الفصل الحادي عشر

القضايا الثلاث لشارع رافينيون

كما كان اليونانيون سيقولون: «لم يتقدموا إيوتا — أي قيد أنملةٍ —» كان شهر ديسمبر قد بدأ، وفيما يتعلق ببذل الجهد، فلقد بذلوا جهدًا، لكنه لم يحلَّ أيًّا من الأسئلة الثلاثة المتعلقة بجروسروفر.

لم يتم تحديد هوية «الرفيق المخلص». ولا هوية العصابة التي أرادت الاستحواذ على براهينه. أما فيما يتعلق بظروف وفاة جروسروفر، وهل هي حادثةٌ، أم جريمةٌ، أم انتحارٌ؟ لم يعلموا شيئًا عن ذلك أكثر مما كانوا في بداية تحقيقهم.

ثلاث قضايا تجعلهم في حالة انتظار. ثلاث!

كان السيد روش قد وجد توَّا برنامجه لعشاء ليلة عيد الميلاد. بدقةٍ أكثر، برنامج الجلسة المخطَّط لها أن تكون قبل هذا العشاء، التي سيتعين عليهم خلالها أن يُحدِّدوا وضع تحقيقهم.

افتتَح نوفيوتشر الجلسة بصوتٍ راعد: القضايا الثلاث الكبرى للعصور القديمة! تضعيف المكعب، وإثلاث الزاوية، وتربيع الدائرة.

كان رائعًا. منتصبًا على مجثمه، بجبهته الزرقاء بلون لازوردي وطرف ريشه الأحمر، كان جديرًا بأن يمثِّل المذيع المثالي لمقدمة الأفلام الأمريكية الملوَّنة.

لقد صنع السيد روش الأشياء بشكلٍ جيد. كانت الشرائط الذهبية المزخرفة والنجوم الفضية المعلقة بخيطٍ غيرِ مرئيٍّ تلمع في سماء الغرفة.

حرصَت بيرت ألَّا تفوتها الجلسة الأخيرة من العام، كان التوءم سيرحلان للتزلج في صباح الغد. هذه المرة زادت بيرت من زينتها. أزرق في العينَين وأحمر على طرف الأظافر، كفيل بإثارة غَيْرة نوفيوتشر. كانت هي أيضًا رائعة، جالسة بشكلٍ جيدٍ في مقعدٍ عميقٍ في مرسم الجلسات. كان هناك مقعدٌ آخر مخصص لألبير، لكنه أبلغهم أنه سيكون من الصعب عليه الوصول قبل العشاء، مؤكدًا أن ذلك ليس لأنه غير مهتم بالأمر، لكن مساء يوم ٢٤ ديسمبر هي أمسيةٌ ذهبيةٌ بالنسبة إلى سائقي التاكسي. كان الجميع يعلمون أنه يريد إعادة الطلاء المعدني لسيارته البيجو ٤٠٤.

لقد بدءوا من غيره.

– إن تربيع الدائرة مشهورٌ جدًّا لدرجة أنه أصبح قولًا مأثورًا، أعلن ماكس عقب نوفيوتشر.

متقدمًا نحو جوناثان وليا، كان يرسم بتلذذٍ دائرةً أمام وجهه. ومتوقفًا فجأة، شق الحيز بأربع ضربات ساطور تمثل أضلاعَ مربعٍ. وأضاف: مثل ذلك المسَّاح في مسرحية أرسطوفان الذي يريد تقسيم الهواء لكي تصبح الدائرة مربعًا. وبانحناءة احترامٍ: اسم المسرحية … الطيور!

لقد مثَّل نوفيوتشر دور الطائر.

كان على ماكس إيقافه. من الواضح أن نوفيوتشر كان يستمتع بذلك. بصوتٍ واضحٍ ورخيمٍ قدَّم ماكس القضايا الثلاث: يرتكز تربيع الدائرة على رسمٍ مربعٍ مساوٍ لدائرةٍ معينة، وتضعيف المكعب يعني رسم مكعبٍ ضعف مكعبٍ معيَّن، وإثلاث الزاوية يقضي بتقسيم زاوية إلى ثلاثة أجزاءٍ متساوية. تتعلق القضية الأولى بالمساحات، والثانية بالأحجام، والثالثة بالزوايا.

