الفصل الرابع عشر

بغداد بعد …

بينما كان جوناثان وليا يُبحِران، عبْر الخريطة والأدلة السياحية، نحو مانوس البعيدة، وهما في غرفة السُّلم الخاصة بهما، كان السيد روش في غرفة الجراج الخاصة به، يتصور أنه إذا كان يريد أن يتتبَّع «حرفيًّا» خطاب جروسروفر، فلا بد أن يذهب لملاقاة هذا الطوسي، الذي يلي مباشرةً عمر الخيَّام في القائمة التي وضعَها صديقه.

كانت الإجابة في الكتب.

عند دخوله مرسم مكتبة الغابة، كان السيد روش لا يزال يتذكَّر هذا النص لمعاصرٍ للخوارزمي، كان قد عثر عليه في معهد العالم العربي، القاضي والذبابة:

«إن الكتب لا تبعث الموتى، ولا تُحول أبله إلى رجلٍ عاقل، ولا شخصًا غبيًّا إلى فردٍ ذكي. إنها تشحذ الذهن، توقظه، تهذِّبه وتروي عطشه للمعرفة. أما بالنسبة إلى مَن يريد أن يعرف كل شيءٍ، فمن الأفضل، لأسرته أن تعالجه! لأن ذلك لا يمكن إلا أن ينجم من خللٍ نفسيٍّ ما.»

«أخرس عندما تفرض عليه الصمت، بليغٌ عندما تتركه يتكلم. بفضل الكتاب تعرف في مدى شهرٍ واحد ما لن تعرفه من فم العارفين في «ردَحٍ من الزمن»، وذلك دون تحمُّل دَيْن المعرفة. إنه يخلِّصُك، وينقذُك من مخالطة الناس الكريهين ومن العلاقات مع أناسٍ أغبياء، غير قادرين على الفهم. إنه يطيعك بالنهار كما بالليل، بالقَدْر نفسه أثناء رحلاتك كما خلال الفترات التي تكون فيها مقيمًا، وإذا حدثَت لك مصيبةٌ وفقدتَ الحظوة، فإن الكتاب لا يرفض أن يقدم لك خدماته، وإذا هبَّت رياحٌ معاكسةٌ ضدك، فإن الكتاب لا ينقلب عليك. يحدث أحيانًا، أن يكون الكتاب متفوقًا على كاتبه …»

الآن، وقد عرف السيد روش بوجود هذا العدد الكبير من علماء الرياضيات العرب، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو معرفة لماذا ذكر جروسروفر هذَين العالمَين فقط. «إذا كانت فرضيتي صحيحة، قال لنفسه، يجب عليَّ أن أكتشف بأي قصدٍ اختارهما، وما هي الروابط التي أراد أن يرسمها بينهما وبين قصته الذاتية. ربما يكون أيضًا قد قصد تحديد نقاطٍ مشتركةٍ بين عالمَي الرياضيات هذَين، نقاطٌ مشتركةٌ تعطي معنًى.»

قبل أن يتمكن من الرد على هذا السؤال، كان لا بد أولًا أن يكتشف أي الطوسي من الاثنين هو المناسب، شرف أم ناصر؟ إنها مسألة عصرٍ، شرف كان أقرب تاريخيًّا للخيَّام من ناصر.

لم يكن الثلج يتساقط كما في المرة الأخيرة، كان البرد قارسًا، لم تكن هناك نقطة ماءٍ واحدةٌ تسيل من الصنبور. كان الماء يخرج فقط من فوهة الصنبور النحاسية مثل كرية أنفٍ متجمد.

وجد السيد روش مكتبه في الحالة التي تركه عليها؛ أي في حالة فوضى كبيرة. مسوَّداتٌ قد اسودَّت من كثرة الشطب، قدحُ شاي أصبح قعره أصفر، صحفٌ من العام الماضي، وصورتا جوناثان وليا «قبل – بعد». فتح السيد روش الكتاب الوحيد لشرف الموجود في مكتبة الغابة، المعادلات، كتابٌ في الجبر، كما يشير إلى ذلك اسمه. كانت بطاقة جروسروفر تبدأ بهذه الكلمات:

شرف هو الذي أكمل أعمال الخيَّام …

كان الأمر واضحًا! لقد قال جروسروفر ما عنده. إن شرف الدين الطوسي واصل بالفعل، الدراسة الهندسية لمعادلات الدرجة الثالثة، مما أدى به إلى الانطلاق في دراسة المنحنيات، وهذا يعني أنه كان سابقًا لزمنه، رائدًا عبقريًّا، أهم ما قدَّمه هو استخدام شيءٍ يجب تسميتُه المشتقة.

إذا كان شرف هو الطوسي المناسب، فما هي المعلومات المتعلقة بقصة مانوس التي يريد جروسروفر أن يوصلها إليه؟ باختصارٍ، كيف يمكن للثنائي عمر-شرف أن يجعل بحثه يتقدم؟ قرَّر السيد روش أن يذهب لرؤية ما يتعلق بناصر، دافعًا مقعده، توقَّف أمام أعمال ناصر الدين الطوسي وبدأ بسحب كتابه ديوان الحساب، بواسطة اللوحة والتراب.

إن الحاسبين الهنود في القرن الخامس، وعلى أثرهم المكملون العرب، كانوا يكتبون الأعداد مباشرةً على الأرض، سواء كانت أرضًا سهلة الحرث أو على الرمال، أو على لوحاتٍ صغيرةٍ من الخشب مغطَّاة بالتراب أو الدقيق، كانوا يحملونها في أكياسٍ صغيرة … ولهذا السبب أطلقوا عليها اسم «أعداد التراب». تقدَّم السيد روش بضعة سنتيمترات على امتداد الأرفف، وتوقَّف أمام مجموعةٍ من خمسة مجلداتٍ جميلة، انكشاف الأسرار الخاصة بالشكل القاطع. عنوان يثير فيك الرغبة في رفع الحجاب. وضَع المجلدات على مكتبه. كانت كُتبًا في الهندسة، الكثير من الأشكال، من بينها عددٌ كبيرٌ من الدوائر. السبب هو أن هذا الكتاب هو العمل الرئيسي لعلم حساب المثلثات العربي.

في بطاقته، حدَّد جروسروفر أن ناصر الدين الطوسي، كان مع أبي الوفا، المؤسِّس الحقيقي لعلم حساب المثلثات. كان هذا العلم موجودًا، بالطبع، قبله، لكنه كان سواء في اليونان أو الهند أو العالم العربي، مجرد أداة لعلم الفلك، توفِّر الحسابات الضرورية لمعرفة السماء ومواضع النجوم، وحركة الكواكب. لقد منح الطوسي حسابَ المثلثات حروفَ النبالة بجعله فرعًا مستقلًّا من فروع علم الرياضيات، مبنيًّا على هندسة الدائرة والكرة.

إن أسلوب صياغة البطاقة لفتَ انتباه السيد روش. في الواقع، لم تكن مصاغةً للاستخدام الشخصي فقط، أدرك أن ذلك ينطبق على كل البطاقات التي وقعت في يده. لقد كتبها جروسروفر كما لو أنه يتوجه إلى قُراء، كان يريد أن يجعل الموضوعات المتناولة في كل عملٍ من أعمال مكتبة الغابة واضحة. تابعت البطاقة:

مثل كل مؤسسٍ كان لناصر الدين الطوسي سابقون عليه. أولًا عالمَا الجغرافيا والفلك الإغريقيان اللذان عاشا في الإسكندرية؛ هيبارخوس في القرن الثاني قبل الميلاد، وكلوديس بطليموس في القرن الثاني بعد الميلاد. ثم عالما الرياضيات، دائمًا من الإسكندرية، ثيودوسيوس، في القرن الثاني قبل الميلاد، ومينيلوس في القرن الثاني بعد الميلاد.

غريزيًّا، ألقى السيد روش نظرةً على صورتَي جوناثان وليا في رحلة التزلج، اللتَين لا تزالان معروضتَين على مكتبه. تحيَّر من هذه الحركة، وعندما همَّ بمتابعة قراءته فهِم الأسباب. في السطور الأخيرة، كتب جروسروفر «قبل»، و«بعد»، مرتين! أمام تفكيره الواعي نشأ الارتباط مباشرةً مع الصورتَين. «إننا آلةٌ عجيبة!» فكَّر السيد روش. كان يعشق هذا النوع من الصُّدف، التي كان ينظر إليها على أنها تُدخِل ما هو إعجازيٌّ وخارقٌ في السياق المعتدل الأمور الحياة. كعقلانيٍّ منطقي، ورافضًا أي تأويلٍ خارقٍ، لم يرغب في أن يقرأ في ذلك أي شيءٍ آخر واستأنف القراءة.

