مقدمة

قد تكون الرياضياتُ مِن العلومِ البعيدةِ عن قلب القارئِ العادي؛ فهي بالنسبة إليه مجموعةٌ مِن الرموز والعلاقات المجردة التي لا يجد لها صلةً بالواقع المعيش، إلا أن دنيس جيدج، مؤلِّف هذا الكتاب، استطاع أن يقدِّم لنا تاريخَ الرياضياتِ منذ الإغريق، بل منذ قدماء المصريين والبابليين، إلى القرن العشرين، في سياق روايةٍ بوليسيةٍ مُشوِّقةٍ للغاية، وبأسلوبٍ رشيقٍ وساخر، مُتنقلًا بين باريس والأمازون وصقلية، رواية بطلها «الصَّديق المُخلِص»، وهو ببغاءٌ فريدٌ مِن نوعه.

لقد عرَض الرياضيات في توالٍ تاريخيٍّ بشكلٍ أقرب إلى سلسلةٍ مِن القضايا المُشوِّقة؛ حيث تحمل كل قضيةٍ قصتها معها وقصص علماء الرياضيات، مثل الفارسيَّين عمر الخيَّام وشرف الدين الطوسي، والإيطالي تارتاجليا والفرنسي فيرما والسويسري أويلر وكثيرين غيرهم. «إنَّها قصص علماء الرياضيات، لكنها أيضًا قصص الرياضيات نفسها!» إنَّ هذا الكتاب يتضمن «حكاياتٍ جديرةً بقصص أفضل روائيينا.»

يغطِّي هذا الكتاب العديدَ مِن الموضوعات الرياضية ابتداءً مِن الأعداد الأولية، والأعداد غير الجذرية، والأعداد المتحابة، والأعداد التخيُّلية، إلى اكتشافات «فيثاغورس»، و«إقليدس»، و«أرخميدس»، مرورًا بإنجازات «عمر الخيَّام»، و«الخوارزمي»، و«الطوسي»، وقضايا تربيع الدائرة وتضعيف المكعَّب، وصولًا إلى حساب التفاضل، والزمرات، والاحتمالات.

ولا يقتصر الكتاب على الرياضيات الغربية، بل يقدِّم بموضوعيةٍ كبيرةٍ الرياضياتِ العربية والهندية، ومن قبل ذلك رياضيات الكَتَبة والنُّسَّاخ البابليين والمصريين (بَرديَّة ريند).

ولأنه أستاذ تاريخ العِلم في جامعة باريس، فإنه يقدِّم لنا عُلماء الرياضيات واكتشافاتهم في إطارها التاريخي، فيُحدِّثنا عن دولة البطالمة في مصر، وكيف تأسَّسَت مكتبة الإسكندرية والمُتحَف ليروي لنا إنجازات علماء عِظام مثل إقليدس وأبولونيوس، وغيرهم، وعندما يتناول الرياضيات العربية، يؤكد رعاية العباسيين للعلوم والعلماء، وإنشاء بيت الحكمة، ودور هارون الرشيد والمأمون في ذلك.

وعندما يذكُر عمر الخيَّام وإنجازاته العلمية، يتطرق إلى الصداقة التي ربطَتْه شابًّا مع حسن الصبَّاح زعيم الحشاشين، ويصف لنا قلعته المنيعة ألموت. وفي عصر النهضة، يستخدم قصص الحروب التي عصفَت بأوروبا كخلفيةٍ لسيرة علماء رياضيات مثل تارتاجليا، ثم يتطرق إلى محاكمة علماء الرياضيات مثل كردان أمام محاكم التفتيش بتهمة الهرطقة. كما يحدِّثنا عن الثورة الفرنسية ومصرع عالمٍ ثوريٍّ نابغٍ مثل جالوا.

إنَّ جيدج مغرمٌ بالتاريخ وبالمدن؛ فهو يصف لنا الإسكندرية وكيف تأسَّسَت ومعمارها وشوارعها الفسيحة، و«بغداد» المدينة المستديرة وأبوابها الأربعة، و«سراقوصة» بسواحلها الصخرية وكيف استطاع «أرخميدس» عالِمُ الرياضيات المعروف، وابن المدينة، أن يدافع بالآلات التي ابتكرها عن مدينته في مواجهة الغزو الروماني لها.

إنَّ كتابًا مِثل «نظرية الببغاء» الذي يقدِّم المعلومات العلمية بشكلٍ جذابٍ وشيِّق، خاصةً بالنسبة إلى الشباب، هو أكثرُ ما تحتاجه المكتبة العربية التي تعاني من نقصٍ شديدٍ في الكُتب العلمية سواء العربية أو المُترجَمة، وإذا كان نَشرُ الثقافة العلمية بين الشباب هو الهدف فيتعيَّن أخْذ ذلك في الاعتبار عند اختيار الكُتب التي تُترجَم، فتكون الأولوية للكُتب التي تربط بين النظرية والتطبيقات العملية التي نراها حولنا، وتلك التي تتناول تطوُّر الابتكار العِلمي في مجالٍ معيَّن؛ بحيث يُدرك الشباب أن الاختراعاتِ العلمية لا تأتي صُدفةً أو إلهامًا، إنما هي تنبني على ما قبلها فيُضاف في كُل مرة، على امتداد السنوات، تعديلٌ أو تطويرٌ وصولًا إلى النتيجة المرجوَّة، في محاولةٍ لترسيخ التفكير العِلمي مقابل تفكير المُعجِزة.

لبنى الريدي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