أسرار معهد العالم العربي الغامضة
لم يكن السيد روش يعاني من أرق. بشكلٍ عامٍّ، كان ينام مباشرةً بعد أن يطفئ النور، وكان يطفئ النور عندما يشعر بالنُّعاس يصعد داخله، وكان النعاس يصعد عادةً داخله بعد أن يدخل السرير بوقتٍ قصير. وبعد ذلك، كان ينام ملء جفنَيه حتى الصباح.
لم تكن الحالة كذلك في تلك الليلة. استيقظ في وسط الليل. لقد اختفت، دون شكٍّ، بتلة وردة مطوية إلى نصفَين بين ملاءاته، مما أضرَّ بنومه، إلا إذا كان السبب هو خطابات جروسروفر. إنها لم تكُف عن شغل ذهنه. لقد أصبح حاليًّا مقتنعًا أن جروسروفر وجَّه إليه رسالةً من خلال هذه الخطابات، فيما وراء الكلمات.
عندما ذَكر، في خطابه الأول، بعض علماء الرياضيات، كان جروسروفر قد صرَّح بأنه اختارهم عشوائيًّا، هل يتعيَّن على السيد روش أن يُصَدقه؟ أم على النقيض، لا بد أن يفترض أن صديقه قد اختارهم عمدًا، ولأسبابٍ محددة، كان عليه اكتشافها، ولن يتمكن من اكتشافها إلا بدراسة علماء الرياضيات المذكورين، وبمحاولة كشف ما يمكن في حياتهم أو أعمالهم أن يساعده لحل الأسئلة التي يطرحها على نفسه فيما يتعلق بأحداث مانوس.
هل يشير جروسروفر إلى الطريق الذي عليه أن يتبعه بإقامة ارتباط بين السر الذي أراد الحفاظ عليه فيما يتعلق ببراهينه والممارسة الفيثاغورسية؟
كان السيد روش يغلي، تذكَّر جملة، انتصَب، شغَّل الحبل فارتفعت ستائر سريره، أضاء النور، وفتح درج منضدة السرير، وأخرج منه الخطابَين المطويَّين بعناية، وعلى الفور وجدها في نهاية الخطاب الثاني، كتب جروسروفر:
إذا رجعتَ إلى شبابنا، ففي كل مرةٍ كنتُ أُخفي عنك شيئًا، كنتَ تتدبر أمرك لكي تكتشفه.
ما الذي يقوله لي هنا؟ إنه لم يتمكن من إخفاء شيء عليَّ، إن ذلك ليس صحيحًا تمامًا، لكن إذا كان قد حرص على كتابته، أليس ذلك تحديدًا لكي يُعلمَني أن كل ما أخفاه في خطابَيه، يجب أن أتدبَّر أمري لاكتشافه؟ «تدبر أمرك لاكتشاف ما أريد إخفاءه عنك». أليس ذلك ما يقوله لي؟ ولماذا يريد أن يُخفي عني ما سوف أكتشفه في النهاية؟ نعم، لماذا؟ لم يعثر السيد روش على إجابات، ثم لمعَت عيناه، لا يريد إخفاءه عني، لكنه يريد إخفاءه. إخفاؤه عمَّن؟ عن كل مَن سيقرءون الخطابَين بقصدٍ خبيثٍ لاكتشاف معلوماتٍ فيهما عن البراهين.
يجب إذن أن أتدبر أمري. كما هو الحال دائمًا مع جروسروفر، على الآخرين أن يتدبروا أمرهم! سعيدًا باستعادة التواطؤ القديم الذي ربطهما، كان السيد روش يستعد لإغلاق الخطاب، عندما جذبَت جملةٌ نظره. جملة لم تسترعِ انتباهه عند قراءاته السابقة: فضلًا عن ذلك، لقد قلتُ لك ما يكفي عن الموضوع.
