التقاء مخروطٍ وسطْحٍ
انتقل السيد روش من منارة الإسكندرية إلى مخروط ضوء حاملة المصباح.
عندما جلسوا في قاعة الاجتماعات كانت غارقةً مجددًا في الظلام. وفجأة، ظهرَت دائرة ضوء على الجدار. كان ماكس ممسكًا بقوة بقاعدة حاملة المصباح، يتوجه رأسيًّا نحو الجدار. وعلى الحجر، كان شعاع الضوء المنبعث من الغطاء المخروطي للمصباح يرسم دائرةً تامة.
وفي الظلام، أعلن صوت نوفيوتشر المبحوح: دائرة.
أمال ماكس حاملة المصباح بشكلٍ جانبيٍّ، أصبحَت الدائرة شكلًا بيضاويًّا.
– قطع ناقص!
استمر ماكس في إمالة حاملة المصباح. استطال القطع الناقص. ثم فجأة تمزَّق. لم تعُد البقعة الضوئية على الجدار مغلَقة، كانت تتمدد دون حدود، فيما عدا حدود الغرفة نفسها.
– قطع مكافئ. أعلن نوفيوتشر.
واصل ماكس حركته، فأصبح ميل غطاء المصباح بالنسبة إلى الجدار أصغر بشكلٍ متزايد. اتسع القطع المكافئ. وفجأة ظهرَت على الجدار من الناحية الأخرى، بقعة ضوءٍ ثانية، أعلن صوت نوفيوتشر المتردد: قطع زائد!
كما لو كان يشعر ببعض الحرج. يجب القول إن الشكل على الجدار كان غامضًا بعضَ الشيء.
ولتلطيف قصور الجزء الأخير تدخل السيد روش: لقد شاهدتم الآن لقاء. لقاء بين مخروط الضوء النابع من غطاء المصباح ومستوى الجدار، ولهذا السبب تُسمى هذه الأشكال الأربعة المتكونة تحت أعينكم بمقاطع مخروطية. وباختصارٍ أكثر مخروطيات.
تصوَّروا للحظةٍ مدى الانفعال الذي كان عليه مينكموس، وهو عالم رياضيات إغريقي، عندما اكتشف هذه الظاهرة. كان ذلك في القرن الرابع قبل الميلاد. أربعة أشكال مختلفة مثل الشكل البيضاوي والدائرة، كلاهما مغلَق.
شغَّل السيد روش جهاز الصور الشفافة.
ومختلفة مثل القطع المكافئ والقطع الزائد، وكلاهما مفتوحٌ.
«أشكالٌ مختلفةٌ اختلاف الثلاثة الأولى المصنوعة من قطعةٍ واحدة، والشكل الأخير المتكوِّن من فرعَين منفصلَين كنتُ أقول، إذن، تخيَّلوا كيف كان انفعال مينكموس عندما اكتشف أن هذه الأشكال المختلفة كل هذا الاختلاف يمكن تشكيلها ابتداءً من حدثٍ واحد؛ التقاء مخروطٍ بسطح، وأنه يمكن الانتقال من شكلٍ إلى آخر، بدون مساعدة، فقط بالميل المستمر لمحور المخروط!»
لمَح السيد روش في نظرة التوءم اندهاشًا وتسلية، ونوعًا من عدم الفَهْم العدواني أيضًا. وارتاب في السبب، لم يجد جوناثان وليا، فيما استمعا إليه الآن، مخروطهما المعتاد!
لجأ السيد روش إلى مكبر الصوت.
مكبر الصوت: انتباه، انتباه، هذا تعريف: المخروط هو الشكل الفراغي الذي يتولد من مستقيمَين، الخطَّان المولدان، يمُران بنقطةٍ ثابتة، هي الرأس، ويرتكزان على دائرة، هي القاعدة.
السيد روش: على نقيض ما يعتقده الكثيرون، يتكوَّن المخروط من مساحتَين مغلقتَين تمتدان بالتماثل من جانبَي قمة. وما هو شائعٌ باعتباره مخروطًا ليس في الواقع سوى نصف مخروط.
– قضيتُ شبابي أطلب مخروطات وباعوني أنصاف مخروطات! صاح جوناثان ساخطًا.
– لحُسن الحظ! جَرِّب إذن مع مخروطٍ حقيقيٍّ! بينما تلعق الكرة العلوية، تنسحق الكرة في الأسفل على نعليك!
السيد روش: أريد أن يتذكَّر الجميع أن أشكال الهندسة أشياءٌ مثالية لا يمكن لعقها، وأنها كائناتٌ مجردةٌ لا تنسحق على النعل. لا توجد علاقة بين الهندسة وصناعة عصائر الفاكهة المثلجة.
أعاد ماكس وضع حاملة المصباح على قاعدته. في السقف، رسم شعاع غطاء المصباح، كالمعتاد، دائرةً عادية.
هذه المنحنيات الهندسية، نقابلها في العديد من الظواهر الطبيعية. في دوران العالم، مثلًا. إن الكواكب تعني باللغة اليونانية «الهائمة»، وهي تستمد اسمها من أن في فلك الثوابت؛ حيث تستقر النجوم ثابتةً، تكون الكواكب هي وحدها التي تتحرك. ومنذ أقدم العصور، كان البشر يريدون معرفة كيف تهيم هذه الهائمات.
كان التناغم والانسجام يقضيان أن يتحرك كل شيءٍ طبقًا لدوائرَ أو كراتٍ. الكون بوصفه نظامًا متناغمًا! لقد عمل علماء الفلك اليونانيون بحيث يكون الأمر كذلك، خاصةً أودكوس، لكن لا أحد يستطيع أن يجبر الطبيعة على شيءٍ. الكواكب تدور حول الشمس كما يحلو لها وتقاطع الدوائر.
وروى السيد روش، كيف اكتشف كيبلر، بعد أودكوس بألفَي عام، أن الكواكب تتحرك تبعًا لقطعٍ ناقص وليس طبقًا لدوائر. قطع ناقص مركزه الشمس!
ثم تكلَّم عن الاكتشاف الذي قام به عالمُ رياضياتٍ إيطاليٌّ في نهاية القرن السادس عشر، هو تارتاجليا، الذي قال: إن مسار قذيفة مدفع ليس خطًّا مستقيمًا وإنما قطع مكافئ.
لقد تلقَّى كلٌّ من الدائرة والمستقيم ضربةً قويةً!
كان رَجل المخروطات، بلا منازعٍ، هو أبولونيوس، الذي مُنح اللقب المشتهى، ألا وهو المهندس الكبير. لقد عاش في الإسكندرية في النصف الثاني من القرن الثالث قبل الميلاد. كان على الأرجح من العاملين في المتحف وقد ارتاد المكتبة الكبرى، التي كان يديرها في هذه المرحلة إيراتوستينيز. كان عمله الرئيسي: المخروطات. ثمانية كتبٍ، لم يُعثر إلا على سبعة كتبٍ منها فقط.
كانت هناك، موضوعة على طاولة السيد روش.