بعد إقليدس وهندسته المستوية بقرن، أطلق ثيودوسيوس، ثم مينيلوس هندسة الكرة في الكرات. أنجز مينيلوس عددًا كبيرًا من خواص الأشكال الهندسية المرسومة على كرة. خاصةً المثلثات الكروية، التي أثبت بخصوصها نتيجةً أساسية؛ مجموع زوايا المثلث الكروي أكبر من ١٨٠ درجةً.

أكبر؟ أعاد القراءة. نعم، نعم، أكبر، ليس مساويًا! وهو الذي اعتقد أن مجموع زوايا المثلث يساوي ١٨٠ درجةً. هذا ما كان الإغريق يؤكدونه! لكنه ليس «مساويًا» إلا في مستوى مسطح، وليس في موضعٍ آخر. موضع آخر؟ اضطُر السيد روش أن يُقرَّ أنه لم يطرح على نفسه قط السؤال: «كيف تجري الأمور عندما يجد المرء نفسه على منحنًى؟»، «هل النتيجة التي توصَّل إليها مينيلوس تؤكد شيئًا آخر غير أن «مثلثًا مفرودًا على قشرة برتقالة يكون «أكبر» من مثلثٍ مفرود على ورقة شجرة برتقال»؟»

في وقتٍ متأخرٍ من حياته، بعد أكثر من ثمانين عامًا عاشها على سطح كرة. أدرك أنه رجل «المستوى المسطَّح»، لم يفعل قط سوى التفكير في إطار سطح. باختصار، كان إقليديًّا صِرفًا. هل تأخَّر الوقت جدًّا لاكتساب رؤية أكثر استدارةً للأشياء؟

متقدمًا ببطء نحو الأرفف، لم يتمكن السيد روش من إخفاء ارتباكه. «مجموع زوايا المثلث يساوي ١٨٠ درجةً»، هذه الجملة، التي يتذكَّر أنه سمعها دائمًا تُعلَن كحقيقةٍ مطلقةٍ منفصلةٍ عن أي سياق، كانت في الواقع حقيقةً مقيدةً بشروط. إنها تتعلق بالطبع بكل مثلثات العالم، لكن مثلثات العالم المسطحة. إن الصفة غيَّرت كل شيءٍ كما في الحياة.

إن هذه الضرورة التي تتمتع بها الرياضيات، أكثر من أية معرفة أخرى، ضرورة تحديد الإطار الذي يكون فيه الإثبات صحيحًا، وفي ظل أية ظروفٍ، وبأية فرضياتٍ، يجعلها مثالية. من خلال هذه السطور القليلة المكتوبة على بطاقة جروسروفر، اكتشف السيد روش إلى أي مدًى يمكن أن يكون علمُ الرياضيات، فلسفيًّا، وحتى سياسيًّا، مدرسةَ تدريبٍ ضد التفكير المطلَق.

ما هي البديهيات التي يصرخ بها المنادون، والخطباء الغوغائيون عندما يريدون إخراسك؟ يضربون بالمحتوم: «مثل ٢ + ٢ يساوي أربعة!» حسنٌ، بالضبط لا تكون ٢ + ٢ تساوي أربعة في كل مكانٍ! إنها «تساوي» حيث يُقال لها أن تكون كذلك. إنها تساوي ذلك في عالم الأعداد التي نستخدمها يوميًّا.

لكن هناك عوالم عددية أخرى؛ حيث تحديدًا تكون ٢ + ٢ تساوي شيئًا آخر غير أربعة. بل هناك عوالم عددية يكون فيها ٢ + ٢ تساوي صفرًا! فظاعة. إذن، الرياضيات تهرب من الحُجَج المفروضة بالقوة! …

كان السيد روش مبتهجًا! إن الرياضيات لا تنادي بحقائقَ مطلقة، لكن بحقائقَ محصورة، حقائق محصورة لكنها صُلبة! وتصوَّر أنه كان يكاد أن ينهي حياته مارًّا مرور الكرام إلى جوار هذا الكشف المذهل!

إن تردُّده المستمر على مكتبة الغابة، جعله يبدأ في مغازلة الرياضيات التي كانت تمثل بالنسبة له، حتى ذلك الحين، عالمًا فاتر العاطفة وأخرق؛ حيث الحقيقة، تمثالٌ حقيقيٌّ لفارسٍ آمرٍ، تمنع الارتباط بعلاقاتٍ شهوانيةٍ وانفعاليةٍ مع الموضوعات محل الدراسة إن إدراكه حقًّا أن الحقائق الرياضية لا تتجاوز عوالم المعرفة، لكنها تشارك في جوهر الحيز الذي تتأكد فيه كحقيقة، كان له تأثيرٌ مثيرٌ للنشوة، ومنحه رغبةً حقيقيةً في المُضيِّ قدمًا.

بالنسبة إلى السيد روش لم تكن المفاهيم الفلسفية أبدًا أفكارًا باردةً، من الاختصاص الحصري للعقل. كان يعيش هذه الأفكار كأنها كائناتٌ حساسةٌ يعقد معها علاقاتٍ ماديةً، تتكون من إحساسٍ وانفعالٍ، وارتباطٍ وأحيانًا، من نفورٍ. وفي ذلك، كان فيلسوفًا.

بعدَ ما حدث، ربما يكون في طريقه لعقد روابط مماثلة مع الأشياء التي كانت تعمُر عالم الرياضيات. فكر أن هذا الانفتاح على كائناتٍ أخرى، يدين به بلا شَكٍّ إلى حقيقة أنه لم يعُد يستطيع السير وأنه مقيَّد الحركة. لقد وجد في هذا الفقد للحرية في الحيز المادي الفرصة لمعالجته باستبداله بأحوزةٍ جديدةٍ للفكر. إن كل شخصٍ يتخلص من مشكلته قَدْر ما يستطيع. إذا تمكن من التخلص منها!

توجَّه نحو مكتبه، وذهنُه فائرٌ، استأنف قراءة البطاقة عن كتاب ناصر الدين الطوسي في المكان الذي تركَها فيه.

إن السيد روش لم يكن يحتفظ بذكرياتٍ طيبةٍ على الإطلاق عن «حساب المثلثات». كميات كبيرة من القوانين المطلوب تطبيقها عن ظهر قلب، من أجل إجراء كمياتٍ كبيرة من الحسابات المُمِلة التي تُفيد في إجراء حساباتٍ من أجل … لك أن تعرف؟

كان قد بدأ بسذاجةٍ يفهم أن الأمر يتعلق، هنا أيضًا، بعلاقاتٍ بين المنحنى والمستقيم، بين أقواس الدوائر والأوتار التي تدعمها؛ إيجاد قيمة طول الوتر تبعًا لنصف قطر الدائرة. لا يمكن أن يكون اختيار الكلمات أكثر بلاغة. في سلاح الصيد، يصبح الوتر مستقيمًا نتيجة الضغط الذي تمارسه العصا الخشبية على طرفَيه، بينما يصبح القوس مقوسًا بالحدود التي يفرضها عليه الوتر المشدود. سيبدو وكأن أصل كلمة وتر من كلمة «أمعاء» بلغة الحيثيين، التي أعطت كلمة «سجق» باليونانية. وبالعربية نقانق، أضاف السيد روش جذلانًا، وهو يفكِّر في حبيبي. لقد وجد صعوبةً في استعادة وقاره.

علم السيد روش، وهو يقرأ دائمًا البطاقة، كيف انتقل حساب المثلثات من الدوائر إلى المثلث، بإقامة علاقات بين الزوايا والأضلاع. وبقيامه بذلك، يقدم وسيلةً ثمينةً للانتقال من قياس الزوايا إلى قياس الأضلاع والعكس صحيح. وأبدى إعجابه بالانتقال المزدوج «منحنًى – مستقيم» في الدائرة و«زاوية – قطعة مستقيمة» في المثلث.

وكانت إحدى مهام علم الفلك وضع الجداول. الجداول الأولى، جداول هيبارخوس، فُقدت. أما بالنسبة لجداول بطليموس، فإنها أقامت تناظرًا بين أطوال الأوتار والقيم المختلفة للأقواس. وأدرج جروسروفر ملحوظةً صغيرةً:

جداول الأوتار هي أول أمثلة للدوال في تاريخ الرياضيات. إن الإغريق اعتادوا في تلك الفترة، تقسيم الدائرة إلى ٣٦٠ درجةً.

بعد ذلك استبدل الهنود جداول جيوب الزاوية بجداول الأوتار، نظرًا لأن استخدام جداول جيوب الزاوية أسهل. إن جيب الزاوية ليس سوى نصف الوتر. وقد أتت التسمية من جيفا باللغة السنسكريتية: «وتر قوسي». وأعطى ذلك بالعربية جيبًا: «جيب الملابس». دون أن ننسى أن جيب الزاوية باللاتينية = نهد!

عاد السيد روش إلى البطاقة.

إن دقة أية حساباتٍ فلكيةٍ ترتكز على صحة جدول جيوب الزاوية، المرتبطة إقامته على قضية إثلاث الزاوية! كان الخوارزمي أول عالم رياضيات عربي يضع جداول جيب الزاوية.

