنتناولْ موقف جيري أولًا؛ إذا ظلَّ كلٌّ منهما مخلصًا للآخَر، وادَّعى كلاهما البراءة، فسيحصلان على حكم بالسجن لمدة عامين، وهو أفضل بكثيرٍ من خمس سنوات، لكن هذا يعتمد على موقف كليهما؛ فإذا ما اعترف كيث، ولم يفعل جيري، فسيحصل جيري على حكم بالسجن لمدة عشر سنوات، بينما سيفلت كيث تقريبًا من العقوبة؛ لذا قد ينبغي على جيري الاعتراف؛ إذ سيحصل في هذه الحالة على ثلاثين يومًا إذا ما تمسَّكَ كيث بموقفه، وخمس سنوات إذا ما اعترَفَ كيث أيضًا. وهذا سيكون أسوأ من الحبس عامين إذا ما ثبت كلاهما على موقفه، لكنه أفضل من عشر سنوات إذا ما خانه كيث؛ لذا فالمحصلة النهائية بالنسبة إلى جيري هي أنه إذا ما اعترف فسيحصل على ثلاثين يومًا أو خمس سنوات، اعتمادًا على ما يفعله كيث، لكن إذا ما التزم الصمت، فستكون الخيارات إما سنتين وإما عشر سنوات، ومرة أخرى هذا يعتمد على كيث. فما العمل إذن؟

فيما يلي جدولٌ تعبِّر أرقامه عن المُدَد التي سيمضيها كيث وجيري في السجن، بذلك الترتيب:

جيري
اعتراف إنكار
كيث اعتراف ٥ سنوات، ٥ سنوات ١٠ سنوات، ٣٠ يومًا
إنكار ٣٠ يومًا، ١٠ سنوات عامين، عامين

بعد قراءته كتابًا عن صنع القرار، أعَدَّ جيري هذا الجدول، وراح يحدِّق به، وفجأةً أدهَشَه أن القرار الأمثل لا يعتمد بالمرة على ما يفعله كيث؛ فإذا اعترف كيث فسيحصل جيري على خمس سنوات إذا ما اعترف هو أيضًا، وعشر إذا لم يعترف؛ وإذا لم يعترف كيث فسيحصل جيري على ثلاثين يومًا فقط إذا ما اعترف، وسنتين إذا لم يعترف؛ لذا بغضِّ النظر عمَّا يفعله كيث، فإن أفضل استراتيجية لِكيث هي أن يعترف.

المشكلة هنا هو أن ذلك هو ما يفكِّر به كيث بالضبط؛ لذا فإن استراتيجيته المثلى، بغضِّ النظر عمَّا يفعله كيث، هي الاعتراف أيضًا.

لكن أين يتركنا هذا؟ لقد حلَّل كلٌّ من السجينين جميعَ الخيارات المتاحة أمامه بدقة، وقرَّرَ أن خياره الأمثل «الذي يصبُّ في مصلحته» هو الاعتراف، بغضِّ النظر عمَّا يفعله الآخَر. سيُسجَن كلٌّ منهما خمس سنوات من خلال ما يُطلَق عليه المساومة القضائية، ولكن إذا ما نظرتَ إلى الجدول، يتضح جليًّا أن هناك خيارًا أفضل لكلٍّ منهما إذا ما استطاعا فقط التحدُّثَ معًا، ثم التصرُّف وفق مصلحتهما «المشتركة»، بدلًا من أن يتصرَّف كلٌّ منهما وفق مصلحته «الشخصية». إذا ما اتفقَا على الاستمرار في المقاومة ورفْض الاعتراف، مدَّعِيَين البراءة (انسَ الجانب الأخلاقي للموقف)، فسينتهي بهما الأمرُ بالسجن لمدة عامين فقط وليس خمسة أعوام.

يستخدم أصحاب نظريات الألعاب مصطلح «الاستراتيجية المهيمنة» لوصف موقف تنافُسي يجد فيه اللاعب أن قراره الأمثل لا يعتمد على ما يفعله الآخرون. كانت الاستراتيجية المهيمنة لكل لاعب واضحةً بما يكفي في هذه الحالة، ومع هذا كان يمكن بالفعل أن يُبلي كلٌّ منهما بلاء أفضل إذا ما تعاوَنَا معًا. قد يبدو هذا مناقِضًا للذَّات، لكنه ليس كذلك؛ فعندما تتداخل القرارات الفردية تتضاعف الخيارات.

