الفصل الأول

لا مستقبل (نوفيوتشر)

مِثل كل يومِ سبت، قام ماكس بجولته في سُوق السلع المستعمَلة بكلينيانكور، ذهَب إليها على قدمَيه، عبْر تلة مونمارتر. بعد أن قلَّب في المعروضات التي لدى البائع الذي استَبدلَت عنده ليا حذاء النايك المبقَّع الذي أعطته لها بيرت الأسبوع السابق، دخل إلى عنبر مخلَّفات المستعمرات، وعندما بدأ ينقِّب في كَومةٍ كبيرةٍ من خليطٍ مِن الأشياء المتنوِّعة، لمح في خلفية المكان، شخصَين مهندمَين في حالة هياجٍ شديدة. اعتقد أنهما يتشاجران، لَم يكُن الأمر يعنيه. عندئذٍ اكتشف الببَّغاء، كان هذان الشخصان يحاولان القبض عليه.

لقد أصبح الأمر يعنيه.

كان الببَّغاء يدافع عن نفسه بضرباتِ منقارٍ قوية. أمسك أصغر الشخصَين بطرف جناحه، استدار الببغاء، وبسرعة البرق، عضَّ الإصبع عضةً أسالت الدَّم. رأى ماكس فمَ الشَّخصِ الصغير يفتح في صرخة ألَم. انتاب الغضبُ الشَّخصَ الآخر الكبير، ووجَّه لكمةً عنيفةً إلى رأس الببغاء. اقترب ماكس، واعتقد أنه سمع الببغاء يصيح وهو يترنح من أثر الضربة «إلى القاﺗ… إلى القاﺗ…» أخرج أحدُ الشخصَين كمامة. تكميم ببغاء! اندفع ماكس.

في اللحظةِ نفسِها، وفي شارع رافينيون، دخلَت بيرت الغرفة-الجراج، وهي تحبس أنفاسها لفرط ما كانت رائحةُ زيت التفريغ قوية. أزاحت ستائر السرير ذي القبة ومدَّت يدها بخطابٍ للسيد روش. كان طابعُ بريدٍ كبيرٌ مثل حبَّة البطاطا يضيء المظروف، طابع بريد برازيلي! لاحظَت بيرت أن الخطاب أُرسل بالبريد منذ عدة أسابيع. ويشير الختم إلى أن الخطاب مرسَلٌ من مانوس. لم يكُن السيد روش يعرف أحدًا في البرازيل، ويعرف أقلَّ أيضًا في مانوس.

السيد بيير روش
١٠٠١ ورقة
شارع رافينيون
باريس المنطقة الثامنة عشرة
فرنسا

لقد كان الخطابُ مُوجهًا إليه بالضبط، لكن رقم الشارع كان غير موجودٍ والعنوان مكتوبٌ بشكلٍ غريب: «١٠٠١» بدلًا من «ألف وواحد».

مانوس، أغسطس ١٩٩٢م

عزيزي π R١

إنَّ الطريقة التي أكتبُ بها اسمك ستَدلُّكَ مَن أنا. لا يضيق صدرُك، إنَّه أنا، الجار، صديقك القديم، الذي لَم تَرَه منذ … نصف قرن، نعم، نعم، لقد أحصيتُها، لقد افترقنا بعد هروبنا، أتتذكَّر؟ كان ذلك عام ١٩٤١. كُنتَ تريدُ الرحيل، قُلتَ لي، لمواصلة حربٍ لم تكُن قد بدأتها بعدُ: «أنا، كُنتُ أريد مغادرة أوروبا، لوضْع نهايةٍ لحربٍ دامتْ في نظري أكثر مما يجب.» وهذا ما فعلته بعد انفصالنا، سافرتُ بحرًا إلى الأمازون؛ حيث أعيشُ منذ ذلك الوقت. إني أقيمُ قرب مدينة مانوس. لقد سَمِعتَ عنها بلا ريب، إنها عاصمةُ المطاط التي فقدَت مكانتَها.