ها هي قضية الإثلاث مجددًا! إن ذلك ممتعٌ. على ما يبدو لا تزال بدون حلٍّ. يبدو أن هذا الخوارزمي قد تعامل مع كل شيءٍ، نجده مجددًا في بداية كل مجالات الرياضيات العربية تقريبًا. إنه طاليسُ فائقٌ!

كما لو أن جروسروفر قرأ أفكاره، كتب، ليتابع:

بعد ذلك مباشرةً اخترع حبش الحسيب ظل الزاوية. الحسيب تعني «الذي يحسن الحساب». وظل الزاوية هو الأداة المثالية لقياس ارتفاع جسمٍ ما.

ملحوظة: يتم تحديد الارتفاع الشهير لهرم خوفو مباشرةً، إذا كان لدينا جدول ظل الزاوية. وطاليس لم يكن لديه مثل هذا الجدول …

وجد السيد روش مجددًا فرسان حساب المثلثات الأربعة، جيب الزاوية، وجيب التمام، وظِل الزاوية، وظِل التمام. تناول قلمًا، ومسطرةً، وفرجارًا ورسم على عجلٍ رسمًا، واسترجع فجأة كل شيء.

من أجل وضع هذه الجداول بالطريقة الأقرب للكمال، كان علماء الرياضيات العرب يحتاجون إلى خلق نظرية، أضاف جروسروفر، وهو ما قادهم إلى إنشاء قوانين حساب المثلثات الشهيرة، هاجس العديد من الطلبة.

جتا (ا + ب) = جتا ا × جتا ب − جا ا × جا ب

جا (ا + ب) = جا ا × جتا ب + جا ب × جتا ا

إلخ.

بفضل هذه القوانين يمكن مثلًا، إذا عرفنا جيب وجيب تمام الزاوية ا والزاوية ب، يمكننا حساب جيب وجيب تمام الزاوية (ا + ب) أو الزاوية (ا – ب). هذا إذن ما تفيد فيه هذه القوانين الكريهة! ويتم أولًا بأول استكمال جداول حساب المثلثات انطلاقًا من بعض القيم البسيطة المعروفة.

وعلى هذا الجهد أقفل السيد روش كتاب الطوسي، راضيًا أخيرًا بمعرفة ما هو حساب المثلثات، لكنه محبطٌ لأنه لم يعثر على شيءٍ يصنع ارتباطًا بين عمر وناصر الدين فيما يتعلق بنشاطهما في مجال الرياضيات. باستثناء نقطة واحدة، هي أن الأول كان مجال نشاطه الجبر بشكلٍ خاص، أما الثاني فاهتم بحساب المثلثات والفلك. منطقيًّا، إذا كانت هناك روابطُ رياضية بينهما فلن توجد إلا في المجال الثالث: الهندسة.

غادر السيد روش الغرفة-الجراج بعد أن وضع عباءته. عباءة مقصوصة لتقف عند الخصر، وكأن مصابيح الشارع انتظرت خروج السيد روش لكي تضيء. كان الليل لم يهبط تمامًا بعدُ. إن الضوء الكهربي الماهر جدًّا في مقاومة الليل البهيم لم يكن يستطيع شيئًا أمام الغبش. نزل السيد روش المنحدر في اتجاه ميدان إميل – جودوه، بلفتَين من عجلات مقعده. كان رأسه … مَرَّ بذهنه تعبيرُ الصبيَّة: «رأسٌ مِثل المقشة». كان الهواء منعشًا وجافًّا. تزويد الخلايا العصبية بالأكسجين! كان في حاجةٍ إلى تمرين.

لا توجد قطةٌ واحدة. الشيء الجيد مع حلول الشتاء، إنه لا يجعل فقط أوراق الأشجار تختفي، لكن سياح مونمارتر أيضًا.

قبل العودة إلى البيت ألقى نظرةً على المكتبة عبْر الواجهة الزجاجية، لا أحد. إن فترة ما بعد الأعياد هي أسوأ فترة، غير أنه، مع الشتاء ولياليه الطويلة، من المفترض أن يكون ذلك هو الوقت المثالي للقراءة. جالسةً أمام طاولةٍ صغيرةٍ من الخيزران، إلى جوار الخزانة، كانت بيرت مستغرقةً في دفتر المحاسبة الكبير.

بعد برد الشارع، بدا له مرسم مكتبة الغابة حارًّا. أضاء بعض المصابيح، وانطلق إلى الأمام من أجل الهندسة!

هل سيعثر أخيرًا على الروابط المتوقَّعة بين عمر وناصر الدين؟ أخرج، لعمر، كتاب تعليقات على الصعوبات الخاصة ببعض مسلَّمات كتاب إقليدس. لا داعي لفتح الكتاب لمعرفة أنه يتناول الهندسة كان السيد روش يتذكر أن أعمال إقليدس لا تتضمن سوى مسلَّماتٍ في الهندسة.

بالنسبة لناصر الدين لم يعثر على أي عملٍ يتعلق بهذا الفرع. ألا يوجد شيءٌ مشتركٌ بين الكاتبَين فيما يتعلق بأعمالهما الرياضية؟ كان السيد روش يشك في ذلك. إذا كانت فرضيتُه جيدة، فإن العمل المطلوب لا بد أن يكون بالضرورة في مكتبة الغابة، لكن أين؟

تحرك السيد روش ببطءٍ بمحاذاة الأرفف، وهو يقرأ بعنايةٍ كل عنوانٍ، كان قد وصل تقريبًا إلى نهاية القِسم (٢) المكرَّس الرياضيات العربية، عندما وقع نظره على عملٍ بعنوانٍ مثير للدهشة؛ كُتيب يخلِّص من الشكوك المتعلقة بالمستقيمات المتوازية، كان مؤلفه هو ناصر الدين الطوسي، وكان ذلك كتابًا في الهندسة!

وضع السيد روش، منتعشًا، الكتابَين على مكتبه المزدحم. وطبقًا للترتيب الزمني، فتح أولًا كتاب الخيَّام الذي نزع منه البطاقة بخفة.

يتعلق العمل بالمسلَّمة رقم ٥ الخاصة بالخطوط المتوازية. إن هذه المسلَّمة لم تكُف عن إثارة قلق علماء الرياضيات منذ أن افترضَها إقليدس، ما الذي يُعاب عليها؟ إن نصها يماثل نصَّ نظريةٍ أكثر منه نصَّ مسلَّمة، زدْ على ذلك أنها المقابل للنظرية. والحالة هذه، لا يمكن تجاوزها؛ إذ بدونها لا تُوجد نظرية فيثاغورس، إن هذه المسلَّمة هي التي تسمح بإثبات أن مجموع زوايا المثلث المسطَّح يساوي ١٨٠ درجةً، أو ببساطة إثبات وجود مستطيلات. شيءٌ تافهٌ!

لمعالجة هذا العجز، أراد علماء الرياضيات بشكلٍ مستمرٍّ عزلها عن وضعها كمسلَّمة لإعادتها، بشكل أكثر ركاكة، إلى وضع النظرية. لقد استبسلوا في إثباتها (واستنتاجها من بديهياتٍ ومسلَّماتٍ أخرى). ما الذي يقوله الخيَّام بهذا الخصوص؟ مستقيمان متعامدان مع مستقيمٍ ثالثٍ لا يمكنهما أن يتلاقيا أو يتباعدا من الناحيتَين في آنٍ واحد.

وهو ما دفع الخيَّام إلى اقتراح تفسيرٍ آخر للمتوازيات؛ يكون مستقيمان متوازيَين إذا كانا متعامدَين على مستقيمٍ ثالث. الميزة: اختبار التوازي بشكلٍ مباشر، تحت أعيننا. العيب، بما أنه خاضعٌ للتعامد، لم يعُد التوازي خاصيةً أولية. وهو ما يستتبع أنه لا يمكن اختبار توازي مستقيمَين مباشرة. إذا أردنا القيام بذلك، يجب المطالبة بمستقيمٍ ثالث. أنا لا أحب ذلك كثيرًا.

غنيٌّ عن البيان أن السيد روش لم يفهم كل ما قرأَه لتوِّه، إلا أن ذلك ذكَّره مزحةً كانت شائعةً أثناء فترات الفسحة المدرسية بين الدروس: إن الخطوط المتوازية مثل قضبان القطار، تدور في الوقت نفسه! أغلق كتاب الخيَّام وفتح كتاب الطوسي. أشكالٌ رائعة! البطاقة.

لقد أراد ناصر الدين الطوسي، هو أيضًا إثبات المسلَّمة الخامسة. عاب على الخيَّام أنه أخطأ، لكن هو أيضًا اقترف خطأً في براهينه. كان ناصر يريد إثبات المسلَّمة الخامسة انطلاقًا من حقيقة أن الخط المتعامد مع مستقيمٍ والخط المائل بالنسبة إلى المستقيم نفسه لا بد أن يتقاطعا.