يا بن اﻟ…! انتفَض السيد روش. من وراء الموت، كان جروسروفر يوجِّه له، بلا ريبٍ، رسالةً تتلخَّص في جملتَين صغيرتَين:
-
(١)
يجب أن أُخفيَ عنك بعض الأشياء.
-
(٢)
لقد قلتُ لك ما يكفي لكي تكتشفها.
ألا يكون السيد روش، بقيامه بذلك، يُجري القراءة الثانية الموجَّهة للمطلعين، كما كان الفيثاغورسيون يمارسونها للحفاظ على السرية، والتي ألحَّ عليها جروسروفر كثيرًا؟
«إذا كان تفكيري صحيحًا، يوجد في هذه الخطابات كل ما أحتاجه للرد على الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا»، فكَّر السيد روش. إنها تمثل برنامجًا حقيقيًّا. لا بد لي أن أمُرَّ بكل النقاط التي ذَكرها لي، وأن أدرُس علماء الرياضيات المذكورين الواحد تلو الآخر. ومرةً أخرى، كان جروسروفر هو الذي يقود المهمة!
عند الساعة الثالثة والنصف فجرًا، كان السيد روش يرتعش في الغرفة-الجراج بشارع رافينيون. لم يكن يرتعش من البرد، وضع الخطابات في درج منضدة سريره، وأطفأ المصباح، وجذَب الحبل. ومحبوسًا داخل ستائر سريره الثقيلة، لم يتمكَّن من العودة إلى النوم.
إن أول عالِمَي رياضياتٍ ذكرهما جروسروفر كانا من خراسان، عمر الخيَّام، والطوسي.
أوصل ألبير السيد روش إلى رصيف سان-برنارد، تمامًا عند مدخل جسر سولِّي، الذي يربط الضفة اليسرى بالطرف الشرقي لجزيرة سان-لويس.
وبالنظر جيدًا، أدرك أن الأمر لا يتعلق بانعكاساتٍ حقيقية، وإنما بصورةٍ ظليةٍ للبنايات مطبوعة على الزجاج. أُعجِب السيد روش بفكرة المهندس المعماري الجميلة، الذي فضَّل حقيقة التصوير الضوئي على افتراضية الانعكاسات.
مثل كل أرصفة الضفاف النهرية في باريس، كانت السيارات تسير بسرعةٍ كبيرةٍ. في ضجيجٍ مُصِم، أقرب لضوضاء شوارع القاهرة منها لصمت صحاري شبه الجزيرة العربية، انتظر السيد روش أن يتحول الضوء إلى اللون الأحمر، مُشَغلًا بأقصى طاقة عجلاتِ مقعده، عبَر بأسرعِ ما يمكنه.
كان يوجد حاليًّا، أسفل معهد العالم العربي، وحاذَى برجَ الكتب. كانت البداية غريبة؛ فالبوابة التي تُفْضي إلى الفناء المبلَّط، الذي يفصل المعهد عن مباني كلية علوم جوسيو، كانت مائلةً بدلًا من أن تكون مستقيمةً. كان الجو صحوًا.
كم تغيَّر كل شيء! لم يعُد يتعرَّف على شيء. في هذا الموقع، قبل أربعين عامًا، كانت تمتد سوق النبيذ. خليط من مبانٍ وحدائق صغيرة، تتخللها أزقة مرصوفة بشكلٍ عشوائي، تحفُّ بها أشجارٌ عمرها مائة عامٍ. كان أكثر ما يثير الدهشة هذا النفق الممتد من السين إلى ميدان جوسيو لمسافة تزيد عن مائة متر عابرًا الموقع من جهةٍ إلى أخرى. كان هذا النفق قبوًا.
وفجأة، أدرك السيد روش أنهم شيَّدوا معهد العالم العربي على أرضٍ مبللةٍ بالنبيذ، من الذي جاءته هذه الفكرة؟ بالطبع، كان الأمر يتعلق بالعالم العربي وليس الإسلامي، لكن مع ذلك!