لماذا أكتبُ لك بعد كل هذه السنوات؟ لأعلمك بأنك ستتلقَّى شحنةَ كُتب، لماذا أنتَ؟ لأننا كُنَّا أفضل صديقَيْن في العالَم، وأنكَ صاحبُ المكتبة الوحيد بين معارفي. سوف أُرسِلُ لك مكتبتي، كُل كُتبِي: بضع مئات مِن الكيلوجرامات مِن الأعمال الرياضية.

يُوجد في هذه الكُتب كُلُّ جواهر هذا الأدب، ستندهش بدون شكٍّ لأنني أتكلم عن وجود أدبٍ فيما يتعلَّق بالرياضيات. يمكنني أن أؤكد لك أنه يُوجَد في هذه الأعمال حكاياتٌ جديرةٌ بقصص أفضل روائيينا. إنَّها قصص عُلماء الرياضيات مثل الفارسيَّين عمر الخيَّام والطوسي، والإيطالي نيكولو فونتانا تارتاجليا Niccolo Fontana Tartaglia، والفرنسي بيير فيرما Pierre Fermat، والسويسري ليونهارد أويلر Leonhard Euler. وكثيرين غيرهم. إنها قصص علماء رياضيات، لكنها أيضًا قصص الرياضيات! لستَ مضطرًّا أن توافقني على وجهة نظري، وفي ذلك ستكون مِن أولئك الذين لا يرَون في هذه المعرفة سوى كومةٍ مِن الحقائق سابحةً في مللٍ حزين، وهُم عددٌ لا يُحصَى، إذا حدث يومًا ما وفتحت أحد هذه الأعمال، يا صديقي القديم، اطرح على نفسك، من أجلي، هذا السؤال: «ما القصة التي تحكيها لي هذه الصفحات؟» عندئذٍ ستنظر، أنا متأكد، إلى هذه الرياضيات المعتمة والرتيبة تحت ضوءٍ آخر، وسيغمرك هذا الضوء، أنتَ، القارئ النَّهم لأجمل الروايات، لندَع ذلك.

في الصناديق التي ستصلك قريبًا يُوجَد ما يمثل في نظري أفضل القِطع الموسيقية الرياضية لكل العصور. كُلُّ شيءٍ موجودٌ فيها.

إنها المجموعة الخاصة الأكمل للأعمال الرياضية التي تم تجميعها، لا تشُك في ذلك، كيف تمكنت من تكوينها؟ عندما ستراها، أنت صاحب المكتبة العجوز، لن تجد صعوبةً في تصوُّر ما كلَّفني ذلك من وقتٍ، وطاقةٍ، ومالٍ بالطَّبْع! ثروات! يُوجد في هذه الكُتب، وستكتشف ذلك بنفسك، مخطوطاتٌ أصلية، عمرُها أحيانًا خمسة قرون، تمكنتُ مِن الحصول عليها بعد سنواتٍ من … المطاردة، إنها الكلمة المناسبة، كيف تمكنتُ من امتلاكها؟ سوف تدرك أني أحتفظ حول هذا الموضوع بصمتٍ مُتحفظ. لَم يكُن ذلك دائمًا باتِّباع الطرائق الأكثر استقامة، ولا باستخدام الوسائل الأكثر شرعية، لكن يجب أن تعرف أنه لا يُوجَد عملٌ واحدٌ منها ملطخٌ بالدم، ربما فقط بعض قطرات كحول، هنا وهناك، وتساهلات غامضة مشبوهة.

إنَّ هذه الكُتب التي اخترتُها واحدًا واحدًا، وقضيتُ عقودًا لجمعها كانت تُقدِّم نفسها لي، ولي وحدي! كُل مساء، كنتُ أختار الكُتب التي سأقضي معها ليلةً طويلةً مِن السهر. ليالي مِن المباهج، ليالي خط الاستواء الملتهبة والرطبة، كانت تساوي، صدِّقْني تلك الليالي المتقدة، التي كُنَّا نقضيها في الفنادق حول السوربون القديمة. إنَّني أشرُد.

كلمةٌ أخيرة. إذا كنتَ لم تتغير، فإني أتوقَّع، فيما يتعلَّق بهذه المكتبة، أنك: (١) لن تبيعها، لمعرفتي قلَّة ميْلك إلى المال. (٢) ولن تقرأ أيًّا من هذه الأعمال، لمعرفتي بقلَّة ميلك إلى الرياضيات؛ وبالتالي فإنك لن تتلفها أكثر مما هي تالفة.

