الفصل الخامس عشر

تارتاجليا فيراري من السَّيف إلى السُّم

لم تعرف كنيسة برسيا الكبيرة قط مثل هذا الحشد، لكن مَن يتجمعون فيها ليسوا كلهم مؤمنين قدموا من أجل طقسٍ ديني. العشرات من النساء والأطفال، مكدَّسين مرتعشين ينتظرون. إنهم يأملون. أليسوا في مأمنٍ هنا، في بيت الرب؟ يختبئ نيكولو، وأمه وأخوه وأخته قُرب عمود. رغم أننا في عزِّ الشتاء، يكاد الجو يكون حارًّا تحت جناح الكنيسة من كثرة الناس! الصمت تامٌّ. كل الأنظار محدقة في الباب الكبير في الخارج، الضجة أقوى وأقرب بشكلٍ مطرد. في الداخل، الصمت رهيب. لقد توقَّف التنفس وتحجَّرت الأجساد. إننا صباح يوم ١٩ فبراير ١٥١٢م.

تحطَّم الباب في جلجلةٍ مرعبة. وفي الثغرة الفاغرة، دخلَت مجموعة من الجنود شاهرين سيوفهم، أطلقوا خيولهم داخل الكنيسة. تندفع الخيول، مطلقةً صهيلًا مرعبًا نحو هذه الكتلة البشرية التي تعوي من الخوف. وقف الناس لا يستطيعون الفرار. لقد فُعصوا واختنقوا وداسوا عليهم بالأقدام، لكن الهول آتٍ بضرباتٍ من سيوفهم، يقطع الغزاة الأجساد التي لا تملك دفاعًا عن نفسها. كيف المفَر؟ حاول نيكولو أن يكون أصغر، تكوَّر بين ذراعَي أمه. اقترب فارس من العمود الذي تختبئ أسفله الأُسرة. يرى نيكولو السيف الضخم يكبر ويكبر … ثم لا يرى. لقد انقضَّ السيف على جمجمته وعلى وجهه. ضلال القاتل، لم تُصَب الأم بشيء. انتصار! لقد استولت القوات الفرنسية على الضيعة الصغيرة الواقعة شمال إيطاليا، وذلك بالقتل والاغتصاب والسرقة والحرق. يقود تلك القوات شابٌّ جميلٌ في الثانية والعشرين من عمره، إنه جاستون دي فوا الرهيب، الملقَّب ﺑ «صاعقة إيطاليا». مات بعد ذلك ﺑ ٥٧ يومًا في معركة رافين، وقد اخترقَت وجهه خمسَ عشرةَ ضربةَ حربة.

كان السيد روش يرتجف من الانفعال. الانفعال نفسه مثل ذلك الذي خنقه قبل خمسين عامًا، في عام ١٩٤٤م، عند قراءة وصف مجزرة كنيسة أورادور-سور-جلان الصغيرة على أيدي قوات العاصفة الألمانية. لم يكن يتوقع أن يجد نفسه في مواجهة هذه الذكرى، عندما، متتبعًا «برنامج جروسروفر»، تصدَّى لعالم الرياضيات الثالث في القائمة التي وضعها صديقه. بإحساس الفظاعة والهول والتمرد نفسه الذي شعر به من قبلُ، لكنه كما كان الحال من قبلُ مُفعَم بالثقة، بأن الحياة في النهاية هي التي تتغلب دائمًا.

إن ذلك ما حدث لنيكولو في كنيسة برسيا. بين القتلى الذين يُعَدُّون بالعشرات التقطوا جسده فاقد الحياة. جرحان رهيبان يُشوِّهان وجهه، وكان فكُّه مكسورًا، لكنه كان حيًّا.

كان نيكولو في الثانية عشرة من عمره. إلا أنه كان يبدو أصغر سنًّا، كان حجمه صغيرًا جدًّا، مثل والده الذي كان يلقبونه ميشيليتو الفارس؛ لأنه كان صغير الحجم ويُمضي نهاره على الحصان يجوب الطرق ليوزع بريد نبلاء المنطقة. قبل تلك الأحداث بست سنوات، تُوفِّي ميشيليتو، من التعب. وعند موته، أسرتُه التي لم تكن ثريةً، أصبحت فقيرةً.

فقيرة جدًّا لكي تستطيع دفع تكلفة طبيبٍ لعلاج نيكولو. باشرَت أمه علاجه وحدها، ضمدَت جروحه، ووضعَت عليها المراهم، وتركَت الزمن يفعل فعله، وطوال شهور، لم يستطع نطق كلمةٍ واحدة، وكان يخشى أن يظل أبكم. ثم بدأ يُصدر بعض الأصوات واسترد تدريجيًّا القدرة على الكلام، لكنه كان يُتأتئ، وأطلق عليه زملاؤه لقب تارتاجليا؛ أي التمتام. وقرَّر الاحتفاظ بهذا الاسم. كان ذلك في عام ١٥١٥م، في اللحظة التي أحرز فيها فرنسوا الأول انتصارًا كبيرًا في قرية ملينيانو، التي لا تبعُد كثيرًا عن هناك، والتي يصر الفرنسيون على تسميتها مارينيان.

لم يكن لدى الأسرة مالٌ لدفع تكلفة طبيب، كما لم يكن لديها مالٌ لدفع راتب مدرس. في الواقع، حصل نيكولو على مدرس، لكنه لم يحصل منه إلا على ثلث مدرس … فقد علمه ثلث الأبجدية من حرف A إلى حرف I.
عندما بلغ نيكولو السادسة من عمره. كان والده قد تعاقد مع مدرسٍ، وكان من المفترض أن يتم التسديد على ثلاث دفعات. دفع ميشيليتو أول دفعة، ومات بعد ذلك مباشرة. أوقف المدرس الدروس على الفور وتعطل نيكولو، وتوقف عند ثلث الأبجدية. ما الذي يوجد بعد حرف I وكيف يكتب ذلك الحرف؟ كان يتحرق لمعرفته. وانتهى بأن حصل على أبجديةٍ كاملة، وتعلم، وحده، الثلثَين الباقيَين حتى حرف Z!

«كل ما أعرفه، تعلمتُه بالسهر على أعمال رجالٍ مُتوفَّين»، حكى في وقتٍ متأخرٍ من حياته.

مَن كانوا هؤلاء «المتوفَّون» الذين تعلَّم تارتاجليا الرياضيات من أعمالهم؟

هذه المرة، لم تكن لدى السيد روش رغبة في عقد جلسة. لم تكن لديه القوة لذلك. ثم، هل من المناسب، في سنِّه، أن يتعود عاداتٍ جديدة؟ منذ الجلسة المشهودة عن الخوارزمي مع حبيبي. كان يراه بانتظام في حانوت البقالة، أثناء ساعات ما بعد الظُّهر التي لا يكثر فيها الزبائن. كانا يحتسيان الشاي في القاعة الداخلية للحانوت المرتَّبة بشكل مريح. كان السيد روش يقرأ الكتب التي أخرجها من مكتبة الغابة، بينما كان حبيبي يضبط حساباته، أو يتأمل، وبمجرد أن يشير قرع الجرس إلى دخول زبون، يقوم. وعند عودته، يعلن دائمًا ما اشتراه الزبون: اثنان ١٦٦٤، واحد فيشي، ثلاث شرائح لحم خنزير. ويقول السيد روش، دون أن يرفع رأسه: «آه، حسن»، وتتواصل فترة ما بعد الظُّهر.

منذ أن بدأ يعكف على الشخصية الثالثة من قائمة جروسروفر، استخرج السيد روش من أرفف مكتبة الغابة كتاب أسئلة واختراعات متعددة Quesiti et inventioni diverse وكتاب أبحاث عامة General Trattato لتارتاجليا، وكتاب الفن العظيم Ars magna لكردان. ولفهم تارتاجليا بعض الشيء، لا بد من الرجوع إلى الخلف.

إلى ليوناردو بيجولو، الملقَّب ليوناردو دي بيزا، في القرن الثالث عشر، أكبر عالم رياضيات في القرون الوسطى. بيجولو يعني «الكسول»! كفتًى ميسور الحال، تبع ليوناردو أباه المسمى بوناكيو، قنصلًا في بوجي، على شواطئ المنطقة الجبلية في الجزائر.

كان حبيبي يعرف بوجي جيدًا. وصف له بمحبة الميناء الصغير المستند إلى المنطقة الجبلية المهجورة. وأشجار الزيتون وأشجار بلوط الفلين، وأسماك سلطان إبراهيم بين الصخور التي تُطهى في ورق الشي، وتومياء البحر … لكن الأجمل هو الساحل حتى دجيدجلي، وكان حبيبي يتكلم عنه وصوته يرتجف. طريقٌ ساحليٌّ مُطلٌّ على البحر يمتد إلى عشرات الكيلومترات، «أجمل من الكوت دازور».

– وعند لحظةٍ معيَّنة، تمُر أمام مغارة من الناحية الأخرى من الماء، أكبر من المسجد الكبير للعاصمة الجزائر، وأكثر برودةً منه. أتعرف ما اسمها؟ «المغارة المدهشة»! إنها لم تسرق اسمها. لماذا لا تأتي معي، هذا الصيف؟ سنقيم لك حفلة، هناك!

