تساوٍ
وضع ريشته، وأمسك بالورقة على امتداد ذراعه. طرف بعينَيه، وفحص طويلًا الإشارة التي رسمها لتوه. وضع الورقة، راضيًا. وكان الأمر يستحق ذلك. الرسم الذي خطه بريشته كان يعلن عن نفسه بأنه سوف يصبح الإشارة الأشهر في الرياضيات، إشارة يساوي: خطان صغيران متوازيان متماثلان تفصلهما وسادة هوائية رقيقة:
كنا في عام ١٥٥٧م، وكانت مسألة اختراع إشارة تحل محل كلمة يساوي في كتابة المعادلات مطروحة منذ بعض الوقت. كيف يمكن تمثيل هذا المفهوم المعتاد جدًّا وإن كان معقدًا جدًّا؟ وبعد ذلك بقليلٍ، وبينما كانت الإشارة التي اخترعها ريكورد تنتشر في عالم الرياضيات، سألوه عن أسباب اختياره. «إذا كنتُ اخترتُ زوجًا من الخطوط المتوازية، فذلك لأنهما خطان توءمان، ولا يوجد شيء أكثر تماثلًا من توءمين.»
نظر جوناثان إلى ليا ونظرت ليا إلى جوناثان. ليس كما في المرآة. لا تُرجِع المرآة أبدًا إلا صورة … مجمدة من فرط ما هي مماثلة لما هي صورة له؛ وبالتالي، إن كل ما يدركه كل واحدٍ من ولدَي ليارد في الآخر، هو تحديدًا ما ليس الشيء نفسه؛ الاختلافات الطفيفة التي تعبر بشكلٍ أفضل من كل شيءٍ عن حالتهما المشتركة! إنهما يطاردان هذه الاختلافات مثلما يطارد المخطوبان النقط السوداء على أنف المحبوب. إنهما ليسا صنوَين مثل كتابَين مطبوعَين، لكنهما مثل نسختَين للكتاب نفسه.
باختصار، كانا يدَّعيان أنهما متماثلان مع اختلافاتٍ طفيفة جدًّا؛ بحيث كان الأمر يستحق أن يكونا اثنَين.
لا يوجد ما هو أكثر تماثلًا من توءمين! لم يبدُ على جوناثان وليا أية مظاهر قلقٍ وهما يقرآن جملة ريكورد، لكنهما في الداخل كانا يغليان. ما الذي يعرفه هذا الإنجليزي، عن حالة التوءمة! خطان موضوعان واحد فوق الآخر، مَن الذي يقع في الأعلى؟ ومَن الذي يقع في الأسفل؟ هي؟ أنا؟ هو، أنا؟
كان ريكورد عالم رياضيات، لكنه كان طبيبًا أيضًا، مشهورًا لدرجة أن أصبح الطبيب الخاص للملك الشاب إدوارد السادس.
– هذا الإدوارد، أليس هو الذي قرأ له كردان الطالع؟ هذا الذي كان لا بد أن يعيش طويلًا ومات في السادسة عشرة من عمره؟ سألَت ليا.
– أعتقد تمامًا.
– المسكين، كم كان محاطًا بعنايةٍ فائقةٍ! طبيبٌ رياضيٌّ قادرٌ على التنبؤ له بأنه سيموت عجوزًا، وآخر غير قادرٍ على منعه من الموت شابًّا.
– أتتذكر ما قاله كردان؟ كان إدوارد على حقٍّ في أن يموت عندما مات! لحظة قبل الميعاد أو لحظة بعد الميعاد، لم يكن موته في إطار المتبع والمعتاد. باختصار، قبل الميعاد، ليس بالموعد المحدد، وبعد الميعاد، يكون بعد الموعد المحدد. الموعد هو الموعد! ألا يكون ذلك مدحًا في التساوي … لا أكثر ولا أقل! متساوٍ!
– تحديدًا، متى وصلت إشارة زائد وإشارة ناقص؟
ليس أسرع من الموسيقى! لم تنتهِ بعدُ مع ريكورد. اسمعي! «بعد أن اخترع إشارة يساوي بوقتٍ قصيرٍ أُلقي به في السجن في لندن؛ لأنه لم يسدِّد ديونه، ومات هناك بعد ذلك ببضعة شهور.»
– ليس صحيحًا؟!
نظرت إليه ليا مذهولةً، ثم انفجرت ضاحكةً:
«الشخص الذي اخترع إشارةٍ يساوي مات في السجن؛ لأنه أنفق من المال أكثر مما كسب! أكثر، وليس المقدار نفسه.»
– كان لديه خط موازٍ أطول من الآخر!
– كان نظامه المحاسبي أخمعيًّا، أي مثلث مختلف الأضلاع!