– أعترف لكم بصراحةٍ أنني لم أفهم منها الشيء الكثير، على الرغم من بطاقات جروسروفر. كما ترون، واصل علماء الرياضيات الإغريق طريقهم، بعد إقليدس؛ ففي القرن الثاني قبل الميلاد، كان يوجد هيبارخوس. أقرأ لكم البطاقة:
لقد اتفق على اعتبار هيبارخوس رائد حساب المثلثات، على إثر علماء الفلك البابليين، أدخل تقسيم الدائرة إلى ٣٦٠، وبفضل عملٍ ضخمٍ في رصد النجوم ومراقبتها، وضع أول «جداول أوتار» التي ستظل إلى فترةٍ طويلةٍ إحدى أدوات الفلك الرياضي الأكثر قيمةً. وبفضل دقة جداوله تلك، اكتشف أن محور الأرض ليس ثابتًا! إنه يتحرك على امتداد دائرة لكي يعود إلى المكان نفسه كل ٢٦ ألف عامٍ تقريبًا؛ تقدم الاعتدالَين.
ملحوظة: إذا كان محور الأرض يُبدل من موقعه، فإن الأرض تتحرك! من الصعب إذن بعد هيبارخوس الإصرار على أن الأرضَ ثابتةٌ. ومع ذلك، كم من الناس استمرُّوا في تأكيد ذلك!
في الإسكندرية، أين كنا؟ بعد بطليموس الأول الملقَّب ﺑ «المنقذ»، جاء بطليموس الثاني الملقَّب بفلدلفس؛ أي «المحبُّ لأخته»، لقد سبق أن تكلمنا عنه … إلخ. في بداية القرن الأول قبل الميلاد كان يتولى الحكم بطليموس التاسع، الملقَّب بلاثيروس: «حمص». لماذا حمص؟ لا يوجد أي عملٍ علميٍّ يقول لنا السبب، لا يوجد بطليموس العاشر، والحادي عشر قُتل في هياجٍ شعبيٍّ للفلاحين. أما بطليموس الثاني عشر، الملقب بعازف الناي، فلقد طرده سكان الإسكندرية، ولجأ إلى روما؛ حيث عاد منها برفقة الجيوش الرومانية التي لم تغادر المكان أبدًا. وبذلك انتهى استقلال مصر.
كان عازف الناي قد قرر أن يصبح ابنه الذي لم يتجاوز عمره عشر سنواتٍ بطليموس الثالث عشر بشرط أن يتزوج أخته الكبرى.
توقف السيد روش ليعدَّ للتأثير الذي يريده:
«أخته الكبرى كليوباترا! لقد تزوَّجا، وسرعان ما فسدَت الأمور، ولم تعُد تسير على ما يُرام قط بين الزوجَين.»
– آه، لم يكن الأمر مثل فلدلفس وأرسينويه، قالت ليا بنبرة أسًى كاذبةٍ. هما على الأقل كانا متحابَّين!
– هربَت كليوباترا وعادت … مع يوليوس قيصر الذي كان يوجد في الإسكندرية، تابع السيد روش بهدوءٍ، واندلع تمردٌ، وحاصر سكان الإسكندرية العاشقَيْن.
– لماذا يروي لنا كل ذلك؟ ليس هذا نهجه. همس جوناثان.
– أوه، لا بد أن تكون هناك فكرةٌ، وشوَشَت ليا.
– ولتفادي أن يتم الاستيلاء على أسطوله، أحرق قيصر كل السفن التي كانت موجودةً في الميناء الكبير. امتدت النيران إلى البر واتسعت لتدمر المكتبة الكبرى. عشرات الآلاف من أوراق البردي دُمرَت، تلك المجلدات التي تطلَّب الحصولُ عليها كلَّ ذلك الجهد من أمناء المكتبة الأوائل، اختفت في النار المدمرة.
نظرة تواطؤٍ خاطفة بين التوءم: آه، كان من أجل ذلك!
«نجحَت خطة قيصر، وغرقَت السفن، لكن الكتب احترقَت.»
لم يستطع السيد روش أن يمنع نفسه من أن يضيف بحزنٍ، لكن بدون سخرية: «لمسَت السفن القاع، واختفت في النيران «قيعان السفن»؛ حيث كانت توجد أصول الكتب التي استُعيرت قسرًا من السفن المارَّة.»
المال الحرام لا ينفع أبدًا! صاحت ليا للسيد روش الذي أراد ألا يسمع.
وتلى ذلك معركةٌ بين قوات يوليوس قيصر وأنصار بطليموس الثالث عشر، الذي قُتل، وأصبحَت كليوباترا أرملةً، ولكن ليس لوقتٍ طويل. كان لها أخٌ آخر، وتزوَّجَته. وأصبح بطليموس الرابع عشر. واختفَى بدوره، مقتولًا بدون شك تنفيذًا لأوامر كليوباترا. أرملة للمرة الثانية، ولأخوَيها! عاد قيصر إلى روما، وتبعَتْه كليوباترا ثم اغتيل قيصر، وعادت كليوباترا إلى الإسكندرية. وبعد وقتٍ قصيرٍ وقعَت في حبِّ جنرالٍ رومانيٍّ آخر حبًّا جنونيًّا.
– أنطونيو! صاح جوناثان وليا في وحدةٍ مؤثِّرة. كانا متحابَّين ورُزقا بثلاثة أبناء.
– أرى أنْ لا شيء يتعلق بالملوك والملكات غريبٌ عنكما.
– إنك تحبهم أنت أيضًا! لقد شاهدنا كل أفلام كليوباترا.
– مع إليزابيث تايلور وريتشارد بيرتون. ذَكر جوناثان.
– وفيلم فيفيان لي. أضافت ليا.
وأميرة النيل؟ ألم تشاهداه؟ وفيالق كليوباترا؟ سأل السيد روش بنبرةٍ غامضة. كانت بطلتُه ليندا كريستال. أنتما لا تعرفان ليندا كريستال، كانت رائعةً، لكن لندَعِ الأفلام ونعُد إلى الكتب. كانت كليوباترا متمسكةً بأن تنشئ من جديدٍ المكتبة الكبرى. نهب أنطونيو مكتبة برجموم المنافسة، وقام بنقل أكثر من ٢٠٠ ألف مجلدٍ ومنحَها لكليوباترا، وانضمَّت تلك المجلدات إلى اللفائف التي أفلتَت من الحريق.
– يجبُ ردُّ ما لقيصر إلى قيصر! صاح جوناثان.
– ونهب برجموم ليعطي الإسكندرية! أضافت ليا.
– كانت كليوباترا آخر ملكة لمصر. ومن بين جميع ملوك حكم البطالمة، كانت الوحيدة التي أحبت حقًّا شعبها، الوحيدة التي تكلمَت لغتَه، وتقاسمَت عاداته. ولفترةٍ طويلة، لُقبَت ﺑ «ملكة الفلاحين» أصبحَت مصر ولايةً رومانية، مثل فريجي، ميزي، كاري، ليدي، ثراس، سيثي، سارماتي، كولشيد، أرمينيا، كابادوس، بافلاجوني، جالاتي، بيثيني، سوريا، ليبيا …
كان ماكس وجوناثان وليا ونوفيوتشر ينظرون إلى السيد روش بإعجابٍ وقلق. ضاق نفَسه، مرتَين، أثناء إحصاء الأسماء الطويل.
«… إمبراطورية الإسكندر، استأنف السيد روش، فيما يتعلق بالجزء الإغريقي، ذابت في الإمبراطورية الرومانية. وانتقلَت مصر من حكم البيزنطيين إلى العرب، ثم الأتراك، ثم الفرنسيين والإنجليز. وكان عليها الانتظار ألفَي عام لاستعادة استقلالها.»
غير أن الإسكندرية استمرت في إيواء العديد من العلماء. إن اثنَين من بينهم بشكلٍ خاصٍّ، أعضاءٌ في المتحف، عبَرا القرون نظرًا إلى أهمية أعمالهما. بطليموس في القرن الثاني وديوفانتوس في القرن الثالث.