– أنا عجوز يا حبيبي. وفي سنِّي، لا يسافر المرء.

– تريدني أن أقول لك إنني أجدك أقل شيخوخةً من قبلُ.

كان الكتاب الذي بين يدَي السيد روش يحكي كيف تعلم ليوناردو العربية في حانوت بقال في بوجي. نظر السيد روش بحنوٍّ إلى حبيبي المستغرق في حساباته، هل سنقرأ فيما بعدُ في سيرة مشاهير مونمارتر في نهاية القرن العشرين: «بيرو، ابن روشو، المسمى بيروشو، فيلسوفٌ بارزٌ في النصف الثاني من القرن العشرين، تعلم العربية في الغرفة الخلفية لحانوت بقالة في شارع الشهداء»؟ ذهب ليوناردو إلى الشرق الأوسط، إلى سوريا ومصر. عالَمٌ آخر! لقد كانت مصر كعبة المغرمين بالرياضيات!

في ذلك العصر، عندما يهتم المرء بالرياضيات، كانت معرفة العربية تُمثِّل مؤهلًا رائعًا للنجاح. وبينما سمَّى عمرُ نفسَه الخيَّام، ابن تاجر الخِيام، اكتفَى ليوناردو ﺑ «ابن بوناكيو»، وأصبح «فيبوناكي». وبات مشهورًا بهذا الاسم؛ لأنه كتب أول كتاب رياضيات كبير في الغرب، كتاب المعداد Liber abaci، أو العدادة، إذا كنتم تُفضِّلون ذلك.

أثناء سفره في الأراضي الإسلامية، تحوَّل فيبوناكي إلى الأعداد الهندو-عربية، وقد جعل من نفسه الداعية لها في البلدان المسيحية، مبينًا لمَن يريد تفوقها الأكيد على الأعداد الرومانية. في تلك الصفحات، اكتشف المسيحيون الصفر، تعرَّفوا على العد الموضعي («قزم على أعلى درجات السُّلم أكثر ارتفاعًا من عملاق على أدنى درجاته» قال جوناثان)، وتعلموا تحليل الأعداد إلى عواملَ أولية، ومعايير قابلية القسمة على (٢)، وعلى ثلاثة … إلخ، والكثير من الأشياء الأخرى. من بينها، هذه المسألة المتعلقة بالأرانب.

لقد أولى فيبوناكي اهتمامًا كبيرًا بتكاثر الأرانب، وذات يومٍ تساءل ما الذي سيصبح عليه نسل زوج أرانب في مدى عامٍ.

مبتدئًا مرحه في شهر يناير، أنجب الزوج في فبراير زوجًا ثانيًا، الذي بدوره يلد زوجًا شهريًّا. كل زوجٍ ينجب زوجًا جديدًا في الشهر الثاني تبعًا لمولده، ثم التالون بمعدل زوجٍ كل شهرٍ.

حصل فيبوناكي على عدد الأزواج التالية ١، ١، ٢، ٣، ٥، ٨، ١٣، ٢١، ٣٤، ٥٥، ٨٩، ١٤٤، ٢٣٣. في مدى عامٍ، أنجب زوج أرانب ابن بوناكيو ٢٣٢ زوجًا آخر من الأرانب ابتداءً من الثالث، كل واحدٍ من أعداد هذه السلسلة المتوالية هو مجموع العددَين السابقَين. وبعرضه متوالية أزواج الأرانب تلك، اخترع فيبوناكي المفهوم الرياضي المتوالية الأعداد الموعودة بمستقبلٍ جميل.

والمثير أكثر للدهشة: إذا تابعنا هذه المتوالية، وإذا حسبنا النسبة بين عددٍ ما والعدد الذي يسبقه، نكتشف أن هذه النسبة تئول إلى:

= …١٫٦١٨٠٣

العدد الذهبي الشهير!

عندما تلقَّى الشخصُ الصغير الأنيق الفاكس من شريكه، الشخص الكبير الأنيق، الذي أرسله له من طوكيو، دسَّ الصورة في قميصه، واندفع إلى مكان بيع الطيور عند رصيف المجيسري. قام بجولةٍ في المحل بحثًا عن البائعة. هناك الكثير من الناس. لا بد أنه مَرَّ إلى جوارها دون أن يراها. قام بجولةٍ جديدة، كان من المتعذر العثور عليها.

لم يعُد يحتمل، ورغم أن ذلك لا يتسم بالحرص الشديد، اقترب من بائعٍ وسأله أين زميلته «ماريا؟ قال ذلك الزميل إنه يوم إجازتها.» عجبًا!

لم يبقَ سوى أن يذهب ويصطحبها من عند بيتها.

رنَّ الجرس. لا أحد! قرر انتظارها في المطعم المقابل تمامًا لباب دخول البناية. طلب كأسَ جِعةٍ كبيرةً واستغرق في أحلام اليقظة. طوكيو! يا لها من مدينة! كم كان يحب أن يكون فيها. لكن هو الذي ذهب وليس أنا. إن الأمر كذلك دائمًا، يحصل هو دائمًا على الموقع الأفضل. مغادرة باريس! خاصةً مع العمل الغبي الذي أقوم به. مهرج صاحب العمل، إنه عملٌ لا يتناسب مع قدراتي. ضربة قوية في الظَّهر، كاد أن يختنق وقَلَب كأسه، تفادى السائلُ القميصَ حيث توجد الصورة، لكنه بلَّل سترته. نهض ساخطًا، ومستعدًّا للعراك. كانت الفتاة تنظر إليه بابتسامةٍ عريضة.

– جيوليتا!

لأن اسمها لم يكن ماريا جيولتي، كما كان يعتقد صاحب محل بيع الطيور، لكن جيوليتا، جيوليتا ماري، كانت تُحدق، ساخرةً، في البقعة التي كانت تتسع على السترة الجميلة للبدلة المخطَّطة المصنوعة من صوف التويد للشخص الصغير الأنيق. كانت الفتاة أطول منه بمسافة رأسٍ كامل.

– لحُسن الحظ أنك أخذتَ مثل هذه الكأس من الجِعة، وإلا لكانت البقعة أكبر. قالت ملاحظتها متخذةً هيئةً حزينة.

كان سيغضب عليها. كانت تسخر منه، لكنها تعجبه جدًّا. ذات شَعر أسود، رائعة ببشرةٍ عاجية. الإيطالية الجميلة!

– ما الذي تفعله هنا؟ سألته.

– أنتظرك، تصوَّري، هناك جديدٌ.

أخرج الصورة من قميصه، كان هناك خطٌّ عريضٌ يحيط بماكس ونوفيوتشر.

– هذا الصبي، هل هو الذي رأيْتِه في المحل؟

قربَت الصورة، قريبًا جدًّا، كانت تعاني من قِصر نظرٍ وترفض وضع نظاراتٍ في العلن.

– إنه هو.

– هل أنت متأكدةٌ؟

– أنا، عندما أرى شخصًا مرةً …

– عندما تنجحين في رؤيته، تريدين أن تقولي.

وسريعًا! لا بد أن تعرف مَن هو صاحب الأمر والنهي، أليس كذلك؟ رمقَته بنظرةٍ قاتلة. أصر: هل هو. أم لا؟

– إنني أتعرَّف عليه تمامًا، برأسه الوقح، كان عليَّ أن أصفعه عندما قال لي: «أمي منعَتني من التحدث مع سيدات لا أعرفهن.»

– لا عليك، عندما أعثُر عليه، سوف أصفعه أنا أيضًا. في المستودع، في سوق السلع المستعمَلة، أتعرفين؟ انقضَّ عليَّ وضربني في بطني، وكم عانيتُ من آلامٍ في المعدة لمدة يومَين. أما هذا الببغاء القذر، زفت! (أشار وهو يلوي يده للتعبير عن أنه سيلوي له عنقه عن طيب خاطرٍ!) انظري ما فعله بي.

وعرض الإصبع الصغرى ليده اليسرى، وكانت مقطَّعة عند طرفها بشكلٍ قذر، واضطُر إلى تقريبها من وجه جيوليتا. هزَّت رأسها، مقدرةً.

– فعلًا! لم يخطئك. لحُسن الحظ أنها الإصبع الصغيرة، فضلًا عن أنها اليد اليسرى.

– إنها المرة الثانية التي تجدين أنني محظوظٌ اليوم، وفي كل مرةٍ يتعلق الأمر بأمرٍ زفتٍ حدث لي، لاحظ حانقًا.

حسنٌ، نعم، أجابت، مندهشةً من رد فعله، إن أمي هي التي علمتني ذلك. كانت تقول: «أترين يا جيوليتا، عندما تحدث لك كارثةٌ، قولي لنفسك: لحُسن الحظ، كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ. وعلى الفور سيتحسن الوضع.»

– اشكري أمك. لقد تحسن الأمر كثيرًا، وسيتحسن أكثر عندما أعثر على هذا الببغاء اللعين.