ما كانوا ليصدقوا إذا قيل لهم، قبل ذلك بقليلٍ، إنهم سيطلقون النكات حول الرياضيات! …
بعض الكتب المستخرجة من مكتبة الغابة، موضوعة على السرير: تاريخ الإشارات والترقيم الرياضي، وأعمال كردان. صمَّم جوناثان وليا على أن يظهرا للسيد روش ما هي الإشارات التي يتأقلمان معها. وقرَّرا أن يهتما بصيَغ كردان. إن طريقة كتابة هذه الصيَغ بالكامل بواسطة الكلمات، كما قدَّمها السيد روش لهما، تجعلها غير مفهومةٍ إطلاقًا. سيقومان ﺑ «تغيير شكلها».
لقد أذهلَتهما حقيقة أن علامة يساوي لم تكن موجودةً قبل عام ١٥٥٧م. قالت ليا في نفسها، إنها في صباح الغد، في الفصل، ستكرر حادث الجبر لكن مع إشارة التساوي، وإذا تجرأ العبقريان المدعيان على أن يقولا كلمة واحدة ضد الخطوط التوءم، فسألطمهما. مرحٌ مؤكد في قاعة الدرس!
– أيجب أن يموت شخصٌ في الطرف الآخر من العالم لكي نكتشف من أين تأتي إشارة التساوي؟ لماذا لا يقولون لنا أبدًا هذه الأشياء في الفصل؟
أطلقَت ليا صرخةً كأنها راشيل في آخر فصلٍ من مسرحية فيدرا: جوناثان! كدنا أن نموت بلهاء!
– نموت؟ (يفحصها متشككًا.) ليست لديك نية … لقد قُتل فيراري بالسم على يد أخته.
– أو على يد عشيق أخته.
– ألديك عشيق؟ سألها متشككًا.
– كنا نحلق في مأساة وتسقط أنت في ملهاة شوارع!
– أنت التي قلت عشيق.
– هل لديك عشيق؟
– مثل نوفيوتشر، لن أجيب إلا في حضور محامٍ. إننا توءم، لكن لديَّ حياتي الخاصة. الأخصائي النفسي قالها: «يجب أن يكون لكل واحدٍ حياةٌ خاصة.»
– لكنه لم يقُل إننا لا نستطيع أن تكون لنا الحياة الخاصة نفسها.
– أنت مجنونٌ، أنت لا تخشى شيئًا، جوناثان ليارد، أنت لست لودفيكو فيراري. تذكَّر: صبي نظيف وردي اللون، بصوتٍ عذبٍ ووجهٍ بشوشٍ وأنفٍ صغيرٍ لطيف، وذكاءٍ كبير. لا وجه شبه معك إطلاقًا!
– لكن … كان ذا تصرفات شيطانية! صاح جوناثان ورمى نفسه فوق ليا.
لحسن الحظ، تحت غرفتهما، توجد غرفة ماكس، الذي ما كان لشيء أن يوقظه.
إنها قصةٌ لذيذةٌ، يا جوناثان. لا يصدق كم يمكنك أن تكون رقيقًا، عندما تريد. في الواقع لستَ بليدًا جدًّا كما تبدو، إن مظهرك يضرُّك؛ فأنت قويٌّ جدًّا.
كان سيغضب عليها، لكنها أضافت، بنبرةٍ هازلةٍ: إننا متماثلان … باستثناء الإشارة!
– تاريخ الإشارات والترقيم الرياضي، قال مُذكِّرًا بعنوان الكتاب.
مستأنفًا العمل على الإشارات، حكى لها كيف وُلدَت علامة «+» وعلامة «-» في بحث عن الحساب التجاري. كان ذلك في عام ١٤٨٩م، عندما استخدمها شخصٌ يُدعى وايدمان لوضع علامة على صناديق البضاعة.
كانت ليا تستمع وهي ممددةٌ على السرير، ومُغمِضة عينَيها. وعندما انتهى جوناثان، لم تستطع أن تمنع نفسها من إبداء ملاحظة أن إشارة الناقص سبقَت إشارة الزائد، التي لم تكن سوى علامة ناقص مشطوبة.
– مَن يستطع الأقل يستطع الأكثر، ختم جوناثان، متفلسفًا، عارضًا على ليا نسخًا لحروف هيروغليفية استخدمها المصريون لتمثيل الجمع والطرح.
تبادلا نظرةً خاطفة: سيُعجب ذلك السيد روش بكل تأكيد!
– وبالنسبة لما لا نهاية؟
– جذر لا نهائي؟
– لا، إشارة ما لا نهاية.
– أتعرفين ماذا كان يعمل شوكيه؟
– طبيب!
– أسس سالبة، بينما استغرق الأمر قرونًا من علماء الرياضيات قبل القبول بأقل عددٍ سالب!