إن كلود بطليموس، الذي تجدر الإشارة عرضًا إلى أنْ لا علاقة له بملوك مصر، معروفٌ كعالِم فلكٍ أكثر منه عالمَ رياضياتٍ، بينما هو في الحقيقة رياضيٌّ أكثر منه فلكيًّا، وإن تسميته لعمله الرئيسي قواعد التراكيب الرياضية له دلَالتُه.
عرض ماكس للحضور عمل بطليموس، الذي أدخله جروسروفر بالطبع في مكتبة الغابة، وأعلن: ثلاثة عشر كتابًا!
أصابت التوءم حالةٌ من الفزع لن يكرِّر ماكس عرضه الذي لا ينتهي مع حوامل عناصر إقليدس الثلاثة عشر!
اكتفَى ماكس بقراءة بطاقة جروسروفر:
في تلك الفترة، كان علم الفلك يُصوَّر على أنه علم «حال الكون»، ويبحث في وصف الحركات الظاهرة للنجوم وإعطاء وصفٍ هندسيٍّ لها. سواء كان أودكوس، أو هيبارخوس، أو بطليموس، لقد حاول أغلب كبار علماء الفلك الإغريق بناء نماذج رياضية تهدف إلى تفسير حركات الأجرام السماوية، من أجل «إنقاذ المظاهر»، كما يقول بطليموس.
إن بطليموس يضع في مركز نظامه أرضًا ثابتةً، يدور حولها باقي العالم. إن هذه السماء المزدحمة بالدوائر والكرات تدعو إلى هندسة الدائرة والهندسة الكروية، التي قدَّم بطليموس عنها بحثًا كاملًا.
– بناء نظريات، إنشاء نماذج … من أجل إنقاذ المظاهر، كرَّر السيد روش ببطءٍ. تصفَّح دفتر ملاحظاته: انهارت روما، وحلَّت محلها بيزنطة. والإسكندرية الوثنية، أصبحَت مسيحيةً. في الواقع، لقد كانت كذلك منذ تحوَّل أباطرة روما إلى المسيحية.
بقَدْر ما كانت العلوم تلقى اهتمامًا كبيرًا في اليونان، بقَدْر ما كانت مهملةً في روما. على ضفاف التيبر، كان فنُّ الحُكم والإدارة هو وحده المهم. وإذا كانوا يتحمسون للقوانين، فلم يكن ذلك ينطبق على القوانين الرياضية، لكن القوانين التي تنظم المجال التشريعي والقانوني في مجمع أرباب الرومان، لم تكن المثاليات والغايات الخيالية تتدافع فلا نجد في الألف عام، التي هي عمر الإمبراطورية الرومانية، أدنى أثرٍ لمدرسة رياضياتٍ واحدة!
إن اقتران عدم الاهتمام الروماني بأمور الفكر مع كراهية المسيحيين لهذه المعارف، التي لا تدين بشيءٍ إلى الله وقدِّيسيه، كان له عواقبُ مأساويةٌ على بقاء العلوم. كان أول مَن عانى من هذه العواقب هي هيباشيا، أول عالمة رياضياتٍ كبرى في التاريخ.
ليا التي لم يعُد مصير الإسكندرية يثير حماسها، أصاخت السمع.
– في نهاية القرن الرابع كانت تعيش في الإسكندرية أسرةٌ من مشاهير علماء الرياضيات، ثيون وابنته هيباشيا وابنه أبيفان. في أعمال ثيون توجد الطريقة الشهيرة الحساب الجذور التربيعية التي سمَّمَت شبابي. أما ابنته هيباشيا، فقامت بأعمالٍ باهرةٍ انطلاقًا من اكتشافات أبولونيوس، كما اشتغلَت أيضًا على ديوفانتوس وبطليموس. كما اشتغل أبيفان على أبحاث بطليموس الفلكية. ويُقال إنه كان أقل موهبةً من أخته.
شأنها شأن القدماء الكبار، كانت هيباشيا فيلسوفةً جيدةً بقَدْر ما كانت عالمةَ رياضياتٍ جيدةً، لدرجة أنها كانت تُدرِّس العلمَيْن. كان مئات المستمعين يسارعون إلى دروسها مفتونين بذكائها، وعلمها … وجمالها. وهو ما يمثل كل الأشياء التي لا يستطيع أنصار النظام الجديد، الذي انقضَّ على الإسكندرية، احتمالها. وكانت هيباشيا غير متزوجة.
وفي يوم من عام ٤١٥، هاجم الرعاع، الذين قام رجال بطريرك الإسكندرية بتحريضهم لمدةٍ طويلةٍ مركبتها، وألقَوا بها أرضًا، ونزعوا عنها ثيابها وسحبوها إلى أحد المعابد. وتم تعذيبها، بواسطة قواقع محار شُحذَت لتصبح مثل الأنصال، قبل حرقها حيةً، حتمًا، لا يحب بعض الكهنة النساء إلا محروقاتٍ أحياء، مثل هيباشيا وجان دارك وعشرات الآلاف من «ساحرات» محاكم التفتيش.
كانت ليا تنظر إليه شاحبة اللون. أنَّب السيد روش نفسه؛ لأنه أعطى تفاصيل كثيرةً جدًّا، وكانت غيرَ مفيدة.
– عالمة رياضياتٍ واحدة في كل العصور القديمة، وعُذبَت وأُحرقَت!
وبجديةٍ تامةٍ أفلتت:
«ويندهشون من أنه لا يوجد عددٌ كبيرٌ من الفتيات اللاتي يتخصصن في الرياضيات.»
كان لا بد من الوصول إلى نهاية احتضار العصور القديمة.
أعقب هذه المعلومةَ الغريبةَ صمت.
«ومن جديد يجتمع الماء والنار لتدمير الكتب، سجل السيد روش، وكان ذلك نهاية المكتبة الكبرى، ثم جاء دور المتحف؛ ففي عام ٧١٨م، أمر عمر الثاني علماء المتحف أن يستقروا في أنطاكية. لقد انتهت الإسكندرية! والجلسة أيضًا.
بشكلٍ عامٍّ، المستحيل لا يحدث، مع أن …
إذا حدث أمرٌ ما، فلأن هناك أسبابًا لكي يحدث! إن معرفة لماذا حدث ما حدث، والأسباب التي تجعل حدثًا معينًا يقع هنا وليس في مكانٍ آخر، في هذه اللحظة وليس في لحظةٍ أخرى، هو من أكثر الأسئلة الحسَّاسة والدقيقة. يمكن إيجاد كل أنواع الأسباب؛ سياسية، واقتصادية، ودينية، لا أعرف أنا، وتقنية، لكن لأسباب أيضًا إنسانية تمامًا تتوقف على تفكير البشر.
هذه الخطبة، المتكلفة على أقل تقديرٍ، كان يُراد بها أن تكون ردًّا للسيد روش على سؤالٍ طرحَتْه ليا غداةَ سقوطِ الإسكندرية؛ فبينما كان يغادر للتسوق في سوق أبيس، أتت ليا إلى الغرفة-الجراج. كانت لا تزال متأثرةً بموت هيباشيا المأساوي. كل هذه النهايات! نهاية المدينة، والمكتبة الكبرى، والمتحف. ونهاية العصور القديمة، التي بدأَت، دون أن تدرك ذلك، ترتبط بها على امتداد الأسابيع الماضية. كل هذه النهايات قد صفعَتْها. كان لديها عطشٌ للبدايات؛ وبالتالي سألَتْه: سيد روش، لماذا وُلدَت الرياضيات في اليونان وليس في مكانٍ آخر، وفي القرن السادس وليس في فترةٍ أخرى؟
لقد سأل نفسه، بالطبع، هذا السؤال طوال فترة دراسته، وبالطبع كانت له إجاباتٌ مقنعة. بعد التفكير طوال النهار، وجد سببًا كان يناسبه تمامًا. تتلخص الإجابة في جملةٍ: الإغريق يعبدون المناقشة والجدل.