بما أن المكتبة لا تفتح إلا عند الظهيرة، كان لدى السيد روش متسعٌ من الوقت لاكتشاف المكان. في هذا الفيض من الزجاج والمعدن، كان برج الكتب هو الوحيد المصنوع من الخرسانة، لكن المادة الأولية لكل الصرح كانت الضوء، إنه يدخل من كل مكانٍ. لقد دبَّر له المهندس المعماري ألف طريقةٍ مختلفة لكي ينفذ إلى المكان جانبيًّا، وعموديًّا، ومباشرةً أو بالانعكاس؛ ففي وسط المبنى الرئيسي، مثلًا، حيث توجد المكتبة، فتح بئر ضوء، قفصًا زجاجيًّا كبيرًا؛ حيث كانت أربعة مصاعد، من الزجاج أيضًا، تصعد وتهبط في إيقاعٍ راقصٍ مؤثِّرٍ. كانت المقصوراتُ الشفافة تتلاقى دون صوت، في صمتٍ تقطعه أجراس الإنذار الصغيرة التي تشير إلى التوقف في الطوابق — محدثة تقريبًا صوت أواني ماكس الفيثاغورسية.
عند الظهيرة؛ أي الثانية عشرة ظهرًا، أدخل السيد روش مقعده في إحدى المقصورات. كان المكان فيها كافيًا بالكاد. أغلق الباب دون صوتٍ، وتم نقله مباشرةً في الهواء، يحيط به الفراغ من الناحية الأخرى لبئر الضوء، مقصورة مماثلة لمقصورته انطلقَت في الارتقاء نفسه. بدت بشاغليها المحاطين «بواجهة زجاجية» كأنها فقاعةُ هواء مسكونة ترتفع في عمود زجاجٍ مملوءٍ بالماء. كان الأمر ساحرًا، «كم ستكون رافعة روش رائعة لو أنها بهذا الشكل!» فكَّر السيد روش، واعدًا نفسه أن يبني له رافعةً مماثلةً في فناء شارع رافينيون، هدية للألفية الجديدة!
كانت المكتبة تمتد على ثلاثة طوابق، ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر الطابق الأوسط. لا يوجد في الداخل سلالم، كان مدرج حلزوني الشكل يربط المستويات المختلفة على كل ارتفاع برج الكتب، وعلى جانبَي المدرج تمتد أرففٌ ممتلئة بالكتب. إنها كانت المرة الأولى التي يرى فيها السيد روش أرففًا مائلةً.
أطلق مقعده في المنحدر، واستعاد على الفور الإحساس بالنشوة التي كان يشعر بها قديمًا، عندما كان وهو يقود سيارته ينزل المدرج الضيق لموقف سيارات ميدان «كليشي»، الذي لا يزال يُشعِره بالدُّوار.
فرمل مقعده على عجل. كانت الأعمال الشعرية للخيَّام تُوجَد عند الرقم (٨). أخذ الأعمال ودخل كالإعصار في قاعة المطالعة. كانت فسيحةً، وسقفها عالٍ، ومنيرة، وعصرية تمامًا! على سبيل المثال، كانت الطاولات من المعدن! طاولات مكتبة! لونها رماديٌّ لامعٌ، تشبه بعض الشيء لون سيارة ألبير اﻟ ٤٠٤. والمقاعد أيضًا. عيبُها الوحيد شكل مسنَدها؛ كان مستديرًا! حاوِل أن تضع سترتك على مسندٍ مستدير! ستنزلق على الفور وتقع على الأرض بصوتٍ مكتومٍ. لم يكن ذلك يمثِّل مشكلةً للسيد روش (الذي أحضر مسنَدَه معه)، طبقًا للصيغة المُلصَقة في بعض المؤسَّسات خلع سُترته بمتعةٍ غير اعتيادية، وثبَّتَها على المسنَد المستطيل لمقعده.