لقد اتضح أن ما قبل تارتاجليا أطول من المتوقع. كان السيد روش يستعد لترتيب الأعمال، لكنه لم يستطع مقاومة هذا العنوان: زهرة الحلول لبعض الأسئلة المتعلقة بالعدد والهندسة. لماذا زهرة؟ لأن، أجاب فيبوناكي العديد من هذه الأسئلة «وإن كانت شائكةً، فإنها معروضةٌ بطريقةٍ مزهرةٍ، ومثل النباتات التي توجد جذورها في الأرض تبرز وتظهر زهورها؛ ومن ثَم نستنتج من هذه الأسئلة مجموعةً كبيرةً أخرى من الأسئلة». كانت إحدى هذه القضايا المزهرة موضوع رهان مسابقة بينه وبين جون دي باليرم، في حضور ملك صقلية فردريك الثاني، وكان ذلك أول تحدٍّ في تاريخ الرياضيات.

لقد حدثَت تحدياتٌ أخرى كثيرةٌ. كان تارتاجليا يعرف شيئًا عن ذلك، لكن قبل الوصول إليه، كان على السيد روش المرور براهب فرنسيسكاني هو لوكا باشيولي Luca Pacioli.
إن كتابه محصلة علم الحساب النِّسب الهندسية والتناسب Summa de arithmetica, geometria proportioni et proportionalita كان أيةً رائعة. تصفَّحه السيد روش بانفعالٍ. كيف تمكَّن جروسروفر من أن يحصل على هذه الجوهرة؟ عملٌ مكتوبٌ في عام ١٤٩٤م! في قلب فترة النهضة، في الوقت الذي كان ليوناردو دافنتشي ورافائيل وبييرو دي لا فرانشيسكا يعملون في بولونيا، وسيينا، وفينيسيا وأوربينو، وفلورنسا دون توقفٍ لتغذية متاحف المستقبل في العالم أجمع. في متحف نابولي تستطيع حتى اليوم، الإعجاب بلوحة جاكوبو دي بارباري التي تمثل لوكا باشيولي، واضعًا يده على كتابه Summa (محصلة): أول عملٍ مطبوعٍ في مجال الجبر! قبل ذلك بأربعين عامًا، كان جوتنبرج، على الآلات الطابعة بورشته في مانوس، قد أخرج أول كتابٍ له. منذ ذلك الحين سارت الأمور بسرعةٍ كبيرة.

كانت الأعمال المطبوعة بعشرات النُّسخ، بل ومئات النسخ، تُتداول في جميع أنحاء أوروبا، مغذيةً المكتبات التي تضاعفَت أيضًا، تخيل السيد روش ما يمكن أن يشعر به صاحب مكتبة في هذا العصر، وهو يرى أول كتابٍ له مطبوعًا، يصل إلى دكانه. هو الذي لم يمسك بيدَيه قط سوى مخطوطاتٍ على رقٍّ دقيقٍ من جلد العجل يُكتب عليه. يكتشف كتابًا مطبوعًا على ورق!

كان أول انطباعٍ بكل تأكيد هو الدهشة. دهشة أمام الانتظام غير المعقول للصفحة. كل حروف الألف بالصفحة نفسها متماثلة! وكل حروف الباء، وكل حروف الجيم! انتظامٌ يجعل القراءة أسهل، لكنه كان مع ذلك يشعُر به وكأنه إفقار. رتابة مهدئة وحزينة بعض الشيء. دهشة أيضًا، لكنها أقوى عندما يتلقى نسختَين من العمل نفسه ويتصفحهما، يكتشف تطابقهما، صفحة بصفحة. لدرجة أنه كان من المستحيل التمييز بينهما. نسختان قابلتان للتبادل! تحترق نسخة، الأخرى لا، لم يستطع السيد روش منع نفسه من التفكير، كُتب توءم! قبل أن تتدفق … كتب الإنتاج بالجملة.

أن يكون المرء صاحب مكتبة في عصر اختراع الطباعة! حَلَم السيد روش بذلك. أن يمتلك مكتبةً في الثمانينيات من القرن الخامس عشر في شارع الاسكولييه على بُعد خطوتَين من السوربون؛ حيث طُبعت الأعمال الأولى المنتجة في فرنسا! هذه هي المغامرة التي أسف إنه لم يعشها.

إن هذا البحث الأول المطبوع في علم الجبر؛ حيث قام باشيولي بدور المدافع عن الحساب كتابةً، لا يحتوي على نتيجةٍ جديدةٍ، إنه يقدِّم حصيلة لما كان يعرفه الغرب في مجال الجبر في نهاية القرن الخامس عشر. وما كان يعرفه الغرب ورد إليه أساسًا من أعمال علماء الرياضيات العرب ومن الترجمات التي قاموا بها للكُتاب الإغريق، لكن أعمال عمر الخيَّام وأعمال شرف الدين الطوسي، مثلًا، كانت مجهولة تمامًا تقريبًا.

كانت بغداد وألموت بعيدتين جدًّا عن شمال إيطاليا. ولو أن في مسائل المذابح، فإن مذابح الكونت دي فوا كانت لا تقل فظاعةً عن مذابح المغول. بالتفكير في الخيَّام، عاد إليه السؤال التي طرحَته بيرت عليه في المكتبة، فيما يتعلق بالثلاثي.

تذكَّر السيد روش إيطاليًّا صغيرًا. ماذا كان اسمه؟ تافيو! كان نادلًا في حانة تاباك السوربون. فتًى لطيفٌ جدًّا، أصغر منا، كان صاحب جروسروفر، في البداية. لمدة بضعة أشهر شكلنا عصابةً صغيرةً، كنا نمرح ونتسلى معًا، ثم حدث إعلان الحرب، ورحلنا أنا وجروسروفر وهو، لم نرَه مجددًا قط. ثلاثي عابر. إلا أن السيد روش استجوب كثيرًا ماضيه، لا وجود لثلاثي. كانت هناك قصةٌ أخرى … كان جروسروفر وهو مغرمَين بمغنيةٍ روسيةٍ في حانةٍ، كان اسمها تانيا، وفي الثلاثين من عمرها. هنا أيضًا شكَّلوا ثلاثيًّا. لكن ذلك لم يدُم، لقد رحلَت مع راقصٍ تركي. لم يكن السيد روش يرى إمكانية أن تتحمس المغنية ولا نادل المقهى الصغير للبراهين الرياضية، لا، إن بيرت ضلَّت الطريق.

استغرق مجددًا في الرياضيات، والتاريخ وتاريخ الرياضيات. كان الخوارزمي الشخصية الشهيرة الأكبر في القرون الوسطى في الغرب. لم يستطع السيد روش منع نفسه من نطق الاسم بصوتٍ عالٍ — لم يكن قد نسي تعجُّب حبيبي فيما يتعلق بالكسكسي الذي اخترعه الأيرلنديون!

منذ القرن الثاني عشر، لم يتوقَّف الغرب عن ترجمة أعمال الخوارزمي. أولًا كتابه عن الحساب الهندي: Dixit algorismi، الذي أصبح الكتاب المرجع في الرياضيات، لدرجة أن هذا الحساب سُمي الجوريثم؛ أي حساب الخوارزمي. إن نظام العد الروماني المكتوب كان غير كفءٍ للحساب، كان لا يمكن إجراء أبسط عملية حسابية إلا بمساعدة المعداد، المكافئ للعداد الصيني، والذي يظهر في شكل جداول ذات أعمدةٍ يُوضَع عليها قِطعٌ مسطحة مربَّعة أو مدوَّرة مصنوعة من موادَّ مختلفة.

كان إدخال الحساب الجديد ثورةً حقيقية، لها أعداؤها ومؤيدوها، أنصار المعداد وأنصار الحساب الخوارزمي، معسكران متناقضان. الفريق الأول، ينتمي إلى جماعة الحاسبين المحترفين، وكانوا يدافعون عن امتيازاتهم.

«كتابة عملية حسابية»، هذا الفعل البدهي — بالنسبة إلى الأقلية الصغيرة جدًّا التي كانت تعرف الحساب — الذي يعود إلى كتابة أعداد وبعمليات معالجة كتابية يتم الحصول على النتيجة، كانت بالنسبة إلى أغلبية بشر هذه الأزمنة عملية لا يمكن تخيلها بالمعنى الدقيق لذلك. خلال القرون الأولى من الألفية الثانية، كانت معرفةُ عملية الضرب تفتح لك كل أبواب الإدارة العليا.

كان الانقلاب الكبير يكمن في أن القيام بالعمليات الحسابية لم يعُد بواسطة أشياء مادية؛ حصًى، أو كرات أو قطع مسطحة، وإنما … واسطة كلماتٍ. لقد باشروا الحساب بواسطة أسماء الأعداد ذاتها؛ لذلك تغيرت طبيعة الحساب جذريًّا، وأصبح حساب بالكتابة وبالكتابة وحدها. لم يفكر السيد روش في ذلك من قبلُ قط. إن الكلمات أصبحت فاعلة. من الصعب تخيل أي صدمةٍ تلك يمكن أن تكون.