إن شرائح اللحم، الأوسو بوكو، تُقدَّم مع الأرز بالزعفران، ريزوتو والجرمولاتا.
بدأ كل شيءٍ بمُكعَّبَيْ حساء دجاج، ألقى بهما في قِدرٍ مليءٍ بالماء. إن تحضير الحَسَاء، هو الجزء الرئيسي من الوصفة التي انطلق السيد روش في إعدادها، استغرق الأمر عدة دقائق. عندما بدأ السائل، الذي يتم تسخينه على نارٍ هادئة، يختلج، أخذ منه قدحًا، وغمس فيه خيوط الزعفران، ثم ضبط النار لكي يستمر الحساء في الاختلاج. كان ذلك مهمًّا.
كان الجو رديئًا جدًّا. فرَدَ السيد روش الشرائح الخمس المستديرة من عرقوب العِجْل المليئة حتى آخرها بالنخاع الكثيف والمتماسك، بينما كان المطر في الخارج ينقر على زجاج المطبخ الأمريكي.
كانت ليا تجترُّ إجابة السيد روش وهي تتابع كل حركةٍ من حركاته. لقد قرَّر أنه قال ما فيه الكفاية وصمت، منهمكًا، على الأقل ظاهريًّا، في تحضير وصفة الطهي الخاصة به.
وفي المِقْلاة القديمة المصنوعة من النحاس التي ورثَها عن أمه، والتي بدأَت تسخن على النار الثانية، أسقط السيد روش ثلاث ملاعق زبدة كبيرة، قبل وضع شريحة اللحم الأولى في قاع المقلاة. ومع طقطقة الزبدة وضع الشريحة الثانية، ثم الثالثة، وعند الشريحة الرابعة، وبَّخَت ليا السيد روش: إذن يا سيد روش، يعبد الإغريق المناقشة والجدل! ولذلك اكتشفوا الرياضيات، وأنا طوال عشر سنوات، وفي أغلب دروس الرياضيات، لم أكُف عن سماع: «آنسة ليارد، لا مناقشة هنا!»
أقر السيد روش أنه يدين لها بتفسيرٍ. إذا لم تكن ترى في ذلك اعتراضًا، فإننا سنتكلم عن الإغريق، وليس عن المدرسين.
– لقد قلتُ مناقشة، يا ليا، وليس جدالًا. بالنسبة إلى إغريق تلك الحقبة، كانت المناقشة نشاطًا نبيلًا لها هدفٌ محددٌ؛ إقناع محادثك بالكلمة.
أصبح لون شرائح اللحم ذهبيًّا.
«في الاستادات، يتواجه الأبطال الرياضيون في ألعاب البدن، أما في الميادين فينصرف الناس إلى منافساتٍ بالكلمة. إن ما يتم تبادُله حُجج وليس ضربات. والتبادلات منظَّمة مثل الملاكمة؛ حيث فاز فيثاغورس، تذكُرين ذلك، بالألعاب الأوليمبية. أشار السيد روش بإصبعه نحو شبكة البصل المعلَّقة على الجدار. وآليًّا، أمسكَت بها ليا، وأخرجَت منها حفنةً من البصل.»
– في شرائح رقيقة، من فضلك، طلَب منها.
– قطَّعَتْها شرائحَ رقيقة وبدأَت تبكي.
– هذا لا يؤثِّر فيك؟ عاتبَتْه، غاضبةً أمام عينَي السيد روش الجافتَين.
– لم يعُد لديَّ الكثير من الدموع. أُفضِّل الاحتفاظ بها لمناسباتٍ أفضل، قال وهو يغطي قاع المقلاة بطبقتَين من البصل. أضاف الكرفس والجزر، ذوَّب ثلجهما بمغرفة حساء، ووضع مجددًا شرائح اللحم المستديرة، وختم بالبقدونس وقِطع الطماطم، التي كانت ليا قد نزعَت بذورها، وترك الطعام ينضج.
جفَّفَت ليا عينَيها. بدا وكأن نظرة السيد روش تضيع في البعيد. وبعد لحظة صمتٍ، بدأ يتكلم.
أُضيئَت الغرفة، وتوقَّف المطر عن ضرْب الزجاج، وتلاشى صوت السيارات التي تنزل بسرعةٍ شارع رافينيون. وجدا نفسَيهما تُهدهِدهما مياه بحر إيجة الزرقاء، في ميليه وإيفاز، وكولوفون، وبونت-أوكسين، وفي السيكلودس والسبورادس، وفي كل هذه الجُزر، في طشيوز وساموس، وديلوس … هناك الكثير منها!
عاش من جديدٍ في البيوت المنخفضة المكلَّسة بالجير، ذات الأبواب والنوافذ الزرقاء زرقةً تخلب الألباب. وصف السيد روش مجموعاتٍ من الرجال جالسين في الموانئ اليونانية الصغيرة، حول طاولاتٍ صغيرةٍ من الخشب، يتناقشون بلا نهاية، يتبادلون الحُجَج أمام كأس أوزو، ويلتقطون قِطع الحبار المشوية وقِطع الطماطم القرمزية.
– لا أعرف إذا كان في زمن طاليس وفيثاغورس كان يوجد أوزو، لكن كان يوجد، يقينًا، حبار ونار لشيِّه. وكانت الكلمات المتبادلة هي نفسها.
في مطبخ شارع رافينيون، بدأَت الرائحة تصبح طيبةً للغاية. الكرفس والجزر ينضجان في طبقتهما من البصل. لقد تأخر الوقت، وحان الآن البدء في تحضير الأرز بالزعفران.
مثل كل زجاجات الزيت، كانت هذه الزجاجة دبقة، لكنه كان زيت زيتون من إنتاج العصرة الأولى وعلى البارد، قادم مباشرةً من توسكانيا. مسحَتْها ليا، ومسحَتْ يدَيها ومرَّرَتْها للسيد روش الذي ملأ منها كوبًا قبل أن يمسحَ يدَيه بدوره.
– لكيلا تنزلق المناقشاتُ بين الكلمات مثل هذه الزجاجة بين الأصابع، اخترع اليونانيون أداةً عبقريةً حقًّا.
قدَّرَت ليا حضور ذهن السيد روش.
كلما فكرتُ فيها، متابعًا حديثه، ولقد فكرتُ في ذلك كثيرًا منذ سؤالك هذا الصباح، وجدتُ هذا الاختراع مخيفًا.
أشار بإصبعه نحو ليا:
«أتقبلين بأن البشر فانون؟»
اندهاش من ليا. ثم، مدركةً ما يقوم به السيد روش، دخلَت اللعبة: نعم قالت بحزمٍ، مثل عروس تجيب عن السؤال الحاسم، أقبل بذلك.
– أتقبلين أن سقراط بشرٌ؟
– نعم، قالت أقبل بذلك.
صفَّق بيدَيه.
