بغداد أثناء …
صاح صوتٌ بقوةٍ: لم يُولَد الجبر في اليونان!
وأحدث الإعلانُ التأثيرَ المتوقَّع. انتصب جوناثان وليا معًا كتوءمٍ واحد، مستعدَّين لأول جلسةٍ في العام، وهي الجلسة التي كان كلٌّ منهما ينتظرها، في تكتمٍ كبير.
من خلال زجاج مرسم الجلسات، كان الضوء الشاحب لنهايات نهار أيام يناير يدخل بالكاد. جالسًا وسط الغرفة، بدأ السيد روش يروي: رجل يسير في الشارع. يبحث عن طريقه يمُر أحد المارة الى جواره، يسأله الرجل: «يجب أن أذهبَ إلى شارع أكس، أيمكنك أن تقول لي أين هو؟» رمقه المار بنظرة احتقار: «سيدي، عندما يعرف المرء لا يذهب!»
تفجَّرت الضحكات.
حسنٌ، تابع السيد روش، إن الجبر نقيضُ ذلك تمامًا. عندما لا نعرف نذهب!»
لم تنتهِ المزحة إلا وهبطَت ستارةٌ سوداء ثقيلة أمام النافذة الزجاجية الكبيرة. تقدَّم ماكس الذي كان في مكمن، ووميض ولاعة يلمع في يده. انحنى.
ارتفع، الواحد تلو الآخر، اللهب الضعيف لحشدٍ من الشموع المزروعة في كراتٍ صغيرةٍ من الفخَّار موضوعة على طبقة من الرمل. إجراء سلامة، فمكتبة الغابة موجودةٌ في الناحية الأخرى من الحائط، لكن هذا الرمل كان أيضًا جزءًا من الصحراء جُلِب إلى مرسم شارع رافينيون.
في أحد الأركان، على كانونٍ صغير، وُضع برَّاد شاي. وإلى جواره على صينيةٍ رائعةٍ من النحاس على هيئة قرصٍ ذهبي، وُضعَت أكوابٌ صغيرةٌ سطحُها المحبَّب مثقلٌ بزخارفَ ملوَّنة.
واجتاحت المرسم روائحَ بخورٍ قوية، معلنةً عن أمواج أصواتٍ عذبةٍ لآلةٍ وتريةٍ — عود — كان جوناثان يكاد يطير فرحًا. أغمَض عينَيه، وترك نفسه لخياله. آه، لننطلق! لورانس العرب. تُهدهِده خطوة الجمل المتأرجحة، ترك نفسه لإيقاعٍ آخر. يا لبعد الكثبان هناك! أوه، لا داعي للعجلة، لديك كل الوقت. برأسٍ فارغٍ أبحر في صحاري الأبدية.
إن النغم الرتيب الذي نقله بعيدًا عن شارع رافينيون قد تبدَّد. ودوَّت دقَّات طبلة دربوكة. انتفض جوناثان، مما أيقظ ألم عرقوبه. لم تكن الأصوات قويةً جدًّا، لكنها كانت قريبةً جدًّا بحيث لا يمكن أن نُخطِئ فيها، لم تكن موسيقى «محفوظة»، كما تقول ليا، لكنها حية. في غبش المرسم كان هناك مَن يضرب على الدربوكة!
فتح جوناثان عينَيه وعاد إلى مرسم الجلسات بشارع رافينيون. كان الجميع هناك كما كان الحال قبل الجمل والصحراء. ليا، إلى جواره تمامًا، السيد روش في مقعده، ماكس جالسٌ على الرصيف الرملي، المضاء بالشموع. بالإضافة إلى دقات الدربوكة، لم يتوصل جوناثان رغم جهوده إلى تحديد هوية العازف.
كانت جلسةً جديدةً قد بدأَت!
بعد دقاتٍ مدوخةٍ تركَت جوناثان على شفا الاختناق، أطلقَت الدربوكة صوتًا أخيرًا، كان الافتتاح قد انتهى. وكان الموضوع، هذه المرة، هو الجبر.
ثابتًا في مقعده، وجَّه السيد روش إشارة شكرٍ إلى العازف الخفي. نظر حوله معجبًا بالديكور الذي كوَّنه ماكس بالكامل.
إن تردُّده المثابر على سوق السلع المستعملة، وطبعه الساخر كوَّنا ذوقه. كان ماكس يملك موهبة مهندسي الديكور الحقيقيين، كان يعرف، بحفنة من الأشياء، أن يشكِّل من جديدٍ عالمًا تجتذبك قوتُه بشدة، وأمانتُه مع الواقع تدعوك إلى السكن فيه، لكن ما يحرك هذه الملَكَة كان جوهريًّا أكثر؛ فالأمر كان يتعلق بطبيعة ماكس نفسها. كل علاقته بالعالم تمارس هنا، تحفُّظه، رفضه للوفرة، ونبذه لكل ما هو غير ضروري؛ أي زائد عن الحاجة. لقد أمضى السيد روش سنوات قبل أن يلاحظ أن ماكس لا يكرر أبدًا، لا جملة ولا حركة، والأكثر إثارةً للدهشة أيضًا؛ لأنه آتٍ من جانب صبيٍّ يجد صعوبةً كبيرةً في السمع، إنه لا يجعل أبدًا محدثه يكرر ما يقوله، كما لو أن ما لم يدرك بشكلٍ جيدٍ يضيع نهائيًّا ولا فائدة من الرجوع إليه. كان هذا التحفظ والزهد والاقتصاد في الوسائل هو ماكس. إن بضع كلماتٍ تكفيه ليقول الكثير، وليسمع الكثير.
«لو لم تكن رائحة البخور تلك لكان الحال مثاليًّا»، فكَّر السيد روش قبل أن يهمس بنبرة اعترافٍ: كل شيءٍ بدأ في ذلك اليوم من عام ٧٧٣م، عندما، بعد رحلةٍ طويلةٍ جدًّا، وصلَت قافلةٌ محملة ببضائع كثيرة، قادمة من الهند، إلى أبواب مدينة السلام؛ بغداد.
مثل الإسكندرية، كانت بغداد مدينةً جديدةً، بُنيَت في ثلاث سنوات فقط. ومثلها كانت محصورةً بين المياه، مياه نهر دجلة ونهر الفرات. ومثلها أيضًا، كانت تتخللها قنوات — كل واحدٍ من سكانها الأغنياء، بالطبع، كان لا بد أن يملك حمارًا في الإسطبل ومركبًا على النهر. ومثلها كانت مدينةً جامعةً لأجناسٍ مختلفة، لكن بينما كانت الإسكندرية مدينةً مستطيلةً، كانت بغداد دائريةً. كانت تُسمَّى المدينة المستديرة.
ويحيط بالمدينة سورٌ دائريٌّ شكله الهندسي مثالي وكأنه رُسم بفرجارٍ، وفي مركز الدائرة تمامًا. يوجد المسجد وقصر الخليفة الذي تبدأ منه طرقٌ رئيسية في الاتجاهات الأربعة، مؤدية إلى الأبواب الأربعة التي تخترق السور. كانت هذه الأبواب هي الوسيلة الوحيدة للدخول إلى المدينة.
من باب خراسان، أحد أبواب المدينة المستديرة، دخلت القافلة المكتظة بالهدايا للخليفة المنصور، متجهةً ببطءٍ إلى القصر، وكانت الجموع تتدافع على طريق مرورها.
وفي حرم القصر، كان الخليفة وحده مَن يستطيع التنقل على حصان. نزل المسافرون عن دوابهم ودخلوا إلى قاعة الاستقبال.
منتعلًا خفَّين رائعَين لونهما أحمر، ومرتديًا عباءة الرسول، ومقرعته، وسيفه وخاتمه، كان الخليفة، في وظيفته الرسمية ﮐ «مُنصِف المظلومين»، يحكم في نزاعٍ بين اثنَين من الشاكين، لكن المسافرين لم يتمكنوا من رؤيته؛ فكما تقضي العادة، كان مختفيًا وراء ستارٍ.
إنه ينحدر مباشرةً من الرسول محمد، ونظرًا لهذه العلاقة، كان أمير المؤمنين هو اللقب الأسمى في الإسلام مما يعطيه السلطة على كل المسلمين في العالم. وفي تلك السنوات من نهاية القرن الثامن كان عدد المسلمين قد أصبح كبيرًا جدًّا في العالم.
منطلقًا من مساحةٍ محدودةٍ في الصحراء، حول مدينة المدينة، انتشر الإسلام بسرعةٍ غير مسبوقة. الإمبراطورية، كيف أُسميها؟ كانت الإمبراطورية الإسلامية تمتد من جبال البرانس إلى ضفاف السند. وهو ما يستحق أن تعدد البلدان التي تم غزوها، أو تلك التي دخلَت الدين الجديد طوعًا، خلال عدة عقود؛ شبه الجزيرة الأيبيرية، المغرب، ليبيا، مصر، شبه الجزيرة العربية، سوريا، تركيا، العراق، إيران، القوقاز، البنجاب. وبعد ذلك بوقتٍ قصير، صقلية. بعد إمبراطورية الإسكندر، وبعد الإمبراطورية الرومانية، قامت الإمبراطورية الإسلامية.
في تلك الفترة، في عام ٨٠٠م، كان يعيش حاكمان أسطوريان، شارلمان وهارون الرشيد. وكان لإمبراطور الغرب أغنية رولان، ولخليفة الشرق ألف ليلةٍ وليلة.
