إخاء، حرية، أبيل، جالوا
هل يمكن حلُّ معادلة الدرجة الخامسة بالجذور أم لا؟ قرَّرَت الجمعيَّة العامة متابعة بحثها إلى أن تتمكن من الإجابة على السؤال. إن حقيقة كونها لم تتمكن حتى الآن من إيجاد حلٍّ لقضايا العصور القديمة الثلاثة كانت لها أهميةٌ كبيرة وذات ثقل. كان لا يمكنهم قضاء وقتهم في عدم الحصول على إجاباتٍ للقضايا التي يطرحونها على أنفسهم!
اضطُر السيد روش إلى الذهاب إلى العمل. وبهذه المناسبة، أخرج من جديدٍ ريشته المصنوعة من الزجاج المورانو. وكتب على دفتره ذي المربعات الكبيرة:
أولًا: تحديد أن مشكلات الحل بالجذور تلك لا تخص سوى نوعٍ خاصٍّ من المعادلات؛ المعادلات المسماة الجبرية التي لا تستخدم سوى متعددات الحدود.
على سبيل المثال،
بينما «جا س + ١ = صفر» ليست كذلك.
الشكل الأعم للمعادلة الجبرية هو التالي:
وتكون ن هي درجة المعادلة والمعاملات أ، هي أعداد.
بالنسبة لعلماء الجبر الأوائل، كان الاختيار بسيطًا، كانت المعادلة إما قابلة للحل أو غير قابلة للحل. كانت إما أن يكون لها جذْرٌ أو لا يكون. اضطُر كردان وبومبلِّي وآخرون إلى الإقرار بأن الأمر كان أكثر تعقيدًا من ذلك؛ ولهذا السبب تحديدًا، يكون الأمر أكثر إثارةً للاهتمام.
وانتهى بهم الأمر إلى طرْح سؤالٍ عامٍّ يتعلق بعدد جذور معادلةٍ ما. قبل البدء في حساب هذه الجذور ومحاولة تحديدها، يُفترض أنه سيكون من المفيد أن نعرف، مسبقًا، كم جذر لدى هذه المعادلة. هل يمكن أن يكون لمعادلة من الدرجة الثانية ٣ جذور؟ وهل يمكن ألا يكون لمعادلة من الدرجة الرابعة أية جذور بتاتًا؟ هل يمكن الحصول على بعض الضمان بالنسبة للمسألة؟
أصبحنا حاليًّا مطمئنين إلى أن لكل معادلةٍ جبريةٍ من الدرجة ن جذور، وليس ذلك فقط، بل إن عدد هذه الجذور هو بالضبط ن: نظرية أساسية لعلم الجبر! إنها نظريةٌ رائعة! هل يمكن تمني نتيجة أبسط وأعم؟ معادلة من الدرجة الثالثة لديها دائمًا ثلاثة جذور، معادلة من الدرجة الثانية لديها دائمًا جذران.
دهش السيد روش. مثل أمير الجميلة النائمة، استيقظَت جملةٌ مدفونة في ركنٍ بعيد من ذاكرته، استيقظَت طازجةً بعد ثلاثة أرباع قرن من النوم: «معادلة الدرجة الثانية. إذا كان المميز سالبًا، لا توجد جذور. إذا كان صفرًا، فجذر مزدوج، إذا كان موجبًا، فجذران!»
لقد كذبوا إذن عليَّ! لكن مَن الذي كذب؟ جملته القديمة التي أكدت له أن بعض معادلات الدرجة الثانية ليس لها حل، أم النظرية الأساسية التي أكدت أن كل معادلات الدرجة الثانية لها حلَّان؟ كان متيقنًا من صحة جملته القديمة.
أُرتِج الأمرُ عليه. بالطبع كان يتبع بدقَّة برنامج جروسروفر، وكان من الأفضل متابعته وهو يفهم بدلًا من أن يتابعه دون أن يفهم، لكنه لم يكن مضطرًّا إلى أن يفهم كل شيءٍ طوالَ الوقت. كان نصفُ دماغه الأيمن ينصحه بألا يهتم. وقرَّر السيد روش أن يأخذ بنصيحته. لكن النصف الأيسر تمرَّد، رافضًا القبول بتناقُضٍ يُهين المنطق السليم. وانتهى الأمر بالسيد روش بأن وجد الإجابة. وكانت مريحةً: لا جملته القديمة ولا النظرية كانتا تكذبان.