«وإذا طرح من ١٠ ناقص ٤، يتبقى ١٤. وعندما نقول ناقص ٤، فإن ذلك مثل شخص ليس لديه شيء ويدين أيضًا ﺑ ٤. عندما نقول صفر، فإن ذلك يعني ببساطة لا شيء …»
قاطعت ليا نص شوكيه: لديَّ قصة أنا أيضًا. عند الظهر، كان هناك عنكبوتٌ في بيته يستعد لتناول الطعام. مرَّت ثلاث ذبابات في متناول الخيط، نظر إليهن العنكبوت مفكِّرًا: إذا كنتُ أفهم بشكلٍ جيد، ﻓ «ناقص ذبابة» هو ما يجب أن أضيفه إلى هذه الذبابات الثلاث لكيلا أكل منهن سوى اثنتَين!
– إن الأعداد السالبة، هي ما يسمح بالإضافة والحصول في النهاية على أقل مما كان موجودًا في البداية، لخَّص جوناثان بفلسفة لا تقل عن العنكبوت. عندما يكون لديك ناقص ٣، فإن ذلك مثل ألا يكون لديك شيئًا فضلًا عن أنك تدينين لي ﺑ ٣!
– هذا ما حدث تمامًا لريكورد المسكين، إن الأعداد السالبة تؤدي مباشرةً إلى السجن! إذا كان صفر، هو لا شيء، فإن العدد السالب، هو «أقل من لا شيء».
– كان متقدمًا بشكلٍ غريب، نيكولا شوكيه! فيما عدا أنه لم ينشر كتابه الثلاثي في علم الأعداد، لم يقرَأْه أحدٌ في ذلك العصر، ولم يحدث أي تأثيرٍ فوري في ذلك الحين.
– أوه، لا، لننسَها قليلًا! لمرةٍ واحدةٍ لم نتكلم عنها.
– يا إلهي، ما الذي أعطاني توءمًا مماثلًا! إني أتكلَّم عن الحروف في الصِّيَغ وليس عن الخطابات!
– ذلك فصلٌ آخر.
وتم اعتراض رسائل أخرى، وكان الإسبان يعدلون الشفرة بشكلٍ متكرر، لكن فييت كان قد وضع طريقة تسمح له ﺑ «تعقُّب» تغيُّرات الشفرة. كانت السلطات الإسبانية مقتنعة بأنْ لا أحد يستطيع فك شفرة رسائلهم، بدون الاستعانة بالسحر؛ وبالتالي تقدمَت بشكوى ضد فييت إلى محكمة التفتيش، وتقرر محاكمتُه بتهمة السحر أمام محكمة تفتيش روما. إنها مصادفة؛ فقد حدث ذلك في الوقت نفسه تقريبًا لحكم محكمة التفتيش نفسها بالسجن على كردان. ويقال إن هناك مَن يناصبون الإكليروس العداء، لكن، في تلك الفترة، كان بالأحرى الإكليروس هو الذي يناصب علماء الرياضيات العداء!
أما بالنسبة لوضع الرموز الخاصة بالمعادلات. لقد تم تمرير كل شيءٍ إلى الجانب الأيسر للمعادلة والنتيجة، لم يتبقَّ في الجانب الأيمن سوى صفر؛ لذلك تكون المعادلة مساوية دائمًا لصفر! هيه، أتستمعين لي؟ أنا لا أتكلم سدًى يا عصفورتي.
– لذلك فإنها كلها تساوي صفرًا، كرَّرَت ليا بشكلٍ آلي. لقد كانت تجد صعوبةً في الاحتفاظ بعينَيها مفتوحتَين، ولا تناديني بعصفورتي! وإلا فسأناديك يا فطيرتي، مثل جروسروفر.
– وحصلنا على أس اثنان زائد ب س زائد ﺟ يساوي صفرًا! انتصر جوناثان، فخورًا بأنه وصل إلى النهاية.
– أخيرًا، تعرَّفتُ على صغاري! تنهَّدَت ليا بشكلٍ خفيٍّ.
نهاية المطاف!
– يجب أن نعمل بحمية الآن، قال جوناثان متذمرًا وهو يتناول كتاب كردان.
لم تكن ليا موجودةً. كانت تنام مثل ملاك، أشغال شاقة ليلية، بدأ جوناثان العمل وحده، مترجمًا معادلات كردان التي لا تنتهي «المستعارة من تارتاجليا» إلى لغة الطالب الحالي، وعندما انتهى وضع الورقة، وأطفأ النور، وفتح الزجاج البانورامي أعلى سريره، وأزال عنه طبقة الجليد، ولمح السماء السوداء وأغلقه من جديد. نفَذ الظلام فجأة إلى غرفة السُّلم.
في صباح اليوم التالي، وهو ذاهب إلى المدرسة، دس ورقة تحت باب الغرفة-الجراج.
فتح الشخص الصغير الأنيق الرسالة التي أُرسلَت إليه من طوكيو. بعث له شريكُه بترجمة التعليق المصاحب للصورة:
عالمٌ فرنسيٌّ عجوزٌ قاسَ ارتفاع هرم اللوفر الذي بناه المهندس آيوه مينج بي مستخدمًا طريقة الظلال العتيقة لعالم الرياضيات الإغريقي طاليس.