– انتهى! إذن سقراط فانٍ! لا يمكنك فعل شيءٍ، لم يعُد ذلك يتوقف عليك. لقد انقفل الفخُّ عليك، يا حلوتي ليا. لقد منَحتِني أول جملتَين، ولا تستطيعين إلا القبول بالجملة الثالثة!
لم تنطق بكلمة، ثم كلاعبةٍ رديئة قالت: أعطيك إصبعًا، تأخذ مني الذراع كله! أهذا هو اختراعك؟
ما كنتُ لأصوغَ الأمر بهذا الشكل، لكنها طريقةٌ جيدة لرؤية القضية. عندما كنتُ شابًّا، كان يُقال: «عندما يكون لديك اثنان يكون لديك ثلاثة!»
– أرجوك يا سيد روش، تصرَّف بشكلٍ لائقٍ. قالت ليا بصوتٍ متصنعٍ صاخبٍ.
على النار الأولى، كان حَسَاء الدجاج يختلج. سحبَت ليا القِدْر الثقيل المصنوع من حديد الزهر الجاثم على أحد الأرفف، ووضعَتْه على النار الثانية. قطع السيد روش فرعَين من الكراث الأندلسي، دائمًا دون أن يذرف دمعة، وصبَّ كوب الزيت في القِدر وضبط النار.
– إن ما ترويه لي هنا، يا سيد روش، قد يكون مثيرًا للاهتمام، لكن لا أعرف إذا كنتَ بعد هذه الرحلة الطويلة مع سقراط وبعض الحبار ما زلت تتذكَّر أن سؤالي كان لماذا في اليونان وليس في أي مكانٍ آخر؟ ألحَّت ليا.
– سأصل، سأصل. طاليس، فيثاغورس، هيباسوس الميتابنتمي، وأبقراط الطشيوزي، ودمقريطس، وتيتياتوس، وأرخيتاس التاراسي، كل هؤلاء المفكرون الإغريق الذين صنعوا الرياضيات كما نعرفها، مَن هم، ماذا يفعلون في الحياة، ما هي مكانتهم في المجتمع؟
إنهم ليسوا عبيدًا ولا من موظَّفي الدولة، مثل علماء الرياضيات-الحاسبين البابليين أو المصريين الذين ينتمون إلى طبقة الكتَبة أو الكهَنة المغلَقة، المحتفظين باحتكار المعرفة والحساب. إن المفكِّرين الإغريق ليسوا مطالبين بتقديم حساب لأية سلطة. لا يوجد ملك ولا كبير كهنة ليقرر ما هي طبيعة عملهم أو ليضع حدودًا لدراساتهم. المفكِّرون الإغريق رجالٌ أحرار! لكن …
في القِدر لم يكن الكراث قد ذاب بعدُ.
«… لكن كان عليهم الدفاع عن وجهة نظرهم في مواجهة أقرانهم.» تابع السيد روش.
وشرح السيد روش لليا، إنه حتى عندما ينتمون إلى «مدرسة»، فإن هؤلاء الرجال كانوا مفكرين فرادى، إنه وضعٌ اجتماعيٌّ غير مسبوقٍ. كانوا يؤكدون ذواتهم كأفراد، مستخدمين حريتهم في التفكير، ومستعملين حقهم لتقديم الفرضيات وتطوير النظريات، على أن يتكفلوا بالدفاع عنها. إنهم مسئولون عن إنتاجهم، ليس أمام سلطةٍ معينة، لكن أمام كل شخصٍ كان يمكنه بدوره استخدام حقه في نقد هذه الفرضيات والنظريات، وإنكارها، ومعارضتها. أنداد لمواطنيهم في مجال السياسة، كانوا في مجال الأفكار، يمثلون مواطني الفكر.
إن اليونان في تلك الفترة لم تكن إمبراطورية، وإنما كوكبة من المدن، المدن-الدول، المستقلة. كانت هناك مدنٌ ذات حكمٍ استبداديٍّ وأخرى ذات حكم ديمقراطي. في النوع الأخير، كان المواطنون يشاركون بشكلٍ مكثفٍ في الحياة السياسية، لكنك تعرفين ذلك، ربما ما لا تعرفينه أن في أثينا كانت تُعقد جمعيات تضم من ٧ آلاف إلى ٨ آلاف مواطنٍ، وكل واحدٍ منهم كان يستطيع أن يأخذ الكلمة كلٌّ في دوره! تصوَّري ما الذي كان يتطلبه ذلك. كانت الحُجَج تُجهَّز من أجل الإقناع والفوز بالموافقة، وفي نهاية الجلسة، كان الجميع يصوِّتون، وكان لكل الأصوات القيمة نفسها! وفي قاعات المحاكم لم يستندوا إلى حكم الله ولا حكم الملك، وإنما إلى حكم القضاة وهيئة المحلفين الشعبية التي كان يتعيَّن إقناعها. مناقشاتٌ سياسية، ومناقشاتٌ قانونية، ومناقشات فلسفية.
– والرياضيات؟ إنك تدور حول الموضوع!
– ليس حوله، إنني أدور داخله!
كانت شعلتا الموقد تعملان معًا. رفع السيد روش الغطاء؛ في المقلاة، كانت شرائح اللحم المستديرة تنضج، وفي القِدر كان الكراث يذوب.
وبالعودة إلى شغف المناقشة الذي كان ينسبه إلى الإغريق، أعلن السيد روش: لا يمكن أن يتناقش المرء إلا إذا كان متفقًا على حدٍّ أدنى. إذا تم قبول هذا الحد الأدنى، يمكن الانطلاق! تقولين لي، أقول لك، تُقدمين لي هذا، أردُّ عليك بذلك، تُزينين حُججَك، أشحذ حُجَجي، لكن في النهاية، مَن يكون الحق معه؟ كيف يتم ترجيح رأيٍ على آخر؟ مَن سيكون له الكلمة الأخيرة؟
فيما يتعلق بالعلوم، وبالرياضيات بشكلٍ خاصٍّ، فإن المفكرين الإغريق قد عمَّقوا اختلافهم في اتجاهَين؛ اختلافهم بالنسبة إلى المحاجة السياسية، أو القانونية، أو الفلسفية، واختلافهم بالنسبة إلى علماء الرياضيات البابليين والمصريين. لقد وضع علماء الرياضيات الإغريق متطلبَين.
إن الفلاسفة ورجال السياسة والقانونيين الإغريق برَعوا في فن الإقناع، لكن ممارستهم، إذا أمكننا القول، كان لها حدود. إن الإقناع لا يلغي بشكلٍ نهائيٍّ الشك … لقد توصَّلَت الرياضيات إلى أن تطالب بشيءٍ أكثر من مجرد الإقناع. لقد طالبوا بأن يكون الأمر غير قابلٍ للدحض! كانوا يريدون الإقناع بطريقةٍ لا تسمح لأي أحد أن يدحض ما افترضوه؛ حيث كان طموحهم أن يقدموا في كل لحظة التبريرات التي تُلغي كل الشكوك. كانوا يريدون براهين مطلقة! وهو ما يميز علماء الرياضيات الإغريق عن ممارسي الإثبات والبرهان المعاصرين لهم.
ولقد تميزوا أيضًا عن سابقيهم البابليين والمصريين عندما رفضوا أن يكون الحدْس كافيًا لإقرار الحقائق الرياضية، كما رفضوا أيضًا البراهين العددية. أنا أقتنع بشيءٍ ما لأنني أراه، وأقنعك به لأنني أظهره لك. إنه الإثبات المادي، الذي كان مستخدمًا على ضفاف الفرات وعلى ضفاف النيل. لقد رفض علماء الرياضيات الإغريق الاكتفاء بهذا النوع من البراهين المادية، لقد طالبوا بشيء أكثر؛ البرهان.