كان دخان البخور قد تلاشى تمامًا، مما جعل السيد روش يتنفس براحةٍ أكثر. كان يحتاج إلى ذلك؛ فالجلسة ما زالت في أولها.
«إن هذه الشعوب التي دخلَت الإسلام لتوِّها، لم يكن الدين وحده يستطيع أن يكون كافيًا لتوحيدها. كان لا بد من لغةٍ مشتركة، وستكون هذه اللغة الأسمنت الموحد لهذه الملايين من البشر المختلفين جدًّا. وُلدَت اللغة العربية في الصحراء، وكان يتكلم بها مجموعةٌ صغيرةٌ من البشر، كانت اللغة العربية لغةً شابةً تمامًا، ولكي تتمكَّن من التعبير عن كل هذه المفاهيم الغريبة عنها، كان لا بد من إثرائها، وتكييفها، وابتكار كلماتٍ جديدة، وتوسيع مجالات المدلولات ونحت المعاني. لحسن الحظ، كان بناؤها نفسه يتحمل صياغة كلماتٍ وتعبيراتٍ مجردة. إنها لغةٌ وكأنها صُنعَت من أجل علم الجبر.
إن الترجمة، والاستيعاب، والإثراء والتطوير، أي بناء لغة، هي مغامرةٌ غير عاديةٍ. هذه المغامرة حدثت من خلال الكتب.
إن المقارنة بين الإسكندرية وبغداد تفرض نفسها مجددًا. كانت الإسكندرية تملك المتحف والمكتبة الكبرى، أما بغداد فأقامت مؤسسةً تشبه تمامًا المتحف، إنه بيت الحكمة.
وفي الإسكندرية كما في بغداد، أُقيم مرصد، ومكتبة، إلا أن هناك اختلافًا بين المدينتَين. في الإسكندرية سبق المتحفُ المكتبة، أما في بغداد فقد سبقَت المكتبةُ التي أنشأها هارون الرشيد بيتَ الحكمة الذي أقامه ابنه، المأمون.
كانت مكتبة بغداد الوريث الحقيقي لمكتبة الإسكندرية. كان أغلب الكتب التي تصل إلى الإسكندرية مكتوبةً باليونانية، في حين أن الكتب التي وصلَت إلى بغداد في القرن التاسع لم يكن فيها كتابٌ واحدٌ مكتوب باللغة العربية، كان لا بد من ترجمتها.
وبدأ مشروعٌ خارق. الترجمة الترجمة، الترجمة!
كانت هيئة مترجمي بيت الحكمة تمثل أكبر ثروة لديه. كانوا عشرات، قادمين من كل مكان، منهمكين أمام المخطوطات القادمة من جميع أنحاء العالم. إن التنوع غير المسبوق للغات التي كان يجري النقل منها جعل من بيت الحكمة برج بابل علميًّا؛ اليونانية، الصغدية (إحدى اللغات الإيرانية)، والسنسكرتية (لغة البراهمة). واللاتينية والعبرية والآرامية، والسريانية، والقبطية. وكان كل هؤلاء المترجمين علماء. وهل كان من الممكن أن يكونوا غير ذلك، نظرًا لطبيعة الأعمال التي كانت تُترجَم؟ نصوص علمية، نصوص فلسفية. أولًا الإغريق: إقليدس، وأرخميدس، وأبولونيوس، وديوفانتوس وأرسطو. كل أرسطو! وبطليموس، الجغرافي، وأبقراط الطبيب، وجالينوس وهيرون، عالم الميكانيكا … إلخ.
في ورشٍ فسيحةٍ للنسخ كانت تعمل جيوشٌ من الكتبة دون توقُّفٍ. وبدأَت الأعمال المكتوبة بالعربية هذه المرة تملأ أرفف مكتبة بيت الحكمة. وتعدَّدت النسخ! كان كل شيءٍ جاهزًا لكي تنتشر هذه المعارف، القادمة من أماكن أخرى، في كل أنحاء الإمبراطورية العربية الشاسعة، وذلك بواسطة هذه الكتب التي أصبحَت في المتناول.
وتكاثَرت المكتباتُ الخاصة، وكانت أروعهم مكتبة عالم الرياضيات الكندي، محل كل أنواع الطمع. كانت كنزًا تم التنازع حوله بشراسةٍ بعد وفاة الكندي. وفي النهاية آلت ملكيتها إلى بني موسى، الإخوة الثلاثة محمد وأحمد وحسن، أول مهندسين عرب. كان لدى ثلاثي علماء الرياضيات الإخوة المترجمون الخاصون بهم، وكانوا يبعثونهم إلى الخارج بتكلفةٍ عاليةٍ لجمع الأعمال القديمة الأكثر ندرةً، كان الثلاثي بمثابة مؤسسةٍ حقيقية.»
– قلْ يا سيد روش، ألا يذكِّرك ذلك بشيءٍ ما؟ سأل جوناثان بسذاجةٍ مفتعلة.
«أتُصَدق؟ إنني فكَّرتُ في ذلك! قال سيد روش لنفسه، لكن في حالة جروسروفر كانت الحركة في الاتجاه العكسي، إن المكتبة هي التي جاءت إليه.»
– في لمح البصر، تابع حديثه، بمقياس التاريخ، نجح العالم العربي في أن يضم إلى ثقافته التقليدية معرفةً حديثةً ذات اتساعٍ كبير. وطوال سبعة قرونٍ، وهي مدة أقل بقليلٍ من تلك التي تفصل بين طاليس ومينيلوس، ازدهرَت العلوم في تلك المنطقة من العالم.
كان للإسكندرية البطالمة الذين حكموها، ولبغداد خلفاؤها العاشقون للفنون والعلوم. وقد أطلق الخلفاء حملة بحثٍ عن المخطوطات مماثلةً تمامًا للحملة التي أطلقها البطالمة قبل ذلك بألف عامٍ. بعد المنصور الذي تلقى هدية الرسل الهنود، كان هناك هارون الرشيد، الذي أُلفت في زمانه ألفُ ليلةٍ وليلة، ثم ابنه الذي حتى الأسبوع الماضي لم أكن أعرف اسمه، المأمون. إنه رجلٌ مدهشٌ هذا المأمون. خليفةٌ عقلانيٌّ! تلميذٌ متحمسٌ لأرسطو، كان يكره المتشددين دينيًّا الذين كان يطاردهم طوال فترة حُكمِه، كان روح بيت الحكمة.
عندما انتصرت جيوشه على الجيوش البيزنطية، اقترح المأمون على الإمبراطور البيزنطي تبادلًا مذهلًا؛ الأسرى مقابل الكتب! وتمَّت الصفقة، حرَّر العرب ألفًا من المحاربين المسيحيين وغادروا إلى القسطنطينية، بينما في الاتجاه المعاكس وصلَت بغداد عشراتُ الكتب النادرة جدًّا، أفضل ما لدى المكتبات البيزنطية، وسط حماسٍ غامرٍ في بيت الحكمة.
لنعُد إلى القافلة. من بين الهدايا الفاخرة المحمولة في صناديقها، هناك هديةٌ سيكون لها أهميةٌ عظمى بالنسبة إلى العلماء العرب، السيد ذانثا، بحثٌ فلكيٌّ بجداوله، كَتبه قبل ذلك بقرن … (الكوكتيل بلون البحيرة، ممر برادي …) عالم رياضيات كان جوناثان وليا يعرفانه جيدًا، إنه براهماجوبتا، صاحب المجاهيل الملوَّنة. وتم على الفور ترجمة هذا البحث إلى العربية، وسيشتهر تحت اسم سندهند.
وفي تلك الصفحات، كنزٌ، عشرة أعدادٍ صغيرة! أوه، لا يوجد ما هو معتاد أكثر منها. يتعلق الأمر بالأعداد العشرة التي نحسب بها! نعم: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة … حتى تسعة. دون أن ننسى العدد الأخير، «الصفر».
كان العلَّامة المسئول عن تقديم الهدايا للخليفة، واسمه كانكا، يعرف هذه الأعداد جيدًا. كان يُجري بها كل حساباته منذ سنوات، كم من المرات ردَّدها، لقضاء الوقت، أثناء أيام السفر التي لا تنتهي، السفر الذي قاده إلى المدينة المستديرة! من فَرْط ما سمعها أفراد القافلة، انتهى بهم الأمر أن حفظوها عن ظهر قلب. في المساء، حول النار، كان صوتٌ واحدٌ منهم يرتفع، مسبحًا بالأعداد في صمت الليل، وكان أفراد القافلة الآخرون يردِّدونها معًا.
في صمت مرسم شارع رافينيون، سمع صوت نوفيوتشر الأبح يتلو بإيقاع التلميذ:
كان كل اسم تصاحبه نغمة عود.
– والصفر؟ سألت ليا.
نوفيوتشر، الذي لم يؤمر بشيءٍ آخر، ظلَّ صامتًا. احتفظ السيد روش لنفسه بنصيب الأسد. كان يعود إليه شرف تقديم الصفر:
حيت دقة دربوكة طويلة وصول آخر الأعداد.
توقف السيد روش. تذكَّر كل شيءٍ فجأة. كان مندهشًا أن يتذكر بمثل هذه الدقة بعد أكثر من خمسين عامًا. إن النصَّ الذي نشره جروسروفر عن الصفر، مقاله الوحيد بلا ريب بدا مطبوعًا في ذاكرته. كان هذا النص، مقترنًا بالمقال الذي كتبه هو نفسه عن الأنطولوجيا (علم الكائن)، قد أكسبهما لقب «الوجود والعدم».