– ما الذي يريدني أن أفعلَه بتعليقه على الصورة؟ طاليس، مَن هو هذا الشخص؟
لكنه ذهب مع ذلك إلى اللوفر، ورغم أنه قدَّم رشوةً للحراس والمرشدين، لم يحصل على أية معلومة عن العالم العجوز الموجود في قلب الصورة، ولا عن طاليس.
قام الشخص الصغير الأنيق بتصوير عشر نسخ من صورة صحيفة طوكيو. ووضع أحد رجاله عند منافذ رصيف المجيسري، في حالة عودة الصبي إلى المكان.
بعد تناول ثلاثة كئوس جِعة كبيرة، توصَّل إلى فكرة. يذهب الأطفال إلى المدرسة. لا يوجد مبررٌ لكيلا يذهب هذا الصبي إلى المدرسة؛ فهي إجبارية في فرنسا. لو كنا في كلكتا أو ريو أو حتى نابولي، لكان الأمر أقل يقينًا، كم يكون عمره؟ إنه ليس خبيرًا بالمرة فيما يتعلق بالصبية.
لقد أكدَت له جيوليتا أنه ما بين الحادية عشرة والثانية عشرة من عمره، أقرب للثانية عشرة منه للحادية عشرة، إذن مسجَّل في مدرسة ثانوية وليس في مدرسة ابتدائية، اتصل هاتفيًّا بمكتب الإدارة التعليمية.
«قلت كم مدرسة ثانوية؟ يا إلهي! مضروبًا في عدد فصول السنة الخامسة والسنة السادسة في كل مدرسة، التي لا يقل عددها عن عشرة فصول!» كان الشخص الصغير الأنيق منهكًا. لن يراقب خروج الطلبة من كل مدارس باريس الثانوية. وجيوليتا، دائمًا محبة للخير، رمَتْه بقولها: مَن قال إنه ليس في مدرسة ضواحٍ؟ يأتي الكثير من صبية الضواحي إلى سوق السلع المستعملة!
نعم مَن يستطيع تأكيد ذلك؟ العثور على صبي في الثانية عشرة من عمره في مدينة تعدادُها عشرة ملايين نسمة مستحيل! فضلًا عن أن الصبية يتشابهون كلهم فيما بينهم.
لم يكن ذلك رأي جيوليتا.
«أقول لك إن ذلك الصبي كان غريبًا، أسرَّت له. كان لديه شيءٌ ما، أنا لا أعرف، شيءٌ ما غير عادي عندما تتحدث إليه، كانت له طريقة في التحديق فيك، إنه ينظر إليك ﺑ… بانتباه ﺑ…»
– ربما كان يجدك جميلة، قال الشخص الصغير الأنيق، وهو ليس الوحيد في ذلك. قالها بابتسامةٍ مخادعة.
قامت بحركةٍ عنيفةٍ بيدها لتقول له إنه بدأ يُرهقها، ثم وكأنها تُكلِّم نفسها تقريبًا، أضافت: كان تأثيره عليَّ غريبًا، هذا الصبي.
– إيه، لن تقعي في الحب الجنسي للأطفال.
– كم إنك مغفلٌ، أنت!
استدارت وابتعدت بخطوةٍ نشطة، لقد كانت غاضبةً حقًّا.
«في الحقيقة، إن هذا الصبي جميلٌ. يذكرني برفيقٍ قديمٍ لم أحصل على الحق في أن أحبه عندما كنتُ صغيرة. قالت لي أمي: «إذا رأيتِه مرة أخرى، فسأنزع عينَيكِ».»
– ولم تريه مرةً ثانيةً؟
– لا بد من الاعتقاد بأنني كنتُ متمسكةً بعينَي أكثر من تمسُّكي به.
لم تنجح محاولة الشخص الصغير الأنيق لاستمالتها، لا بد أن يثير إعجابها. سوف يُظهِر لها قدراته! أجهَد نفسه في العثور على فكرةٍ ثانيةٍ ووجدها. كانت تتلخص في جملة: صورة مقابل صورة.
كانت لديه صورة الصبي والصبي في مدرسة، وما الذي يتم كل سنةٍ في المدارس؟ تلتقط صورة لطلبة الفصل. إن وسيلته للعثور على الصبي ستكون من خلال مصوري المدارس! «يوجد شيء في الداخل»، قال وهو يربِّت على رأسه.
قام بزيارة لمصوري المدارس الذين نجح في الحصول على القائمة الخاصة بهم. كانوا جميعًا مرتابين، ويبدءون بالرفض متذرعين بسر المهنة، بالإضافة إلى أن الأمر يتعلق بصبية قُصَّر، لكن الشخص الصغير الأنيق كان قد أعد سيناريو جميلًا يجعل التحفظات تسقط سريعًا. كان يدَّعي أنه مراسلٌ لصحيفةٍ يابانيةٍ كبيرةٍ متخصصةٍ في الحيوانات، ومشيرًا إلى الببغاء على كتف الصبي لتأكيد أقواله. إن الصبي الذي يظهر في الصورة وعلى كتفه الببغاء حصل على جائزة القُراء الخاصة بالصحيفة. وإنه يبحث عنه لكي يتمكن من تسليمه هذه الجائزة، ويذكُر عرضًا، أن المبلغ كبيرٌ.