بخلاف ما كان يحدث في المكتبة القومية، كانت الكتب في متناول القُراء بشكلٍ مباشر. مرصوصة في أرفف في متناول اليد؛ بحيث يمكن الاطلاع عليها على مهل. وبالنسبة للأرفف الأعلى، سأل السيد روش حسناء بشَعرٍ أسود أن تناوله الكتب التي لم يستطع الوصول إليها، وقامت بذلك بظُرفٍ ورقَّة.
لم يكن عمر الخيَّام عالمَ رياضياتٍ فقط، لكنه كان شاعرًا. كان أول عملٍ استغرق فيه السيد روش هو رباعيات الخيَّام. ديوان من المقطوعات الشعرية الرباعية الأبيات. عَلِم من ملحوظة عن الشكل الفني للرباعيات أن البيت الأول والثاني والرابع مرتبطون يجب أن يتطابقوا بالقافية. أما البيت الثالث فكان حرًّا.
وهذان البيتان:
وضع السيد روش الكتاب على الطاولة المعدنية. اجتاحه حزنٌ عميقٌ، كم يومًا يتبقى لك؟ إيه، يا روش لن تستسلم، لا! لا تنسَ أنك في مهمة. هناك واجبٌ عليك إتمامه.
رباعيةٌ موضوعة في أسفل إحدى الصفحات جاءت في أوانها لتُعيدَه إلى سبب انتقاله إلى هذا المكان. هذه الرباعية، التي يبدو وكأن جروسروفر كتبها لصديقه القديم أسرَّت له بما يلي:
إذا كان جروسروفر قد حلَّ هاتَين الحدْسيتَين، كما يؤكد، فلقد وصل إلى «قمة العالم». وليس قمة عالم الرياضيات فقط، والدُّوار الذي شعر به يساوي أشد حالات النشوة والثمالة التي تمنحها أكثر أنواع النبيذ سخاءً، لكن هل حلَّهما حقًّا؟ إنه يؤكد ذلك. لماذا عدم تصديقه؟ كان لجروسروفر عيوبٌ كثيرةٌ، لكنه لم يكن مدَّعيًا ولا مُتشدقًا.
شعر السيد روش بحرٍّ متزايد، رغم أنه كان بالقميص فقط. تأكَّد من أن سُترته موجودةٌ على مسند مقعده. أغلق ديوان الرباعيات، وانهمك في كتابٍ عن حياة عُمر الخيَّام. كان قد قطَع شوطًا كبيرًا في مطالعته عندما سمع صوتًا غريبًا، صوتًا معدنيًّا. التفت السيد روش حوله، لم يرَ شيئًا يمكن أن يُسبِّب هذا الصوت. أخيرًا، انجذَب نظره نحو الواجهة الزجاجية. تحدَّد الصوت، رمشُ عينٍ متكررٌ ألف مرة.
ما رآه أذهله، كل الفتحات المزينة للألواح الزجاجية، ويوجد منها آلاف كانت تنغلق ببطءٍ، كما لو كان قائد أوركسترا غير مرئي أعطاها الأمر بذلك، غابةٌ من العيون المعدنية تنطوي في حركةٍ واحدة. لقد دام ذلك بضع ثوانٍ، ثم توقَّف. كانت العيون شبه مقفَلة تمامًا.
لم تتمالك الحسناءُ ذاتُ الشِّعر الأسود نفسها من الضحك أمام ذهول السيد روش: «يوجد منها ٢٧ ألفًا! بالتمام والكمال» أمام شكل السيد روش غير المصدق، أوضحَت أن الواجهة تتضمن ٢٤٠ لوحًا زجاجيًّا، وأن كل لوحٍ يحتوي على أكثر من مائة من هذه العيون. إنها طالبةٌ في قِسم العمارة، أتت إلى المكتبة تحديدًا لدراسة طريقة تشغيلها.
وتتكون كل فتحةٍ من رقائق معدنيةٍ صغيرة، تتصرَّف كحجابٍ حاجز، ينفتح وينغلق بالطلب، وتقوم خليةٌ كهروضوئيةٌ مركزيةٌ مرتبطة بحاسوب بقياس الضوء الداخل إلى القاعة. عندما تكون الشمس قويةً جدًّا، كما هو الحال اليوم، تعطي الخلية الأمر للحواجز بأن تنغلق. وتنغلق! إن كل فتحة تتصرف مثل عين تتغضَّن عندما يكون الضوء قويًّا جدًّا، يوجد ٢٧ ألف عين!