كانت هذه الأرقام تشكل أحد أجزاء جهازٍ شاملٍ، يسمح بكتابة الأعداد والحساب بها؛ العد العشري اللاكمِّي مع صفر. كان ذلك من أهم اختراعات الإنسانية، بلا منازع.
انتظر السيد روش لحظةً: لماذا «لاكمِّي»؟ سأل، طالما لم يطرح أحدٌ السؤال، أجدني مضطرًّا أن أطرحه على نفسي. أتنامون، أم ماذا؟
– بالمرة. إني أستمع. اندفعَت ليا. إني أجد ذلك مثيرًا للاهتمام جدًّا لدرجة … تنهيدة طويلة من جوناثان منعَتْها من المواصلة: آه، بغداد! …
لو وضعنا الهزْل جانبًا، كان ذلك يبدو أنه يثير اهتمامهم حقًّا. إن الأعداد مثيرةٌ دائمًا للجميع. أحيانًا بشكل مُفرِط! هناك عددٌ كبيرٌ من مخبولي الأعداد، متروكون في الطبيعة. عندما كان يدير المكتبة، قابل السيد روش أعدادًا كبيرةً منهم. كان يهرب منهم كأنهم الطاعون. بمجرد أن يمسكوا بك، لا يفلتونك أبدًا. إنهم يرَون أعدادًا في كل مكانٍ! إذا كان المرء يبحث عما هو خارقٌ، فلا داعي للقيام بكل هذه الرياضة الذهنية المضحكة لتفسير الأعداد وجعلها تقول أي شيء، يكفي مشاهدة ما يجري حقًّا.
بقَدْر ما أثار علم الحساب اهتمامه، كعلم للأعداد، منذ أن اكتشفه في الآونة الأخيرة، بقَدْر ما كانت تضايقه دراسة شخصية إنسانٍ وتوقُّع مستقبله عن طريق التحليل العددي لخصائصه. إن الخارق في الأعداد موجودٌ في الأعداد نفسها! لا داعي لتحميلها ثقل النيات الروحانية-النفسية. إن الخارق موجودٌ في توزيع الأعداد الأولية، وفي حدْسية فيرما، وفي حدسية جولدباخ، وفي البحث عن أزواج الأعداد المتحابة، وفي وجود أعداد أولية توءم! ما هو ذلك؟
لو كان مكبر الصوت يعمل لصاح قائلًا: «انتباه، انتباه، يكون عددان أوليَّان توءمًا إذا كانا أقربَ ما يمكن بعضهما إلى بعض؛ أي إذا كان الفرق بينهما اثنين.»
١٧، و١٩ توءم، و… (١٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٦١) و(١٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٦٣) هما أيضًا توءم! سؤال: أيوجد كمٌّ لا نهائي من الأعداد الأولية التوءم؟ حسنٌ، ليس ذلك معروفًا، حتى الآن! الشيء الوحيد المعروف أن هذه الأعداد نادرةٌ جدًّا. ها هو سؤالٌ كان لا بد أن يثير اهتمام البعض!
كانت الجمرات في الكانون تلمع بوميضٍ متوهج.
بالنسبة إلى العد اللاكمِّي، فإن الأمر على نقيض ذلك، تتوقف قيمة العدد على الموضع الذي يشغله في كتابة العدد. باختصار، للموضع «أهمية»! إن العدد (١) يساوي واحدًا، أو عشرة، أو مائة تبعًا للموضع الذي يحتله، الموضع الأخير أم قبل الأخير، أم قبل قبل الأخير.
– إن القيمة تتوقف على الموضع الذي يشغله المرء! يبدو لي أنني سمعتُ هذا النوع من الشعار من قبلُ، قاطعَته ليا. كلما كان موضعنا أعلى في المجتمع، زادت قيمتُنا، السُّلم الطبقي الذي يتعين تسلُّقه إذا أردنا النجاح في الحياة وبلا، بلا، بلا (ومدت شفتيها غضبًا) … ما رأيك في ذلك يا جوناثان؟
– ألاحظ فقط أن ليا تريد تسييس جلساتنا وأني … أتفق مع ليا، لكن …
وبنبرة حكيمٍ شرقيٍّ عجوزٍ:
– إن قزمًا جالسًا على أعلى درجات السُّلم أكثر ارتفاعًا من عملاقٍ واقفٍ على الدرجة الأدنى من السُّلم. حكمة عربية قديمة.
انتهز السيد روش الفرصة: والعدد (١) في ألف قيمته أعلى من الأعداد (٩) الثلاثة في ٩٩٩! لقد أنجز العد الهندي معجزةً حقيقية، أروع حتى من معجزة الأبجدية. لقد سمح، بواسطة حفنة من الرموز — تحديدًا بعدد أصابع يدَينا الاثنتَين — بتمثيل كل أعداد العالم! هذا هو ما اخترعه الهنود. وهو ما يعني تقدُّمهم في هذا المجال على جميع الحضارات الأخرى. الآن العالم كله يستخدم هذه الأعداد. إذا كان هناك اختراعٌ له مصيرٌ عام وشامل، فإنه هذا الاختراع.
وبنظرةٍ مُلحةٍ في اتجاه التوءم، ختم السيد روش: وها هو أمرٌ لم يخترعه الإغريق!
ودوَّى صوتٌ، مما تركهم في حالة ذهولٍ: لكن يا صديقي، ألست تسرق منا أرقامنا، نحن العرب؟
كان عازف الدربوكة. لقد خرج الظِّل الذي ظَلَّ فيه حتى ذلك الحين. حبيبي، البقال الذي يقع حانوته في شارع الشهداء! كان هو ذلك العازف الذي عرف بكل هذا الجمال على العود والدربوكة.
– إن الأرقام، والصفر، هي اختراعات العرب! صاح حبيبي، ما الذي تفعله بنا هنا، يا سيد روش؟ (كان ينطق «ريش»، مثل الحمَّالين الذين نقلوا صناديق مكتبة الغابة). لم أتوقَّع ذلك من جانب صديقٍ قديم.
– أنا آسفٌ، حبيبي، هذا ما كنتُ أعتقده أيضًا حتى هذه الأيام الأخيرة، لكن كان ذلك خطأ، إن الأرقام التي نستخدمها حاليًّا اخترعَها الهنود في الهند. إن الأمر كذلك. لا يمكن إعادة كتابة التاريخ.
– أيمكنك أن تفسِّر لي إذن لماذا كل العالم يقول «الأرقام العربية»؟
في هذه اللحظة لاحظَت ليا أن السيد روش يرتدي خُفًّا، نعم إنه خُفٌّ. خفٌّ أحمر رماني! مثل خليفة بغداد. كبحَت بصعوبةٍ قهقهةً، كان يمكن لحبيبي أن يعتبرها موجَّهة له، ولم تكن بشكلٍ خاصٍّ تريد أن تجرحه.
كم أمضت ساعاتٍ في حانوته؛ حيث كانت تذهب في المساء لشراء ما تكون بيرت قد نَسيَت أن تشتريه خلال النهار.
– عندما وصلت هذه الأرقام إلى بغداد، شرح السيد روش، أطلق العرب عليها اسم الرموز الهندية. وكَتَب عالمُ رياضيات، عضو في بيت الحكمة، بحثًا للتعريف بها ولوصف طريقة استخدامها، وعن طريقه عرف العرب الأرقام الهندية. بعد ذلك بقرونٍ عديدةٍ تُرجم الكتاب إلى اللاتينية. وكان من أكثر الكتب مبيعًا في نهاية القرون الوسطى!
ومن خلال هذا العمل اكتشفوا في فرنسا وإيطاليا وألمانيا هذه الأرقام، ثم انتشرت بعد ذلك في كل الغرب، وبما أن المسيحيين عرفوا هذه الأرقام بواسطة العرب، أطلقوا عليها اسم «الأرقام العربية»، وأعلنوا أن الصفر اختراعٌ عربي، وإذا كان كل العالم يقول: «أرقامٌ عربية» وليس «أرقامٌ هندية»، فذلك لأن العالم الغربي، منذ قرونٍ، ادَّعى لنفسه سلطة تسمية الأشياء للإنسانية كلها.
كان حبيبي حزينًا، واعترف قائلًا: إنه نبأٌ غير سعيدٍ الذي تخبرني به هنا، يا سيد ريش.
فكَّر حبيبي، ونظرته تائهة. وكنا نشعر أنه يريد التعبير عن مدى الحزن العميق الذي يسببه ذلك له. لمع بريقٌ في نظرته وقال:
«إن ذلك كما لو أنك قلت لي إن الكسكسي اخترعه السويديون أو الأيرلنديون! نعم الأيرلنديون.»
أحدثَت المقارنة أثرها.
ماكس الذي فاته جزءٌ كبيرٌ من الحديث، استشعر حزن حبيبي. حساس للضيق الذي استقر في المرسم. تناوَل الصينية النحاسية ووضعَها في منتصف الغرفة. وبعد أن سكب ملعقة صنوبر في كل كوبٍ، طلب من حبيبي إذا كان يريد أن يقدِّم الشاي. نهض حبيبي، واقترب من الكانون، وأمسك بعروة إبريق الشاي، وبهذه الحركة الفريدة الخاصة بأهل الشرق في صبِّ الشاي، أمسك كوبًا، وخفضَه إلى مستوى الأرض، ورفع الإبريق في طرف ذراعه الآخر الممدود، مستخدمًا يدَيه الاثنتَين في حركة ذهابٍ وإيابٍ مدوخة، مقربًا ومبعدًا على التوالي الكوب والإبريق. أمال الإبريق فجأة، وأطلق رشقةً حارقةً بدقةٍ باهرةٍ لتسيل في الكوب. لم تسقط نقطةٌ واحدة خارج الكوب.