«وبالطبع، توجد مكافأةٌ لاحقةٌ لمَن سيتيح وضع اليد عليه … أريد أن أقول: العثور عليه.» لم يعُد هناك سوى الانتظار.
في الواقع، انطلق في دربٍ ثالثٍ: سوق السلع المستعملة، وفجأة، شحب لونه. لو كان الصبي قد باع الببغاء إلى إحدى تلك العصابات؟ زفت، زفت. ستكون كارثة. سيغضب صاحب العمل غضبًا شديدًا. وكان أكثر ما يخشاه الشخص الصغير الأنيق هو نوبات غضب صاحب العمل. كانت رهيبةً. عندما تنقض عليه إحدى هذه النوبات كان يفقد كل قدراته. ويضطرب جدًّا بحيث قد يختبئ تحت الطاولة، مثلما كان يفعل وهو صغيرٌ، مرعوبًا ووالده ينقضُّ عليه. لم يكن مؤمنًا، لكنه وجَّه صلاةً عاجلةً للسيدة العذراء. «اجعليني أعثر على هذا الببغاء الخسيس.» كان واثقًا أنه سيعثر عليه. وصاحب العمل سيهنئه، والشخص الكبير الأنيق سينفجر من الغَيرة وجيوليتا ستنهار. واحمرَّ من السرور.
في وقتٍ متأخرٍ من الصباح، استرد السيد روش الورقة التي دسها جوناثان تحت باب الغرفة-الجراج مذهولًا، قرأ ما يلي:
هكذا كان المصريون يضعون إشارات العمليات الحسابية:
ساقاه هو، اللتان لا تمشيان في الاتجاه نفسه ولا في الاتجاه المعاكس، قرَّر السيد روش أن يدثِّرهما. في قطعة الأثاث المحشوة بالأحذية، اختار حذاءً يصل إلى منتصف الساق ومبطَّنًا بفرو الحمل. وقرأ مجددًا مقولة أفلاطون الملصقة على قطعة الأثاث: «لا يفهم المرء ما هو علم الحذاء عندما لا يفهم ما هو العلم»، وفكَّر أنه فيما يتعلق به سيكون من الأفضل عكس العبارات: «لا يفهم المرء ما هو العلم، عندما لا يفهم ما هو علم الحذاء.»
باقي رسالة جوناثان وليا كانت أكثر عامية …
«بالتحرك، كما تقول، أسرع من الموسيقى، ها هو الرأس الذي سيكون لصيغة كردان بعد ذلك ببعض الوقت.»
نظر السيد روش إلى الشيء. مم … نوع المعادلات نفسها التي طالما أرهقته أثناء دراسته. تلك التي كانت تجعله يعتبر جروسروفر شخصًا أعجميًّا يعبِّر بلغةٍ مليئةٍ بالفظاظة.
إنهما يضغطان عليه! شعر السيد روش أنه لا يستطيع التوقف في منتصف المعبر. لم يكن يعرف بعدُ ما يتعلق بالحل الكامل لمعادلة الدرجة الثالثة. هل هي قابلةٌ للحل بالجذور؟ نعم أم لا؟!
ماذا عن هذه الصيغة؟ حسنٌ، كانت هناك عقدةٌ، إن هذه الصيغة لا تحل كل شيء سواء قُدِّمَت في ثوبها الحديث أم لا، لقد استغرق السيد روش بعض الوقت ليفهم ذلك؛ فإن الصيغة تكون أحيانًا غزيرة الإنتاج، فتنتج حلولًا أكثر من المتوقع، وتكون أحيانًا غير مثمرة، وينكشف أنه من المستحيل تطبيقها.
ذات يومٍ، اعترف أحد نظراء تارتاجليا لهذا الأخير بالصعوبة التي يجدها في الاقتناع بأن معادلة الدرجة الثالثة يمكن أن يكون لها حلَّان وربما أكثر. أجابه تارتاجليا: «بالطبع يصعب تصديق هذا الأمر، وبكل تأكيدٍ، ما كنتُ لأصدِّق ذلك تقريبًا، إذا لم تشهد التجربة على ذلك.»
إذن يمكن أن يكون لمعادلةٍ من الدرجة الثالثة أكثر من حلٍّ! لكن كم عدد هذه الحلول؟ اثنان، ثلاثة، أكثر؟ في الحقيقة، كان الأمر كله يدور مجددًا حول الكميات السالبة.
بالنسبة إلى الأطفال في مواقف السيارات في فترة نهاية القرن العشرين، لا تمثل الأعداد السالبة أية مشكلة. إن «-٢» المكتوبة على زر المصعد، تعني بشكل عادي الدور الثاني من البدروم؛ هناك حيث يتم ركن السيارة.