ولفتَت الفتاة الشابة نظره إلى أن الألواح تمثل عناصر تقليدية للهندسة المعمارية العربية، خاصةً الهندسة المعمارية لقصر الحمراء، وأوضحَت للسيد روش، المفتون بأن كل هذه الأشكال تعمل بالدوران، أن المصمم استخدم توافيق بارعة بين الأشكال الهندسية المختلفة؛ المربعات، والدوائر، ومثمن الزوايا. وأضافت، والنجمة أيضًا، التي هي مضلعٌ متقاطع، متذكرةً أنها مرَّرَت له كُتب رياضياتٍ.
بعد أن أنهت خطبتها الصغيرة عادت لتغوصَ في كتبها، تاركةً السيد روش الذي كان يريد مواصلة الحديث. لقاء في المكتبة، كم يبدو ذلك طلابيًّا جدًّا! مضطرًّا، عاد لينهمك في الرباعيات، ورأسه في مكانٍ آخر. بالصدفة، وقع نظره على هذه الرباعية:
««إن هذا الخيَّام أخي من وراء القرون!» قال السيد روش لنفسه. جهلي أنا أعرفه، أوه، نعم، لم أتحقَّق من ذلك بهذا القَدر قط إلا منذ هذه الشهور الأخيرة، منذ أن — لم يدرك السيد روش أنه كان عليه أن يقول: «بسبب» أو «بفضل» — بفضل، رغم كل شيء. منذ أن، بفضل جروسروفر، قذف بي في هذه المغامرة، كم من الأشياء تعلَّمتُ! لكن كم من المرات تمكَّنتُ أيضًا من التحقُّق من جهلي! لكن يا لها من فرحةٍ جرَّبتُها أيضًا، في كل مرةٍ، أرى فيها هذا الجهل يتقشَّر!»
عند مغادرته معهد العالم العربي، رافقَه سؤالٌ أثاره بيتُ شِعرِ الخيَّام: «كم من عُقَد الأسرار الغامضة حلَلتُ منذ بداية هذه المغامرة؟»
أسرارٌ غامضة!
بعد قيلولةٍ قصيرة، استيقظ السيد روش مفعمًا بالطاقة. كان التوءم في رياضات الشتاء، وماكس يتجول، الله وحده يعرف أين، في سوق السلع المستعملة، بلا ريبٍ، وبيرت في المكتبة. كان لديه فترة العصر كاملةً أمامه. واضعًا عباءةً على كتفَيه، فتح باب الغرفة-الجراج، شغل مقعده وعبَر الفِناء متمايلًا على الرصف غير المتساوي. خدَش بردٌ جافٌّ وجهَه، بردٌ ينذر بتساقُط ثلجٍ. كانت إصبعه الصغيرة تقول له إنه لن تسقط أية ندفة ثلج خلال النهار.
دفع باب مكتبة الغابة، كانت الغرفة معتمةً ودافئة. أنار بعض نقاط الضوء، وتخلَّص من عباءته، وأخرج معدَّات العمل، ووضعَها على مكتبه، فتح دفتره، وأعاد قراءة ملاحظاته، ثم توجَّه نحو أرفف القِسم الثاني؛ رياضياتٌ عربية.