– لم تكن هناك براهين قبلهم؟ سألَت ليا مندهشةً.
– لا. هم مَن اخترعوها.
كان الكراث على وشك أن يذوب، وكانت تلك هي اللحظة! صب السيد روش الأرز، وخلطه بالزيت والكراث إلى أن تصبح الحبوب نصف شفافة. كانت اللحظة الحرجة قد أزفَت، كل شيء يتم الآن. من أجل منع الحبوب من أن تلتصق، كان لا بد من التحريك دون توقفٍ. حرك السيد روش، وعندما اكتسب الإيقاع، واصل:
«لكن رفض الحدْس والدليل المادي له عاقبة. إنه يفتح الباب للقلق. إذا لم يكن كافيًا أن أرى الشيء لكي أصدقه، وإذا لم يكن كافيًا أن أظهره لك لكي تصدقني، فما الذي يضمن لي أن ما أثبته صحيح؟ كيف أقتنع، وكيف أقنعك بصحة ما أعلنه؟ مَن سيُشعرني بالهدوء؟ وهكذا وردَت بشكلٍ طبيعيٍّ تمامًا الأسئلة التي كان المفكرون الإغريق هم أول مَن طرحها في تاريخ البشر: «كيفية التفكير؟ لماذا أفكِّر فيما أفكِّر فيه؟ كيف أضمن أن ما أفكِّر فيه صحيحٌ؟»»
شعرَت ليا، نظرًا للانفعال الذي وضعه في إعلان هذه الأسئلة، أن هذه التساؤلات كانت خاصة به، وأنها لا تزال تساؤلاته، أسئلة هي نفسها لم تطرحها قط على نفسها.
– لتهدئة هذا القلق الذي خنقهم، تابع السيد روش، الذي لم يتوقف عن متابعة تحضير الأوسو بوكو بعناية، أعدَّ المفكرون الإغريق طرقًا تتكفل بطمأنتهم على صحة الإثباتات التي يقدمونها، وقاموا بذلك بتبصر، وبصراحةٍ تامة. إن ذلك هو الجديد تمامًا وبشكلٍ جوهري، لأول مرةٍ في تاريخ البشرية، يُتخذ الفكر موضوعًا للفكر.
واكتمل هذا الإعداد ما بين القرنَين الخامس والرابع قبل الميلاد، وسجَّل أرسطو كل ذلك في عملٍ أسماه الأداة، أداة الفكر. إنه ميلاد علم المنطق على اعتبار أنه بيان لقواعد الفكر المسئولة عن تحديد كيف يبرهن على الحقائق.
وتطبق على أي افتراضٍ خاصٍّ إجراءاتٌ موحدةٌ، وليس إجراء لهذا الغرض أو ذاك، تحوم حوله شبهة … المحسوبية، إن علم المنطق يعلن عن نفسه كمدًى ديمقراطي مُقرِّرًا أن كل الإثباتات ستخضع للقوانين نفسها.
إن هذه الإجراءات الموضوعة سلفًا وبصرف النظر عن الموضوعات التي يتم معالجتها، لا يمكن اتهامها بالتحيز، ويمكن القبول بها كحكم.
كان الأرز قد امتصَّ كل الزيت، صبَّ السيد روش مغرفة حساء في القِدر وحرَّك.
– ترتكز هذه الإجراءات على بعض المبادئ البسيطة، لكن لم يضعها أحدٌ من قبلُ. كل شيءٍ يبدأ بإحدى النواهي:
وأضاف السيد روش وهو مستمر في تقليب الأرز: يوجد مبدأ آخر يتدارك ذلك.
وهكذا ختم السيد روش مثل أستاذ ينطق الجملة الأخيرة من درسه الافتتاحي في الكوليج دي فرانس، ويُبيِّن ذلك كيف انتقل الإغريق من العرض والإظهار إلى البرهنة والإثبات.
تابعَت ليا بالقَدر نفسه من الانتباه حديث السيد روش وتحضير الأوسو بوكو. ضبط النار للمحافظة على الاختلاجات منتظمة، وصب الزعفران.
«إن سر الريزوتو يكمن في طريقة التقليب.»
لأول مرةٍ منذ بداية التحضير، ينحني السيد روش على بطاقة الطهي لكي يتأكد أنه اتبع الوصفة جيدًا. وكان ذلك ما حدث.
– آه، نعم، قال، كنتُ سأنسى. إن وصول الأبجدية في العالم الإغريقي قبل ذلك ببعض الوقت شجع هذه الممارسات البرهانية. من الأسهل بالطبع التأكد من أننا لم نقترف تناقضات إذا كانت المحاجة مكتوبةً، خاصةً إذا كانت طويلةً.
لم يتبقَّ سوى تحضير الجرمولاتا. تناول فصوص ثوم، وقطعها ثم حشا قدحًا بأعواد البقدونس التي قصها بطقطقةٍ واحدةٍ من المقص، وبشَر قِشْر ليمون خادشًا طرف إصبعه.
لقد انتهى من التحضير، وسيكون ذلك ممتازًا. غير أن سؤالًا كان يقلق ليا ويزعجها، لماذا قرَّر السيد روش أن ينطلق في تحضير الأوسو بوكو، بينما كان يعرف أنه سيكلمها عن كل هذه الأشياء؟ من المؤكد أن هناك علاقةً ما، كانت تتوقع، حتى النهاية، أن يتلاعب، لكنها لم ترَ شيئًا يحدث، فصارَحَته، نظر إليها بشكلٍ مثيرٍ:
– لا يجب أن نرى علاقات في كل مكانٍ يا ليا إن الحرية تكمن في إمكانيه الحديث عن البرهنة اليونانية أثناء تحضير الجرمولاتا!
على مائدة غرفة الطعام-الاستقبال، وضع خمسة أطباقٍ، وفي المطبخ الأمريكي رفع السيد روش غطاء المقلاة، كانت شرائح اللحم المستديرة ناضجةً تمامًا، بدأ اللحم ينفصل عن العظم. كانت اللحظة المناسبة لتقديم الطعام. وضع شرائح اللحم في طبقٍ مسطحٍ بيضاويٍّ، الطبق نفسه الذي تركه جوناثان يفلت مساء الجلسة الليلية. كان النخاع متماسكًا. ما زال صلبًا لكنه ناضجٌ تمامًا، لقد ظلت العظام تحتويه. وضع السيد روش طبقة من الجرمولاتا على كل شريحة لحمٍ، وغرف الريزوتو في قِدر فخَّار، ورشَّ عليه جبنة بارمزان، وتم وضع الكل على صينية وضعها على فخذَيه.
– نبيذ إيطالي، من أجل اختراعٍ يونانيٍّ! قالت ليا.
قرعوا أقداحهم معًا وشربوا.
– إن بحر إيجة هو بحرٌ من الكلمات، يمنح ضفافه للمناقشة الحرة، وتمنى السيد روش الشهية الطيبة للصحبة وهو يبتلع أول لقمةٍ من الأوسو بوكو الخاصة به.
أكلَت ليا باستمتاع، وظل النور مضاءً لوقتٍ متأخرٍ في غرفة الطعام-الاستقبال بشارع رافينيون.