أُقبِّلكَ

صَدِيقُكَ القديم الجار.

كان تحدِّي الجملة الأخيرة واضحًا. إنَّ الجار جروسروفر لم يتغيَّر. أقسم السيد روش إنه سيعمل لمرة عكسَ خطَط صديقه الملتوية. لقد عزم، إذا ما تلقَّى هذه الكُتب، على أنه سيقرؤها وسيبيعها.

وكان ذلك هو ما توقَّعه تحديدًا جروسروفر! كان يعلم أن روش لَم يكُن لديه سوى وسيلةٍ واحدةٍ لتحقيق مشروعه المزدوج، أولًا قراءة الأعمال، ثم بيعها بعد ذلك. وكان يعرف أنه بعد قراءتها، لن يستطيع أن يبيعها أبدًا.

في الأمازون؟ ما الذي ذَهَبَ يفعله هناك؟ ولماذا هذه المدينة، مانوس؟ لم يلاحظ السيد روش وهو مستغرقٌ في أفكاره، الملحوظتَين المضافتَين على ظهر الصفحة الثانية.

  • ملحوظة ١: إنَّ العلب الكرتون الجميلة التي أجهدتُ نفسي في تجهيزها تحطَّمَت. واضطُررتُ على عَجلٍ إلى وضع الأعمال بلا نظامٍ مُحدَّد داخل صناديقَ كبيرة، سيتعيَّن عليك، عزيزي π R، إعادة تصنيفها وترتيبها بشكلٍ أفضلَ تبعًا للأُسُسِ التي تناسبك، لكن ذلك لم يعُد قضيتي.
  • ملحوظة ٢: ربما آتي لزيارتك، ونظرًا لعمرنا المتقدِّم، فإن ذلك لا يمكن أن يكون إلَّا في القريب العاجل، هل ستتعرَّف عليَّ؟ إنني رماديٌّ بالكامل، وجبهتي مائلةٌ إلى الزُّرقة مِن الرطوبة، وقدماي مُحمرَّتان مِن الحرارة. في غابات الأمازون تلك حيث أكتبُ لك، أعتقد أنني أصبحتُ ساحرًا عجوزًا.

إنَّ شارع رافينيون شارعٌ مُنْحدر، واسعٌ وقصير، عند طرف الشارع يقع ميدان أميل — جودوه، الذي تُوجَد فيه فسقية ودكتان، والأتيليه القديم لرسامي مونمارتر، الباتوه — لافوار. إنه ميدانٌ مائل! وعند الطرف الآخر، ملتقى طُرُق يتكوَّن من شارعَي إبس وأورشمبت.

راسخة في منتصف المنحدر تقع مكتبة السيد روش، ألف ورقةٍ وورقة.

ونظرًا لصِغَر حجم حوانيت الهضبة يمكن اعتبار المكتبة محلًّا واسعًا، هكذا أرادها السيد روش.

إنَّ الكُتب المضغوطة على الأرفُف الضيقة، كانت من أكثر الأشياء التي تثير سخطَه، وعلى النقيض من ذلك، كان لا يحتمل أن يرى الكُتب مترهلةً على رفٍّ. كان يحب أن يقول إنَّ الكُتب مثل البشر، معزولين لا يتماسكون، ومُكدَّسين لا يطيقون بعضهم بعضًا. لا مثل المترو عند الساعة السادسة، ولا مِثل ميدان الكونكورد ظهرًا يوم ١٥ أغسطس.

كانت أحد مبادئه، التي لقَّنها بيرت ليارد، المرأة الشابة الهزيلة التي تعمل إلى جانبه، هو ترك الكُتب تتنفَّس. لقد استَثمرَت بيرت ذلك، خاصةً منذ أن تولَّت المسئولية الكاملة عن المكتبة، بعد الحادث المروع الذي تعرَّض له السيد روش. منذ الصباح إلى ساعات المساء المتأخرة، كانت تُعسكِر على الجبهة: زبائن، مورِّدون، طلبات، بيع، ترتيب، محاسبة، مرتجعات، كانت تفعل كُلَّ شيءٍ وتفعلُه جيدًا.