لم يتوصل الطوسي مثله مثل الخيَّام إلى إثبات المسلَّمة رقم ٥، ولا أي عالم رياضياتٍ عربيٍّ آخر، وظلت القضية مفتوحةً أمام علماء الرياضيات الغربيين الذين سيأتون بعد ذلك. إنها بمثابة شوكةٍ مزروعةٍ في الجسم الهندسي.

ملحوظة: اقترح ناصر الدين الانطلاق من المسلَّمة التالية: «إذا تباعدَت خطوطٌ مستقيمةٌ واقعةٌ في المستوى نفسه في اتجاهٍ معينٍ لا يمكنها أن تتقارب في هذا الاتجاه إلا إذا كانت لا تلتقي.»

ها هي العلاقة! عمر وناصر الدين ارتبطا هما الاثنان ببرهنة المسلَّمة رقم ٥، ولم يتوصل أيٌّ منهما إلى ذلك!

ما الذي يُستنتج من ذلك؟

وهو يُرتِّب مكتبه، حسب السيد روش محصلةً سريعة. كان الحصاد هزيلًا. وللمضي قُدمًا، كان عليه أن يعلم المزيد عن حياة كُلٍّ من الخيَّام وناصر الدين الطوسي. ربما عندئذٍ قد تظهر روابطُ مقنعة أكثر. تخلص السيد روش من أوراق المسوَّدات ودسَّ قدحَ الشاي في جيبه ليغسله من صنبور الفناء، وأخذ الصورتَين ليضعهما في المظروف. انزلقَت قطعة ورقٍ صغيرةٌ من المظروف وذهبَت لتستقر أبعدَ ما يمكن. ليس تحت المكتبة، كما حدث مع أول بطاقة لجروسروفر. انحنى السيد روش لكي يلتقطها. لم يتمكَّن من ذلك، تناول الكُلَّابة الطويلة الموضوعة تحت مقعده ولا تغادره أبدًا. أعاد قطعة الورق. كانت ورقة سجائر كتبَت عليها ليا: «السيد روش، بعد سقطاتٍ عديدة، نقترح عليك المسلَّمة التالية: «بين قدمٍ خارجية وزلَّاجة، لا تمُر سوى زلاجةٍ واحدةٍ وواحدة فقط موازية للزلاجة المعنية».»

يرتفع البرج الزجاجي الكبير لشينجوكو إن إس لأعلى من مائتَي متر، منتصبًا وسط حي الأعمال الشهير بطوكيو، تجذب البناية كل الأنظار، لكن داخل المبنى مذهل أكثر. جذعٌ مفرغٌ لم يتبقَّ منه سوى القشرة الخارجية، ٦٠٠٠ لوحٍ زجاجي. تؤكد ذلك نشرات البلدية.

لا أحد يعرف لماذا على ارتفاع الدور التاسع والعشرين من مبنى شينجوكو إن إس، وهناك فقط، يوجد جسرٌ داخلي، يتخطى الهوة على ارتفاع مائة متر تقريبًا؛ بحيث يسمح بعبور المبنى في خطٍّ مستقيمٍ، دون الحاجة إلى الالتفاف حول الفراغ المركزي، كما هو الحال بالنسبة إلى كل الطوابق الأخرى.

وعلى هذا الجسر المشيد في وسط غابة المدينة، كان هناك رجلٌ يمشي متعجلًا؛ فبعد أن سوَّى بعض الأعمال التي كان يوجد في طوكيو من أجلها، توجَّه نحو محطة قطار شيبويا؛ حيث كان لديه موعد عند قاعدة تمثال الكلب. دفع بقوةٍ مجموعةً من الطلبة في زي بحارة كانوا يسدون عليه الطريق وسط الجسر وهم يثرثرون، كان الرجل لا يزال يتذكر القصة التي رواها له توًّا أحد «زبائنه» بخصوص هذا التمثال، وهو مكانٌ معتاد للمواعيد في العاصمة اليابانية.

حدث ذلك في نهاية العشرينيات من القرن العشرين. كل صباحٍ، كان أستاذ جامعي يتوجه إلى محطة قطار شيبويا، بصحبة كلبه هاشيكو. وقبل ساعة عودة سيده بقليلٍ، كان هاشيكو يعود إلى المحطة وينتظره، وبعد ذلك يعودان معًا إلى المنزل. ودام هذا الحال سنوات، ذات مساءٍ، لم يعُد الأستاذ. خلال النهار، صدمَتْه سيارة ومات من فوره. لم يخبر أحدٌ الكلب. في كل مساءٍ، كان هاشيكو يعود إلى محطة شيبويا لانتظار سيده. وعندما كان آخر مسافر ينزل، كان هاشيكو يعود من حيث أتى. دام ذلك سبع سنوات. وفي عام ١٩٣٥م، مات هاشيكو. وتخليدًا لذكرى هذا الإخلاص، أقام سكان طوكيو تمثالًا لتكريم هاشيكو. إن تحديد موعد عند تمثال الكلب، يعني التأكد من أن سيتم انتظارك قَدْر ما يحتاج الأمر.

لم يُضطَر الرجل إلى الانتظار. كان «زبونه» موجودًا هناك. إنها الدقة اليابانية. وأُبرمَت الصفقة سريعًا. كان اليوم طيبًا. سيكون صاحب العمل راضيًا.

هبط الليل على طوكيو. كان ذلك بعد أعياد الميلاد ببضعة أيامٍ. ولأنه مرتبطٌ بالتقاليد، أسف الرجلُ أنه لم يقضِ الأعياد مع أسرته. إنه العمل، سيعوض ذلك بأن يدعوَ نفسَه في أحد أرقى مطاعم المدينة.

استمتع بتناول التاكوياكي، فطائر الإخطبوط الشهية التي لا تُوجد إلا في طوكيو، والسوشي، المندَّى بوفرة بالساكي ذي النوعية الفاخرة. لقد شبع، والسهرة كانت قد بدأَت بالكاد.

أوصلَتْه سيارة التاكسي إلى كابوكي شو، أحد أحياء طوكيو الساخنة ليلًا. مندهشًا من طول الطريق، شرح له السائق أن كل وسط المدينة يشغله القصر الإمبراطوري وحدائق شاسعة، ممنوع عبورها.

– في شينجوكو إن إس، يوجد على الأقل، ممرٌّ مباشر في الطابق ٢٩! أشار الرجل.

– إن البنايات أمريكيةٌ، أما الحدائق فيابانيةٌ، أجاب السائق.

تركه التاكسي أمام مدخل حانة غنائية، كاراوكيه، دفع الرجل الباب وأصبح على الفور محاطًا بالجو الرطب والعذب لمثل هذه الحانات الغنائية. على خشبة مسرحٍ صغيرة، وتحت أضواء كشافاتٍ ضعيفة، كانت امرأة واقفة تغني، بمصاحبة خلفيةٍ موسيقيةٍ مسجَّلة. إنها إحدى الزبائن.

على الرغم من أكتاف حمَّال الميناء الذي كان يتسم بها وهيئته العنيدة، كان الرجل رقيقًا، يعشق أغاني الحب. كانت تجعله ينهار. عادت المغنية إلى طاولتها، وسط تصفيق الزبائن الآخرين.

اقترب منه مقدم الحفل: «أنت فرنسيٌّ؟» وافق الرجل. في الواقع، كان إيطاليًّا، لكن كان الأمر هكذا أبسط. مدَّ له مقدِّم الحفل الميكروفون: «اليابانيون يحبون كثيرًا الأغاني الفرنسية. أتغنِّي؟» لقد تحدث معه بالفرنسية وليس بالإنجليزية، رفَض الرجل العرض. قام المقدم بحركةٍ فجائيةٍ، أفلَت الميكروفون من بين يدَيه، وفي ردِّ فعلٍ تلقائيٍّ وبسرعةٍ فائقةٍ التقطه الرجل قبل أن يلامس الأرض. كانت تلك حيلة من مقدم الحفل؛ فالميكروفون مربوطٌ بخيطٍ ملفوفٍ حول معصمه، انفجرَت القاعة بالضحك؛ فالجمهور كان معتادًا على هذه الحيلة. وجد الرجل نفسه والميكروفون في يده. لم يعُد يستطيع الرفض. دفعه مقدم الحفل نحو خشبة المسرح، مقدمًا له دفترًا منقولًا فيه كلمات الأغاني الفرنسية.

ساد الصمت واستمع الجمهور مفتونًا إلى هذا الرجل القوي، الذي يرتدي بدلةً مخططةً لا تشوبها شائبةٌ، يغني: «كلمني عن الحب، قلْ لي مجددًا أشياء رقيقة …» كان جميلًا.