كتاب معرفة الأشكال المستوية والكروية للإخوة بني موسى الثلاثة. كتاب الطرق البارعة وأسرار الطبيعة بشأن دقَّة الأشكال الهندسية لأبي نصر الفارابي. وبالنسبة إلى الكراجي كان هناك كتابه البادي، وكتاب الفخري، الكتاب الشافي عن علم الحساب. وللبيروني، البحث الخاص بالظلال. وللسموءل، الكتاب المضيء عن الحساب. وللكاشي مفتاح الحساب …
حدَّد السيد روش أعمال الخيَّام وأخرجها، وعمل الشيء نفسه مع أعمال الطوسي، لقد حيَّرته تفصيلة، وهي تتعلق باسم الكاتب. بعض الأعمال كُتب عليها «شرف الدين»، وأخرى «ناصر الدين». لا بد أن هناك خلطًا. راجع السيد روش في دفتره الكبير ذي الغلاف المقوَّى: في القِسم (٢) كان يوجد اثنان الطوسي؛ أحدهما شرف، وُلد في نهاية القرن الثاني عشر ومات في بداية القرن الثالث عشر، والآخر ناصر، عاش في القرن الثالث عشر. كان الاثنان فارسيَّيْن. أيهما المناسب؟ أكان جروسروفر يتكلم عن الأول أم الثاني؟
لديَّ اثنان باسم الطوسي، هذا ما لن يُسهِّل عليَّ المهمة!
ثم عثر السيد روش على كُتيبٍ عن الأعداد المتحابة لثابت بن قرة. سحبه على الفور من الأرفف، حرَّر البطاقة المُثبتة في نهاية الكتاب، وكان جروسروفر قد كتب بخطِّه الرشيق:
«أقدم نسخة من كتاب العناصر لإقليدس تعود إلى القرن التاسع. قام ثابت بن قرة بترجمةٍ جديدةٍ له بعد ذلك بعدةٍ عقودٍ.»
بينما ترك إقليدس جانبًا تمامًا الأعداد المتحابة — العزيزة جدًّا على الفيثاغورسيين — وضع ثابت بن قرة الشروط التي تسمح بكشف وعزل أزواج الأعداد المتحابة، وأثبت ما سوف يصبح النظرية الكبرى حول الموضوع. لم يكن الإغريق يعرفون سوى زوجٍ واحدٍ من الأعداد المتحابة …
«نعم، نعم، ٢٢٠، و٢٨٤، لقد تحققت»، همس السيد روش.
… سيكتشف علماء الرياضيات العرب أزواجًا أخرى من هذه الأعداد: اكتشف الفارسي الزوج (١٧٢٩٦، ١٨٤١٦)، المعروف بزوج فيرما؛ لأن فيرما أعاد اكتشافه بعد ذلك بعدة قرون! واكتشف اليازدي زوج (٩٣٦٣٥٨٤، ٩٤٣٧٠٥٦)، المعروف بزوج ديكارت؛ لأن ديكارت أعاد اكتشافه بعد ذلك بقرن!
استرجع السيد روش سخرية جروسروفر. إن رؤية خطِّه من جديدٍ أربكَتْه أكثر مما كان يتصور. متى كتب هذه الملحوظة؟ لا بد أن يكون ذلك منذ سنواتٍ عديدة. تخيَّله في منزله في مانوس، لا يزال شابًّا، بجذعه الضخم، منحنيًا على طاولة، ومنكبًّا على … في الحقيقة، لم يتوصل إلى تخيله. كيف كان هذا المنزل؟ في وسط الأدغال؟ في ضواحي المدينة؟ على امتداد الأمازون؟ هل كان يرى من نوافذه مياه النهر الكبير الداكنة تتدفق؟ في الواقع، لم يتمكَّن السيد روش من تخيُّل كيف يستطيع المرء أن يعيش على بُعد خطوتَين من خط الاستواء، هو مَن كان لديه كرهٌ لا محدود للحرارة وأكثر أيضًا للحرارة الرطبة. كانت ذكرى البرد الجاف والمنعش، عندما عبَر الفناء، بمثابة بلْسمٍ له.
لقد لاحظ عرَضًا، أن جروسروفر لم يُفوِّت الفرصة في ملحوظته القصيرة، لكي يذكر اسم فيرما، ودس بضع كلماتٍ عن الأعداد المتحابة التي اختتم بها خطابه الثاني. كان السيد روش يتذكر الكلمات تقريبًا: ونحن الاثنان، هل نحن «أصدقاء»؟ ما الذي يقيسك، يا بيير؟ وأنا؟ لقد حان الوقت، ربما أن نحسب مجموع ما كان يقيسنا.