قرَّب السيد روش مقعده، وأصبح خُفهُ الأحمر الرماني معروضًا حاليًّا لعيون الجميع، واستطاعت ليا أن تُوجه له تحياتها لهذا الاختيار الأريب. تكوَّنَت حلقة حول الصينية. فتح ماكس علبةَ البلح الطازج التي أحضرها حبيبي من الواحة الجزائرية، التي تنتسب إليها أسرة زوجته.
كان البلح يذوب في الفم. بالإضافة إلى ذلك، فإن الجميع، فيما عدا حبيبي، قد احترق حنكهم عند أول جرعة شاي. كيف في هذه الظروف، يمكن للمناقشة أن تستمر؟ صمَت الجميع، وفي هذا الصمت، سُمع صوت حك منقار نوفيوتشر وهو يفرز الحبوب في معلفه.
عندما تم بلع آخر ثمرة بلحٍ، وتجرَّع آخر جرعة شاي، كان حبيبي قد هدأ. تحدث السيد روش معه بهدوءٍ: لا تكن حزينًا يا حبيبي، لم يخترع العرب الأرقام، لكنهم ابتكروا شيئًا رائعًا حقًّا. منذ قليلٍ، إذا كنتَ قد قلتَ إن الجبر لم يُولَد في اليونان، فإن ذلك يرجع ببساطةٍ إلى أنه وُلد في بغداد!
وقبل الغوص في الأرض العربية عند فجر القرن التاسع، كان لا بد من وقفة. أخذ حبيبي الإبريق، وخرج إلى الفناء، وشطفه من ماء المغسلة الجدارية، وأضاف فحم الخشب إلى الكانون، وصبَّ ماءً في الإبريق، وفرَدَ ورقةً ملفوفةً بإحكامٍ وأخرج منها أوراق نعناعٍ، استنشقها طويلًا، وجلس الجميع مجددًا.
«كان طاليس أول عالم رياضياتٍ إغريقيٍّ، والخوارزمي أول عالم رياضياتٍ عربيٍّ.»
– تم الأمر! ها هو السيد روش يستأنف مع بداياته! غمغمَت ليا.
إن طريقة نُطْق السيد روش الرديئة جدًّا، جعلَتها تُفوِّت تمامًا اسم أول عالم رياضياتٍ عربيٍّ، الذي انتهى إلى شيء غير مفهوم. يجب القول إن الأمر يتعلق بحرف الخاء الرهيب الخاص باللغات السامية، الذي لا يمكن الحصول عليه إلا عن طريق حكٍّ ممتدٍّ لمؤخرة الحنك، لقد فشل في ذلك قبله أكثر من واحد.
متعاطفًا، قدَّم حبيبي بيانًا عمليًّا لذلك. كان سن السيد روش لا يساعده على مثل هذه التمرينات الفمية، ومع ذلك حاول. مستعدًّا للقفز، اندفع ناطقًا الاسم الكامل: الجعفر محمد بن موسى الخوارزمي. الخاء، مدفوعة ﺑ «ال» القوية التي تسبقه، عبَرت منتصرةً حاجز الشفتَين. واستحق صاحب الإنجاز التهاني الحارة.
مدركًا تمامًا أنه يدين بهذا الانتصار للصدفة وحدها، عاهد السيد روش نفسه ألا يجرب حنجرته مرةً أخرى.
– هذا الاسم، قال بحذرٍ، يعلمنا — أليس كذلك يا حبيبي؟ — إنه ابن شخصٍ اسمه موسى منتسب إلى … عجبًا! الكلمة مجددًا، وا أسفاه … إلى خوارزم!
قالها مرةً أخرى. لقد فاز بشكلٍ نهائي، ولإثبات ذلك:
«الخوارزم هي المنطقة التي تمتد حول بحر آرال. حسنٌ، عندما نتساءل حول قضيةٍ ما، فمعنى ذلك أننا نبحث عن شيءٍ ما!»
– كما يقول السيد دي لا باليس، تابعَت ليا وهي تتظارف.
لم يُبدِ جوناثان أي رد فعلٍ، كان مشوشًا. انقضَّ السيد روش في الثغرة: إن قول كل البديهيات ليس بالأمر السيئ، بل ويحدث أحيانًا أن نكتشف حقائق أقل بداهةً من استخلاص النتائج من البديهيات الأكثر بداهةً.
حتى حبيبي نظر إليه بعينَين مندهشتَين، وسأل قلقًا: هل أنت بخيرٍ يا سيد روش؟
مدَّ السيد روش يده بكتابٍ إلى حبيبي، طالبًا منه قراءة عنوانه.
أمسك حبيبي بالكتاب باحترامٍ وببعض الرهبة أيضًا. وقرأ حبيبي، بدقَّة، مفصلًا كل مقطعٍ لفظي، الكلمات التي تملأ الغلاف:
كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة.
عندما نطق المقطع اللفظي الأخير، احتفظ به في فمه مثل طفلٍ انتهى لتوِّه من مصِّ حلوى السكر المعطر.
مستردًّا الكتاب، بدأ السيد روش قراءة الصفحات الأولى: «لقد ألَّفتُ من أجل حساب الجبر والمقابلة هذا الكتابَ الموجَز الذي يتناول الجزء البارع والمجيد لهذا الحساب. إنه المأمون، أمير المؤمنين، الذي شجَّعَني، وهو الذي أيقظ الطاقة لدى رجال الثقافة، وجذَبَهم وجمعَهم، وحماهم، وساعدَهم. هو الذي حثَّهم على جعل الغامض واضحًا والمعقَّد بسيطًا.»
كرَّر جملة الخوارزمي الأخيرة: جعل الغامضَ واضحًا والمعقدَ بسيطًا. إنها أكثر من مجرد برنامج، إنها فلسفة.
ظلت الجملة معلقةً في الهواء، وكانت ليا أول مَن كان لها ردُّ فعلٍ: لا بد من وضعها موضع التجربة إذا كنا نريد حلَّ القضايا الثلاث لشارع رافينيون، إذ يجب أن نتذكَّر أن ذلك هو السبب في أننا في بغداد في العام، لم أعُد أعرف جيدًا متى.
– بالطبع، بالطبع، بادر السيد روش بالرد: إن السرعة التي يكون عليها أحيانًا ردُّ فعل ليا تسعد السيد روش الذي وجَّه إليها إشارة تأييدٍ قبل أن يستأنف: إن هذا الكتاب من أشهر الكتب في تاريخ الرياضيات. على امتداد صفحاته، قال وهو يقلِّب صفحات الكتاب بعنايةٍ، تأسَّس فرعٌ علميٌّ جديدٌ، أصيلٌ تمامًا؛ الجبر. اسم العلم مستمدٌّ من عنوان الكتاب نفسه: الجبر.
– الجبر هو جبر العظام! صاح حبيبي.
منفعلًا جدًّا، بدأ يحكي:
«عندنا في الدوَّار، عندما تنكسر إحدى عظامك، يأخذونك إلى المجبِّر (مأخوذًا بالإيحاء التقط الدربوكة). ضربة خفيفة يسارًا؛ آي! وضربة صغيرة يمينًا؛ آي! ويعيد لك العظمة إلى مكانها. ويثبِّتها بعد ذلك بشرائحَ خشبيةٍ مسطحةٍ تمامًا تحيط بها أربطةٌ من القماش. آي! آي! آي! وبعد ذلك، لا تعُد تتألم، دندن سعيدًا وهو يعزف على العود. نعم، نعم، جبر، هو عندما تُعيد شيئًا مكسورًا إلى مكانه. إذن، العرب هم الذين اخترعوا ذلك! اليوم، يا سيد روش تُخبرني بنبأَين، نبأٌ سيئ ونبأٌ جيد. ولقد بدأتَ بالسيئ، هل هو نهارٌ جيدٌ أم سيئٌ؟»
صاح السيد روش: في دون كيشوت، يوجد مجبرٌ. أفهم الآن لماذا استعار سرفنتيس الكلمة من العرب الإسبان.
– والكلمة الأخرى؟ سألَت ليا وهي تحذَر نطقها.
– مقابلة؟ ذلك عندما تضعين شيئَين الواحد في مواجهة الآخر. شرح حبيبي كيف تقولون ذلك؟
– مواجهة؟ سأل السيد روش.
لم تترك ليا الفرصة تمرُّ: بحث حساب جبر العظام والمواجهة، ها هو اسم أحد أشهر كُتب الرياضيات! عندما أُعلن في دروس الرياضيات أننا نقوم بعملية جبرٍ للعظام، سأُحدِث لك أحد هذه التأثيرات، وإذا اعترض المدرس، فسأرسله لك، يا حبيبي.
– أرسلي، أرسلي! قال حبيبي.
– عند التفكير جيدًا في الأمر نجد أننا في الجبر، نقضي الوقت في تقليب الأمر. لاحظَت ليا. نمرِّر حدودًا من جانبٍ إلى آخر، نُضيف في الجانب الأيمن، ونُضيف في الجانب الأيسر، نطرح من الجانب الأيمن، ونطرح من الجانب الأيسر، وكأننا نطهو.