دفَع ماكس باب غرفة الطعام والاستقبال، وأنفُه مخموش، وأذنُه مسلوخة، وخدُّه أزرقُ، والسروالُ مُصابٌ بأضرار. كان ماكس، في الحاديةَ عشرة، لديه روح المُقايِض؛ ففي كل مرة، يعودُ من جولاته في سوق السلع المستعملة بشيءٍ قيِّمٍ وغريب. هذه المرة، كان الشيء يرتدي ريشًا ورائحتُه نتنة.

كان ببغاء في حالةٍ سيئةٍ جاثِمًا على يد ماكس السليمة. وضع الطائر على ظَهرِ مقعدٍ قرب طاولةٍ منخفضةٍ حيث كان جوناثان وليا، أخوه وأخته، يُنهيان إفطارهما. ألقيا نظرةً في اتجاه الببغاء.

ارتفاعه حوالي ٤٠ سنتيمترًا، كان يترنَّح بساقَيه الدَّاكنتَين. وريشُه الأخضر ملطَّخ، وتحت التراب، يمكننا أن نخمِّن أن طرف القوادم٢ كان أحمر فاقعًا ولامعًا. ما كان يثير الدهشة هو اللون الأزرق في الجبهة. في وسط البقعة الزَّرْقاء، هناك جرحٌ قذِر. كان الطائر يجد صعوبةً في الاحتفاظ بعينَيه مفتوحتَين، كانت قزحيتا العينَين سوداوَين سوادًا غامقًا ومحاطتَين بحلقتَين صفراوَين.

قَبْل كُل شيء، غسله! لم يبدِ الطائر أيَّةَ مقاومة، غير مبالٍ. لقد استَهلَك كيسَ قطنٍ في ذلك، نظَّف ماكس الريش، ثم الساقَين، عندما أراد أن ينظِّف المنقار، كاد الأمر يسوء. لمعَت عينا الطائر، لكن الشرر ترنَّح. كان مِن الممكن الاعتقاد بأنه سينهار، لكنه وجد القوة لكي يرفرف ويطير. مرفرفًا بغير مهارة، حطَّ على الإفريز المصنوع مِن الجصِّ الذي يعلو المدفأة، وانهار على الفور، رأسُه مثنيٌّ إلى الخلف، ومتوارٍ في ريش الظَّهر.

كان المنزل، ذو الطابق الواحد الذي تعلوه حجرة السلم، يمتد حوالي عشرة أمتارٍ من شارع رافينيون. في الواجهة المكتبة والجراج، يفصل بينهما رواقٌ مُطلٌّ على الفِناء. في وسط الفِناء، شجرةُ غارٍ عجوزٌ، وفي المؤخِّرة، مرسمان متلاصقان.

أعلى المكتبة والجراج، تُوجَد الشقة التي تحتل الطابق الأول بالكامل. مطبخٌ صغيرٌ على الطريقة الأمريكية مفتوحٌ على قاعة الطعام والاستقبال، التي تلتهم أحدَ جدرانِها بالكاملِ مِدفأةٌ ضخمة. تشغل بيرت غرفة السيد روش القديمة. أما ماكس، أصغر أبنائها، فيسيطر على حجرةٍ صغيرةٍ محصورةٍ بين دورات مياه صغيرة جدًّا وحمامٍ واسع.

يفتح الطابق الأرضي على الشارع، بينما يُطلُّ الطابق الأول على الفِناء الداخلي الذي يُشرِف عليه بفضل شرفةٍ مِن الطراز البروفانسي. مِن الفِناء، نصل إلى الشقة بسلمٍ ضيق. إنَّ تنسيق الحيز به شيءٌ ما إسباني-مغربي، وتستند إلى الجدار الغربي فسقية، صنبورها الضيق المصنوع مِن الرصاص لم يتمكن قَط من منع الماء من أن يقطر في حوضٍ ذي أشكالٍ شرقية.