أما فيما يتعلق بوصول الصفر، فلقد سبَّب ذلك انبهارًا!

لم يستطع السيد روش منْع نفسه من الغوص في تاريخ اختراع الصفر. لقد سلك الصفر طريقًا طويلًا لكي يصبح هذا العدد الذي نعرفه حاليًّا.

في الأدوات المتكوِّنة من أعمدة يتم تمثيل عددٍ ما بواحدٍ من التسعة الأعداد الموضوعة في الأعمدة، لتدل على كمية الأحاد والعشرات والمئات … إلخ، التي تدخل في تركيبه.

بصفته صاحب الألف ورقةٍ وورقة، أجرى طبعًا التجربة مع الرقم الألف وواحد.»

نزع الحواجز الفاصلة، وحدث التداعي!

عند نزع العكاكيز، انهار العدد. أصبح العدد «ألف وواحد» «أحد عشر».

ذات يومٍ أحدهم — مَن؟ — جاءته فكرة خلْق علامةٍ خاصة، لكي يدل على أن العمود غير مشغول؛ دائرة صغيرة. كتب السيد روش دائرة في عمودَي الوسط الشاغرَين:

كان ذلك يبدو وكأنه لا شيء، لكنه كان قفزةً هائلة. إنه غيابٌ معبَّرٌ عنه بوجودٍ! فراغٌ متعاملٌ معه وكأنه امتلاءٌ هذه العلامة بدلًا من جعلها كائنًا منفصلًا، وحصرها في وضعٍ فريدٍ مثل علامة الوقف مُنحَت الوضع العام، وأصبحت عددًا، عددًا مثل أي عددٍ آخر، مثل الأعداد التسعة الأخرى!

بعد وضع الأصفار في الأعمدة نزع السيد روش حواجز الفصل. مثل الدعامات التي تدخل داخل الشرايين لمنعها من أن تنغلق لكي يسري الدم، تمنع الأصفار عددَي «١» من أن يلتحما، إنهم يحافظون على الحيز مفتوحًا. إن العدد يتنفَّس، ويصبح «ألفًا وواحدًا».

والأعداد المحررة من العكاكيز استطاعت أن تظل واقفةً اعتمادًا على نفسها! لقد حسدها السيد روش.

مستمرًّا في رحلته، اندهش السيد روش من معرفة أن هذا العدد كان موجودًا في بابل منذ ثلاثمائة عامٍ قبل الميلاد. الصفر البابلي، هو أول صفرٍ في التاريخ كان الكتبة يمثلونه بخطٍّ متعرجٍ مزدوجٍ مائل. بعد ذلك اخترع علماء الفلك المايا الصفر-الرقم، ممثلًا بشكلٍ بيضاويٍّ أفقيٍّ يمثل قوقعة حلزون.

لكن كان لا بد من انتظار القرن السادس من عصرنا لكي يخترع البشر الصفر «التام»، الذي لم يكن رقمًا فقط لكن عددًا؛ أي كائنًا قابلًا لأن يكون الفاعل في عمليةٍ حسابية. كان ذلك ابتكارًا لعدد لا قيمة له، ابتكار الهنود الكبير! çunya، الذي يُعْرف بأنه نتيجة عملية طرح عددٍ صحيح من نفسه:

ن − ن = صفر.

عبَّر السيد روش عن هذا التعريف بلغة الفيلسوف الخاصة به: إن الصفر هو الفرق بين الشيء ونفسه.

عاجزٌ تمامًا في عملية الجمع: ن + صفر = ن.

قادر تمامًا في عملية الضرب: ن × صفر = صفر

ممنوع تمامًا من القسمة:
يخفض بشكلٍ مدهشٍ عملية الرفع للأُسِّ: اصفر = ١، إذا كان ا صفرًا.

تلك هي تأثيرات هذا العدد الجديد.

وردًّا على السؤال: «كم يوجد هناك؟» لقد حوَّل ظهور الصفر في مجال الأعداد الرد السالب «لا يوجد شيء» إلى جزمٍ موجب «يوجد لا شيء». لقد انتقلنا من «لا يوجد شيءٌ» إلى «يوجد صفرٌ» محدثًا ثورةً في وضع العدد، أصبح الصفر كميةً، كمية مثل أية كميةٍ أخرى.

كم؟ صفر!

لقد أُبعدَت العدادات وأدوات الحساب المادية المختلفة، انتقلنا إلى الورق. ورق قادم من الصين، ثم من ضواحي بغداد، ثم من مصانعَ إيطاليةٍ وفرنسية. ورق كُتبَت عليه أغلب الكتب المكتوبة حتى الآن.

بين فيبوناكي وباشيولي وقع حدثٌ مهمٌّ؛ ففي عام ١٤٥٣م، استولت جيوش السلطان محمد الثاني على القسطنطينية. إن سقوط المدينة التي كانت طوال قرون تتباهى بأنها «مدينة الوسط» لأنها كانت تقع بين روما وبغداد، ترك العالم المسيحي والعام الإسلامي وجهًا لوجهٍ، وكان للحدث عواقبُ غير متوقعةٍ، هرب مئاتٌ من العلماء والمترجمين البيزنطيين، آخذين معهم مئات الأعمال الإغريقية التي غيَّر وصولها المكثَّف إلى الغرب مجرى الأمور.

أصبح التركي هو العدو. في عملٍ من أعمال التسلية الرياضية، وهو نوعٌ جديدٌ في تلك الفترة، سمح تارتاجليا لنفسه أن يطرح المسألة التالية: «تعرَّض مركبٌ يوجد عليه ١٥ تركيًّا و١٥ مسيحيَّا لعاصفة. أمَر الربان برمي نصف الركاب في البحر. ولاختيار مَن سيُلقَى بهم إلى البحر، تصرَّفوا كما يلي: تم رصُّ كل الركاب على شكل دائرةٍ. وبالبدء في العد انطلاقًا من مكانٍ محدَّد، سيرمي في البحر الراكب الذي ترتيبه التاسع.» وكان السؤال: «بأية طريقةٍ يجب وضع الركاب لكي يكون الأتراك وحدهم مَن يختارهم القَدر لكي يُلقى بهم في البحر؟» ولحل مشكلته، كان على الربَّان المسيحي، بواسطة تارتاجليا، أن يلجأ إلى الجبر الذي اخترعه العرب!

اهتم تارتاجليا بحل معادلات الدرجة الثالثة. اندهش السيد روش أن يكون لا يزال هناك شيءٌ يمكن العثور عليه في هذا المجال بعد عمر الخيَّام وشرف الدين الطوسي.

جملة كانت تُرجَّع بشكلٍ متكررٍ؛ حل المعادلات بالجذور. كان الأمر يتعلق بالبحث عن صيغ تعطي حلولًا لمعادلةٍ ما. ليس أي نوعٍ من الصيغ، فقط تلك التي تستخدم العمليات الحسابية الأربع والجذور، استخراج الجذور التربيعية والتكعيبية … إلخ. وفقط تلك الجذور. وفهم السيد روش، في النهاية، أن ذلك يعني صيغًا خاصةً بالمنهج الحسابي تسمح بحسابٍ عدديٍّ فعليٍّ للحلول.

لقد جرَّب عمر الخيَّام، وشرف الدين الطوسي وعلماء رياضيات عرب آخرون ذلك. ولم يتوصل أيٌّ منهم إلى حلولٍ.

لقد حصلوا بالطبع على حلولٍ، لكن فقط بواسطة رسومٍ وإنشاءاتٍ هندسيةٍ. وفي النهاية، عبَّر عمر الخيَّام عن أمنيته أن ينجح علماء الرياضيات القادمون حيث فشل، وأن يتمكنوا من حل المعادلات «بالحساب وحده»؛ أي بالجذور …

هذا تحديدًا ما انكبَّ عليه تارتاجليا. فتح السيد روش كتابه أبحاث واختراعات متعددة. يروي الكاتب فيه المغامرة الحزينة التي كانت بالنسبة إليه حل معادلة الدرجة الثالثة متصفحًا الكتاب، لاحظ السيد روش صلبانًا صغيرةً مكتوبةً في الهامش. مَن الذي اقترف هذا الإثم؟ بعد أن قرأ المقاطع المشار إليها بالصلبان، لم يعُد لدى السيد روش أدنى شكٍّ. جروسروفر! القذر! لاحظ السيد روش أنه لم يضع سطرًا أيضًا تحت المقاطع كاملةً!

منذ تدرُّبه وحيدًا على الثلثَين الباقيَين من الأبجدية، قطع تارتاجليا أشواطًا طويلةً. لقد ظل صغيرًا كما كان دائمًا، لكن لحيته كبرَت، وكانت تُخفي كل جروحه تقريبًا. وما كان إلا لأذنٍ متنبهةٍ أن تتمكَّن من اكتشاف بعض الكدمات في نطقه. عالم مشهور، لم يعمل فقط على «أعمال رجالٍ متوفَّين»، كما كتب ذلك، لكنه ترجم تلك الأعمال، إقليدس، أرخميدس. نسخة العناصر التي استخدمها السيد روش هي ترجمة تارتاجليا، إنه يتذكر ذلك. أراد التأكد ما إذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى أعمال أرخميدس. بحث في الأرفف، لم تكن في المكان المفترض أن تكون فيه، هل لم أرتِّبها بالشكل الصحيح؟ لنرَ ذلك فيما بعدُ، إنها ليست اللحظة المناسبة للتشتُّت.