للتوصل إلى القيام بهذا … الطهي، كان لا بد من المرور بعمليةٍ مدهشة. إن الخوارزمي يخبرنا بها بهذه الطريقة. هذا الشيء الذي أبحث عنه، يقول: «سوف أبدأ بأن أسميه. لكن بما أنني لا أعرفه، وما دمتُ أبحث عنه، سوف أسميه بكل بساطةٍ: الشيء.»
– شيء بالعربية، أطلق حبيبي.
– لماذا تقول مجهولة، في المؤنث؟ سألَت ليا عرَضًا.
– التأنيث؟ يوه … غمغم السيد روش.
– الرجل معروفٌ، المرأة مجهولة، كليشيه مبتذل بعض الشيء.
– اسمعي، يا ليا، إننا لسنا في مجال القواعد اللغوية، لكن في مجال الجبر، ذَكر جوناثان بخشونة.
– إن ذلك لا يمنعني من ملاحظة أن في الجبر يتغلَّب المؤنث على المذكَّر، إنها قضيةٌ جميلةٌ! أعلنَت ليا.
سأقول لك ما أعتقده، أضاف جوناثان بنبرةٍ حادة. يوجد في طريقة التصرف تلك جانب تدجين لا يعجبني، إن الأمر كما قمت بوصفه، يجعلني أفكر في … ترويض المجهولات.
اندهش السيد روش من هذه النظرة لتناول الجبر، لكن كان المرء يشعر أن ذلك يدغدغه: أنا سأقول الأشياء بشكلٍ مختلفٍ: «المجهول مذكرًا كان أو مؤنثًا لم يعُد مرفوضًا على أنه غريب. هي … هو … يستقبل بين الكميات المعلومة الأخرى. هي … هو …»
احتد السيد روش:
«اسمعي، يا ليا، لقد قلتُ: «هي» حتى الآن، سأستمر في ذلك. لا أحد يستطيع منعي من الاستمرار.»
– لكني لم أمنعك من شيء، إنني فقط أسجِّل ملحوظةً.
وجد السيد روش صعوبةً في استئناف الحديث: سيتم التعامل مع الكمية المجهولة بالطريقة نفسها التي تُعامل بها الكميات المعلومة، الخوارزمي سيجمعها، ويضربها … إلخ، كما يفعل مع الكميات المعلومة، لكن يجب ألا نعتمد على ذلك؛ فالهدف الوحيد من القيام بكل ذلك هو التوصُّل إلى كشفها؛ أي كشف الكمية المجهولة، ها هي الخيمياء الجبرية!
خيمياء مقابل خيمياء، جوناثان كان أكثر اهتمامًا بالخيمياء التي يمارسها حبيبي في تحضيره للشاي.
– إن رياضياتك، عبارةٌ عن ساحة معركة. مبتورًا! مكسورًا! صاح جوناثان نفهم لماذا هناك حاجة إلى مجبرٍ للكسور؟
– آه! صاح جوناثان مسرورًا، كنتُ أشعر أن هناك شيئًا ينقص ثقافتي. شكرًا، يا سيد روش.
– من جذر الشجرة؟ سأل ماكس.
– نعم، ما هو الجذر التربيعي لعدد (أ)؟
– عدد عند تربيعه يعطي (أ) مرةً أخرى! صاح جوناثان.
– بمعنى؟ عدد لا بد من «استخراجه» من المكان المتواري فيه، متوارٍ مثل جذور الشجرة. وبعد استخراجه، عمل حركة إلى أعلى … يتم رفعُه إلى مربعه. أليس ذلك جميلًا؟ ياه الكلمات … الكلمات!
– إن الأمر أشبه بقصيدةٍ رعوية! ننتقل من ساحة معركة إلى بستان، لاحظَت ليا، نصف ساخرة، ونصف مقهورة. نقول: «جذر معادلة»؛ لأنه مختفٍ ويجب …
– … «اكتشافه»، اقترح ماكس.
– نعم، يا ماكس! ياه، الكلمات، الكلمات يا سيد روش!
– مَن؟ سألوا معًا في صوتٍ واحدٍ لإغاظته.
– آريابهاتا، هيَّا!
كان السيد روش موهوبًا بالنسبة إلى اللغات، كان ينطق بشكلٍ جيدٍ الأسماء الهندية والأسماء العربية، على حدٍّ سواء!
متواضع، واصل:
«لقد ابتُكِرَت المعادلة لتحديد، ليس مشكلة واحدة، وإنما طوائف كاملة من المشكلات من النوع نفسه. على سبيل المثال، طائفة المشكلات التي يمكن وصفها كما يلي: «شيءٌ مضافٌ إلى عددٍ أول يساوي عددًا ثانيًا». المشكلة تكمن في إيجاد هذا الشيء في كل مرةٍ يتم إعطاء العددَين.»
– معادلة من الدرجة الأولى. صاح جوناثان.
– إن تخصُّص الخوارزمي هي معادلة الدرجة الثانية، التي يميز بالنسبة إليها ستة أنواع؛ «مربعات تساوي أشياء»، و«مربعات تساوي عددًا»، و«مربعات وعدد يساوي أشياء»، و«مربعات وأشياء تساوي عددًا»، و«أشياء وعدد يساوي مربعاتٍ»، و«أشياء تساوي عددًا». وسيعطي حلولًا لهذه المعادلات.
بالطبع، لم يكن ذلك صادرًا مباشرةً من ذاكرة السيد روش. كان يقرأ بدقةٍ الملحوظات التي سجَّلها في مكتبة الغابة انطلاقًا من بطاقات جروسروفر.
في كل مرةٍ يُقال معادلة، توجد كلمة يساوي، ما الذي كان يمكن أن يحدث بدون التساوي؟ بدون التساوي ما كانت هناك رياضياتٌ.
– ولا جمهورية، يا سيد روش!
– لأن هؤلاء الشباب يعتقدون أن هناك تساويًا حقًّا في الجمهورية؟
– اتركنا لأوهامنا. إن تساوي الفرص يكون بالنسبة إلى مَن لديهم فرصة، نعرف كل ذلك، لكننا نفعل وكأننا لا نعرف.
– سؤالٌ للحكيم والصافي الذهن، السيد روش: هل البشر متساوون في كفاحهم من أجل المساواة؟ سأل جوناثان الذي كان قد نهض لتحريك عرقوبه الذي تصلَّب.
«لن يكفا عن إدهاشي، فكر السيد روش على الأقل، أفادت الرياضيات في شيءٍ ما؛ لم أسمعهما قط يتحدثان في هذه المواضيع.»
وعند استئناف مجرى الجلسة، وضع السيد روش يدَيه الاثنتَين مفتوحتَين عند الارتفاع نفسه وأعلن: ميزان، هاتان الكفَّتان. إن التساوي ميزان؛ حيث يتم الحفاظ بشكلٍ مستمرٍّ على الكفتَين في حالة اتزان. إذا وضعتَ حملًا في كفَّة …
اقترب ماكس وتظاهر بأنه يضع جسمًا ما على اليد اليمني للسيد روش. انخفضَت يده. وفي الحركة نفسها ارتفعَت اليد اليسرى.
«… انقطع التوازن! لاحظ السيد روش وهو يعيد وضع يدَيه في وضعهما الأصلي. إذا نزعتَ شيئًا من …»
تظاهر ماكس بأنه ينزع شيئًا من اليد اليمنى للسيد روش. ارتفعَت اليد اليمني في حين انخفضَت اليد اليسرى.
«… انقطع الاتزان! ودُمِّر التساوي»، ختم السيد روش. ربما تتذكرون، لكن كان ذلك قبل إجازتكما الجليدية، تكلم إقليدس عن التساوي في العديد من بديهاته.
– وإذا أُضيفَت أشياءُ متساويةٌ إلى أشياءَ متساوية، يكون المجموع متساويًا، دندنَت ليا، مقلدةً نوفيوتشر.
– وإذا طُرحَت أشياءُ متساويةٌ من أشياء متساويةٍ يكون الباقي متساويًا، نغَّم جوناثان مقلدًا ماكس.
– حسنٌ، إن المعادلة هي تساوٍ بين تعبيرَين أحدهما يتضمن مجهولًا على الأقل. أتريدون أن أقول لكم إنه كان عليَّ أن أنتظر ما يزيد قليلًا عن ثمانين عامًا لكي أفهم ذلك؟ اعترف السيد روش.
– إذن نحن الشباب، إذا لم تكن قد فهمنا بعدُ، فلدينا ستون عامًا للوصول إلى الفهم، أعلنَت ليا. وإذا كنا قد فهمنا، نكون قد ربحنا بهذا المقدار.
– إن المتساوية يتم التحقق منها، أما المعادلة فيتم حلها، أعلن السيد روش.
– إذا استطعنا، أضافت ليا.
– وعندما يتم حلها، ونضع محل المجهول القيمة التي عُثر عليها، تتحول المعادلة إلى متساوية.
– تصبح متساويةً، إذا لم نكن قد أخطأنا، أضافت ليا؛ لأننا إذا اقترفنا خطأً …
– بالضبط لا تكون متساويةً. ومن ناحيةٍ أخرى، فإننا بهذه الطريقة نتحقق إذا كنا أخطأنا أم لا، واصل السيد روش، عازمًا على ألا يترك الكلمة الأخيرة لهذه الغِرَّة.
– إذا قلتُ «٢ + ٢ = ٤» متساوية «٢ + س = ٤» معادلة، هل أكون قد كسبتُ وقتًا؟ سأل ماكس.
– نصف حياة، أجابت ليا.