بارد ومتلألئ، السائل ذو اللون الأخضر الشفاف لون البحيرات، كان يثير الرغبة في السفر. في الفقاقيع، يختفي القليل من الكحول الخطير الذي يجعلك ترى، لباقي الوجبة، الحياة بلونٍ وردي. للرد على الأوسو بوكو، وجد جوناثان وليا أنواع طعامٍ أخرى. توقفوا أمام باب سان-دنيس، وهم في طريقهم إلى المطعم مع السيد روش، لتأمل النقش الشهير الضئيل البروز.
كانت المدينة مستعدةً لمقاومة كل أنواع الهجمات، متجمعةً جيدًا على نفسها، محمية بمتاريس قوية، ويتولى الدفاع عنها جنودٌ مدربون على الحرب، وكانت القوات التي تحاصرها هي أيضًا مسلحة بشكلٍ جيد، وذات قيادةٍ جيدة. إن المدينة التي كانوا يهاجمونها هي أفضل مدن أوروبا تحصينًا.
وبسرعةٍ تم الاستيلاء على المدينة. إن القوات الفرنسية بقيادة الملك لويس الرابع عشر، عبرَت أنهار الراين، والموسيه، والإلبه، وتمكَّنت في غضون ستين يومًا، أن تغزو ثلاثة أقاليم وتستولي على أربعين نقطةً حصينة. وتلك التي وقعت في ذلك الصباح من شهر يونيو عام ١٦٧٣م، كان اسمها ماستريخت، وظلت المدينة مشهورةً بسبب موت شخصيةٍ شهيرةٍ خلال المعارك، مات الفارس الملكي أرتانيان، الذي كان قد أصبح قائد المعسكر.
إن المشهد الذي يظهر في النقيشة محفورٌ في حجر باب سان-دنيس بين محطة الجمهورية ومحطة الأوبرا. وفي الجانب المقابل تمامًا، في بداية جادة بون-نوفل، مكتبةٌ كبيرة للكتب المستعملة تحمل اسمًا غير متوقع؛ عدة الفكر!
على بعد مائة مترٍ تقريبًا من هناك، من ناحية الضاحية، يبدأ ممر برادي؛ حيث يستطيع المرء أن يقص شَعره ويسد جوعه ﺑ ٥٥ فرنكًا؛ الأرز التندوري ﺑ ٢٥ فرنكًا، وقص الشَّعر ﺑ ٣٠ فرنكًا، لكن، بهذه المناسبة اختارت ليا الترف. كان شاليمار أكثر المطاعم الهندية في ممر برادي أناقة — في الواقع أغلب هذه المطاعم باكستانية — ويضم هذا الممر حوالي خمسة عشر مطعمًا.
كان الكوكتيل الأخضر الشفاف بلون البحيرة يُحدث تأثيره. إن السيد روش، قابلًا دعوة جوناثان وليا، تفاجأ من وجوده في هذا المطعم الصغير المجهول بالنسبة إليه. لم يُرِد أن يعرف لماذا هو موجود هناك، لا سيما أنه يعلم أنْ سرعان ما سيعرف السبب، في سِنه، كان من الأفضل عدم استباق الأحداث.
– إنه جورج كانتور، أبو نظرية المجموعات. هذه الجملة حققَت انتشارًا واسعًا في السوربون في عصرنا.
– لديَّ روايةٌ أخرى، تدَخل جوناثان. البداية هي نفسها تقريبًا، فيما عدا أن بهاسكارا قرأ في الطالع الفلكي شيئًا آخر. كانت النبوءة تقول ما يلي: إذا تزوجَت ليلافاتي، «فإن حياتها الزوجية ستكون قصيرةً جدًّا». انغمس بهاسكارا في حساباتٍ عويصة لمعرفة ما إذا كانت هناك وسيلةٌ للإفلات من النبوءة، غير رفض الزواج. كانت هناك وسيلة؛ يجب أن تتزوج ليلافاتي، في يومٍ محددٍ بدقَّة، وتوصَّل بهاسكارا إلى تحديده.
ومن أجل حساب الوقت الذي يفصلهما عن الموعد المحدد، شيد بهاسكارا فسقية رملية، تنساب فيها حبات الرمل عبر فتحةٍ ضيقة؛ بحيث تحسب الوقت. كانت ليلافاتي، كثيرًا ما تذهب لمشاهدة الرمل ينساب، وذات يومٍ، وبينما كانت منحنيةً فوق الفسقية، انفصلَت لؤلؤة صغيرة كانت ترصِّع أنفها دون أن تلاحظ ذلك. سقطَت اللؤلؤة في الرمل واختلطت بحباته. وأدى ذلك إلى إبطاء انسياب الرمل. وتم الاحتفال بزواجها بعد الموعد المحدد بواسطة حسابات التنجيم بعدة أيام. وبعد فترةٍ قصيرة، فقدَت ليلافاتي زوجها الذي تُوفِّي فجأة، ولتعزيتها وتخفيف حزنها، أهداها كتابه الشهير في الرياضيات …
– أوه! رنَّت صيحة ليا في ممر برادي. لا يدهشني ذلك منك! إنها الفتاة المتأنقة الشنيعة بلؤلؤتها في الأنف، هي التي عطَّلت الزمن وكانت مسئولةً عن وفاة زوجها الشاب، ولحُسن الحظ أن والدها كان هناك ليكتب لها كتابًا لا علاقة لها به! إن ذلك لا يدهشني منك، الرواية الذكورية للأسطورة. احذر يا جون ستشيخ بشكلٍ سيئ.
– أنت، الأمور منتهية بالنسبة إليك، إنك ترَيْن الذكَر في كل مكانٍ.
– أحيانًا، تجعلانِني أفكِّر في زوجَين عجوزَين. أسرَّ لهما السيد روش.
كانت الضربة قاسيةً.
– أعتقد أنكما لم تدعواني إلى الطعام لكي أراكما تتواجهان بشأن روايتَين للأسطورة نفسها.
– أكان لديهم شيءٌ ما ضد اللون الأخضر؟ سأل السيد روش بمكرٍ، قبل أن يشرب الباقي من كوكتيله دفعةً واحدةً. (أ) أسود، و(و) أبيض، و(ي) أحمر، و(ء) أخضر، و(ﻫ) أزرق أتعرفانها؟ إنها قصيدة رامبو، الحروف المتحركة، مثالٌ إضافي للتواطؤ بين الشِّعر والرياضيات.
– الرياضيات الهندية، صحَّح جوناثان، مع وضع الألوان جانبًا، نريد أن نكلمك عن البداية. كل شيء بدأ بطاليس، الإغريق اخترعوا البرهان … إلخ. والبابليون، يا سيد روش؟ والهنود؟ والصينيون؟ في التصنيف الذي أطلقتَ من أجله إجراءً ديمقراطيًّا، اقترحتَ علينا التصويت مع أو ضد الإحصاء أو حساب المثلثات، لكنك لم تقترح علينا التصويت لصالح قسمٍ كان يمكن أن تسميه، لا أعرف، أنا، «الرياضيات الأخرى»، أو الرياضيات غير الغربية.
– لا يوجد بين الكتب التي تلقَّيناها من مانوس أي عملٍ يمكن تصنيفه في مثل هذا القسم.
– لقد قلتَها! لماذا لا يُوجد كتاب ليلافاتي في مكتبة الغابة؟ ولا أي لوحٍ بابليٍّ؟ ولا أي نصٍّ صينيٍّ ولا أية منسوخات مايا؟ لا يوجد عملٌ واحدٌ في مكتبة الغابة لا ينبع من الرياضيات الإغريقية! لكن أنت، لم تكن تعرف لأنك وضعتَ المصطلحات مسبقًا، قبل تفريغ الكتب من الصناديق.