أعلن نوفيوتشر: تربيع الدائرة!

بينما وقف ماكس وراء آلة المسلاط، حل السيد روش محله:

– كان العلماء في بابل ومصر يهتمون من قبلُ بالعلاقات بين الدائرة والمربع، أليس كذلك؟ قال ذلك وهو ينظر إلى جوناثان وليا، في أقدم نصٍّ رياضيٍّ عُثر عليه، وعرضه بفخر، بردية ريند، طالب الكاتب أحمس ﺑ «إيجاد مربع مكافئ لدائرةٍ معينة». واقترح أخذ مربع ضلعه يساوي ٩ /  ٨ من نصف قطر دائرة، لم تكن تلك سوى قيمةٍ تقريبية.

بعد ذلك، في اليونان أنكساغوراس الكلزميني، ابن هيجيسبولس …

نظر جوناثان وليا بعضهما إلى بعض. قبل ذلك بثلاثة أشهر، وهنا أيضًا، أعلن السيد روش: «طاليس، ابن أكسامياس وكليوبولين، كان يمشي عبْر ريف ضواحي ميليه». كانت الجلسة الأولى. كم يبدو ذلك بعيدًا؛ وتذكَّرا أيضًا بأي قصدٍ كلمهما عن طاليس. إلى جوارهما تمامًا، كانت بيرت جالسةً بشكلٍ مريحٍ في مقعدها، تستمع بانتباهٍ إلى كلمات السيد روش:

«… كان أول يونانيٍّ يهتم بالمسألة. كان أنكساغوراس في السجن كسجينٍ سياسي، عندما عزم على حل قضية تربيع الدائرة. كان يكتب على جدران الزنزانة وسط سخرية السجناء الآخرين، وسرعان ما أصبحَت الجدران مليئةً بالأشكال والحسابات، لكن دون نتيجة.»

وبفضل تدخُّلات بركليز، مؤسس الديمقراطية الإغريقية، الذي كان تلميذه، تم إطلاق سراح أنكساغوراس. لم يحتمل أن يكون قد سُجن ظلمًا، انتحر. واستمرت قضية تربيع الدائرة بعده.

منذ الكاتب أحمس، واصل السيد روش، تغيَّرت طبيعة القضية، لم يعُد الأمر يتعلق بحساب قيمةٍ تقريبية، إنما برسم مربعٍ مساوٍ بدقةٍ لدائرة، ثم جاء أبقراط الطشيوزي.

– الذي تم الاحتيال عليه؟ سألَت ليا.

– هو نفسه!

– الرجل الذي كان في الهلاليات!١ صاح جوناثان.

– هو نفسه! لم أشك أنكما ستتذكَّران بهذا الشكل الجيد ما يُروَى في جلساتنا. قال السيد روش مقدرًا.

– إننا نشرب كلماتك. صاح جوناثان.

وزايدَت ليا: ما تقوله لا يقع في أذن …

توقفَت عن الكلام؛ فخلف المسلاط كان ماكس يُحدق فيها، مخذولةً، نظرت إليه لتعتذر. بإشارةٍ من رأسه، شجَّعها على إتمام جملتها.

– … أصم. قالت ليا بصوتٍ ضعيفٍ.

– لقد أشار جوناثان إلى هلاليات أبقراط، وكان على حقٍّ، إنها هي تحديدًا المعنية. لقد كان لنجاح أبقراط في تربيع الهلاليات دويٌّ هائل. قبله، لم يتمكَّنوا إلا من إجراء تربيعات لأشكالٍ محددةٍ بخطوطٍ مستقيمة؛ مستطيل، ومتوازي أضلاع، وشبه منحرف. بالتوصل إلى تربيع شكلٍ مقوس أثار أبقراط أملًا جنونيًّا. لم يعُد أحدٌ يستطيع التأكيد بأن المساحات المقوسة لا يمكن «تربيعها». إذن لماذا لا تكون الدائرة؟!