في كتاب باشيولي أصبح الشيء بالعربية؛ أي المجهول، الكوزا cosa باللاتينية. منذ ذلك الحين، أصبح علم الجبر يُعرف بأنه فنُّ الشيء. كان مربع المجهول هو censo ومكعبه cubo وكانت معادلة الدرجة الثانية تُكتب كاملةً بالحروف:
Censo et cose egual a numero

مربع وأشياء يساوي عددًا.

معادلة الدرجة الثالثة في شكلها المصغر (بدون مجهولٍ مرفوعٍ للأُس ٢):

Cubo et cose egual a numero

مكعب وأشياء تساوي عددًا

لقد ركَّز علماء الرياضيات الإيطاليون التابعون لمدرسة بولونيا، في القرن السادس عشر، جهودهم على هذه المعادلة الأخيرة، جاعلين من شمال إيطاليا أرضَ الجبر طوال قرنٍ كاملٍ من الزمان.

أول صليبٍ وُضع في كتاب تارتاجليا كان يقع أمام مقطعٍ قيل فيه إن أول مَن فتح الثغرة كان أستاذ رياضيات من بولونيا، هو سيبيون دل فيرو Scipione Del Ferro الذي نجح في العثور على بعض حلول معادلة الدرجة الثالثة. وبدلًا من نشْر هذه الحلول، احتفظ بها سرًّا. هذا أكيد ما كان جروسروفر يريد الإشارة إليه، لم يكن الوحيد الذي احتفظ بنتائجه سرًّا، بالإضافة إلى الفيثاغورسيين، بالطبع، الذين فتحوا الطريق.
لكن سيبيون دل فيرو، انتهى به الأمر بأن أخبر صهره أنيبال دي لا ناف Annibal de la Nave بمنهجه، وهو ما لم يقُم به جروسروفر، لم يُخبر صهرًا؛ حيث لم يكُن لديه واحد، ولا صديقه القديم. لأول مرةٍ، يندهش السيد روش من أن جروسروفر لم يخبره ببراهينه، على سبيل السر، حتى اللحظة الأخيرة، وكأنه كان يريد أن يكون حتى النهاية هو المؤتمن الوحيد عليها.
لم يستطع أنيبال دي لا ناف أن يصون لسانَه، فأخبر أحد أصدقائه، أنطون ماريا دل فيور Anton Maria Del Fiore بالمنهج والطريقة، الذي احتفظ بالسر حتى وفاة ديل فيور في عام ١٥٢٦م، لكنه بعد ذلك، بدلًا من إعلان ما استؤمن عليه من سرٍّ، بدأ يوجه باسمه تحديات لعلماء الرياضيات.

في حوزته البراهين التي توصل إليها جروسروفر، رأى السيد روش نفسه يطلق عبْر الموجات تحديات لعلماء الرياضيات في العالم أجمع. في زمن ديل فيور كان عددهم لا يتجاوز بضع مئات، أما حاليًّا فلا يقل عددهم عن عشرات الآلاف.

قبِل تارتاجليا التحدي، وبدأت مبارزةٌ جبريةٌ بين الرجلَين، وضع كل واحدٍ منهما قائمةً بثلاثين معضلةً لدى كاتب عدلٍ ومبلغا من المال. مَن ينجح في حل عددٍ أكبر من المعضلات، خلال أربعين يومًا، سيُعلن أنه الفائز وسيقبض المال. إن معضلات ديل فيور الثلاثين معروفةٌ، مثل: «إيجاد عددٍ إذا أضيف إلى جذره التكعيبي، يعطي ٦». أو: «يكسب رجلان معًا ١٠٠ دوكا،١ مكسب الأول هو الجذر التكعيبي لنصيب الثاني». أو: «يقرض يهوديٌّ مالًا بشرط أن في نهاية العام تدفع له فوائد تساوي الجذر التكعيبي للمال في نهاية العام، حصل اليهودي على ٨٠٠ دوكا، رأسمال وفائدة. ما هو هذا الرأسمال؟» كان لتارتاجليا أتراكه ولديل فيور اليهودي الخاص به …

كل مسائل ديل فيور كانت تستخدم معادلاتٍ من الدرجة الثالثة حلها تارتاجليا في بضعة أيامٍ، ولم يحلَّ ديل فيور أيًّا من المسائل التي وضعها خصمه. ومع ذلك اعترض على النتائج. وبعد أن أُعلن أن تارتاجليا هو الفائز، رفض قبول أي شيءٍ من خصم يلعب بهذا الشكل الرديء، ورفض المال. وكان المتوقع أن ينشر الطريقة التي سمحَت له بالفوز بهذه السهولة.

في الهامش صليبٌ ثانٍ، أمام فقرة كُتب فيها أن تارتاجليا لم ينشر منهجه أو طريقته. ما هي أسبابه؟ في ذلك الوقت كان يقول إنه مشغولٌ جدًّا بترجماته. مؤكدًا أنه لا يريد في أية حال دفن ابتكاراته، وأعلن أنه يحتفظ بها لعملٍ كاملٍ حول الموضوع سينشره قريبًا.

عندئذٍ تدخل طبيب من ميلانو. طبيب وعالم رياضيات هو جيرولامو كردانو Girolamo Cardano الذي وُلد في عام ١٥٠١م، عندما كان الفرنسيون لا يزالون يحتلون المنطقة. اسمه المتفرنس هو جيروم كردان Jérôme Cardan. إذا كان قد تسنى للسيد روش أن يعرف حياته بعمقٍ، فذلك لأن كردان كتب في وقتٍ متأخرٍ من حياته سيرته الذاتية في كتاب عنوانه حياتي، والذي يُعد أول سيرةٍ ذاتيةٍ في الأدب الغربي.

لم يكن كردان قد أتم شهره الأول وأُصيب بالجدري، وغطسوه في حمام خلٍّ، وشُفي من الجدري. وعندما بلغ الثامنة من عمره أُصيب بالزحار. وفي التاسعة، سقط على السلالم، ولِقمَّةِ سوء الحظ، كان في لحظة سقوطه ممسكًا بمطرقةٍ كبيرة. أفلتَت المطرقة وسقطَت في وسط جبهته وفتحَتها حتى العظم، إن المصائب لا تأتي فرادى؛ فبعد ذلك ببعض الوقت، وبينما كان يجلس بهدوءٍ على عتبة بيته، انفصل حجرٌ من السقف وسقط على رأسه! وعندما بلغ الثامنة عشرة، أُصيب بالطاعون، وكاد أن يغرق في البندقية وأيضًا في بحيرة جارد. وكُسرت إصبع يده اليمنى، البنصر، في بولونيا، وعضَّه كلبٌ مرتَين، ولتسوية كل شيء، اكتشف أنه عاجز جنسيًّا. وعلى الرغم من كل محاولاته مع بنات الهوى، لم يتمكن من التحرر من هذا العجز، وفي ليلة زواجه، وكان عمره ٣١ عامًا، زال عجزه ولم يعاوده قط بعد ذلك، لكن عندما بلغ اﻟ ٣٥ عامًا كان يتبول بكثرةٍ (حتى ستين أونصةً يوميًّا). ولم يتوقف ذلك، على نقيض ما حدث عند إصابته بالبواسير، التي عانى منها كثيرًا، والتي شُفيت فجأة بمعجزةٍ عندما بلغ الخمسين من عمره!

«لقد تعذَّبتُ أحيانًا بالرغبة في قتْل نفسي، أعتقد أن ذلك يحدث لآخرين لكنهم لا يذكرونه في كتبهم.»

هذا بالنسبة إلى الصحة. وماذا عن العائلة؟

فازيو، والد كردان، كان جابيًا للضرائب وطبيبًا ورجل قانون وعالمًا، الرجل النموذج لفترة النهضة ومثل تارتاجليا، كان فازيو يُتأتئ. لقد تلقى هو أيضًا وهو طفلٌ ضربةً رهيبةً خلعَت له بعض عظام رأسه. منذ ذلك الحين لا يستطيع البقاء دون طاقية، لكنه عوَّض ذلك بالنسبة لبصره. كان يرى ليلًا، مثل قطٍّ، واستغنى طوال حياته عن النظارات. مثلي، فكر السيد روش، لكن بالنسبة إليَّ، على حدِّ علمي، لم ينزعوا قِطَع عَظمٍ من رأسي.