وتنقسم حجرة السلَّم إلى غرفتَين متماثلتَين يتقاسمهما التوءم، جوناثان-و-ليا. إنَّ وجود مرحاضٍ صغيرٍ جدًّا على السلَّم يجبر المرء على الانعطاف للدخول إلى الغرفتَين. وسقف القرميد مثقوبٌ بزوجٍ مِن الزجاج البانورامي يسمح بدخول ضوء النهار والعتمة النسبية للمدن الكبيرة خلال الليل.

رائدا فضاء غرفة السلَّم، جوناثان-و-ليا، كانا بمجرد أن يصلا إلى غرفتَيهما يتصلان بالسماء والسحب، والقمر والنجوم. باختصار، كانا بفضل هذَين اللوحَين الزجاجيَّين يشاركان لانهائية العالم.

وفي الفِناء، تُوجد «رافعة – روش»، لقد تم بناؤها للسيد روش بعد الحادث الذي تركه مشلولَ الساقَين منذ عشر سنواتٍ مضت. لقد استوحاها من رافعة البراميل الموجودة في أغلب مقاهي باريس. عادةً ما تُوضَع وراء البار، مختفيةً وراء باب قلاب، وتقوم برفع خزانات أدراج الزجاجات وبراميل الجِعَة المخزَّنة في القبو. في فِناء شارع رافينيون، بدلًا مِن البراميل، كانت الرافعة ترفع السيد روش مِن الفِناء حتى شرفة الطابق الأول. كان السيد روش يدفع مقعده على المنصة، يوقف العَجَلات ويُشغِّل المصعد بواسطة مقودٍ كهربي. وكانت مظلَّة كبيرة رائعة مثبَّتة في المنصة تتوِّج الكل. كان يُحب رؤيته يصعد ببطءٍ في الهواء، جالِسًا بعظمةٍ في مقعده تحت المظلة الكبيرة المُتعدِّدة الألوان!

بعد الحادث الذي وقع له، قام السيد روش بإجراء ترتيبٍ آخر. جهَّز لنفسه غرفةً خاصةً به.

لن يستخدم أبدًا سيارته القديمة. وكان وجودها مركونةً أمام ناظريه، يدفعه لتذكُّر الوقت الطيب الذي كان يجوب فيه طُرُق إيل دي فرانس الصغيرة وقدماه على الأرض. لقد باعها. وجعل مِن الجراج المُحرر غرفته، وهكذا يستطيع، وهو على مستوًى واحدٍ مع الشارع، أن ينطلق مباشرةً على مقعده المتحرك ليقوم بجولته اليومية، التي ما كان ليتخلى عنها إطلاقًا. لقد أمَّن لنفسه بهذَين الترتيبَين استقلالًا ذاتيًّا، سواء بالنسبة إلى انتقالاته الرأسية أو الأفقية.

أحيانًا، عندما يكون الجوُّ حارًّا، كانت تتصاعد مِن الأرض رائحة زيت التفريغ، ومعها الذكريات.

في اختيار الأثاث، منَح نفسه شيئًا غيرَ مألوف: سريرًا بقُبة، صرحٌ من ستائر المخمل الأرجواني يشغل تقريبًا كُلَّ حيز الغرفة. عندما كان السيد روش يتحدث عنه، كان يقول: «فراشٌ ملكيٌّ لمتشرد.»

من قُبة السرير إلى «الشبشب»، لا تُوجَد سوى خطوة، كان يشُق على السيد روش بفظاعة اجتيازها. في رُكنٍ مِن الغرفة، تُوجَد قطعةُ أثاثٍ مليئة بالأحذية، وعلى بابها، ملصقٌ صغير:

«لا يفهم المرء ما هو عِلْمُ الحذاء، عندما لا يفهم ما هو العِلْم.»

(أفلاطون، محاورة تياتيتوس Théétète)

منذ زمنٍ طويل، في منزله بشارع رافينيون، لم يكُن السيد روش ينتظر شيئًا، لقد باشر نهاية حياةٍ في انحدارٍ خفيف. مدفوعًا بنسيم السنين، كان يُسرع نحو غيابٍ أبدي، فإذا بخطابٍ، كان لا يزال مُمْسِكًا به في يده بعد أنْ غادرت بيرت الغرفة-الجراج بتحفُّظ، خطابٌ كتَبه شبحٌ من نهاية العالم، انتوى تعكير الهدوء اللين الذي استَقرَّ فيه.