حاول أبقراط نفسه لكنه أخفَق، وكذلك كل علماء الرياضيات الإغريق بعده!

رفرف نوفيوتشر وفتح منقاره واسعًا: تضعيف المكعب:

السيد روش: أول مرةٍ سمع الحديث عن تضعيف المكعب، كان بمناسبة وباءٍ كبير. كان الطاعون قد انتشر في أثينا، ولا شيء كان يستطيع إيقافه. أبحر وفدٌ من سكان أثينا إلى دلف، وسأل الوسيط الروحي٢ لكي يرشدهم إلى كيفية وقْف الوباء. انسحب الوسيط الروحي، وانتظر الوفد بصبرٍ، ثم عاد الوسيط الروحي.

رفرف نوفيوتشر، وقف منتصبًا على مجثمه: أيها الأثينيون! لكي يتوقف الطاعون، لا بدَّ أن تضاعفوا حجم الهيكل المكرَّس لأبولُّو في جزيرة ديلوس.

بدا وكأن نوفيوتشر ضاعف صوته ليُمثِّل دور الوسيط الروحي.

– كان هيكل أبولُّو في ديلوس شهيرًا في كل اليونان لأسبابٍ عديدة، خاصةً بسبب شكله. كان مكعبًا! شرح السيد روش.

– تضعيف الهيكل؟ سأل ماكس من وراء مسلاطه. بدا الأمر بالنسبة إلى الأثينيين أبسط ما يمكن. وانتقلوا إلى الجزيرة، وشيدوا هيكلًا جديدًا ضلعه ضعف ضلع الهيكل القديم.

– استمر الطاعون، واصل السيد روش. وكانت خيبة أملهم كبيرةً، نبههم رجلٌ عالمٌ كان مارًّا من هناك إلى أن الهيكل الجديد ليس ضعف القديم، إنما أكبر منه ثماني مرات!

عبرَت عينَي بيرت سحابة عدم فهمٍ على الشاشة، ظهر مكعبٌ ضخمٌ إلى جانب مكعبٍ صغيرٍ جدًّا. وفي البعيد رنَّ صوت ماكس: ٢ × ٢ × ٢!

أشرق وجه بيرت إيه، نعم. قالت: «مكعب (٢)! ثمانية! لم أربط بينهم قط: مربع (٢) هو مساحة مربع ضلعه (٢)، ومكعب (٢)، هو حجم مكعبٍ ضلعه (٢).»

نظر جوناثان إلى أمه باندهاش. لم يكن يتخيل قط أنها يمكن أن تتحمَّس من أجل قضية مكعب.

– لنعد إلى ديلوس مع الأثينيين، اقترح السيد روش. رسَوا على الجزيرة، وأسرعوا لتحطيم الهيكل الكبير. باشروا العمل، مصمِّمين هذه المرة، أن يكونوا عند حُسنِ ظن الوسيط الروحي. وعلى الهيكل القديم، شيَّدوا هيكلًا جديدًا مماثلًا للقديم في كل النقاط.

– كان حجم الهيكلين معًا أكبر مرتَين فعلًا من حجم الهيكل القديم، أعلن السيد روش بصوتٍ ماكر. عادوا إلى أثينا راضين، وهنَّأ بعضهم بعضًا، لكن الطاعون استمرَّ، كان الغضب وعدم الفهم في أَوْجهما، ألم يُشيِّدوا هيكلًا ضعف الهيكل السابق؟

– بالضبط، لا! صاحت بيرت، وقد احمرَّ وجهها من الإثارة. ما كان ضعفًا، لم يكن حجم هيكلٍ واحدٍ لكن حجم الاثنَين!