أما بالنسبة إلى والدة كردان، فطبقًا لابنها كانت «بدينةً، متدينةً، وسريعة الغضب»، لكنها «تتميز بذاكرةٍ وبذكاءٍ عاليَين». كان فازيو يعامل جيرولامو معاملة الخادم. مطالبًا إياه أن يتبعه أينما يذهب ومهما كان تعب الطفل. وهكذا، والده ووالدته، اللذان لم يكونا يتفقان على شيءٍ، اتفقا على نقطةٍ واحدةٍ: كانا يضربانه كثيرًا وبشدة، ويعترف أنه في كل مرةٍ كان يقع مريضًا لدرجة الموت. وعندما بلغ السابعة من عمره، قرر والداه التوقف عن جَلْده.

قصير القامة، قدمان قصيرتان وعريضتان في اتجاه الأصابع. صدرٌ ضيقٌ، ذراعان نحيلان، أصابع اليد اليمنى منفصلة بعضها عن بعض لدرجة أن قرَّاء الكف كانوا يعتبرونه أبله وغبيًّا، أما يده اليسرى فكانت جميلةً بأصابع طويلة، رقيقة ومتقاربة. ذقن مشقوق، والشفة السفلى غليظة ومتدلية، عيون صغيرة ومقفلة تقريبًا إلا عندما ينظر باهتمامٍ إلى شيءٍ ما. بقعة صغيرة مثل حبة العدس على جفن العين اليسرى، الرأس يضيق نحو الخلف مكونًا نوعًا من الكرة الصغيرة، وفي الجزء السفلى للحنجرة، ورمٌ صغيرٌ جاحظٌ، صلبٌ وبارزٌ، ورثه عن أمِّه.

على الرغم من كل هذه الويلات والشقاء، فإن رأسه كان يعمل بشكلٍ جيد، بل جيد جدًّا. في العشرين من عمره، كان يقوم بتدريس إقليدس في جامعة بافي Pavie التي غادرها لبادو Padoue في اللحظة التي قرر فيها فرنسوا الأول أن يحبس نفسه فيها وأن يشن حربًا. كان ذلك في عام ١٥٢٥م. وعندما أُسِر ملك فرنسا أكد أنه فقَد كل شيءٍ ما عدا الشرف، ومع ذلك، فإنه هو الذي هاجم. ألم يفقد أيضًا الشرف؟!

مثل والده، أصبح كردان طبيبًا وعالم رياضيات، ومثله كان يقوم بتدريس الرياضيات، لكنه كان طبيبًا قبل كل شيءٍ آخر. في قريةٍ، في بادئ الأمر، ثم في ميلانو وبافي. مدن كان يقوم بتدريس الطب فيها. ذات يومٍ، أرسل أعداؤه، وهم كُثر، مفتشًا لمراقبة دروسه. كتب المفتش في تقريره، وإن كان لم يذهب إلى القاعة التي كان كردان يعطى فيها دروسه: «لقد تحققتُ من أن جيروم كردان لا يدرِّس لتلاميذه، وإنما يدرِّس للمقاعد. إنه رجلٌ ذو سلوكٍ سيئٍ كريهٍ للجميع، ولا يخلو من غباء …»

وبما أنه حصل على شهرةٍ كبيرةٍ كقارئٍ للطالع، أمضى كردان جزءًا كبيرًا من وقته في استطلاع الغيب كما كان يفعل الخيَّام قبل ذلك بأربعة قرونٍ.

لقد أحرق كردان جزءًا من أعماله، مرتَين خلال حياته. أحرق في المرة الأولى تسعة كتب، وفي المرة الثانية ١٢٤ كتابًا! لكن بعد عمليتَي الإحراق بقي رغم كل شيءٍ حوالي خمسين كتابًا مطبوعًا والقَدْر نفسه من المخطوطات. في الهامش، قبالة هذا المقطع، لاحظ السيد روش أنه لا توجد علامة صليبٍ.

كان جروسروفر جذريًّا بدرجةٍ أكبر بكثيرٍ من كردان. لم يحرق لا تسعة كتبٍ ولا ١٢٤ كتابًا، لكن كل أعماله وكل أوراقه وكل مذكراته وكل مدوناته … كل حياته! كان ذلك حسرة، على أية حال! لأول مرةٍ يدرك السيد روش الحالة التي لا بد كان عليها صديقه عندما كتب له رسالته الثانية، تخيله يكتب ويلقي من وقتٍ إلى آخر نظرةً على مخطوطاته التي لا بد أنه كدسها في وسط الغرفة، إن هذه الرسالة كانت حقًّا وصية.

ظلَّ السيد روش طويلًا في هذه الغرفة من منزل مانوس إلى جوار صديقة، في لحظاته الأخيرة، ثم عاد أدراجه إلى كردان.

من بين الكتب التي أفلتَت من النار، عملٌ عن طريقة المحافظة على الصحة! كان كردان يعرف تمامًا عما يتكلم! وكتاب الفن العظيم Ars magna، عمله الكبير في مجال الرياضيات. لقد تم نشر كُتبه ليس فقط في إيطاليا، وإنما في بال، ونورمبرج، وباريس.

وتزايدَت شهرته، وأصبح مطلوبًا في كل أوروبا، من روما إلى ليون والدنمارك وأسكتلندا، وكان يُدفع له بسخاء مما أتاح له الذهاب إلى أدنبرة لعلاج رئيس أساقفة هناك، وفي طريق عودته مرَّ بلندن، واستغلَّ ذلك لكي يقرأ الطالع لإدوارد السادس، الابن الصغير لهنري الثامن وجان سيمور، الذي اعتلى العرش وهو في سن التاسعة. كان الملك يكاد يبلغ السادسة عشرة وقرأ بفرحٍ نبوءة كردان التي تنبأَت له بعمرٍ مديد (أطول بكثيرٍ من متوسط عُمْر معاصريه).

وكان كردان قد وصل لتوه إلى إيطاليا وعلم بالنبأ، كان إدوارد السادس قد مات لتوه! أرهقته السخرية، لكن كردان لم يرتبك، تذرع بأخطاء في الحساب، وهو ما كان مزعجًا لعالم رياضيات. قرر إعادة حساباته بالكامل ووجد في النهاية … أن إدوارد السادس «كان على حقٍّ أن يموت كما فعل. لحظة قبل أو لحظة بعد، كان موته خارج القواعد». مهارة كبيرة!

رُزق كردان بولدَين وفتاة. كانت الأمور تسير بشكلٍ جيدٍ مع ابنته. أما مع ولديه … فكان أكبرهما جيوفاني باتيستا، هو المفضَّل لديه. وكانت صحته هو أيضًا هشَّة. عندما كان في الرابعة من عمره فقَد السمع تمامًا بأذنه اليمنى، بسبب نقص الرعاية المقدَّمة من مرضعته، غير أنه تعلم الموسيقى وتمكن من أن يصبح موسيقيًّا ذا منزلةٍ رفيعة. ومثل والده، أصبح طبيبًا. لكن، رغم أنه لم يكن عاجزًا جنسيًّا، كما كان والده، إلا أنه لم ينجح في إرضاء زوجته ذات الطبع الملتهب، فلم تكُف عن خيانته، حتى جاء اليوم الذي جعلها تأكل قطعة حلوى. حُكم على جيوفاني باتيستا بالإعدام لدسِّه السم لزوجته، وقُطعَ رأسُه وهو في سنِّ السادسة والعشرين. كانت تلك أكبر مأساة في حياة كردان، لكن كان لديه ابنٌ ثانٍ. لسوء حظه.

ألدو، الأخ الثاني، كان عنيفًا جدًّا، يهرب بدون توقفٍ، مقترفًا العديد من السرقات. وعند عودته إلى أبيه، كانت المشاحنات بينهما رهيبة. وبدأ كردان في نهاية المطاف يشعر بالخوف، فطرده وحرمه من الميراث.

وعندما كان أحدهم يسأله كيف حدث أن يكون هو بهذه الحكمة ورُزق بأولاد بهذا الجنون؟ كان يرد: «لأنني لستُ بهذا القدْر من الحكمة وهما ليسا بهذا القَدْر من الجنون.»

وبمساعدة طالبٍ، كان سكرتيرًا لكردان، دخل ألدو منزل والده، وكسر إحدى الخزائن وسرق الذهب والأحجار الكريمة التي كانت موجودةً داخلها. لم يبتعدا كثيرًا. قُبض عليهما وتمَّت محاكمتهما، نُفي ألدو وحُكم على شريكه بالسجن والأعمال الشاقة. قرَّر ألدو أن ينتقم، أرسل من سجنه خطابًا إلى محكمة التفتيش في روما، محكمة التفتيش الرهيبة. لقد وشَى بأبيه في هذا الخطاب.

وسُجن كردان على الفور. وأمرَتْه محكمة التفتيش أن يجحد الأخطاء التي تتضمنها أعماله وأن يكُف عن تدريسها. وقَّع على طلب المحكمة وشُطب من الجامعة.

بعد ذلك بثلاثين عامًا، في عام ١٦٠٠م، حكمَت محكمة التفتيش نفسها على جيوردانو برونو Giordano Bruno بأن يُحرق، وبعد ذلك بثلاثة وثلاثين عامًا أخرى في عام ١٦٣٣م، أقامت محكمة التفتيش نفسها دعوى ضد جاليليو جاليلي لن تحسن للقرون التالية صورة الرحمة والمودة الخاصة بالكنسية الكاثوليكية.