دون أن يكون بهذه الحداثة في علاقته مع الكميات السالبة، كان كردان يبدي نفورًا أقل من سابقيه فيما يتعلق بالقبول بها كحلول. كانت بالنسبة إليه، طبقًا لكلماته، جذورًا «أقل نقاوةً»، لكنها مع ذلك جذور.
في المعادلة التي أوصلَها جوناثان إليه بعد ليلته التي لم ينَم فيها، كان هناك جزءٌ يثير مشكلةً:
(١) إن مربع أي عددٍ يكون دائمًا موجبًا. سواءً كان العدد سالبًا أو موجبًا، إن قاعدة الإشارات تفرض ذلك: زائد مضروب في زائد وناقص مضروب في ناقص يعطيان زائد.
وإذا كان ا سالبًا؟
سيكون لدينا مربعُ عددٍ سالب! مستحيل، سيكون ذلك متناقضًا مع النتيجة السابقة!
لا يوجد جذرٌ تربيعيٌّ لكميةٍ سالبة!
وحدد كردان الوضع. (١) صيغتي صحيحة. (٢) لا يمكن تطبيقها في حالةٍ واحدةٍ محددةٍ مما يضعها في تناقض مع نتائج أرخميدس (٣) إن استحالة حساب جذر تربيعي لعددٍ سالبٍ هي المسئولة وحدها عن هذا التناقض.
بالنسبة إلى كردان كان قد تم العثور على الحل بالكامل، هل سيتراجع الرجل الذي تجرأ على قراءة طالع المسيح أمام استخراج الجذر التربيعي لعددٍ سالب؟
وأقدم كردان على ذلك. لقد حذَّر قُراءه: «انسوا العذابات الذهنية التي سيجعلكم ذلك تتعرضون لها، وأَدخلوا هذه الكميات في معادلاتكم.» وأدخل أشياءَ مثل:
كان الإغريق قد أقرُّوا بوجود كمياتٍ غير جذريةٍ نظرًا لأنها كانت تفرض نفسها، لكنهم رفضوا أن يمنحوها وضع العدد. كان العرب أكثر كرمًا، فمنحوها جواز السفر العددي. إن الأعداد غير الجذرية يمكنها، بعد أن أصبحت أعدادًا (تقريبًا) مثل الأعداد الأخرى، أن ترشِّح نفسها كحلول للمعادلات الجبرية. وإن كانت غير مزودةٍ بتعريفٍ حقيقي. كان ذلك في نهاية القرن السادس عشر.
وعرضًا، دوَّن السيد روش أن بومبلِّي أشار إلى أن قضية إثلاث الزاوية ترجع إلى حلِّ معادلةٍ من الدرجة الثالثة. وهو ما كان جديدًا، لكنه لا يحل مشكلة رسْمِها بالمسطرة والبرجل. غير أن هذه المعلومة كان لها أهمية قصوى؛ لقد غادرت القضية المجال الهندسي البحت التي انحصرَت فيه حتى ذلك الحين لتبحرَ في المجال الجبري!
وشيءٌ آخر، لقد ابتكر بومبلِّي علامةً رئيسيةً، نسي جوناثان وليا أن يذكراها في قائمتهما: الأقواس؛ فهي المنسية دائمًا من بين علامات الرياضيات.
تأتي الأقواس في شكل أزواجٍ على اليسار، القوس الذي يُفتح، وعلى اليمين القوس الذي يُقفل. إن دور الأقواس رئيسيٌّ: السماح بكتابة العبارات الرياضية دون التباس. جرَّب السيد روش مع عمليتَي قسمةٍ متتاليتين ٢ مقسومٌ على ٣ مقسومٌ على ٥، يعطي كم؟
وعند كتابتها «٢ / ٣ / ٥» لا يعطي ذلك أي شيءٍ على الإطلاق. هل هي ٥ التي تقسم ٢ / ٣، أم ٣ / ٥ هي التي تقسم ٢؟ كيف يمكن معرفة ذلك؟ بدون أقواسٍ، زبالة!
على النقيض، مع استخدام الأقواس يكون لدينا الاختيار إما أن نضعهما في البداية: «(٢ / ٣)/٥»، وهو ما يعطي …٠٫١٣٣٣٣٣٣٣٣٣٣
أو في النهاية: «٢/(٣ / ٥)»، وهو ما يعطي …٣٫٣٣٣٣٣٣٣٣٣٣ وهو ليس بالشيء نفسه بتاتًا!
فكر السيد روش في أنه يتعين إطلاق اكتتابٍ لبناء نصبٍ صغير، يكتب عليه إهداء من نوع:
إلى الأقواس،
العبارات الرياضية ممتنة.