بدا وجه ماكس مبتهجًا وكانت عيناه تضحكان.
– إن النصف الآخر هو الذي سيكون صعبًا، قال بصوتٍ منخفضٍ تمامًا.
طار نوفيوتشر من مجثمه، وجاء ليقف على كتف ماكس الأيمن. وتحت الثقل، خفض ماكس كتفه الأيسر بشكلٍ مبالغٍ فيه، لدرجة أنه أصبح مشوهًا جدًّا. وأعلن، وهو ملتوٍ تمامًا:
«وانقطع التوازن!»
أطفأ السيد روش أنوار مرسم الجلسات، وكان الأولاد في الفِناء، يساعدون حبيبي في نقل أدواته. أخرج السيد روش شيئًا من جيبه كان على ما يبدو قد نسي وجوده. نادى على الأولاد. لم يستدر ماكس. وجوناثان كان يحمل أثقالًا كثيرةً. عادت ليا. قدَّم لها مظروفًا: إنه لكِ ولأخوَيك.
اعتقدَت أنه يحوي المزيد من هدايا رأس السَّنة. كانت مخطئةً بشكلٍ خطير.
كل مساء، كانت الطقوس نفسها، تقريب المقعد من حافة السرير، تحرير المسند الواقع من ناحية السرير، القبض على الآخر، ثم، الارتفاع، بقوة الذراعَين وحدهما، والانزلاق تدريجيًّا من المقعد إلى السرير، التنفس، سحب الساقَين كما نفعل برزمةٍ ما ووضعهما على السرير. رزمة خفيفة! بالنسبة لذلك، لم يكن لديه ما يشكو منه. تخلَّص السيد روش من الخفَّين ذوَي اللون الأحمر الرماني. سقطا على السجادة محدثَين صوتًا مكتومًا.
جبر العظام. فكَّر السيد روش وهو يتمدد بألمٍ على سريره ذي الستائر الثقيلة، إنه لم يجد المجبِّر الخاص به الذي يُعيد جسمه، الذي انخلع بسقوطه في المكتبة، إلى مكانه.
لم يحتَجْ أن يكون ناقصًا، كما كان علماء الجبر العرب يقولون، كان كافيًا بالنسبة إليه أن يكون مكسورًا. عددٌ مكسورٌ، رجلٌ مكسورٌ. قال السيد روش لنفسه إنه يشكل كسرًا غريبًا؛ بسط ولا مقام وخط القسمة يمرُّ تحت الكلي تمامًا.
إن ما كُسر، لم تكن العظام. ما الذي قاله عالم الرياضيات هذا؟ «إنه الجزء الدقيق والرائع من الحساب». إن ما كُسر هو الجزء الدقيق والرائع. ولا يوجد له جبر، فليأتِ علم جبر ليحررنا من حالات البتر غير المرئية تلك. نام السيد روش وطعمٌ مرٌّ في فمه، وابتسامةٌ ضائعةٌ في ركن شفتَيه.
جاءته الابتسامة عندما تذكَّر فجأة، وهو ينظر إلى ستائر سريره الثقيلة، مباشرةً قبل أن يستغرق في النوم، أن كلمة «بالدكين»؛ أي الستائر الثقيلة، قادمةٌ من «بغداد».
في اليوم التالي، وكما أعلنَت من قبلٌ، قامت ليا بتدخُّلها الصغير في درس الرياضيات. عندما أطلقَت قصتَها عن جبر العظام، جاء رد الفعل أكثر من المتوقَّع. ساد المرح قاعة الفصل.
وبَّخ تلميذان متشددان وأحمقان ليا بشدة؛ لأنها تهين هذا العلم النبيل منتقصةً من قدره بتشبيهه بممارساتٍ تجريبيةٍ غامضة. كانت ليا تكاد تطير فرحًا، متقبلةً كل ما يريدون ومتحملةً كل ما يلومونها عليه، شرط أن يستمر ذلك في إثارة غضب مدعيَي النبوغ اللذَين يخلطان بين الملل والدقة، وبين الصرامة والعمق. وفي النهاية، وصفَتْهما بالبرود لدرجة أنهما يتبولان «بولًا باردًا»، وبأنهما متزمتان (يزمان مؤخرتهما بشدة)! تجمَّدا في مكانهما، وظلَّ الاثنان مذهولَين. وحاول الفصل، بالإجماع، تخيُّل كيف يمكن تحقيق صيغة ليا ماديًّا.
كانت ليا قد حدَّدَت موعدًا مع أخوَيْها في مقهًى صغيرٍ في شارع لبيك. كان ماكس فخورًا بأن كان موجودًا في مكانٍ عامٍّ مع جوناثان وليا، لكنه لم يُظهِر ذلك. على الفور، أبرزَت لهما ليا المظروف الذي أعطاها إياه السيد روش في العشية. ورقة مقوَّاة صغيرة كُتِب عليها سطرانِ:
«رُزقَت بيرت ليارد، كما تقول، ﺑ «٢ + ١ طفلًا»، طفلان توءمٌ وواحدٌ منفصلٌ. مجموع أعمار أبنائها ٤٣ عامًا، والفرق بين أعمارهم (٥). ما أعمار الأبناء ليارد؟»
نظر جوناثان وماكس إلى ليا بذهولٍ وانفجرا في الضحك، نفض ماكس يده: على أية حالٍ، ليس ذلك من مستواي.
لكنه مع ذلك لم يهمل المسألة. أخرج ورقة وقلمًا وقدمهما ﻟ … إن ليا هي التي أمسكت بهما.
لقد استفادت من تجربة المدرسة خلال النهار: يوجد ٣ أبناء ليارد، لكن عمران. تحية! هناك معلومتان. نظام معادلتَين بمجهولَين. ممل! المجهول الأول، عمر جوناثان وعمري، وهما الشيء نفسه.
– بفارق دقيقتَين وثلاثينَ ثانيةً تقريبًا! أسرع جوناثان.
– متحذلقٌ! قالت ليا بنبرة ازدراء. أشير إلى العمر بالرمز س.
– الشيء، هو ما أبحث عنه! قال جوناثان مقلدًا الخوارزمي.
– هو نفسه! المجهول الثاني هو عُمْر ماكس، سأشير إليه بالحرف ص. المعلومة الأولى: مجموع أعمار الأبناء ليارد ٤٣ عامًا. إذن؟
– إذن «س + س + ص = ٤٣ عامًا»، قال ماكس:
– المعلومة الثانية: الفرق بين الأعمار هو خمسة أعوام، إذن؟
– «س − ص = ٥»، أجاب جوناثان بثقة.
كتبت ليا المعادلتَين الواحدة تحت الأخرى:
٢ س + ص = ٤٣
س − ص = ٥
وأعلنَت: معادلتان بمجهولين. والآن، أجبر مثل مجنونةٍ، وأحسب مثل حيوانٍ (وبدأَت تكتب على عجلٍ). استبدل وأحل محل …
س = ص + ٥، إذن ٢(ص + ٥) + ص = ٤٣.
إذن ٢ص + ١٠ + ص = ٤٣.
أنقص ١٠ من كل جانبٍ وأحصل على:
٣ص = ٣٣.
– عمر ماكس ١١ عامًا بالتمام والكمال! صاح جوناثان.
وافق ماكس معجبًا، كما يفعل المرء عندما يختار السبعة البستوني من كومة أوراق لعب، ويصيح الحاوي في وجهك، بعد جولة من الشعوذة والخداع «سبعة بستوني» ويُبرِز ورقتك متباهيًا.
وليا، بقوة اندفاعها: وبما أن ص = ١١، وس = ١١ + ٥، فإن عمري وعمره يكون ١٦ عامًا!
وأمسكَت برأس أخيها وهزَّتْه لتُجبِره على تأكيد ذلك.
أكلوا فطيرتهم بالجبن واللحم.
منذ لحظة كان يبدو على ماكس أنه مهمومٌ. حسم أمره: يوجد شيءٌ ما لا يناسبني، لكني لا أعرف ما هو. لماذا كتبت س − ص = ٥؟
– لأن الفرق بين سنِّك وسنِّي خمس سنواتٍ، بكل تأكيد! أجابت ليا.
– آه هو ذلك! (قفز) انظري، يا ليا، عندما تكتبين س − ص = ٥، لا تقولين فقط إن الفرق هو ٥، أنت تقولين بالإضافة إلى ذلك، أن التوءم أكبر سنًّا من المنفصل، كما يسميه السيد روش.
– حسنٌ، هذا صحيح!
– نعم، لكن كيف تعرفين ذلك؟ لم يكتبه السيد روش على ورقته المقوَّاة. مَن قال لك إن المنفصل ليس أكبر سنًّا من التوءم؟
لم تتابع ونظرت إلى جوناثان: إنه على حق، إنها ضربة القيمة المطلقة.
لم تتمكن من منع نفسها من أن تمرِّر يدها في شَعره:
«آه، أنت وماذا بعدُ؟»
ضحك ماكس من السرور.
جوناثان: لكن ما الذي يغيِّره ذلك؟
– سترى ما سيغيِّره ذلك!
أخذَت الورقة مجددًا، شطبت «س − ص = ٥» وكتبَت «ص − س = ٥».
وتحت النظرة اليقظة لأخوَيها، كانت تكتب على عجلٍ. دام ذلك أطول من المرة الأولى وعيونهما لم تفارقها.
أخيرًا استطاعت أن تعلن:
– يكون عمر ماكس ١٧ عامًا ونصف، ونحن يكون عمرنا ١٢ عامًا ونصف بالتمام.