وافق السيد روش، لم يكن لديه ما يضيفه. أخذ بعض الوقت ثم أعلن: لم يفهم الأثينيون لماذا لم يتوصلوا إلى حلِّ هذه القضية التي بدت بسيطة جدًّا. تضعيف قطعة مستقيمة؟ لا شيء أبسط من ذلك.

أدخل ماكس صورةً شفافةً.

figure
تضعيف قطعة مستقيمة

استأنف السيد روش: تضعيف مربع؟ الأكثر علمًا بين الأثينيين كانوا يعرفون أنه يمكن القيام بذلك برسمه على قُطره.

سحب ماكس الشفافة وأدخل واحدةً جديدة:

– لماذا، إذن، لم يتوصلوا رغم جهودهم إلى تضعيف مكعب؟ سأل السيد روش بنبرةٍ مسرحية.

وبمجرد أن طرح السؤال، صمَتَ. انتصبت بيرت: والطاعون يا سيد روش؟ هل توقف؟

أعلن نوفيوتشر محتقرًا السؤال: إثلاث الزاوية!

عاد ماكس إلى مقدمة العرض: كان الجميع يعرف كيفية تقسيم زاوية إلى جزأَين متساويَين. لقد اختُرع المنصف لذلك، وكان من السهل رسمه.

ويمكنه أن يشهد بذلك؛ لأنه رسمه عدة مراتٍ في الفصل.

– وما كان لتقسيم زاويةٍ إلى ثلاثة أجزاء متساويةٍ أن يكون أكثر تعقيدًا بشكلٍ مُفرِط، تابع السيد روش. لا سيما أن مع نظرية طاليس والفلاح، كانوا يعرفون كيف يقسمون قطعةً مستقيمةً إلى ثلاثة أجزاء متساوية. خطأ! وفشل العلماء الإغريق في حل هذه القضية أيضًا، لماذا؟ للأسف ليس لديَّ أيُّ وباء أقترحه عليكم بالنسبة إلى الإثلاث. إن الأسطورة لا تخُصُّ سوى تضعيف المكعب.

– حقًّا، يا سيد روش، لم يتوصل إغريقيٌّ واحدٌ إلى حل قضيةٍ واحدةٍ من هذه القضايا الثلاث؟ سألَت بيرت.

– ولا واحد! أجاب السيد روش بشكلٍ مسرحيٍّ: «أوه، يوجد بعض علماء الرياضيات الذين قدَّموا حلولًا، هيبياس الإليسي، وأرخيتاس التاراسي، الذي أنقذ أفلاطون في إيطاليا، ومينكموس، وأودكوس، لكن كان ذلك بالالتفاف حول القانون.»

– القانون؟ أي قانونٍ؟ لم تحدثنا أبدًا عن قانونٍ. صاح جوناثان، الذي بمجرد أن سمع كلمة قانون شَعَر وكأن قضبانًا تنبُت أمام عينَيه.

– في بداية الجلسة، حدَّدَت أن كل هذه القصة تدور في مجال الهندسة، وأن الأمر يتعلق برسم الأشكال. مَن يقول رسمٌ يقول أدواتٌ. أدوات فكرٍ، بالطبع، لكن أدوات مادية أيضًا. لقد تكلمنا كثيرًا فيما سبق عن أدوات الفكر. أما الأدوات المادية، فإن المهندسين الإغريق توصَّلوا إلى تهذيب طرقهم ومنهجهم، لدرجة أنهم لم يعودوا يقبلون إلا بالمسطرة والفرجار!

– لماذا المسطرة والفرجار وليس غيرهما من الأدوات؟ سألَت ليا. كان يمكنهم أن يأخذوا أدواتٍ أخرى أكثر … زخرفةً وتنميقًا.

– إن المفكرين الإغريق يا ليا، لم يكونوا أناسًا مزخرفين ومنمقين! أعلن السيد روش بجدية، بل يمكن القول إنهم كانوا لا يطيقون بتاتًا كل ما هو مزخرفٌ ومنمقٌ. إن المسطرة هي المستقيم والفرجار هو الدائرة! لا يمكن أن يوجد ما هو أبسط من ذلك. توجد دائمًا فكرتهم الخاصة بالعناصر! لرسمهما حركة واحدة تكفي. لرسم مستقيم، حركة طويلة مفتولة من اليد، أما الدائرة فدورانٌ سلس من مفصل اليد.