ضجَّت القاعة بالتصفيق. وذهب الرجل ليجلس مجددًا. في الطاولة المجاورة رفعَت سيدتان شاباتان وجميلتان كأسَيهما في اتجاهه. رفع كأسه وشربوا في صحتهم وفي صحة أغاني الحب. إحدى السيدتَين، التي كانت تغني لحظة وصوله، عرضَت أمامه صحيفة ووسط ضحكاتٍ صغيرة، وبلكنةٍ جذابةٍ جدًّا: «باريس! باريس!" ثم مفتشةً في حقيبتها، أخرجت صحيفةً مجعدةً، فردَتْها على صفحة محددة. كانت هناك صورةٌ منشورة في وسط الصفحة. تعرَّف الرجل على هرم اللوفر. تحت الصورة شرح، لم يفهم منه ولا كلمةً واحدة.

ثم، دون أن يعرف لماذا، نظر مجددًا إلى الصورة في اللحظة التي كان سيعيد فيها الصحيفة. رد فعلٍ محترف «يا إلهي!» أطلق زمجرةً قويةً لدرجة أن السيدة الشابة، سحبَت يدها، مذعورة.

في وسط الصورة، لاحظ لتوِّه صبيًّا مع ببغاء جاثم على كتفه! قام كالإعصار، قذف بورقةٍ نقديةٍ على الطاولة وغادر الحانة، والصحيفة في يده.

دخل في أول ممرٍّ تجاريٍّ، واندفع نحو آلة النسخ، فرَدَ صفحة الصحيفة على الزجاج، وضع الصورة في المنتصف تمامًا، وبَرمَج الجهاز لتكبير الصورة. كانت آلة النسخ ذات نوعيةٍ ممتازة، نوعية يابانية! ما الساعة الآن في باريس؟ فرْق توقيت ثماني ساعات، يكون الوقت هناك منتصف فترة ما بعد الظُّهر. لا يجب تضييع دقيقةٍ واحدة.

على مسافةٍ أبعد قليلًا في الممر، يوجد تجمع محلات يمكن منه إرسال فاكس. طلب ورقة، أخرج قلم حبرٍ من الذهب، في سُمْك سيجار هافانا، وكتب: «ها هي صورة للصبي، إن الببغاء موجودٌ في باريس، كما ترى في الصورة. الدور عليك! اعثر عليه سريعًا!» أرسل الصورة والرسالة إلى معاونه في باريس.

استرخى. سيكون صاحب العمل راضيًا. أصلح سترته المخططة الأنيقة وغادر المحل. كان هو أحد الشخصَين الأنيقَين، الكبير، اللذَين تشاجر معهما ماكس في مستودع كلينيانكور للسلع المستعملة.

دخل السيد روش إلى الكابينة الزجاجية التي قادته إلى السماء السابعة للمكتبة. ليعرف المزيد عن حياة عمر الخيَّام، قرر العودة إلى معهد العالم العربي. وأيضًا لأنه كان يرغب ببساطةٍ في العودة إليه. مثل المرة الأولى، قام ألبير بتوصيله عند ركن رصيف سان-برنارد وجسر سولِّي، ومثل المرة الأولى أيضًا، انتظر دهرًا قبل أن يتمكن من العبور.

وبمجرد وصوله، اندفع مثل صبي في المنحدر الحلزوني لبرج الكتب الذي قاده إلى وسط قاعة المكتبة؛ حيث وجد مجددًا بسرورٍ الطاولات المعدنية والمقاعد ذات الظَّهر المستدير.

بعد أن تسوَّق في الأرفف، استقر، ثم نظر في جميع الجهات، كان يبحث عن الحسناء ذات الشَّعر الأسود التي ساعدَته بودٍّ في المرة الأولى لم تكن هناك، باشر العمل، لا سيما أنه كان مرتبطًا بموعد الساعة الخامسة في الطابق التاسع في مطعم الشرفة، مع أبناء ليارد الثلاثة.

وُلد عمر الخيَّام يوم ١٨ يونيو ١٠٤٨م، في قريةٍ فارسيةٍ صغيرةٍ من قرى خراسان، بلد الشمس المشرقة. كان اسم والده إبراهيم، وهو اسم أبراهام بالعربية. وكان يبيع الخِيام.

عندما أصبح عمر شاعرًا وكان عليه أن يختار اسمًا، اختار «الخيَّام»؛ ابن مَن يبيع الخِيام. في عصرٍ كانت فيه الرحلات طويلةً جدًّا والقوافل كثيرةٌ جدًّا، كانت الخِيام تجارةً رائجة. أرسل إبراهيم ابنه يدرس في مدرسة نيسابور. وسرعان ما أصبح لعمرَ أصدقاء. اثنان بشكلٍ خاصٍّ، عبد الكاظم وحسن الصباح. وأصبح الثلاثي لا يفترق معًا، عاش الشباب لحظاتٍ رائعةً من الدراسة والمتعة، ومثل كل طلبة العالم في جميع العصور، أمضَوا أمسياتٍ مجنونةً في حفلاتٍ لا تنتهي.

وفي نهاية إحدى تلك الأمسيات اقترح أحد الأصدقاء الثلاثة، لا يعرف مَن. عهدًا على الاثنَين الآخرَين. «نُقْسِم على الإخلاص. إننا نحن الثلاثة أندادٌ ومتساوون، ويجب ألا يتوقف ذلك. وإن أول مَن يبلغ المجد والثروة من بيننا سيساعد الآخرَين.» وأقسموا.

كان أول من بلغ المجد هو عبد الكاظم، لقد أصبح الصدر الأعظم للسلطان ألب أرسلان، تحت اسم نظام الملك. ذهب الاثنان الآخران لزيارته. لم يكن قد نسي العهد الذي يربطهم.

إن ذلك يشبه أسطورةً من طراز ألف ليلة وليلة، واصل السيد روش.

اقترح نظام الملك على عمر منصبًا مهمًّا في البلاط. رفض عمر: «لا أريد منصبًا، أكبر معروفٍ تستطيع أن تقدِّمه لي هو أن تعطيني الوسائل للاستمرار في الدراسة بقَدْر ما أحتاج إلى ذلك.» منحه نظام الملك إيرادًا وشيَّد له مرصدًا في مدينة أصفهان.

وجاء الدور على حسن. إنه على النقيض، قبِل على الفور المنصب المهم الذي منحه له نظام الملك. ولأنه ذكيٌّ ومثقفٌ، سرعان ما حاز حسن على إعجاب السلطان، لكن ها هو يبدأ في التآمر على نظام الملك، يكيد له باستمرارٍ لأخذ مكانه، لكن الوزير حذرٌ وداهيةٌ، فتجنَّب الضربة واستصدر حكمًا بالموت على حسن. تدخَّل عمر لدى السلطان لإنقاذه من الموت. طُرد حسن من المدينة، لكن كان عليه أن يغير باستمرار مكان إقامته للإفلات من رجال نظام الملك الذي أقسم على الانتقام. رحل بحثًا عن ملجأ آمنٍ يجعله في منجًى من مُلاحقيه.

في جنوب بحر قزوين تنتصب سلسلةٌ طويلةٌ من الجبال، البروز، يبلغ ارتفاع أعلى قممها ٦٠٠٠ مترٍ. سمع حسن عن قلعةٍ حصينةٍ في الجبل، فقرر الذهاب للاحتماء فيها.

رحل، مصحوبًا بمجموعةٍ صغيرةٍ من الرفاق. وسط الجليد والثلج، وبعد أن سلك طرقًا مرعبة، وسار بمحاذاة شُعَبٍ وعرة، وعبَر مضايقَ كئيبة، وبعد أيامٍ من السفر رأى معلقًا في أعلى الجبل، وكرًا حقيقيًّا للعُقاب. قلعة ألموت! محاطة بحُفرٍ مملوءةٍ بالماء المجمد. ولدخول القلعة، طريقٌ واحدٌ، جسرٌ متحركٌ مشيدٌ عموديًّا فوق الوادي.

أدرك حسن من النظرة الأولى أن القلعة منيعة. قرر الاستيلاء عليها، لكن بما أنها منيعةٌ، لم يكن يستطيع الاستيلاء عليها بالقوة. بعد أن أمر رفاقه أن يختبئوا، تقدم وحده وطلب مقابلة قائد المكان. أنزلوا الجسر، ورفعوه على الفور بعد مروره، نادى حسن قائد المكان: «لديَّ هنا جلد ثور». وفرد جلد الثور. «سأعطيك ٥ آلاف قطعةٍ ذهبية إذا بعتَ لي كمية الأرض التي يمكن تحديدها بواسطة هذا الجلد.»