هذا الصباح كانت رائحة زيت التفريغ أقوى من أيِّ وقتٍ مضى.

جروسروفر. لقد تعارفا منذ أول عامٍ لهما في الجامعة. هما الاثنان مسجَّلان في السوربون، السيد روش لدراسة الفلسفة، وجروسروفر لدراسة الرياضيات. بعد بضع سنواتٍ في الكلية، أُغْرِما بالكتابة. أنتج روش بحثًا مُميزًا عن عِلْمِ الكائن (أونطولوجيا)، ونشَر جروسروفر كُتيبًا جيد التوثيق عن الصِّفْر. في العالم الطلابي الصغير، أُطلِق عليهما اسم «الوجود والعدم». وكانا لا يفترقان، وعندما نشَر سارتر، بعد ذلك بعدة سنوات، بحثَه الفلسفيَّ، كان السيد روش مُقتنعًا أنه سرق منهما العنوان، لكنه لم يكُن لديه الدليل على ذلك.

جلَس السيد روش في مقعده، فتح باب الغرفة-الجراج ورحل في جولته في الحي، كان مشغولَ البال. ما الذي يريده منه جروسروفر؟ هل يريد، في نهاية المطاف، أن يجعله ينفعل لكي يمنعه مِن السقوط في الخمول والخدر؟ هل هي هديةٌ أم قنبلةٌ موقوتة؟

عند عودته مِن النزهة، استَدْعى نجار شارع الإخوة الثلاثة. لقد قرَّر أن يضع أرفُفًا في المرسم الأول مِن المرسمَين، لاستقبال كُتب جروسروفر. إذا وصلَت يومًا … فقد كان هناك مع ذلك ما يستدعي التساؤل؛ إذْ إنَّ جروسروفر لم يُعْطِ أي تفسيرٍ لما سيرسله. إلا أنه، عندما يعلن شيئًا كان يفعله — لو كان لم يتغير على كل حال — مِن الممكن تمامًا أن تُبحِر هذه الكُتب بين يومٍ وآخر، عدة مئات مِن الكيلوجرامات، وإذا لم تصل، فستكون فرصةً لإخلاء المرسَم وتحويله إلى مخزنٍ لكُتبِ الحانوت.

– تفوح رائحة بول قطَط، هنا! صاحت بيرت في مزاجٍ نكدٍ جدًّا.

كانت قد وصلَت كالعادة، دون أن تُصدِرَ صوتًا. لقد كانت تتحرك وكأنها على سجادةٍ هوائية، حركات حُرة، وجسد مَمْشوق، كان المرء يشعر أنها لا تحتمل أن تُعاق حركاتها. كانت عائدةً من عند مُصفِّف الشَّعر، وشَعرها أقصر مِن المُعْتاد، مُجعَّد، ولونُه أسود، وقد وضعَت مساحيق تجميلٍ بشكلٍ غير محسوس، كانت جميلةً، ومن الواضح، أن ذلك لم يكُن له أية أهميةٍ بالنسبة إليها.

– يا أمي، حتى وإن كان الببغاء مقززًا، فإن رائحته ليست رائحة بول قطَط. قال جوناثان مصححًا.

– عند اللزوم، فإنها رائحة بول ببغاء. قالت ليا موضحة.

– ببغاء؟

بحثَت عنه بنظرها، أشارا لها إلى مكانه، هناك في الأعلى، مُتهالِكًا على الإفريز.

– ضعوا ذلك في الخارج!

– إنه نائمٌ، يا أمي. قال ماكس مُستنكِرًا.

– لننتظر حتى يستيقظ. اقترحَت ليا التي لم تكُن متمسكةً كثيرًا بالاحتفاظ بالطائر.

– كما لو أنه لا يُوجَد في هذا البيت ما يكفي من توءم، وأصم ومشلول شللًا نصفيًّا! انفجرَت بيرت: «هل مِن الضروري إضافة ببغاء إلى ذلك؟»

في قمة غضبها، لم تسمع صوتَ المقعد المتحرك. غدت شاحبة، توقَّف المقعد أمام المدفأة. انتهى الأمر ببيرت أن نطقَت قائلة: أنا آسفةٌ، يا سيد روش.