في عالم الهندسة الإغريقية، لا وجود لشكلٍ إلا إذا تم رسمه حصريًّا بواسطة خطوطٍ مستقيمةٍ ودوائرَ.

شرب كوب ماءٍ كبيرًا. كانت بيرت قد بدأَت تقلق بشأن وجبة عشاء عيد الميلاد. يجب ألا يستمر ذلك أطول من اللازم.

– أستطيع أخيرًا أن أُعلن الصيغة الصحيحة لقضايا العصور القديمة الثلاث. صاح السيد روش باحتفالٍ: «بواسطة المسطرة والفرجار، رسم مربع مساحته مساوية لدائرةٍ معينة، ورسم مكعب حجمه ضعف حجم مكعبٍ معين، وتقسيم زاويةٍ معينة إلى ثلاثة أجزاء متساوية.»

إنها بداية الجملة التي تغيِّر كل شيء. لقد اقترح بعض علماء الرياضيات الإغريق رسومات لهذه القضايا الثلاث، لكنها لم تكن منجزةً بالمسطرة والفرجار!

– وبالتالي تم حرقهم مثل جيوردانو برونو، أو أُعدموا مثل جاليليو؟ سأل جوناثان.

– لا! لكنك رأيتَ ما حدث لهيباسوس، أما أنكساغوراس الكلزميني، الذي تحدثنا عنه منذ لحظة، فلقد حُكم عليه بالسجن ليس بسبب نشاطه الهندسي، ولكن بسبب نشاطه الفلكي. لم يكن المربع ولا الدائرة هما اللذان كلَّفاه حياته، لكنها الشمس. لقد أكد أن الشمس هي نوع من الحجر المتوهج، وذلك منذ خمسة قرونٍ قبل عصرنا!

– لا بد أن التوكيد بأن الشمس مجرد حصاةٍ عادية، حتى وإن كانت متوهجةً، لم يعجب الجميع، أقر جوناثان.

لم تعُد بيرت تستمع، كانت تبدو مشغولةً، ثم فجأة: والطاعون يا سيد روش؟ هل توقف أم لا؟ إنك تروي ذلك كقصة مكعبٍ جميلة، غير أن الأمر يتعلق بقصة طاعونٍ كئيبة.

– أنا لم أنسها. ردَّ السيد روش.

– بعد فشلهم الثاني، الخاص بالهيكلَين المرصوصَين، ماذا فعل الأثينيون؟ ألحَّت بيرت.

– وجدوا أنهم عاجزون تمامًا. يائسين، قرَّروا استدعاء أكبر علماء الرياضيات في عصرهم، أجاب السيد روش. لقد وُجد، كما قلتُ سابقًا، مَن حلُّوا القضية، لكن بطريقتهم.

لقد حلها أرخيتاس التاراسي بإدخال تقاطع ثلاث مساحات؛ مخروط، وأسطوانة وسطح دوران ناتج عن محيط دائرة يدور حول محورٍ يقع في مستواها، لكنه لا يمرُّ بمركزها. أما مينكموس فحلَّها باستخدام شكلَين مخروطيَّين، قطع زائد وقطع مكافئ، لكن أول مَن تجرأ على خرق قانون المسطرة والفرجار كان هيبياس الإليسي، السفسطائي.

عندما كنتُ طالبًا، كنتُ مفتونًا بهيبياس. كان يعرف كل شيءٍ عن كل شيءٍ، كان ما يسمِّيه الإغريق موسوعي المعرفة. علم فلك، وموسيقى، ورسم ونحت، ورياضيات. كان قادرًا على ارتجال خطبة في أي موضوع، كما كانت لديه ذاكرةٌ خارقة، وكان ينمِّيها بتمارينَ خاصةٍ بتقوية الذاكرة، وفي شيخوخته كان لا يزال قادرًا على أن يتلو عن ظهر قلبٍ قائمةً من خمسين اسمًا، وبالترتيب الذي سمعها به!