لم يُصدِّق قائد المكان أذنَيه، أراد رؤية الذهب. أظهر له حسنٌ الذهب. عد القائد القطع الذهبية ٥٠٠٠! قبِل العرض مقتنعًا بأنه يتعامل مع مجنونٍ: «أعطني هذا الذهب وسأتنازل لك على الفور عن الموضع الذي تختاره.» أنزلوا مجددًا الجسر المتحرك، وتوجَّه حسن نحو أسفل جدران القلعة، وأشار بإصبعه نحو الأرض، لكن بدلًا من فرد جلد الثور على المكان الذي اختاره زرع فيه وتدًا، وأخرج من ملابسه سكينًا طويلة، وقطع الجلد إلى شرائح رقيقة، ووصل الشرائح متلاصقةً فيما بينها، وربط طرف حبل الجلد الذي صنعه لتوِّه بالوتد. وممسكًا بالطرف الآخر، بدأ يمشي على امتداد الجدار. وسرعان ما دار حول القلعة. لقد أحاطها بجلد الثور الخاص به. أصبحَت القلعة له! لا سيما أن رفاقه استغلوا ذلك للدخول داخل الأسوار. غادر القائد السابق المكان ومعه اﻟ ٥٠٠٠ قطعة ذهبية.

وبمجرد أن استقرَّ حسن، أجرى تحولاتٍ غريبةً.

في الناحية الأخرى من الجدران الكئيبة، وفي ركنٍ بعيدٍ من القلعة، وبمعزل عن العيون شيَّد جنةً حقيقية! حدائق غنَّاء، وجداول من البلُّور، وأيكات، وأحواض ورود.

وتتم حراسة دار النعيم حراسةً صارمة. فيما عدا بعضَ المقربين، لا أحد كان يعرف بوجودها. إنها مكانٌ سريٌّ اختار له حسنٌ دورًا خاصًّا جدًّا.

كان السيد روش وهو يقرأ ويكتب الملحوظات، يرصُد بطرف عينه انغلاق الحواجز. لقد احتفظ من هذا الحدث بذكرى مؤثِّرة. لم تنغلق الحواجز عند أية لحظة. مما يعني إلى أية درجة كان الضوء في الخارج ضعيفًا.

انتقى حسن بدقةٍ بضع عشرات من الشبان، اختارهم من الشرق كله لطاقتهم وصفاتهم كمقاتلين، وتم اقتيادهم إلى الموت؛ حيث كانوا يتابعون تدريباتٍ مكثفةً لشهورٍ طويلةٍ ليصبحوا مقاتلين مستعدين لكل أنواع المعارك. وفي اليوم الأخير من تدريبهم، يقيم لهم حسن وليمةً كبيرة. ويجعلهم يتعاطَون في نهاية الوليمة كمياتٍ كبيرةً من المخدرات. عشب، كان يملك منه مخزونًا ضخمًا. وهم مستغرقون في نومٍ عميقٍ، يتم نقلهم إلى الحدائق السرية. وعندما يستيقظون في اليوم التالي، لا يصدقون عيونهم. إنهم في الجنة! جنة عامرة بالفتيات الرائعات، منحنيات على وساداتهم، وينتهين بإيقاظهم بكل أنواع المداعبات.

وعندئذٍ يبدأ نهارٌ من الملذات التي لم يحلموا بها قط حتى في أكثر أحلامهم جنونًا. وعند حلول المساء، وأثناء عَشاءٍ فخمٍ في الحديقة، يجعلونهم يتعاطَون، مجددًا، هذا العشب ذا التأثيرات الغريبة. ثم ينقلونهم إلى حجراتهم.

عند استيقاظهم مأخوذين بحالة إثارةٍ شديدةٍ لا شيء يستطيع إيقافهم، كان حديثهم لا ينضب، عن جمال الفتيات، وعذوبتهن، وغرامهن، والبساتين الغنَّاء، والطيور ذات الألف لونٍ، وأطباق الطعام والفواكه، وأنواع النبيذ … حُلم. لكنه كان قويًّا جدًّا. وحاضرًا جدًّا. هدأهم حسن وبكل السلطة التي كان يتمتع بها. أكد لهم أن ما لمحوه لم يكن وهمًا، إنه كان الجنة نفسها، وأكد لهم بعظمة، أنهم سيعودون إليها. لكن فقط إذا ماتوا أثناء مهام تم إعدادهم لها طوال تلك الأسابيع الطويلة من التدريب، التي سيرحلون من أجل تنفيذها في اليوم التالي.

ما تلك المهام؟

لقد تغيَّر حسن كثيرًا، إن المُبعَد أصبح السيد الأعلى المطلق السلطة لطائفةٍ دينية. هي الإسماعيلية. كان الوزراء والخلفاء والسلاطين يطاردون أعضاء الطائفة لمعتقداتهم. وأعلن حسن عليهم حربًا ضارية، لقد قرر استبعاد كبار قادة هذا الجزء من العالم. كان سلاحه، هؤلاء المقاتلون الشبان الذين أطلقهم نحو الأهداف التي يحددها لهم.

كانوا يجازفون بكل شيءٍ لم يكونوا يشعرون بالخوف من الموت. كانوا يتمنَّونه؛ لأنه كان جواز سفرهم للجنة التي وعدَهم بها حسن، ولم يُخفِقوا قط في ضرب هدفهم.

هل أُطلِق عليهم اسم الحشاشين بسبب اسم هذا العشب الذي يتناولونه قبل مهامهم، وهو الحشيش، أم لأن مجانين الجنة هؤلاء كانوا مُرسَلين من قِبل حسن. قتلة!

دقَّ قلب السيد روش بقوةٍ أكبر. كان هناك مبررٌ لذلك، منذ بضعة أسابيع كان قد بدأ بلطف بقصة شاعر، مؤلف الرباعيات الشهيرة، المحب للنساء والنبيذ، أبو متعددات الحدود، خبير معادلات الدرجة الثالثة، عالم الفلك المشهور، وعالم الرياضيات الفارسي الذي كان لديه مشكلات مع المسلَّمة رقم ٥، ثم وجد السيد روش نفسه مع عصابة من القتلة، يقترفون اغتيالاتهم بأمرٍ من متعصبٍ عبقريٍّ معزولٍ في قلعةٍ منيعة. أليس ذلك تحديدًا هو ما كان يريد جروسروفر أن يجعله يعرفه؟

كان التوتر قويًّا جدًّا لدرجة أنه لم يستطع أن يبقى في مكانه. في السابق، كان سيمشي في كل اتجاهٍ لكي يهدأ. لم يتمكن إلا من التحرك على مقعده عبْر قاعة المكتبة. واستأنف القراءة.

وذات صباحٍ، عثر على الوزير نظام الملك مطعونًا في خيمته، وسط المعسكر الملكي. وتم على الفور إعدام الحشاش الذي أرسله صديق شبابه السابق حسن الصباح. عندما قطع له الجلاد رقبته، كان يبتسم، متعجلًا أن يلحق بالجنة الموعودة.

مات حسن على سريره في قلعة ألموت، التي لم يغادرها أبدًا منذ اليوم الذي دخلها فيه لأول مرة. ولزمنٍ طويلٍ، تكلم الناس بخوفٍ عن «عجوز الجبل».

تجاوزَت الساعة الخامسة. اندفع السيد روش في المصعد الذي قاده إلى الطابق التاسع. بعد أن مرَّ على جسرٍ صغيرٍ مُقامٍ فوق الصدع الذي يقسم المبنى إلى جزأَين، هبط إلى الشرفة الكبيرة الخالية. لم يسعفه الوقت لتأمل المشهد الشامل، ودخل إلى المطعم الذي كله أيضًا من الزجاج، للتمتع بالمشهد.

لاحظ جوناثان وليا على الفور إثارته. طلب السيد روش شايًا بالنعناع وقطعتَي حلوى صغيرتَين من المطبخ اللبناني باللوز والعسل. كانا يتوقعان حديثًا عن الرياضيات، لكنهما حصلا على درسٍ صغيرٍ في الدين.

– نشأ مذهب الإسماعيلية في القرن السابع تقريبًا، ولم يكن دائمًا يدعو إلى الاغتيال، بعد وفاة حسن، أصبح المذهب مسالمًا أكثر، ارتكزَت العقيدة الإسماعيلية وترتكز بعد، على تحرير العقل من كل ما يمكن أن يتحكم فيه. على سبيل المثال، أول دائرة معارف فلسفية وعلمية في التاريخ ابتكرها بالكامل الإسماعيليون، وألف ليلة وليلة هي من وحي إسماعيلي! بالمناسبة أتعرفون ما معنى إسماعيل؟ سأل السيد روش. تعني «الله يسمع»: Yishma-El! بالعبرية. إنه اسم ابن إبراهيم وجاريته هاجر. «ستلد ابنًا وستمنحه اسم إسماعيل، قال له الله؛ لأن الله، سمع ضيقك.»

«إن ذلك يدعو للخشية، فكَّرت ليا. ها هو السيد روش هذا الوثني، يصبح رجلَ دينٍ! ماكس، منتبهًا كما لم يحدث قطُّ من قبلُ، قرأ على شفتَي السيد روش كل كلمة من الإجابة. سمع ماكس، اسما ماكس!»

كان الشاي طيبًا، لكنه لا يساوي شاي حبيبي. حدَّثهم السيد روش عن الأصدقاء الثلاثة وقلعة ألموت، وعن كل ما عرفه أثناء فترة بعد الظهر.