– عمَّاذا يا بيرت؟ أنتِ لم تقولي سوى الحقيقة، إنه وصفٌ موضوعيٌّ لشاغلي البيت.

كانت على وشك البكاء، لاحظ السيد روش أنها مشدودةٌ منذ بضعة أيام.

– إن ذلك يناسبكِ تمامًا، شَعرك، قال وهو يرسم بأصابعه دوائر صغيرة.

نظرَت إليه في ارتباك.

– ماذا، شَعري؟ (مارةً بيدها على رأسها) ياه، نعم، لقد أبقَوه ملفوفًا مدةً أطول مِن اللازم.

– أمي، إنني أحكي لك.

قرَّر جوناثان أن ينقل إلى بيرت ظروف مجيء الببغاء، ولم تلاحظ الآثار على وجه ابنها إلا عندما وصف جوناثان التصرفَ البطوليَّ لماكس، وبعد أنْ فَحصَت تلك الآثار، قَدَّرَت أنها لن تترك ندوبًا.

سألَت: ماذا تعتقد سيد روش؟

– أعتقد أنها لن تترك ندوبًا.

– لا، بالنسبة إلى الببغاء؟

– أعتقد أنه ستكون لديه ندبة.

– لا، الاحتفاظ به أو …

– آه، إذا رميناه في الخارج بعدَ ما عرفناه عنه، فسيكون ذلك بلا ريبٍ عدم إغاثة ببغاء في خطر.

وانفجروا ضاحكين.

فيما عدا ماكس.

كان يحدق في أمه منذ بعض الوقت، وبصوتٍ هادئٍ قال: سترفضين حقًّا يا أمي، إيواء أحدٍ يحتاج إلى مساعدة؟

ارتبكَت بيرت، هزَّت رأسها، إنَّ الفكرة، التي كانت تُلِح عليها منذ عدة أيام، قد أعادت الكَرَّة: «يجب أن أقول لهم، ما فائدة الانتظار؟» قالت لنفسها. ثم.

– هل يتكلم؟

– ولا كلمة … منذ أن جاء إلى هنا، أكَّد ماكس.

– إذن، يمكن منحه تأشيرةً مؤقتة.

كُلٌّ منهما، ممددٌ على سريره، تحت الزجاج البانورامي الخاص به.

كان جوناثان وليا يتحدثان من غرفةٍ إلى أخرى عبْر الباب الموارب.

– لماذا يستبسل رجلان أنيقان — كما حدَّد ماكس — رغبةً في تكميم ببغاء، في مؤخرة مستودع لمخلفات المستعمرات؟ سأل جوناثان.

– لمنعه مِن الكلام طبعًا. أجابت ليا.

– مِن الكلام أم مِن العضِّ؟

٣٣ عامًا وثلاثة أمتار و٤٠سم طولهما هما الاثنان. جوناثان البكر وليا الأصغر بفارق حوالي دقيقتَين وثلاثين ثانيةً. ويرجع ترتيب اسمَيهما المزدوج إلى ترتيب قدومهما — أو مغادرتهما: جوناثان وليا، «ﺟ و ل.»

لم تتوقف ليا عن تعويض تأخير الدقيقتَين ونصف الذي جعلها في المركز الثاني. كانت، في كل مناسبة، تريد أن تكون الأولى. وبشكلٍ عام، كانت تتوصل إلى ذلك. أما بالنسبة إلى جوناثان، الذي لم يطلب أن يكون البادئ في هذا الزوج، فقد كان راضيًا بهذه الميزة الوراثية. كانت القُبَّرات تسقط في فمه مطهيةً تمامًا (كان لا يحتاج إلى بذل أي جهد).

كان جوناثان وليا يتشابهان تشابه قطرتَي ماءٍ، بمعنى أنهما، مثل قطرتَي الماء، لا يتشابهان أبدًا، مِن المستحيل أن يكونا متماثلَين جدًّا ومختلَفين جدًّا في آن. كانا «الشيء نفسه» لكن تحت أغلفةٍ مختلفة. كانت عيونهما فقط متطابقة. لا أحد كان يستطيع تمييز عينَي الأخت عن عينَي الأخ، كانت لهما عيونٌ واسعة، لونها أزرقُ باهت مثل الجينز الناحل اللون.