كانت مهارتُه شهيرة. كل ما كان يلبسه صنَعه بنفسه؛ قميص، حذاء، حزام، قارورة عطر، مساحيق، كل شيء! كان قد بدأ حياته فقيرًا جدًّا وأنهاها ثريًّا ثراءً فاحشًا. بدأَت ثروتُه عندما ذهب إلى مدينة صغيرة جدًّا، أحد أحياء صقلية الصغيرة والنائية، إينيكوس، حيث ربح أموالًا طائلةً، ولا يُقال كيف كسبها.

بالنسبة إليه، كل المشكلات هي مشكلاتٌ تقنية. كان لا يربك نفسه بالنظريات، ولا يمنع نفسه عن أية وسيلة، وكان يلجأ إلى كل الحيل الممكنة للوصول إلى غاياته، وكذلك كان يكسب أمواله. كانت مهارتُه الخطيرة تسمح له بالانتصار على كل المشكلات … بطريقةٍ تقنية. حتى فيما يتعلق بتربيع الدائرة التي توصل إلى تنفيذها بفضل المنحنى التربيعي الذي أعدَّه. وبعد ذلك بثلاثة قرون، اتبع ديوكليس مثاله، واخترع السيسويد أو المنحنى البلابي٣ الذي سمح له بحل إثلاث الزاوية، وبعد ذلك بقرنَين اخترع نيكوميدس منحنًى على شكل محارة المنحنى المحاري، الذي أثَّر تأثيرًا بليغًا سواءً بالنسبة إلى تضعيف المكعب أو إثلاث الزاوية. و…

– والطاعون؟ يا سيد روش. الطاعون في أثينا، إنك تستمرُّ في نسيانه.

– اطمئنِّي يا بيرت، إننا نكاد نصل إلى النهاية. كل هذه المنحنيات التي اخترعها هؤلاء الرياضيون لحل هذه القضايا كانت في شكل منحنياتٍ ميكانيكية، وليست منحنياتٍ هندسيةً.

بالنسبة إلى القانون الهندسي الساري كان الأمر يتعلق بوسائل أدنى. كان لهذه الرسومات نقيصةٌ مبطلة؛ فقد كانت تجعل الحركة والسرعة تتداخلان. نقاط تتحرك! وخطوط مستقيمة تنزلق! وأشكال تنتقل! كم من الظواهر المحظورة. إن العالم الرسمي للهندسة الإغريقية كان عالمًا ثابتًا.

إن هذه الرسومات العبقرية، أشبه بحبة كرز على قالب حلوى، إذا كان من الممكن التعبير بهذا الشكل، فهي وإن كانت قد أدخلَت متحركات، فإنها تعاني من عيبٍ رئيسيٍّ، فيما يتعلق ببناء معبد ديلوس، لم تكن قابلةً للتنفيذ واقعيًّا، لكن الوسيط الروحي كان قد أمر بأنه لا بد فعلًا من بناء هذا المعبد.

واستعاد السيد روش نبرة الراوي قائلًا، وهكذا لم يقدم مخترعو المنحنيات الحل المنشود. واستمرَّ الطاعون! وبالتالي قرَّر سكان أثينا التوجه إلى الفلسفة، فقاموا بزيارةٍ لأفلاطون في الأكاديمية. وهذا ما قاله لهم: «إذا كان أبولُّو قد طالب، عن طريق فم الوسيط الروحي بهذا البناء، فإنكم تعتقدون تمامًا أن ذلك ليس لأنه يحتاج إلى هيكل أكبر مرتَين. إنما لأنه يعتب على الإغريق إهمالهم الرياضيات، ويلوم ازدراءهم للهندسة.» وقال لهم: «إنكم لم تترددوا في رغبتكم لإيجاد حلٍّ لهذه القضايا بأي ثمَن، في اللجوء إلى أعمالٍ تجريبيةٍ مرتجلة. وبالقيام بذلك، ألا تفقدون نهائيًّا أفضل ما في الهندسة؟»

وفي اللحظة التي كانت بيرت تفتح فمها لتكرر سؤالها، أسرع السيد روش وأعلن:

«وفي أثينا توقَّف الطاعون.»