كنتَ تريد أن تُحدثنا عن الخيَّام، لكنك تُحدثنا عن حسن الصباح، لاحظ جوناثان.

في الواقع، كان النادل قد بدأ في تحضير الموائد لوجبة المساء. نهضوا. كانت الشرفة على شكل مثلثٍ قائم الزاوية خاصٍّ بعض الشيء، كان ضلعَا الزاوية القائمة مستقيمَين، الضلع المشرف على الصدع والضلع المحاذي لواجهة المطعم الزجاجية، أما الوتر المقترن بمجرى السين، فكان منحنيًا. متكئين على الدرابزين فوق الماء تقريبًا كان جوناثان وماكس وليا ينظرون. إن المنظر بديع.

باريس! جزيرة السيتيه وجزيرة سان-لويس. وتشاهد نوتردام من ظهرها!

الشخص الوحيد الذي كان حسن معجبًا به هو الخيَّام. كان صديقه، وقد أنقذه من الموت، وكان عالمًا كبيرًا، وطلب منه مرةً بعد مرة، أن يأتي ليسكن في القلعة، كان قد أنشأ مكتبةً استثنائية؛ حيث كان صديقه سيجد كل الأعمال التي يريدها، لكن الخيَّام رفض. كما رفض من قبل الإقامة في بلاط السلطان الذي طالبه بذلك بإلحاح. لكنه في المقابل، قبِل المشاركة في إعداد التقويم الجديد. كان الخيَّام قد أصبح أحد أكبر علماء الفلك في العالم العربي، وكان يدين بذلك إلى مزاياه الذاتية، وأيضًا إلى الدراسات التي أجراها بفضل المرصد الذي شيَّده له نظام الملك في أصفهان. لقد تكلموا طويلًا في العالم العربي عن «تقويم الخيَّام».

وكان أيضًا منجمًا؛ ولذلك فإن تاريخ ميلاده معروف بدقة، وكذلك تاريخ وفاته، وهو أمرٌ نادرٌ جدًّا في عصره. ذات يوم أسرَّ الخيَّام لأحد تلاميذه أن قبره سيكون واقعًا في مكان يهبُّ فيه ريح الشمال، وحيث ستنثر الأشجار زهورها مرتَين في العام.

بعد ذلك بوقتٍ طويلٍ، عندما عاد تلميذه إلى نيسابور وعلم بوفاة الشاعر، سأل عن المكان الذي دُفن فيه، فقادوه إليه. كان القبر يقع في حديقة معرضة للريح من كل جانبٍ، أسفل جدارٍ صغير تنحني فوقه أشجار خوخ وكمثرى، وكان حجر القبر مغطًّى بطبقتَين من الأزهار الذابلة المختلطة.

رحل الشباب. كان لدى التوءم سهرة مع الأصدقاء، وعاد ماكس سيرًا إلى شارع رافينيون. ظل السيد روش لبعض الوقت في الشرفة. كان الليل قد خيَّم. ناسيًا التحقيق، وجروسروفر ومكتبة الغابة، فكَّر مجددًا في الخيَّام الذي شعر لتوِّه أنه قريبٌ جدًّا منه. وتذكَّر تاريخَين. «وُلد في ١٨ يونيو ١٠٤٨م، ومات في ٤ ديسمبر ١١٣١م». مات الخيَّام في سن الرابعة والثمانين، في السن نفسه الذي مات فيه جروسروفر! و…

انتصب على مقعده، أمسك الدرابزين. وفي برد وليل باريس صرخ عكس اتجاه ريح الشمال: «سِني نفسه!»

كان السيد روش في منتصف السنة الرابعة والثمانين من عمره، وعرف في هذه اللحظة أن شيئًا لن يحدث له في هذه السنة. شعر بأنه خالد … لبضع سنوات تقريبًا.

عاد إلى قاعة مكتبة معهد العالم العربي، وهو لا يزال منفعلًا من صرخته تقدَّم بسرعة بين الطاولات، كانت حاليًّا كلها مشغولة. وفي آخر القاعة لمحها، مستغرقةً في قراءة كتابٍ كبيرٍ في فن العمارة، طبعًا. كانت الشابة ذات الشَّعر الأسود هناك. كم أسعده ذلك! صعد لونٌ أحمر إلى خدَّيه. إلا إذا كان ذلك بسبب فرق درجة الحرارة. كان الجو دافئًا هنا. إن وجود الفتاة، مباشرةً بعد ما حدث في الأعلى، كان بمثابة إشارة، إشارة حياة. مَرَّ بجوارها، لم ترفع الفتاة عينَيها، منهمكةً في القراءة، وكان الكتاب فعلًا عن فن العمارة. رجع السيد روش إلى مكانه. لقد مَرَّ وقتٌ طويلٌ منذ أن غادر مكانه في الساعة الخامسة تقريبًا. كان ألبير سيأتي ليأخذه، بقي له بعض الوقت قبل الإغلاق. إلى ناصر الدين الطوسي، الآن!

وُلد ناصر الدين في عام ١٢٠١م، في طوس، مدينة صغيرة في شمال شرق إيران؛ ولذلك سُمي الطوسي من طوس. كان والده عالمًا معروفًا، وأرسل ابنه، مثل إبراهيم، تاجر الخِيَام، ليدرس في نيسابور. في مدرسة الخيَّام نفسها، وحيث درس كل أعماله. ومثل الخيَّام، شُغف بعلم الفلك، وحلم أن يكون تحت تصرفه مرصد مثل مرصد أصفهان.

عالمان رياضيان. واحدٌ مولعٌ بالشِّعر، والآخر بالدين. كتب ناصر الدين كتاب بستان الإيمان الحقيقي. وتساءل مؤلف العمل الذي يستمد منه السيد روش هذه المعلومات، هل لهذا السبب وجود ناصر الدين في قلعة ألموت التي كان يقيم فيها دائمًا مَن خلَفوا حسن الصباح؟

لم يُصدق السيد روش عينَيه، أعاد قراءة الجملة. أقام ناصر الدين في ألموت! لم يعد هناك مجالٌ للشك، إنه الطوسي المطلوب! إذن عمر وناصر الدين، كانا هما الاثنان في حضرة الحشاشين! هذه هي العلاقة التي أراد جروسروفر أن يحددها لي بذكره هذَين العالمَين العربيَّين في مجال الرياضيات. هذان العالمان وليس أي علماء آخرين.

متحمسًا واصل السيد روش قراءته. نظر إلى ساعة الحائط، لم يتبقَّ له وقتٌ طويلٌ قبل الإغلاق.

بالإضافة إلى «الجنة على الأرض» في قلعة ألموت، التي اكتشفها ناصر الدين بافتتان، كان هناك مكانٌ آخر فتنه أكثر، هو المكتبة التي أنشأها حسن. كان ناصر الدين يقضي فيها جُلَّ وقته.

وهنا، تدخَّل المغول في حياة ناصر الدين.

لم يتمكن شيء من مقاومتهم؛ ففي غضون خمسين عامًا، اكتسحَت قواتهم آسيا وأوروبا. عند وفاة جنكيز خان عام ١٢٢٧م، كانت إمبراطورية المغول تمتد من الشواطئ الصينية للمحيط الهادي إلى بحر قزوين، بطول ٨٠٠٠ كيلومتر وبعرض ٢٠٠٠ كيلومتر! رافعًا رأسه، ألقى السيد روش نظرةً دائريةً وكأنه يريد قياس مثل هذه المساحة الشاسعة الأبعاد. في آخر القاعة، كان المكان شاغرًا. الحسناء ذات الشَّعر الأسود غادرَت دون أن يلاحظ ذلك. لم يرَها قادمةً ولم يرَها وهي ترحل، لم يعُد هناك أحدٌ تقريبًا في القاعة. في الشتاء يعود الطلبة مبكرين إلى منازلهم.

بعد إمبراطورية الإسكندر، والإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية العربية، والإمبراطورية المغولية! لاحظ السيد روش. كانت الإمبراطورية الرابعة التي يقابلها منذ بداية رحلته في تاريخ الرياضيات. لم تصمد أية مدينة، بكين موسكو، نوفجورود، كييف. وصلَت الجيوش المغولية إلى أبواب فيينا. لقد أصبحَت أراضي الإمبراطورية كبيرةً جدًّا؛ بحيث قُسِّمت بين ذرية الخان العظيم. مُنح هولاكو، حفيد جنكيز خان، هذا الركن من العالم الذي يهم ناصر الدين. سقطَت خوارزم، ومعها بحر آرال، وسقطَت خراسان وكردستان وإيران والعراق. وكذلك سمرقند، وبخارى، وأصفهان، ونيسابور … ووسط هذا الإقليم، بقي مكانان يقاومان المغول، بغداد وخليفتها، وألموت والحشاشون المحتمون فيها.