ما هي إذن الجرائم التي اقترفها جيروم كردان لكي يستحق صواعق هذه المؤسسة الجنائية؟

  • (١)

    لقد كتب أن المسيحية ليست في الحقيقة أسمى من الديانات الموحدة الأخرى.

  • (٢)

    وكان ضد عقيدة خلود الروح.

  • (٣)

    والجريمة القصوى في كتابه تعليق على بطليموس، قرأ طالع … المسيح! وكأنه آدميٌّ عاميٌّ. لا يقولون إن كان توقَّع ما حدث له من قبل ١٥٠٠ عامٍ في الجليل.

إن جملة لكردان أثَّرت كثيرًا في السيد روش. لقد شغلَته طويلًا بعد أن أغلق كتاب حياتي: «عندما تريد أن تغتسل، جهِّز أولًا الفوطة لكي تجفف نفسك.»

هذا بالنسبة للرجل، وعلاقته بتارتاجليا؟ وبحل معادلات الدرجة الثالثة؟

عندما علم بالنجاح العظيم لتارتاجليا اتصل كردان به وطوال سنواتٍ عديدةٍ حث تارتاجليا أن يخبره بمعادلاته، لكن تارتاجليا رفض، أصبح كردان أكثر إلحاحًا، حِيَل، وتوسُّلات وخداع، وحتى تهديدات. وساخطًا من هذا الرفض الذي دام، انتهى بأن كتب له خطابًا وصفَه فيه بالمغرور، وأنه يعتبر نفسه «شخصًا مهمًّا، يعتقد أنه على قمة الجبل، بينما لم يكن إلا في الوادي.»

مغيرًا فجأة من سلوكه أصبح كردان لطيفًا، وتمكن من أن يغدو صديقًا لتارتاجليا. وبدأ الأخير يخبره بنص بعض المعضلات التي طرحَها على ديل فيور، لكنه احتفظ بالمعضلات الأخرى سرًّا، على سبيل المثال:

«اقطع مستقيمًا له طولٌ معينٌ إلى ثلاث قطعٍ مستقيمة؛ بحيث يمكن رسم مثلث قائم الزاوية بها»، أو: «برميل مملوء بنبيذ خالص يسحب منه يوميًّا ملء دلويْن ويوضع مكانهما ملء دلويْن ماءً. بعد ستة أيامٍ، يكون في البرميل نصف نبيذ ونصف ماء. ما هي سعة البرميل؟»

في المساء نفسه، وهو يغادر حانوت بقالة حبيبي، طرح المسألة على بائع الخمر في خانة النبيذ بشارع الأبيس، لكنه تنبه إلى أنه، مثل كردان، لم تكن لديه الإجابة. وتحمل هو إزعاج السرية! لا سيما أن بائع الخمر سأله، لو أن البداية كانت ببرميلٍ مملوءٍ بالماء ويُضاف إليه النبيذ بالنِّسب نفسها، أنصل إلى الإجابة نفسها؟

وإن كانت مقاومة تارتاجليا قد ضعفَت، فإنها لم تكن مستعدةً بعدُ أن تسقط، لكن كان لدى كردان ورقةٌ رابحةٌ؛ كان طبيبًا! وبالنسبة إلى تارتاجليا الذي طالما نقصَته الرعاية الطبية أثناء شبابه، كان ذلك جواز مرورٍ يفتح كل الأبواب ويُسقط كل أنواع المقاومة.

في عام ١٥٣٧م، نشر تارتاجليا كتاب اﻟ Nova scientia وتدافع الجميع لاكتشاف الصيغ العجيبة والطرق المستخدمة لحلِّها. لا توجد كلمةٌ واحدةٌ عن الموضوع! الكتاب لا يحتوي على جبرٍ.

ما الموضوع الذي اشتغل عليه الناجي من مجزرة كنيسة برسيا؟ لقد اشتغل على صناعة المتفجرات! وعلى ماذا أيضًا؟ على مسار قذيفة المدفع! كان السؤال الذي حرَّكَه: ما هي العلاقة بين مدى قذيفةٍ ما وزاوية إطلاقها؟ سؤال قدَّم له تارتاجليا إجابتَين:

  • (١)

    إن مسار القذيفة لا يكون مستقيمًا أبدًا، لكن كلما انطلقَت بسرعةٍ أكبر، قلَّ مسارها المنحني.

  • (٢)

    إن المدى الأقصى لمدفع يتطابق مع زاوية رمي تساوي ٤٥ درجةً.

لقد أسس تارتاجليا، بهذَين الاكتشافَين لعلمٍ جديد، علم القذائف؛ علم حركة القذائف. سيتعين على سيَّافي الكونت دي فوا من الآن فصاعدًا أن يقفوا بعيدًا عن مدى قذائف تارتاجليا!

نظرًا لأن الصيغ لم تُنشر، فإن إلحاح كردان أصبح أكبر ومقاومة تارتاجليا أضعف. ومدركًا ذلك، قطع كردان على نفسه وعدًا: «إذا علمتَني اختراعاتك، فلن أكتفي بعدم نشرها أبدًا، لكنني سوف أسجلها أيضًا لنفسي بالأرقام، بحيث لا يستطيع أحدٌ بعد موتي فهمها.» كان يوجد بالطبع علامة صليبٍ قبالة هذا المقطع. قطع السيد روش على الفور قراءته. قد توجد هنا معلومةٌ جديدةٌ تمامًا! هل كتب جروسروفر براهينه بلغةٍ مشفرة؟ نتيجة لذلك، فإن الرفيق المخلص لن يكون في حوزته سوى النص المشفَّر. إن الأمر تعقَّد. إذا اتضح أن هذه الإشارة صحيحةٌ، فسيتعين بالإضافة إلى تحديد هويته اكتشاف الشفرة أيضًا، وبالنسبة للوجود المفترض لهذه الشفرة، فإنه لا يملك أية معلومةٍ. إلا إذا … آه، لا … إلا إذا كان لا بد من البدء من جديدٍ وتكرار المسيرة من البداية، وفحص ما إذا كان قد قدَّم أية توضيحاتٍ عن الموضوع. منذ طاليس!

صلى السيد روش من أجل أن تكون فرضيته عن تشفير البراهين خاطئةً.

وفي يوم من شهر مارس ١٥٣٩م، استسلم تارتاجليا. شعر كردان أن قلبه يدقُّ بقوةٍ أكبر، جلس واستمع وارتفع صوت صديقه، الذي لاحظ فيه كدماتٍ خفيفةً من جرَّاء تأتآته الخفية:

Quando che’l cubo con le cose appresso,
Se agguaglia a qualche numero discreto,
Trovami dui altri differenti in esso.
Dapoi terrai questo per consueto
Che’l lor prodotto, sempre sia eguale
Al terzo cubo delle cose netto.
El residuo poi tuo generale
Delli lor lati cubi ben sottratti
Varra la tua cosa principale.

بعد الخيَّام ورباعياته، هذا هو تارتاجليا ومقاطعة الثلاثية! كان السيد روش يجهل أن كل هذا العدد من الشعراء يُبحرون في مياه الرياضيات.

كانت القصيدة تقول: «تريد حل معادلة مكعب وأشياء تساوي عددًا معينًا. اعثر على عدَدين يكون الفرق بينهما هو العدد المعني، ويكون حاصل ضربهما وهو مكعب ثلث الأشياء؛ بالتالي، يكون الحل هو الفرق بين الجذور التكعيبية للعددَين.»

كان الأمر بسيطًا جدًّا بالنسبة إلى علماء الرياضيات.

حتى بالنسبة لعلماء الرياضيات لم يكن الأمر بسيطًا لهذه الدرجة! على الرغم من القصيدة، لم يتوصل كردان إلى حل المعادلات. كشف لتارتاجليا عن أفكاره، ملمحًا له أنه — أي تارتاجليا — لم يجد في الواقع الحل. أجابه بأن الخطأ نابع من كردان نفسه؛ لقد فسَّر خطأ معنى بيت الشِّعر الأخير من المقطع الثاني Al terzo cubo delle cose netto. لم يكن «ثلث المكعب»، ولكن «مكعب الثلث».

ها هي الصيغ التي ظل العلماء يبحثون عنها منذ خمسة قرونٍ! أمنية الخيَّام تحققَت.

بالنسبة لمعادلات الدرجة الثالثة فقط!

بعد قراءة هذه القصيدة ببعض الوقت، نشر كردان كتاب الفن العظيم Ars magna. أسرع تارتاجليا ليقرأ كتاب صديقه، ما الذي اكتشفه؟ الطريقة الخاصة به في حل معادلة الدرجة الثالثة بتفاصيلها! لقد خدعه كردان.

كتب تارتاجليا في كتابه، راويًا خيبة أمله وحزنه: «لم أعُد أُكِن أية محبة لكردان.» ثم هذه الجملة: «ما لا تُريد أن يعرفه الآخرون، فلا تقله لأحد!» وفي الهامش كتب جروسروفر، أمام هذه الجملة علامتَي صليب!