كان الوقت قد أزف. كانت ساعة تناول الطعام قد اقتربَت ولا يزال هناك العديد من الأشياء الصغيرة التي يتعيَّن تحضيرها.

إن وجبة عيد الميلاد هي وجبة عيد الميلاد، فيما يتعلق بالمضمون كانت بيرت تقليدية تمامًا، كبد دسم، ديك رومي بالكستناء، وكلمنتين وهو نوعٌ من اليوسفي، وحطبة الميلاد٤ مغطاة بطبقةٍ لامعةٍ من السكر وبياض البيض المجمدَين. لم تقبل إلا بمخالفةٍ واحدةٍ للتقاليد؛ نقل الديك الرومي من ظُهْر يوم ٢٥ إلى مساء يوم ٢٤، نظرًا لرحيل التوءم إلى الجليد. اختار السيد روش أنواع النبيذ. نبيذ بوردو الأبيض الحلو مع الكبد الدسم، ونبيذ برغونيا الأحمر الكثيف مع الديك الرومي. ولحطبة عيد الميلاد شمبانيا أبرناي الخام.

وأثناء تناول الكبد الدسم، انفتح الباب. وصل ألبير. وصاحب دخوله صرخة «أوه» جماعية. كان شكله مختلفًا تمامًا. اختفَى قميصه الرمادي. وطارت الكاسكيت. كان يتقدم، وشَعره لامعٌ وملصق، والمفرق مرسوم بشكلٍ واضحٍ ومنتظم، مرتديًا بدلةً غامقةً مقلمةً بخطوطٍ فاتحة، وقميصًا عاجيًّا مضيئًا، وترك نفسه يتلقى الإعجاب.

كانوا في وسط تناول الديك الرومي عندما دوَّت أجراس كنيسة القلب المقدس القريبة جدًّا. اهتز زجاج النوافذ والأكواب، كما لو كان هناك انفجارٌ متضافر.

– والقول بأن كل ما رويتَه لنا قبل العشاء دار منذ أربعة قرونٍ قبل الحدث الذي تتكفل هذه الأجراس بتذكيرنا به بكل هذه الضجَّة، لاحظَت بيرت بنبرة: «كم من المياه مرَّت تحت الجسر!»

منذ تلك اللحظة، دار النقاش حول مضمون الجلسة؛ القانون، والوسائل التي يمنحها المرء لنفسه لحل قضيةٍ ما، والحدود التي يفرضها المرء على نفسه فيما يتعلق بهذه الوسائل.

بالطبع كان الجميع يفكرون في جروسروفر، والطريقة التي اغتنى بها في مانوس. لقد اعترف بأنه لم يستخدم دائمًا وسائلَ مشروعة. قام بعمليات تهريب، هذا مؤكد. أحجار كريمة؟ ذهب؟ أخشاب نادرة؟ حيوانات، ربما؟

– ألم يُضِف أن يدَيه ليستا ملوثتَين بالدم؟ سألَت بيرت.

بتحديده ذلك، كان يريد أن يخبرني أنه لم يستخدم كل الوسائل. من الواضح أن ذلك لا ينطبق على العصابة التي كانت تطارده. بالنسبة إلى هؤلاء الناس، كانت كل الوسائل تبدو جيدة. لم يكونوا حقًّا أناسًا ممن يمتنعون عن بعض الطرق والوسائل.

– المنجل والمطرقة بالنسبة إلى الشيوعيين! الصليب والراية بالنسبة إلى المسيحيين! السيف ومرشة الماء المقدس بالنسبة إلى الملوك! وبالنسبة إلى الإغريق؟ سأل السيد روش.