بدأ هولاكو بألموت. فتم مطاردة الحشاشين، وقتلهم الواحد تلو الآخر. لم يتبقَّ للخان سوى مهاجمة قلب الطائفة ذاته؛ القلعة.

في يوم من أيام ديسمبر ١٢٥٦م، سمع ناصر الدين صرخاتٍ. غادر المكتبة واندفع نحو التحصينات.

على الطريق، كان جيشٌ عرمرمٌ يتقدم. يمتطي الرجال تلك الخيول الصغيرة العصبية التي طالما أثارت مشاعر الجموع. يجرُّون آلات الحرب الرهيبة التي أسقطَت أسوار المدن الأفضل تحصينًا في العالم. كانت المعركة ستبدأ.

لن يتم الاستيلاء على ألموت المنيعة. لقد استسلمَت. يُحكى أن ناصر الدين هو الذي أقنع الإمام الأكبر للإسماعيليين بعدم خوض المعركة. لقد عاصر عمر مولد ألموت وعاصر ناصر الدين موتها.

لقد قُطعَ رأس الأمام الأكبر، الذي خلف حسن الصباح، وصدر الأمر بتدمير القلعة، يجب ألا يبقى منها حجرٌ قائم. توقَّف هولاكو أمام المكتبة ثم اختار علَّامة من حاشيته، وأشار إلى نقالة كانت موجودة في المكان: «أترك لك الليل لتملأ هذه النقَّالة بالكتب التي تختارها من المكتبة. في الفجر كل الكتب الأخرى ستُحرق.»

أغلق العلَّامة على نفسه المكتبة، وبدأ الفرز، لماذا هذا الكتاب وليس هذا الآخر؟ ياه، لو كانت الكتب أقل ضخامةً، كان سيتمكن من أخْذ عددٍ أكبر منها، وكم النقالة صغيرة! والليل يتقدم. كان السيد روش يختلج. لقد صاحب العلَّامة في هذه الليلة الرهيبة، متقاسمًا معاناته.

إذا كان هناك شيءٌ يستطيع صاحب مكتبة أن يدركه، فإنه تحديدًا ما يلي: أن يكون عليه اختيار حفنة من الكتب، وبقيامه بذلك، يحكُم على كل الكتب الأخرى بالإعدام حرقًا. لقد عرف، دون حاجة إلى أن يقرأ ذلك، أن العلَّامة ظل طوال بقية حياته يلعن نفسه لأنه لم ينقذ كل الكتب الأخرى.

في الجليد في الخارج، كان ناصر الدين يراقب، وفي الفجر، رأى العلَّامة يخرج من القاعة، دافعًا النقالة المكتظة بالكتب. وقع كتابٌ على الأرض، هَمَّ ناصر أن يلتقطه لكنْ جندي دفعه. لقد استمرَّ حريق المكتبة سبعة أيامٍ وسبع ليالٍ، ومنح هولاكو الحياة لناصر الدين.

إن الأمام الأكبر لألموت، الذي لم يتوقع هذه النهاية المأساوية للقلعة، لم يعرف أن ينقل المكتبة إلى أماكنَ أخرى لإنقاذها، كما فعل جروسروفر.

كان ألبير ينتظر أمام مدخل معهد العالم العربي، بشارع فوسيه سان-برنارد. لم يتحدثا كثيرًا أثناء الرحلة. التزم السيد روش الصمت أثناء الطريق، كان مرتبكًا لما عرفه توًّا. أوصله ألبير أمام ألف ورقة وورقة.

كانت بيرت قد أطفأَت الأنوار وتجذب باب المحل الحديدي الجرار. عندما رأته يصل بهذا الرأس المتعَب، أدركت أنه يحتاج أن يتحدث. أضاءت أحد المصابيح مجددًا، وجلست على مقعد الخيزران الخاص بها، وروى لها السيد روش. استمعَت دون أن تقول كلمة.

ظلت صامتةً لدقائق طويلة: فيما عدا واقعة أن مكتبة ألموت احترقَت مثل مكتبة جروسروفر، وفيما عدا حقيقة أن الخيَّام والطوسي مارسا هما الاثنان الهندسة، وأخفقا فيما يتعلق ﺑ …

– المسلَّمة رقم ٥، همس السيد روش.

فيما يتعلق بالمسلَّمة رقم ٥. فيما عدا ذلك ماذا وجدت؟

لم يرُدَّ السيد روش. وكان صمتُه بليغًا.

– لنسترجع الأمر من البداية، اقترحَت بيرت، في البداية يروي لك جروسروفر قصةً لا يوجد بها صديقان، إنما ثلاثة أصدقاء، ثلاثة شبان التقَوا في نيسابور. وبعد ذلك، تُحدثنا القصة عن علاقاتهم كلما تقدم بهم العمر.

– نعم، فيما عدا أننا نحن اثنان فقط …

– نعم، أقرت مفكرة في الأمر، في قصتكما، لا يوجد سوى صديقَين، لكنني لا أعرف شيئًا عن حياتكما. هل كنتم ذات يوم ثلاثة أصدقاء مقربين؟ ثلاثيًّا؟ أنت وجروسروفر وشخص آخر لم تكلمنا عنه؟ قد يكون ذلك هو الارتباط أو العلاقة.

نظر السيد روش إليها، مندهشًا:

– ثلاثة؟

بذل جهدًا لكي يتذكر.

لا، حقًّا، لا أرى في الجامعة، لا. الوجود والعدم، أتذكرين؟ ثم في معسكر الأَسرى، كان هناك عددٌ كبيرٌ من الأشخاص الذين شعرنا أننا مقربون منهم، لكن كنا دائمًا اثنَين. لقد هربنا نحن الاثنان. لا، حقًّا، لا أرى ثلاثيًّا.

– حسن. إذن، لا بد من البحث في مكانٍ آخر.

فجأة، مثيرة دهشة السيد روش الذي كان لا يزال مستغرقًا في ماضيه:

«ونقالة العلامة، يا سيد روش، ما الذي حدث لها؟»

– آه، نعم، نقَّالة العلَّامة!

أخبرها السيد روش بقية قصة ناصر الدين الطوسي بعد سقوط ألموت، تحول هولاكو إلى بغداد. حاصر المدينة. كانت المقاومة غير مجدية. بعث الخليفة برُسلٍ إلى هولاكو. كان من بينهم ناصر الدين. نعم كان ناصر الدين الطوسي قد لحق ببغداد بعد أن أفرج عنه المغول.

خرج أمير المؤمنين من المدينة ليستسلم لهولاكو، الذي سمح له بالعودة إلى بغداد بصحبة ناصر الدين وبضعة جنود. وروى ناصر الدين اللقاء الأخير بين الخليفة وأمير المغول. أمسك هولاكو بطبقٍ من الذهب وقدَّمه للخليفة: «كُلْ!»، أجاب الخليفة «ليس ذلك بطعامٍ». «لماذا إذن احتفظتَ به قربك ولم تُعطِه لجنودك الذين كانوا، عندئذٍ، سيدافعون عنك بشكلٍ أفضل؟» ويروي ناصر الدين أن الخليفة سُجن مع كنزه من الذهب كطعامٍ وحيد، وأنه مات بعد بضعة أيامٍ من الجوع.

للمرة الثانية في حياته، نجد ناصر الدين في مدينةٍ تسقط بين أيدي هولاكو. وكما حدث في ألموت، وقعَت مجزرةٌ. مائة ألف قتيل، واحد على عشرة من السكان! وطوال أسابيع كانت أهراماتٌ عاليةٌ من الجماجم ترتفع عند كل بابٍ من أبواب المدينة شاهدة على ثمَن مقاومة الخان.

طلب هولاكو من ناصر الدين مواصلة عمله. كان نظام الملك قد شيَّد مرصدًا في أصفهان لعمر الخيَّام. وبعد ذلك بمائة عام، شيَّد هولاكو خان مرصدًا آخر أقوى، في مدينة مراغا لناصر الدين الطوسي.

عندما أقام في المبنى، كان في أمتعة ناصر الدين شيءٌ متمسكٌ به أكثر من كل شيءٍ. نقالة العلَّامة.

لقد منحها هولاكو له.

رتَّب ناصر الدين الكتب التي نجت من ألموت واحدًا تلو الآخر في مكتبة المرصد النفيسة، التي ستصبح بعد قليلٍ المعهد العلمي الأهم في فترة القرون الوسطى الإسلامية. بعد، بالطبع، بيت الحكمة القديم في بغداد.

كان لمقتل الخليفة دويٌّ غير مسبوقٍ عبْر العالم. وكان الاستيلاء على عاصمة أمير المؤمنين هي نهاية الخلافة العباسية، التي دامت خمسمائة عامٍ، وبغداد؟ بعد هولاكو، جاء تيمورلنك، ونُهبَت المدينة مرةً ثانية، وكان ذلك فوق الاحتمال، وكانت نهاية المدينة المستديرة لعدة قرون.

بغداد بعد …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