بالنسبة إليك يا صديقي لقد انقضى الوقت. وبالنسبة إليَّ؟
انفتح الباب. ودخلَت بيرت.
– الجو عندك جميلٌ.
وضعَت مظروفًا على المكتب، وهي تكبح ابتسامةً.
«لقد كتب التوءم لنا.»
اقتربَت، كانت تفوح منها رائحة البرد.
«لن أبقى، هناك زبائن في المحل.»
في زمنه ما كان السيد روش يغادر المكتبة وهناك زبائن داخلها. أما هي، فإنها تثق في الآخرين، ولم تحدث قط أية عمليات سرقة.
لقد بعتُ كثيرًا اليوم. يشتري الناس مجددًا الكتب كهدايا، صاحت بفرح. تصوَّر، لقد رأيتُ من جديدٍ اثنين من الزبائن القدامى لم يأتيا منذ سنوات. وطلبا مني العديد من الكتب.
– إذن، جعلَك ذلك تُغَلفين كميةً كبيرةً من لفَّات الهدايا؟
طرح السيد روش السؤال، وفي صوته ظلٌّ من الخشية. كان يُبغض لفَّات الهدايا. كانت أحد كوابيسه. لم يكن ينجح قط في ثَنْي الورق بشكلٍ صحيح؛ إما أن يكون دائمًا عريضًا أكثر من اللازم، وإما دائمًا ضيقًا أكثر من اللازم.
أنا أعشق لفَّات الهدايا. عندما كنت صبيةً، كنتُ أُمضِي وقتي في صنعها. في بعض الأحيان كنتُ أضع داخلها شيئًا ما. وفي أحيانٍ أخرى لا شيء. كنتُ آخذٌ كل ما يقع تحت يدي؛ علب ثقابٍ، أحذية، فاصوليا خضراء، بل قِطع سكرٍ صغيرة جدًّا. وفي هذه الحالة كنتُ استخدم ملقاط أمي. لفَّات مربعة، وأسطوانية، ولفَّات مدبَّبة. كانت الأصعب بالنسبة إلى ثَنْي الورق هي المدبَّبة، على شكل أقماعٍ ورقية، هل صنعت سابقًا لفَّةً على شكل مخروطٍ يا سيد روش؟
– أوه، لا، الرحمة!
– إذا عاد الناس للقراءة، فإن ذلك علامةٌ طيبة! صاحت وهي تُغلق الباب.
انفجر السيد روش ضاحكًا، ووضع الصورتَين على مكتبه. إن التوءم لا يراعيان نفسَيهما كما لا يراعيان الآخرين، هذه المرة لم يُسيئا التنفيذ!
«قبل، ﺑﻌ…» هل يوجد جليد في سمرقند؟ اقترب السيد روش من الأرفف وتوقف أمام أعمال الخيَّام. كانت مكتبة الغابة تضم ثلاثةً من أعماله. بعد أن استخرج العملَين الأولَين، الجبر وقسمة ربع الدائرة، ذهب ليجلس إلى مكتبه.
«لقد وضع الخيَّام نظريات بقَدْر ما ألَّف من رباعيات»، لاحظ السيد روش. أخرج البطاقات.
كان الخيَّام هو أول من اخترعَ مفهومَ متعدد الحدود. كان الجبر يرتكز في بداياته على دراسة المعادلات، إلى أن قام الخيَّام بتوسيع المجال بدراسة متعددات الحدود؛ جمعٍ، وطرحٍ، وضربٍ، وبشكل خاص القسمة (طبق عملية القسمة الإقليدية للأعداد على قسمة متعددات الحدود)، كما حسب الجذر التربيعي لمتعدد حدود.