والأسوأ من ذلك أن هذا الموقف يستدعي الازدواجية. لنفترِضْ أنه بالرغم من الجهود القصوى التي يبذلها الحرَّاس، فقد استطاع كيث وجيري أن يتواصَلَا، ربما من خلال النقر على جدران الزنزانة، أو ربما إعطاء رشوة صغيرة إلى أحد الحرس؛ قد يتفقان حينها على أن الرهان الأفضل هو التمسُّك بالإنكار، سواء في أحلك الظروف أم أفضلها. وحتى إذا انطلقا في هذا المسار، فسيظل في مصلحة كلٍّ منهما الاعتراف سرًّا في اللحظة الأخيرة، على أمل الحصول على حكمٍ بثلاثين يومًا فقط، وينبغي أن تكون ثقة كلٍّ منهما في الآخَر عظيمةً حقًّا ليتقبَّلَا مثل هذه المخاطرة؛ نفس الأمر ينطبق على دولتين متعاديتين تتفقان على نزع السلاح المشترك؛ فالميزة تذهب لتلك التي تحتال. وتتعلم الدول ذلك الدرس مرارًا وتكرارًا من خلال التجارب القاسية، والبعض في الواقع لا يتعلَّم مطلقًا، لكن الاختيار الطبيعي يحجم عدد هذه الدول.

هناك نسخة اجتماعية أكثر تفصيلًا لنفس المعضلة، لأكثر من لاعبَين، وصفها جاريت هاردن في مقاله الشهير عام ١٩٦٨ الذي يحمل عنوان «مأساة المشاع»، باستخدام حالةٍ لمجموعة من الرعاة يَرعُون قطعانهم في مرعًى مشترك؛ من مصلحة كلِّ راعٍ زيادةُ ماشيته، لكن إذا ما فعلوا «جميعًا» هذا، فسيؤدي إلى كارثة بالنسبة إلى المرعى؛ ومن ثَمَّ بالنسبة إلى كلٍّ منهم على انفراد. وإذا ما اتفقوا بالفعل على تحديد حجم ماشيتهم، فإن مَن يحتال هو الذي سينجح. تأمَّلْ مشكلةَ الزيادة السكانية البشرية التي لا حلَّ لها على وجه الأرض، حيث تسري نفس المبادئ.

وحقيقة أن المصلحة الذاتية يمكن أن تعمل ضد الصالح العام هي حقيقة مؤثرة، ولا يوجد لها حلٌّ معروف على المستوى العام. وحتى عندما يتفق الجميع على مرغوبية عملٍ جماعيٍّ ما، فمِن المصلحة الذاتية لكل فرد ألَّا يدفع لقاء ذلك سوى القليل قدر المستطاع، وما يؤكِّد تلك الحقيقة التي لا مناصَ منها مسألةُ أن من الجائز قانونًا لنا تجنُّب سداد الضرائب، ولكن ليس التهرُّب منها؛ وهذا هو السبب في أن الناس، في مجتمعنا الديمقراطي، على استعدادٍ للتصويت لكلِّ المشروعات المفيدة اجتماعيًّا تقريبًا، بشرط أن يستفيدوا فقط، ويتولَّى شخصٌ آخَر مسألةَ الدفع.

ليس ثمة مفرٌّ حقيقي من معضلة السجينين؛ إذ إن التواطؤ لا يمكن أن يؤدِّي إلا إلى قرارٍ مشتركٍ بالتشبُّث بالرأي. حتى التواطؤ، في العالم الواقعي، قد لا يكون مستقرًّا على المدى الطويل؛ فينبغي أن يصمد أمام ضغوط المصلحة الذاتية الواضحة. إن أمثلةَ ذلك الموقف في الحياة الواقعية، كحالة المعاهدات بين الدول، واضحةٌ، وقد أدرك أرسطو تلك الحقيقة جيدًا منذ ألفَيْ عام؛ فقد اعتبر قوانين العامة بمنزلة النهاية الطبيعية للُعبة الديمقراطية، وأَطلق على تلك الحالة اسمًا رائعًا وهو «حكومة الصعاليك». لقد كان بالقَطع يتحدَّث اليونانية بطلاقة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