ليا شعرها قصير، ترتدي الجينز وقميصًا رياضيًّا، أو كنزةً قصيرةً بدون أكمامٍ ملتصقة بالجسم وتي شيرتًا، وهي تمارس رياضة التنس وتستخدم حذاء نايك أو دوك مارتنز. لها نهدان صغيران جامدان، وبينما يكون وجهها دائمًا بدون مساحيق، فإن شَعرها دائمًا مصبوغٌ. كثيرًا ما قالت لها بيرت إنَّ الصبغة تقتل الشَّعر، إلا أن ذلك لم يمنعها مِن الاستمرار في أن تُجرب أكثر نماذج الألوان غرابة، مُبدلة لون شَعرها على مدار الأسابيع. تتمتع بليونة النبتة المتسلقة، ورشاقة الخط. كان إقليدس سيقول عنها إنها «طولٌ بدون عرضٍ.»

كان شَعر جوناثان طويلًا مجعدًا مثل هيئة الستينيات مِن القرن العشرين، ملابسه واسعة ويضع قرطًا ذهبيًّا في أذنه اليمني. لا يشعر أبدًا بالبرد، ليس ضئيلًا ولا هزيلًا. كان لديه حبوبٌ في وجهه، لكنه لم يَعُد كذلك، باستثناء حبةٍ واحدة، تحت الذقَن، كان يدغدغها عندما يكون هناك شيء يقلقه. له يدان نظيفتان، وظهرٌ مستقيم، وبدون أرداف. لم يكن بدينًا لكنه عريض، مع جذع شاشة ١٦ / ٩. كان إقليدس سيقول عنه إنه سطحٌ، لأن لديه «فقط طولًا وعرضًا.»

والعمق؟

إن أسرة ليارد كانت تدين بالعمق لماكس. كان قصيرًا وسمينًا، بجبهةٍ عريضةٍ مثل طريقِ سياراتٍ سريع، يحيط بها شَعرٌ مموَّج لونُه نحاسيٌّ قوي. لقد كان أصهبَ بشكلٍ ما. عيناه صغيرتان ولونهما أسود، كرتان من فحم الإنتراسيت. كان تقطيب الجبين يجعلهما يختفيان تقريبًا، لكن كم كانا يلمعان! كان قوي العضلات بشكلٍ مدهشٍ بالنسبة إلى سنِّه. كانت عرَّافات مونمارتر المصابات بالربو، تعلن عندما كُنَّ يلتقين به في منحدر شارع ليبيك، أن ذلك سوف يمنعه من أن يكبر.

غير أن هذا الوجه كان يسبح في رزانةٍ تُثير الدهشة، وأحيانًا تُشعِر الآخرين بالضيق؛ لأنها تعيد كُلَّ واحدٍ إلى بواعث قلقه السطحية. كان يبدي ثقةً تربك المحيطين به.

وإقليدس، ما الذي كان سيقوله عنه؟ حسنٌ … إنه مِن الجوامد. ألم يكُن ماكس يملك في الوقت نفسه «طولًا، وعرضًا، وعمقًا»؟ مِن الجوامد إذن، لكنه أيضًا هوائيٌّ بجنون.

كيف استطاع ماكس قراءة منقار الببغاء عندما صاح: «إلى القاﺗ…»؟ لم يقرأْ، لكنه فهِم.

بالنسبة إلى ماكس الأصوات هي مثل الجبال الجليدية. إن ما نسمعه ليس سوى الجزء الطافي، أما الجزء الأكبر من حمولة الكلمة فهو غير مسموعٍ ولا يكون من اختصاص حاسة السمع. لقد طوَّر تدريجيًّا حاسةً سابعة، كان جسمه كله يشارك في استقبال الأصوات، ويلتقط ما فات على الأُذن. إن السيد روش، مكتشفًا هذا الاستعداد المُدهِش، لقَّبه ﺑ «ماكس الهوائي». لقد توقَّع له أن يكون حسَّاسًا لكل الرياح.

١  أي بيير. (المترجم)
٢  كُلُّ ريشةٍ كبيرةٍ في جناح الطير. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