وهو ما يعطي:
وانطلق الحساب بهذه الكائنات الجديدة! وحرص الجميع ألا يعطوها تعريفًا، لفرط ما كانت تبدو وهميةً. مواد حسابٍ صرفة، استُخدمَت كمجرد وسطاء، يتم إخطارها بأنها ستختفي في نهاية المطاف دون أن تترك أثر مرورها. حيلة صغيرة، ماذا؟ إن ذلك يشبه قليلًا فن الرسم المنظوري، الذي كان قد اختُرع في المنطقة نفسها تحديدًا، قبل ذلك ببضعة عقود. إن الخطوط المستقيمة التي تُستخدم في رسْم منظورٍ ما يتم مسحها بعنايةٍ بحيث تصبح غير مرئيةٍ في الحالة النهائية للوحة.
هل يجب أن نسمي هذه الكائنات أعدادًا؟ وإذا سُميت أعدادًا، فلا يمكن إلا أن تكون أعدادًا مستحيلةً. بعد ذلك، حسَّن ديكارت من وضعها، ولكي يدل على النسق الواقعي الذي يضعها فيه، أطلق عليها اسم أعدادٍ تخيليةٍ! ثم بعد ذلك، وقد أثبتَت هذه الأعداد حقيقتها، لم يعُد عالِم الرياضيات الألماني جاوس يرى فيها إلا أعدادًا … مركبةً.
على النقيض، كانت الأعداد المستخدَمة حتى ذلك الحين تُسمى أعداد حقيقية، سواءً كانت موجبةً أو سالبةً، جذريةً أو غير جذرية.
اندهش السيد روش. هذا الأويلر، أليس واحدًا من علماء رياضيات قائمة جروسروفر؟ تحقَّق. كان أويلر يأتي مباشرةً بعد فيرما، الذي كان يلي مباشرةً تارتاجليا. إننا في بلد المعرفة.
تأمَّل السيد روش طويلًا المسار الذي سارت فيه هذه الكائنات الرياضية. من مستحيلةٍ إلى تخيلية، ومن تخيليةٍ إلى مركبة. كم من الأفكار، والنظم السياسية، والنظريات، والطرق سارت على هذا السبيل لتصبح «حقيقةً واقعةً»! وأحيانًا، حقيقة عادية وتافهة!
هذه الأعداد الجديدة، ما هي هيئتها؟ إذا كانت تريد أن تستحق وضعها، فلا بد أن تكون … أكثر تركيبًا من الأعداد الأخرى. لتكوين عددٍ مركب، احتاج الأمر لعددَين حقيقيَّين. على سبيل المثال، مع الزوج (٢، ٣)، أنشأنا العدد المركب:
كان هناك أمرٌ يضايق السيد روش. في نهاية المطاف، هل يمكننا حساب الجذر التربيعي لعددٍ سالب، نعم أم لا؟ كانت الإجابة واضحةً ومزدوجة.
لا! لا يمكن حساب الجذر التربيعي لعددٍ سالبٍ في إطار مجموع الأعداد الحقيقية. ما كان مستحيلًا ظل مستحيلًا هناك حيث كان مستحيلًا!
نعم! يمكن حساب الجذر التربيعي لعددٍ سالبٍ في مجموع الأعداد المركبة.
يؤكد علماء الرياضيات، أنها «جذرٌ تخيليٌّ للوحدة السالبة»! ونظرًا لأنها لا تنتمي لمجموع الأعداد الحقيقية، فإن اقتحامها لعالَم الرياضيات لا يُدخل أي تناقضٍ في هذا المجموع.
لاحظ السيد روش أنه منذ بداية رحلته، وجد نفسه عدة مرات في مواجهة تساؤلَين لهما طابعٌ رياضيٌّ بقَدْر ما هو فلسفيٌّ: مسألة الوجود ومسألة الاستحالة.
وقد منحَتهم شجاعتُهم القوة وأثرَتْهم مهارتهم الجديدة، من أجل أن يوسِّعوا عالَم الرياضيات، سواء هم أو مَن يأتون بعدهم، لكي يصبح من الممكن استقبال هذه الكائنات الجديدة التي وُلدت من الناحية الأخرى من المرآة.
ويمكن دائمًا الذهاب إلى الناحية الأخرى من المرآة، كما في حالة الأعداد السالبة، والأعداد غير الجذرية، والأعداد التخيلية … إلخ، شريطة أن نعود بالأيدي محملةً بالروائع!
لكن لا توجد كتابةٌ صرْفةٌ، وذلك صحيحٌ في الشِّعر والأدب كما هو صحيحٌ في الرياضيات. كتابة «المستحيل»، تعني التجرؤ على طرح مسألة وجوده، بإجازة محاولات تبريره. في الرياضيات، يجرى ذلك بإعداد نظرية تقوم فيها، هذه الكتابة المحالة حتى ذلك الحين، بتقديم شيءٍ معرَّفٍ ومحددٍ تمامًا. يمكن دائمًا تعريف وتحديد كائناتٍ جديدة، بشرطٍ واحد: أن يكون وجودها تعايشًا ومشاركةً في الوجود. إن وصول كائناتٍ جديدةٍ لا يجب أن يهدد وجود الكائنات الموجودة سلفًا، كما يجب ألا يتناقض مع النتائج القائمة من قبلُ.