– سيكون ذلك جيدًا، سيكون ذلك جيدًا! صاح ماكس.
لم يكن السيد روش في شارع رافينيون. لقد وجدوه في حانوت بقالة حبيبي. وفي المقهى، روَت له، وهي تقدم له الورقة المكتوبة على عجلٍ، كيف حلُّوا لغزه الجبري، ثم كشفَت له وجود الحل الثاني. كان مذهولًا وخجلًا بعض الشيء، ليس فقط لم يفكر فيه، لكن لم يفكر فيه إطلاقًا.
– لقد استخدمنا الطرق القديمة الجيدة لصديقك الخوا …
باف! وقعَت ليا في الفخ. شيءٌ غير واضحٍ!
– حقًّا، إنه من الصعب نطقه. أقرَّت.
– الجعفر محمد بن موسى الخوارزمي، قال حبيبي، الذي تذكَّر الاسم بالكامل. اسمعي يا ليا، اقترح حبيبي، تعالَي إلى الحانوت بعد الظُّهر عندما لا يكون هناك زبائن، وسأعطيك دروسًا في النطق.
– شكرًا يا حبيبي، لكن في السنة النهائية للدراسة الثانوية، أدرس الإنجليزية والإسبانية والإيطالية، إذن …
كان شكله آسفًا.
– بعد الإجازات. اقترحَت ليا.
ثم:
«ألا تعرف، بالصدفة، البرتغالية؟»
دعاهم حبيبي إلى القاعة الخلفية، تاركًا الحانوت في عهدة ابن أخيه، دفعَت ليا المقعد بين الأرفف المليئة بعُلب الكسكسي، وصناديق الهريسا، وجرار الزيتون! أخضر وأسود، مكسَّرٌ، وغير مكسَّرٍ، حارٌّ وغير حارٍّ. إنها مثل المثلثات، كان هناك من كل نوعٍ، لكن لم تكن توجد أنواع متوسطة أو عادية … كانت كلها شهية!
– منذ قليل، في المقهى، فكَّر أبناء ليارد الثلاثة، كما تسمِّيهم، قليلًا في «ق ش ر ث»، أعلن جوناثان إلى السيد روش المندهش: في قضايا شارع رافينيون الثلاث!
– التي هي أربع، ذكرت ليا. حسنٌ، إنهنَّ لَسْن من النوع نفسه، مطلقًا.
فرمل السيد روش مقعده: ما الذي تريدين قوله؟
– إن أنواع الحلول مختلفةٌ تمامًا. بالنسبة إلى القضية الأولى: «مَن هو الرفيق المخلص؟» لا يوجد سوى مجهولٍ واحدٍ، الرفيق المخلص، ويتعلق الأمر بكشفه. في القضية الثانية: «مَن هم الأشخاص الذين كان جروسروفر يرتبط معهم بعملٍ، والذين كان من المفترض أنهم سيعودون مساءً للاستيلاء على براهينه؟» يتعلق الأمر هنا أيضًا بكشفِ المجهول، فيما عدا أنه يوجد عدةُ مجاهيلَ ولا نعرف عددهم. إذن في الواقع، يتعين الرد على سؤالَين؛ كم، ومَن؟
بالنسبة للقضية الثالثة: «كيف مات صديقك، حادثة انتحارٍ، أم جريمة قتلٍ؟»
– أي صديقٍ؟ قاطعهم حبيبي، ألديكم صديقٌ مات؟
– سوف أروي لك، قال له السيد روش.
– بالنسبة لهذه المشكلة، استأنفَت ليا، الإجابات الممكنة معروفة، الأمر يتعلق بمعرفة أية إجابةٍ هي الجيدة.
مدركةً ما قالته توًّا، استدركَت:
«كنت أريد أن أقول ما هي الإجابة الصحيحة؟»
إن المشكلة الرابعة مختلفةٌ تمامًا: «هل جروسروفر حلَّ الحدْسيتَين اللتَين أكَّد أنه حلَّهما؟» هنا، الأمر لم يعُد يتعلق بتحديد هوية أيًّا مَن كان، لكن بالإجابة بنعم أو لا. بالطبع، يمكن الرد أيضًا بأنه لم يحلَّ سوى حدْسيةٍ واحدةٍ من الاثنتين، لكن ذلك لا يغيِّر شيئًا من طبيعة الإجابة.
– هل أنت بخيرٍ يا سيد روش؟ سأل ماكس قلقًا.
كان السيد روش مُسمَّرًا، ونظرته ضائعة. ثم ابتسم وصاح: رباعيات عمر الخيَّام! لقد تلوتُ لكم العديد منها في معهد العالم العربي، قرأتُ ملحوظةً قد أفلتَت مني، كانت تتكلم عن تقنية الرباعيات. إن لها شكلًا محددًا جدًّا؛ ترتبط ثلاثةُ أبياتٍ من الأربعة معًا، يجب أن تتطابق بالقافية، والبيت الرابع مستقلٌّ. إن ذلك تحديدًا ما تقولونه. لدينا أربع قضايا مطلوبٌ حلُّها، ترتبط ثلاث قضايا فيما بينها، والقضية الرابعة مستقلَّة.
وهو ما يعني … (فكر لحظةً طويلةً) … أن هوية الرفيق المخلص، وهوية أفراد العصابة، وكذلك طبيعة وفاة جروسروفر مستقلةٌ تمامًا عن حقيقة أنه حلَّ الحدْسيتَين أم لم يحلَّهما! ما هي الأدلة التي يمكن أن تكون لدينا على أنه قد حلَّهما بالفعل؟ إلا أدلة رياضية بحتة.
تفقَّد ألفريد روسل والاس الصناديق. مئات العينات النباتية، كلها تقريبًا يجهلها زملاؤه في لندن. عيناتٌ لا تُحصى مفهرسةٌ بعنايةٍ ومصنفةٌ في أفضل نظامٍ. دوَّت الصفارة. كان والاس راضيًا، صعد على سطح السفينة من جديدٍ ودخل كابينته. وهناك، نظر بحب إلى حقيبتَيه الممتلئتَين بما دوَّنه من ملحوظات، نتيجة أربع سنوات قضاها في الغابة الأمازونية.
لقد دامت إقامته أربع سنواتٍ، من ١٨٤٨م إلى ١٨٥٢م. دوَّت الصفارة مجددًا. ابتعدَت السفينة البخارية أمازوناس عن الشاطئ، متجهةً إلى ليفربول. تفصلها ٨٠٠٠ كيلومتر عن سواحل إنجلترا. كان في عجلة من أمره لكي يتمكن من دراسة الكنز الذي جمعه طوال جولاته الطويلة في الغابة العذراء.
كانت الباخرة بعيدةً عن السواحل عندما دوَّى رنين جرسٍ. جرس الحريق! انتشرت النيران، رغم جهود البحارة كان من المستحيل السيطرة عليها، وغرقَت السفينة. نجا والاس من الحادث، لكن كل أمتعته غرقَت. كل صناديقه، آلاف من عينات النباتات، والحشرات، والدفاتر التي دوَّن فيها ملحوظاته، ومشاهداته. كل شيءٍ اختفَى في أعماق الماء!
عندما روى جوناثان وليا القصة السيد روش، شحب لونه. إنها كابوسه بالضبط! باخرة والاس، ومركب شحن جروسروفر كانا يتبعان الطريق نفسه … بدون المركب الكوبي، كانت كُتب مكتبة الغابة ستلحق بمذكرات والاس في قاع الأطلنطي.
عندما حمل جروسروفر صناديق الكتب في ميناء مانوس، هل فكَّر في رحلة والاس المأساوية. بأي إحساسٍ يا تُرى رأى مركب الشحن تبتعد على النهر الكبير! عندئذٍ أدرك السيد روش أن جروسروفر مات دون أن يعرف أن مكتبته وصلَت بأمانٍ.
عندما يُولَد على أعلى قمم سلسلة جبال الأنديز، يكون نهر الأمازون على بُعدٍ أقلَّ من ١٥٠ كيلومترًا من المحيط الهادي، وبدلًا من أن يسرع نحو المحيط القريب، يُدير له ظهره ويجري في الاتجاه المعاكس. وسيتعيَّن عليه قطع ٦٥٠٠ كيلومترٍ وعبور القارة بالكامل لبلوغ الأطلنطي.
في البداية، يكون الانحدار رهيبًا؛ ففرقُ الارتفاع يصل إلى ٥ آلاف متر خلال الألف كيلومتر الأولى! مساقط مياه، وشلَّالات جهنمية! وبعد ذلك يكون الهدوء مطلقًا. إنه مسطحٌ ولكن ليس ساكنًا. على امتداد الثلاثة الآلاف كيلومتر الأخيرة ينزل النهر ٦٥ مترًا؛ أي بفرق ارتفاعٍ يساوي ٢ سنتيمترًا لكل كيلومتر. من الصعب أن يكون أكثر تسطيحًا!
كل شيء بدأ بهذا الحوار.
– لو سمحتِ، يا آنسة، كنتُ أريد الذهاب إلى مانوس، هل يمكنك أن تقولي لي أين تقع؟ سأل جوناثان بصوتٍ مزيفٍ.
– اسمع، يا سيدي، ردَّت عليه ليا بنبرةٍ متصنعة: «إن المرء عندما لا يعرف يذهب!»
– بالضبط، يذهب! صاح جوناثان بصوت إيفان الرهيب في المسرحية التي تحمل اسمه.