فتح السيد روش اللفافة وأخرج منها بردية ريند. نسخة طبق الأصل رائعة للفافة التي اكتُشفَت في القرن التاسع عشر في المعبد الجنائزي لرمسيس الثاني، في طيبة. ثم اشتراها ألكسندر ريند وأحضرها إلى إنجلترا، وأُودعَت في المتحف البريطاني. تتكون هذه اللفافة، التي يبلغ طولها خمسة أمتار، من ١٤ ورقة بردي، تستعرض عشرات القضايا الرياضية من كل نوع. إنها أقدم بحثٍ في الرياضيات وُجد حتى يومنا هذا.
يبدأ الكاتب بتقديم نفسه: أحمس، كاتب، ثم يوضح أن النص كُتب أثناء الشهر الرابع من موسم الفيضان في السنة الثالثة والثلاثين من حكم الملك أبوفيس، من الأسرة الخامسة عشرة، أثناء العصر الوسيط. باختصار، في وسط القرن السادس عشر قبل الميلاد، وأيضًا! يُحدِّد أحمس أن هذا النص يتناول من جديد برديةً أقدم، كُتبَت أثناء حكم أمينميس الثالث، الملك السادس للأسرة الثانية عشرة، أي ألفَي عام قبل الميلاد: والأكثر أيضًا طبقًا لبعض الباحثين، أن المواد الرياضية المعروضة في بردية ريند ترجع إلى عصر بناء الأهرامات؛ أي ٢٨٠٠ عام قبل الميلاد!
لم ترغب ليا في استغلال تفوُّقها فاقترحَت على السيد روش: إذا رغبتَ يمكننا أن نتفق على أن «كل شيءٍ لم يبدأ بطاليس!»
يصعب رفض ذلك!
بالطريقة نفسها التي يمكن لقطار أن يُخفي آخر، تستطيع بدايةٌ ما أن تُخفي أخرى، يا سيد روش، أكد جوناثان وهو يحطم عَظْمة دجاج تحت أسنانه. في الألفية الثانية قبل عصرنا، فيما بين النهرَين وفي مصر، في بابل وفي طيبة، كانت هناك بداياتٌ أخرى للرياضيات. كان الأمر يتعلق برياضياتٍ مختلفة، لكنه كان يتعلق برياضيات، وفي الصين مثلًا، هل كانت هناك براهين؟ براهين إغريقية، بالطبع لا! لكن وسائل لتبرير ما يتم تأكيده فيما يتعلق بالأعداد والأشكال، ولم يكونوا يسمُّونها براهين، بالطبع! حسنٌ، لن نقضي عدة آلاف من السنوات بشأن ذلك.
قالت ليا وهي تشير إلى الكتاب: أحمس، كما ستقرأ ذلك داخل الكتاب، ينبه إلى أنه سيقدم «القواعد لسبر أغوار الطبيعة ومعرفة كل ما هو موجود كل لُغز، كل سِر» …
– كل ما هو موجودٌ! أسرع السيد روش. مثل ماذا؟ «كل» هو الشيء الأفضل توزيعًا من بين أشياء العالم.
– أحمس، طاليس: لا يوجد ما هو كل شيء! قال جوناثان الذي كان يريد أن يختتم الأمر.
لكن ليا أمضت ليلتَين تتفحَّص الحروف الهيروغليفية، وكانت تريد أن يعرف ذلك: القضايا الست الأولى، التي تراها هنا، قالت وهي تشير للسيد روش إلى صفوف الحروف الهيروغليفية، ترتبط بتقسيم عددٍ معينٍ من أرغفة الخبز بين عشرة رجال، وهذا العدد يذهب من (١) إلى (٩). وكانت تلك إحدى الطرق التي استخدمها المصريون لشرح جدول الضرب حتى العدد ٩.
إنها صُدفة؛ فقد أحضر النادل في هذه اللحظة طبقًا من أرغفة الخبز الصغيرة اللذيذة المشوية في الفرن، التي تقاسموها على ثلاثة. وهو ما منعهم من المضي لأبعد من جدول ضرب العدد (٢)، ولم يؤثِّر ذلك في شهية جوناثان الذي كان يغمس دون فتورٍ قطع الخبز في صلصةٍ مائعة، حارةٍ وطازجة، لونها أزرق مشوب بالخضرة مثل لون الكوكتيل.
كان السيد روش متأثرًا، كانت أول هدية من التوءم وكانت كتابًا! يجب، بشكلٍ خاص، ألا يترك شيئًا يظهر.
وهنا أبرزَت له رسمًا، مُثمَّن الزوايا محوطًا داخل مربع، الذي ربما يجسد مقدمًا، حساب مساحة الدائرة بواسطة، كيف قلتها؟ … التحليل الاستنفادي. حسنٌ، لن نستعرضهم من ناحيةٍ أخرى … ذات يومٍ قرَّر رمسيس الثاني منح كل رعاياه قِطعَ أرضٍ متماثلة؛ مربعة وذات مساحةٍ متساوية؛ وبالتالي سيكون على كل الرعية تسديد ضريبة متماثلة، لكن، كل عام، كان فيضان النيل يقضم بعض قِطع الأرض، نازعًا منها أطرافًا من المساحة، كان رمسيس يرسل كَتبةً لقياس هذا الفاقد في المساحة؛ بحيث يتم إنقاص الضريبة بشكلٍ متناسبٍ مع هذا الفاقد، من هنا جاء أصل الهندسة، لست أنا مَن يقول ذلك، لكن مؤرخ إغريقي، كتب ذلك في تحقيقاته، وهو هيرودوت، الذي تعرفه جيدًا.
– شكرًا لتذكيري بذلك، وأنا أستمع إليك، اعتقدتُ أن هيرودوت قال لنا: «إنه عندما فُقدَت المساواة احتاج البشر إلى اختراع الهندسة.»
وفجأة، عائدًا من الإبحار مع أفكاره، سمعاه ينطق بضع كلماتٍ: في كل مرةٍ تُفقد المساواة، نُضطر إلى اختراع معارفَ جديدةٍ لاستعادتها.
– استعادة المساواة! إقامة الحرية، كنت تقول لي، يا سيد روش. ذكرَت ليا مجددًا: إن المفكرين الإغريق في مجال الرياضيات كانوا رجالًا أحرارًا، وكنتً على حقٍّ بلا شكٍّ، لقد فكَّرتُ أنا أيضًا في ذلك مرةً أخرى، وبالتأكيد هنا يكمن الفرق. فيما عدا اليونان، وُلدَت كل الرياضيات الأخرى في الإمبراطوريات الكبيرة ذات التسلسل الاجتماعي والقيمي المُفرِط الإحكام؛ بين الرافدَين، ومصر، والهند، والصين، وأيضًا في أمريكا، والأزاتيك، والمايا.
– يجب عليَّ للأمانة ألَّا أُخفي أنه لم يكن يتعيَّن على الكتبة أن يقدموا حسابًا لأحد عن أساليبهم وطرقهم، إلا بنجاح تطبيقاتهم، مما أدى إلى اتجاهٍ مؤسفٍ إلى السرية. مع كل ما يمكن أن يكون لذلك من عواقب، أقر جوناثان. نعم، الحرية والسرية.
عند عودته إلى مكتبة الغابة، فتح السيد روش قِسمًا خامسًا.
«القِسم الخامس: رياضيات أخرى، الرياضيات غير الغربية»، وصنَّف فيه بردية ريند.