في علم الرياضيات، لا تتم الثورات بتدمير العوالم القديمة؛ فهذه العوالم تحافظ دائمًا على شرعيتها وعلى كونها صحيحةً. إن الثورات تحدث ببناء عوالمَ جديدة، سواء شملَت العوالم السابقة، أو أخذَت مكانًا إلى جوارها. إن الكائنات الجديدة لا تُلغي الكائنات القديمة. مثالٌ جميلٌ للتعايش بين الأسلاف والمواليد الجدد.»
عندما روى السيد روش لجوناثان وليا ما علمه بشأن الأعداد التخيلية كان رد فعلهما فوريًّا.
جوناثان:
إن هذا يتناقض تمامًا مع ما رويتَه لنا عن المسطرة والفرجار؛ حيث كان الأمر يبدأ بوضع محظور: «بغير المسطرة والفرجار، لن ترسم أبدًا!»
ليا:
بينما بالنسبة إلى الأعداد التخيلية، فإننا لسنا حريصين إلى هذه الدرجة على الوسائل المستخدمة لحل المشكلة، إنها «الغاية تبرر الوسيلة» كما أن عند الوصول، الوسائل، طظ! ترمي غِلالةً محتشمةً على كل ما سمح بالوصول إلى النتيجة و…
لم تُنهِ جملتها. أصبح صوتها ألطف: النتيجة، هي، لا تُبالِ بالوسائل؛ فهي لا تحمل علامة ظروف الميلاد.
أخيرًا، بمرحٍ: «المهم» أن ينجح الأمر!
وقال السيد روش وهو يحرك مقعده بجلبة: وعندما لا ينجح الأمر، ماذا يحدث؟
نظرت إليه بمودَّة: عندما لا ينجح الأمر، يا سيد روش؟ نطير!
حرَّك نوفيوتشر جناحَيه، وارتفع وحطَّ على كتف ليا، وهو ما لم يفعله أبدًا من قبلُ مع أي شخصٍ غير ماكس. كانت ليا منزعجةً.
في اليوم التالي، تولَّى جوناثان وليا المهمة. بما أن السيد روش لم يعتقد أنه من المفيد إعداد جلسةٍ عن الموضوع، فقد قاما بإعدادها، ومتأكدَين من حضور الجمهور الأساسي: السيد روش، ماكس، وبيرت، وجَّها الدعوة إلى الاحتياطي، ألبير وحبيبي. أما نوفيوتشر، فقد كان مشاركًا في الأمر.
متشبثًا بقوةٍ بالقضيب العلوي لمجثمه، بدأ بشقلبةٍ رشيقةٍ نفذها بالتصوير البطيء تمامًا. وعندما كان رأسُه إلى أسفل، أعلن: مسرحية الأعداد التخيلية!
وعلى أنغام موسيقى بحَّارة الفولجا، كان جوناثان وليا يتقدمان وهما يزفران ويُرتلان برتابة «هليو هان، هليو هان». يُفترض أن هذه الترانيم تعرض موسيقيًّا (!) الوضع البائس للمحكوم عليهم بالأشغال الشاقة وهم يجدفون في قاع عنبر الفحم في السفينة. عندما توقَّف الكورس، شَعَرا بأن روحَيْهما فارسية وبُعثَت فيهما موهبة الخيَّام، وتجاسَرا على نظم أشباه رباعيات من تأليفهما:
لم يعُد هناك سوى حلٍّ واحدٍ، جعْل الوضع قانونيًّا، نيا، نيا!
كان حبيبي يكاد يطير فرحًا، لم يفهم جيدًا الكلمات، لكنه انفعل بالموسيقى. تابعَت بيرت، دون أن تتفوه بكلمة، مأساة الأعداد التخيلية وميلادها المرتبك.
إن الكوميديا الإسبانية التي أعدها جوناثان وليا أثارت مشاعر السيد روش، ليس بسبب جودتها الفنية بقَدْر ما هو بسبب حدَّتها السياسية. لم يكن يعرف أن جوناثان وليا يتأثران إلى هذه الدرجة بهذه المسائل التي لا يتكلمان عنها أبدًا في البيت. لكن، هل يتكلمان في البيت عن الأمور التي تهمُّهما جدًّا؟ مع أنه، منذ بعض الوقت …
لم يكن السيد روش مناضلًا أبدًا، لكنه كان مهتمًّا بالسياسة. إن تطوُّعه في المقاومة رسَّخ في قلبه كرهًا عميقًا لكل أشكال الرعب، سواء كانت سياسيةً، أو أيديولوجيةً، أو دينيةً، أو اقتصاديةً. كان الأمر بسيطًا، كان يكره الظلم والطغيان، وكان يُوجد، في رأسه، نوع من القاعدة المضمرة التي تجعله يقف طبيعيًّا إلى جانب المظلوم في مواجهة الظالم.