لا تقُل لأحد! لقد تبنَّى جروسروفر نصيحة تارتاجليا، وهذا هو السبب تحديدًا الذي جعله لا يرسل له براهينه.

لم ينَل السيد روش ما كان يتوقعه. انتهى كتاب الأبحاث و… دون كلمة عن البحث الكبير الذي كان سينشره تارتاجليا.

هذا البحث الكبير اﻟ General Trattato يضمُّ ستة أجزاء، بدأ تارتاجليا نشره بعد ذلك بأحدَ عشرَ عامًا. ظهرت الأجزاء الأربعة الأولى في عام ١٥٥٦م. وكان الجزء الخامس تحت الطبع، وقبل أن يخرج من المطابع كان تارتاجليا قد تُوفي. الجزء السادس الذي كان من المفترض أن يتناول حل معادلة الدرجة الثالثة، لم يُطبع قط. ولم يعثر أحدٌ على أثرٍ له قط.

ظلَّ السيد روش مذهولًا. هكذا، لم يكن المتأتئ محظوظًا، حتى النهاية. فكر السيد روش على الفور. إذا لم يقُم كردان بنشر هذه الصيغ، على غير إرادة تارتاجليا، لكانت اختفت معه وما كنا لنعرفها أبدًا! إنَّ صِيَغ تارتاجليا هي من ضمن أشهر الصِّيَغ في علم الجبر، وهي معروفةٌ باسم صِيَغ كردان.

ما هي تلك الصيغ؟

كان السيد يتحرق رغبةً لرؤيتها. ورآها! وأصيب بخيبة أملٍ. كان يتوقع صيغًا لها هيئة تلك التي تعوَّد عليها في دراساته البعيدة، تضم س، وص، وأ، وب وكمية كبيرة من الإشارات التي تثبت أننا في أرض الرياضيات حقًّا، لكنه اكتشف شيئًا يشبه نصًّا أدبيًّا. لا توجد أية إشارةٍ «=»، لكن كلمة «تسا» اختصارًا للكلمة «تساوي» وحرف «ز» لكلمة «زائد».

في كتابه الفن العظيم Ars magna، ذهب كردان إلى أبعد من تارتاجليا. لم يقدم فقط صيغ تارتاجليا، التي لم تكن في الواقع، صحيحةً إلا لبعض المعادلات الخاصة، لكنه قدم صيغًا أخرى. وبالتالي، فإنه أوَّل من قدَّم حلًّا كاملًا لمعادلة الدرجة الثالثة. ومن خلاله، عرفنا أن معادلة الدرجة الثالثة يمكن حلها بالجذور.
في كتاب الفن العظيم Ars magna كانت توجد نتيجةٌ رائعة، إن معادلة الدرجة الرابعة يمكن حلُّها، هي أيضًا، بالجذور. لم يكن هذا الاكتشاف لتارتاجليا ولا لكردان رغم جهودهما، لكنه كان للودوفيكو فيراري Ludovico Ferrari.

عمل فيراري لدى كردان كوسيطٍ، وهو في الخامسة عشرة. يقال إنه كان فتًى نظيفًا ومتوردًا، وعذب الصوت، بشوش الوجه وبأنفٍ صغيرٍ جميلٍ، وكان محبًّا للمتع، ويتميز بذكاءٍ كبير، لكن … مع تصرفاتٍ شيطانية! أمام الاهتمام الذي أبداه وسيطه، سمح له كردان أن يحضر دروسه. تابع لودوفيكو الدروس بشكلٍ جيدٍ جدًّا لدرجة أنه تفوَّق على معلمه، الذي كان يُكِنُّ له حبًّا حقيقيًّا. لقد أصبح الابن المحبب الذي كان كردان في أشد الحاجة إليه. لقد انحاز لودوفيكو إلى كردان انحيازًا تامًّا، وفي معركته مع تارتاجليا كان لودوفيكو في خط المواجهة معه. ونَجَمَ عن ذلك شجارٌ رهيبٌ بين الرجلَين، كان فيراري يخرج منه دائمًا منتصرًا. كان ينجح في كل ما يقوم به؛ وبالتالي سرعان ما أصبح ثريًّا. ومتعطشًا للملذَّات، عاش حياةً ماجنة. كانت أخت لودوفيكو هي الشخص الوحيد الذي كان يكنُّ له حبًّا. مات في سن الثالثة والأربعين مسمومًا، كما يؤكِّدون، على يد أخته. ويدَّعي آخرون أن عشيق الأخت هو الذي دسَّ له السم.

ارتجف السيد روش. زوجٌ يضع السم لزوجته، وأختٌ تُسمِّم أخاها! إن حل المعادلات الجبرية بالجذور مرصَّع بالموتى المأساويين، صحيحٌ أن ذلك يدور في أوج عصر النهضة في شمال إيطاليا، وأن أسرة بورجيا كانت قد جعلَت استخدام السم معممًا بكثرةٍ.

معادلات الدرجة الثالثة والرابعة، المسألة حُلَّت بنجاحٍ. هل ينطبق الشيء نفسه على معادلة الدرجة الخامسة؟ هل ستكون مثل المعادلات السابقة قابلة للحل بالجذور؟ وهل سيكون الطريق للوصول إلى الحل محاطًا، هو أيضًا، بالمآسي؟

كما هو متفق، كان على السيد روش أن يخبر الصحبة كلها، بما علمه، وأن يحلل معهم المعلومات التي يمكن أن تكون لها علاقة بقصة جروسروفر، والانتهاء بالسؤال الذي لا مفرَّ منه: ماذا في تناول هذا العالم الرياضي جعل بحثهم يتقدم؟

ماكس متأثرًا بطفولة تارتاجليا، كان يريد أن يعرف المزيد عنه. أما فيما يتعلق بحل معادلة الدرجة الخامسة، فقال مباشرةً إن الأمر لا يعنيه؛ ففي المدرسة، كانوا عند معادلة الدرجة الأولى، وإن ذلك معقد بما فيه الكفاية.

سألَت ليا دون أن تضحك، هل يمكن التوقف في منتصف الطريق، عندما يتعلق الأمر بمسألةٍ بهذه الأهمية مثل حل المعادلات الجبرية؟

– لقد بدأ الأمر يصبح محبطًا! انفجر جوناثان. تربيع الدائرة، تضعيف المكعب وإثلاث الزاوية والآن الحل بالجذور! أذكِّركُم أننا لا نعلم شيئًا حتى الآن بشأن القضايا الثلاث الأولى. هل هي قابلةٌ للحل أم لا؟ هيا لنعرف! لن نرصَّ القضايا كما نرصُّ اللآلئ! سيؤدي ذلك إلى زعزعتنا في النهاية.

«خائف!» فكَّر السيد روش محترسًا ألا يتشقَّق القناع المنطبع بالاهتمام الذي لصقه على وجهه. اتخذ جوناثان هيئةً رزينة: يا سيد روش، الشباب الآن يمر بأزمة عميقة. يطالب الشبان …

أمسكَت ليا أنفها لكيلا تنفجر.

«يطالبون بنقاط استدلال، بشيءٍ صلب، بإجابات التوقف في منتصف الطريق، إنه مثل التوقف في وسط الجماع! وفي سِنِّنا، في أوج المراهقة، يؤدي ذلك إلى كمٍّ كبيرٍ من البثور.»

«أين عثر على ذلك؟ تساءلَت ليا، بإعجابٍ، جنس ورياضيات!»

– واللسان؟ صاحت.

نظر إليها جوناثان والسيد روش مذهولَين. «إنها تتجاوز الحدود»، فكَّر جوناثان.

– نعم، اللغة التي تُستخدم للتعبير عن كل ذلك، الشيء، مكعب الشيء، العدد، إنه جميل في الأذن، لكنني لا أفهم منه شيئًا. لا بد أن يبدأ ذلك في أن يشبه ما نتعلمه في المدرسة.

تمسك السيد روش بثأره: يجب ألا نسير أسرع من الموسيقى! إن خبيرًا مَن يقول لكم ذلك؛ فتارتاجليا هو تارتاجليا، والقرن السادس عشر ليس بالقرن العشرين!

عند هذه النقطة كان الجميع متفقين. إن مقولتَي تحصيل الحاصل الموجهتَين من السيد روش لم تُحدثا أي أثرٍ، ولم تُثيرا سوى هزَّات رأسٍ تنمُّ عن تسامحٍ متعجرفٍ.

«إذا محوتم عمل الزمن، فلن تفهموا كيف وصلنا إلى حيث وصلنا»، تابع السيد روش. تقرءون كتابًا وتريدون القفز على الفصول لمعرفة النهاية. كيف أصبحت الأشياء ما هي عليه؟ هذا هو التاريخ.

أليس التاريخ أيضًا هو ما كان يمكن أن يكون؟ همسَت ليا بمكرٍ.

– بالطبع، بالطبع. هذا أيضًا هو التاريخ. الإمكانات التي لم تتحقق، والطرق التي انفتحَت ولم يسلكها أحدٌ …

١  نقد ذهبي في البندقية قديمًا. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