صاح كل الجالسين على المائدة: «المسطرة والفرجار!» كانت الشمبانيا تتلألأ في الكئوس، وفي الأطباق، بدت شرائح حطبة عيد الميلاد، جبالًا جليديةً عنيدة، تقاوم ملاعق الضيوف.

أيقظَت الصرخات نوفيوتشر. اقترح ألبير أن يصُبوا له ثمالة شمبانيا. قام، وفي يده الزجاجة.

– أيها التعيس، لا تفعل ذلك! أوقفه السيد روش. لا تتصور ما تعرضنا له. ومنتصبًا على مقعده، قال وكأنه يخطب: «طائر الهند الذي يُسمى ببغاء، والذي يقال إن له لسان البشر، لا يمكن إسكاته إذا شرب نبيذًا!» (أرسطو، تاريخ الحيوانات …)

لم يحصل نوفيوتشر على الشمبانيا الخاصة به، لكنه حصل على طبقٍ مليءٍ بعِصِي العسل. بين لقمتي حلوى عيد الميلاد. سألَت بيرت السيد روش: إذا كنتُ قد فهمتُ جيدًا، فإن الإغريق لم يتخلصوا من قضاياهم الثلاث. حتى نهاية العصور القديمة، أي بعد ألف عامٍ من بداية طرحها على أنفسهم، لم يحلُّوا أيًّا منها!

– أكملي أمي! لم يحلُّوها بسبب المسطرة والفرجار. هل ستفعل مثلهم، أم مثل أرخيتاس وهيبياس؟ هل سنلجأ إلى وسائل «غير مشروعة»؟ لقد رفض الإغريق الحلول الميكانيكية؛ لأنها كانت تستخدم الحركة، أليس ذلك ما قلتَه لنا؟ ألم نمنع نحن أيضًا أنفسنا من أية حركة؟ لم نحرِّك أردافنا من هنا! انفجرَت ليا.

ابتسم السيد روش.

«أنا لا أتحدث عنك، يا سيد روش، ومع ذلك فإنه حقيقيٌّ. إني أتساءل فقط: هل يمكن حل … قضايا شارع رافينيون الثلاث دون التحرك من هنا؟»

صفَّق الجميع لصياغة ليا.

– إن استنتاجاتِ ليا متسرعةٌ جدًّا. إن الإغريق لم يحلُّوا القضايا، ليكن، لكن التاريخ لم ينتهِ. جاء علماءُ رياضياتٍ بعدهم. مَن قال لكِ إنهم لم يتمكنوا، بواسطة المسطرة والفرجار، من حل واحدة من هذه القضايا الثلاث، أو لماذا ليس الثلاث؟ ماذا تعرفين عن ذلك؟

ظلت ليا صامتةً.

– لماذا القضايا الثلاث؟ سأل جوناثان. هناك قضيةٌ أخرى لا أحد يتكلم عنها أبدًا هنا، وكأنها محرمةٌ. ومع ذلك فهي رئيسية: هل جروسروفر برهن حقًّا الحدْسيتَين؟ ومع ذلك فإنه سؤالٌ، أليس كذلك؟

– ثلاثة وواحد، أربعة! صاح ألبير ثملًا بعض الشيء. إن ذلك مثل الفرسان الثلاثة، قضاياكم الثلاث، يوجد هناك قضيةٌ رابعة!

١  الهلالية هي رسمٌ هندسيٌّ بشكل هلالَين. (المترجم)
٢  كاهن وكاهنة عند الإغريق، يُعتقد أن الإله يجيب بواسطتهما عن سؤال حول أمرٍ من أمور الغيب. (المترجم)
٣  منحنًى مستوٍ يتكون من جميع النقاط الواقعة في خطٍّ متغيرٍ يمر بنقطةٍ ثابتةٍ على دائرة. (المترجم)
٤  قالب حلوى يُصنع على شكل حطبة. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