اتجه السيد روش إلى الصفحة الأخيرة لكتاب الجبر للخيَّام. ينتهي الكتاب بهذه الكلمات: انتهى في الثانية عشرة ظهرًا، في أول أيام الأسبوع، اليوم الثالث والعشرين من شهر ربيع أول، من عام ٦٠٠م. عاد السيد روش إلى بطاقة جروسروفر.
وضع الخيَّام تصنيفًا كاملًا لمعادلات الدرجة الأولى والثانية والثالثة. بينما عالج الخوارزمي معادلات الدرجة الثانية، تخصَّص الخيَّام في معادلات الدرجة الثالثة التي صنفها في ٢٥ نوعًا مختلفًا، تبعًا لعددٍ ما تحتويه من حدود. وحلُّ هذه المعادلات باستخدام طرقٍ هندسية.
لقد كرَّر جروسروفر، عدة مراتٍ في البطاقات الخاصة بالجبر، ذِكْر الخوارزمي، قال السيد روش لنفسه إنه من المُستحسَن أن يذهب ليرى ما كتبه هذا العالم الرياضي.
أمضى في ذلك ساعاتٍ.
عندما غادر مكتبة الغابة، كان الثلج يتساقط بغزارةٍ منذ ساعتَين كاملتَين، نظرًا لطبقة الجليد التي تُغَطي الأرض. لقد أخطأ مجددًا، لم يفهم شيئًا قط في علم الأرصاد. تحت عباءته، كان كتاب الخوارزمي محميًّا تمامًا.
قبل أن ينعس مباشرةً، قرأ السيد روش السطور الأولى من كتاب الخوارزمي: «إن علماء الأزمنة السابقة والأمم الغابرة لم يكُفوا عن تأليف الكتب، كتب الخوارزمي. فعلوا ذلك لنقل معرفتهم لمَن سيأتون بعدهم، وهكذا سيستمر البحث عن الحقيقة حيًّا. ولن يكون جهدهم لاكتشاف أسرار العلم ولإنارة الجزء المعتم منه بلا طائلٍ. يكتشف شخصٌ ما شيئًا جديدًا (كان مجهولًا قبل ذلك) وينقله إلى مَن سيأتون بعده. ويفتح شخصٌ آخر ما ظل مغلقًا لدى القدماء؛ يرسل ضوءًا على الطريق، يُسهل الوصول. يكون الإمساك بالحقيقة دانيًا. ويجد شخصٌ آخر أيضًا أخطاءً في كتابٍ ما؛ يعمل على التصويب والإصلاح، دون أن يهين المؤلف، أو أن يتباهى بالتصويب الذي قام به.»
شخصٌ ما يكتشف شيئًا جديدًا وينقله إلى مَن يأتون بعده. كان على جروسروفر أن يفطن إلى قراءة هذه الجملة قبل أن يصرَّ على السرية. نام السيد روش.
كان على السيد روش أن يعترف بأنه اشتاق إلى التوءم. كانت المرة الأولى التي يدرك فيها ذلك. ربما كانت بكل بساطةٍ المرة الأولى التي يشتاق إليهما حقًّا. عندما وصَلا في نهاية النهار في غرفة المائدة والاستقبال، مثقلين بالأمتعة، متلهفين وطليقي اللسان، استشعر السيد روش نفحة حرارة. لقد تساءل وهو يتابعهما بعينَيه بينما يعبُران الغرفة إذا كانت هناك غشاوةٌ على بصره. بدا له وكأن جوناثان وليا يعرجان.
لم يكن مخطئًا. كانت تلك عواقب تصادمهما الفاجع على الدروب المغطاة بالجليد، والمخلد بالصورة «بعد». هما في صحةٍ جيدةٍ. إن لفح الشمس لوجهَيهما الذي يحاصر الهالات الشاحبة التي تحيط بعيونهما يعطيهما هيئة متسلقي الجبال الشاهقة المتمرسين. ذلك لم يمنع نوفيوتشر من التعرُّف عليهما وأن يحتفي بهما احتفاءً بسيطًا.