– هل تقرَّر الأمر؟ هل نذهب؟
– أُقسِم!
– أُقسِم!
لقد جاءتهما الفكرة قبل أعياد الميلاد، لكنهما عندئذٍ لم يكونا قد حزما أمرهما بعدُ. حاليًّا، هما عازمان! سوف يسافران بعد البكالوريا، سواءٌ حصلا على الشهادة أم لا. شهران من الصيف، كان ذلك كافيًا. هل الصيف هو الموسم المناسب للذهاب هناك؟ لا يهم، طالما أن ذلك هو الوقت الوحيد المتاح.
من حقيبةٍ صغيرةٍ من الجلد الاصطناعي، أخرج جوناثان رزمةً من الإعلانات المطوية، والأدلة السياحية والبطاقات البريدية والعديد من الخرائط الجغرافية. لقد فَرَد خريطة إقليم الأمازون الضخمة. كانت مساحة خضراء شاسعة تحتل سرير جوناثان على امتداد عَرْضه كلِّه.
كان جوناثان يتابع على الخريطة ما كانت ليا تقرؤه بصوتٍ عالٍ في الأوراق المختلفة.
– من الصعب أن يكون نهر أكثر تسطيحًا وأكثر عرضًا، حتى ٣٠ كيلومترًا، ولا أكثر عمقًا، حتى ٧٠ مترًا. عشرات الروافد، ولا تُوجد جداولُ! إن نهر ريو نيجرو، الذي لا يقل طولُه عن ٢٥٠٠ كيلومترٍ، يلتقي مع نهر الأمازون في مانوس.
وبدلًا من أن يخلطا مباشرةً مياههما، ينساب النهران جنبًا إلى جنبٍ طوال ٨٠ كيلومترًا، دون أن يختلطا. ويمكن رؤية ذلك! في الصورة التي تعرضها ليا على جوناثان، كان يمكن رؤية ذلك حقًّا؛ كان النهر يبدو وكأنه مقطوعٌ إلى شريطَين لا ينتهيان؛ شريطٍ أصفر، وشريطٍ بُنيٍّ، الشريط الأصفر يحمل المياه المعتمة المحمَّلة بطمي الأمازون، والشريط البُني الداكن يحمل مياه ريو نيجرو الغنية بالمركَّبات العضوية. وأخيرًا، يحدث «تزاوج المياه»، بعيدًا أسفل مانوس، وتمتزج مياه النهرَين في لونٍ بُنيٍّ فاتحٍ سيكون هو لون الأمازون حتى مصَبه على بُعد ١٥٠٠ كيلومترٍ.
والآن، رحلَت ليا. ممددةً على سريرٍ معلَّقٍ على مركبٍ صغيرٍ يُبحِر قرب الساحل محملًا بالمؤن، هابطًا النهر حتى بيليم، ومعها أشخاصٌ يُدندِنون أغاني محزنةً. ووجدَت ليا نفسها عند المصَب.
مصبٌّ عرضه ٣٠٠ كيلومترٍ، وفي وسط المصَب جزيرة. يقول الإعلان المطوي … لا! جزيرة يساوي حجمُها حجمَ سويسرا. إنه مكتوبٌ! سويسرا وسط نهر! في كل ساعةٍ من الليل أو النهار، يصبُّ الأمازون ٧٠ مليار لتر ماء! أكثر من السين ٥٠٠ مرة! وهو ما يمثل واحدًا على خمسة من كل المياه العذبة التي تصبُّ في محيطات الكرة الأرضية! حتى المحيط لا يستطيع مقاومة مثل هذه القوة: إن مياه الأمازون تغوص حتى مسافة ٢٠٠ كيلومترٍ من السواحل.
في العام ١٥٠٠م، عثر قبطانٌ إسبانيٌّ على هذه المساحة الداكنة الضخمة بينما كان يبحر قرب شواطئ الأمريكتَين، أنزل دلوًا في المياه، وذاقها؛ ماءٌ عذبٌ في قلب البحر! وأطلق على المكان اسم «البحر العذب». واتجه غربًا في محاولة لفهم كيف تكون معجزة مماثلة ممكنة. واكتشف الأمازون.
إن كتاب موسم النيران المستعار من مكتبة الدائرة الثامنة عشرة، يروي مقتل شيكو منديس، «حجَّام» المطاط، الذي أنشأ نقابةً لمقاومة المذابح وكل أشكال الابتزاز التي يقترفها ملَّاك الأراضي وعصاباتُ القتلة التي تعمل لحسابهم.
لقي شيكو منديس حتفه، مثل كلِّ الذين تجرَّءوا، منذ عقودٍ، على النضال ضد الرعب والظلم اللذَين يعيثان فسادًا في إقليم الأمازون.
مَن ينتصب في الغابة لمقاومة الشركات الكبيرة؟ البشر والأشجار. بعد أن أبادوا البشر، وحوَّلوا الهنود إلى عبيد، وعذَّبوهم واغتصبوهم وقتلوهم، قام القذرون أنفسهم بمهاجمة الأشجار. إنهم يشعلون النار في الغابة. حرائقُ مهولةٌ يتم إشعالها للتخلص من الغابة. إنه جروسروفر، الذي تحدَّث في خطابه، عن «رئة العالم»، إن أكبر مخزون أكسجين للكرة الأرضية يتعرض حاليًّا لضربةٍ شيطانية!
– وكأن كل ذلك لا يكفي، كان لا بد أيضًا أن يحرقوا منزل جروسروفر! صاحت ليا.
– إيه، إن ما تقولينه لحقٌّ! إذا كانت العصابة التي قامت بالهجوم من المنطقة، ومع ما اعتادوا عليه، فإن الأمر لم يستغرق منهم وقتًا طويلًا لإضرام النار في كوخ جروسروفر! لا بد أن ذلك سيثير اهتمام السيد روش.
في أحد الأدلة السياحية، قُدِّرَت مساحات الغابات التي تحترق كل يومٍ بعدد ملاعب كرة القدم. «ربما يكون ذلك هو السبب في أن البرازيل هي أفضل بلد في العالم في كرة القدم!» قال جوناثان متهكِّمًا. إلا أن ذلك لم يجعلهما يبتسمان.
كان لون جوناثان وليا شاحبًا من الحنق. حقًّا يوجد فاسدون في كل مكان! كل واحدٍ من جانبه، قالا لبعضهما إنه يجب البدء في الاهتمام بالعالم.
لكن كيف يمكن من هنا منعُ حرق الغابة هناك؟ سببٌ إضافيٌّ للذهاب إلى مانوس. هذه الغابة التي كانا يريدان إنقاذها، كان لا بد من البدء بالتعرُّف عليها.
إن إقليم الأمازون هو حديقة العالم، لكنه مختلفٌ تمامًا عن جنة عدن؛ فهو يضم في آنٍ واحدٍ جهنم والجنة. يوجد هناك الكثير من كل شيء، وأكثر بكثيرٍ جدًّا من أي مكانٍ آخر. المياه والأخشاب والأكسجين، و١٥٪ من كل نباتات الكرة الأرضية.
«معمار الغابة — إنهم يتكلمون عن معمار، لاحظ جوناثان — هو نتيجة للتناقض بين احتياجَين؛ الحاجة إلى اغتراف الماء والعناصر الغذائية من التربة، والحاجة إلى التنازع مع النباتات المجاورة على الضوء الذي تنشره الشمس.» الاقتراب من الماء. الموجود في الأرض، يعني الابتعاد عن الضوء، الموجود فوق القبة، والعكس بالعكس. إلا أن الأشجار في حاجةٍ ماسةٍ إلى الاثنَين. كيف التصرف؟
بسيط! التسلق أعلى من جاره. «إن الارتفاع المدهش للأشجار يأتي من ضرورة أن تكون كل شجرة أعلى من الأشجار الأخرى.» يرتفع بعضها لأكثر من مائة مترٍ؛ أي ثلاثين طابقًا، بناياتٌ من الخشب! إنها تنفق جزءًا ضخمًا من طاقتها لرفع أوراقها إلى هذه الارتفاعات العجيبة. هذا بالنسبة للارتفاع لأعلى، وماذا عن الهبوط لأسفل؟ كيف يتم اغتراف الماء من التربة، والتوصل إلى أنه يروي الشجرة حتى أعلى فروعها؟ أيضًا، بسيطٌ، صُنْع مضخَّة ماصَّة.
نظرًا للمساحة الضخمة للأوراق والحرارة — إننا قريبون جدًّا من خط الاستواء — يكون البخر في القبة سريعًا جدًّا؛ بحيث يخلق فراغًا ضخمًا في كل قنوات الشجرة. لسد هذا الفراغ تندفع المياه والمواد الغذائية، من الأسفل إلى داخل الجذع. تمتص المياه بقوةٍ رهيبة، بحيث تكون هذه المياه نابضةً تمامًا، وفي لحظة تبلغ المياه أوراق الشجرة التي تأتي لتغذيتها على ارتفاع أكثر من مائة مترٍ.
قبل أن يغلق جوناثان كتاب موسم النيران أفلت معلومة صغيرة تتعلق بالنباتات هناك: «شجرة واحدة من الغابة الأمازونية يمكن أن يعيش عليها ١٥٠٠ نوعٍ من الحشرات!» سرت رجفة في ليا تحت نظر جوناثان الساخر. استدركت ليا، كينين وحقيبة مواد مضادة للسموم، كانت قد حسمَت أمرها. إنَّها مستعدةٌ للحياة الخطِرة.