إن الفرق بين التأكيدَين يكمن فيما يلي: إنهما لا يستندان إلى عالم الأعداد نفسه. ترتبط جملتُه القديمة بعالم الأعداد «الحقيقية»، أما النظرية الأساسية فترتبط بعالم الأعداد «المركَّبة»، الذي يتضمن عالم الأعداد الحقيقية. لم يكن هناك تناقضٌ.
هناك دائمًا هذا السؤال الشهير: أين يتم البحث عما نبحث عنه؟ لأننا نبحث دائمًا في مكانٍ ما. وفي أغلب الأحيان لا يعرف المرء ذاته هذا المكان. لقد ذكَّره ذلك بقصة رجلٍ كان يبحث ليلًا عن غَلْيونه أسفل أحد فوانيس الشارع. وسأله أحد المارة: «هل فقدتَ غَلْيونك أسفل هذا الفانوس؟»، «لا، لكن لا يوجد سوى هذا المكان الذي أستطيع فيه رؤيته لو كان موجودًا هنا.» كانت أمه تقول له طوالَ الوقت … أمي! لقد مر وقتٌ طويلٌ جدًّا لم أفكر فيها. أنا الآن مسنٌّ عنها. مَن يقول إنني تذكَّرتها بفضل النظرية الأساسية؟ حقًّا أن الرياضيات تفضي إلى كل شيءٍ! نعم، كانت أمي تقول لي طوال الوقت: «أنت سيرسلونك إلى البحر، ولن تجد ماءً.» أما بالنسبة للمعادلات الجبرية، فإن البحث عن الحلول في عالم الأعداد المركَّبة، يكون مثل الذهاب للبحث عن الماء في البحر؛ فهو دائمًا موجود.
في هذه اللحظة أدرك السيد روش كل قَدْر هذه الأعداد المركبة. كانت قوَّتُها في عددها. إن عددها كبيرٌ بما يكفي لأن تُقدِّم لكل معادلةٍ جبرية حسابها من الحلول. مكوِّنة إجمالًا عالمها الطبيعي!
في طوكيو، كانت أعمال الشخص الكبير الأنيق جيدة. ليس فقط تلك التي أرسل من أجلها إلى العاصمة اليابانية، والتي كان يتابعها في شينجوكو إن إس. وإنما أحواله الخاصة. لقد رجع عدة مراتٍ إلى الحانة الغنائية كاراوكيه. والسيدة الشابة التي كانت تجلس إلى الطاولة المجاورة، ليست تلك التي قدَّمَت له الصحيفة، السيدة الأخرى، عادت إلى الحانة هي أيضًا. بدأ بالجلوس على الطاولة نفسها، ثم غنَّيَا معًا. كثنائي.
اعترف لها بأنه ليس فرنسيًّا، وإنما إيطالي. قالت له إن ذلك لا يغيِّر شيئًا. قال لها إن الإيطاليين مغنُّون عظام. الأفضل، هم والبلغار، لكن أصوات البلغار جهيرة، بينما أصوات الإيطاليين باريتون.
والزنوج؟ سألَت.
– آه نعم، لقد نسيتُ الزنوج، قال معترفًا.
وبحنانٍ اعترف:
«لقد نسيتُ الزنوج ونسيتكِ أيضًا.»
لقد أعجَبها ذلك كثيرًا. لم تكن معتادةً على هذا النوع من عبارات الإطراء.
«أتريدين أن أريَكِ أين وُلدتُ؟»
وفرَدَ خريطة لأوروبا، على طاولة منخفضة مغطاة باللك، وأشار إلى جزيرة في الجزء الأدنى من إيطاليا.
عانقَتْه: أنت مولود في جزيرة وأنا أيضًا. لقد خُلقنا لنلتقي ولكي نُغنِّي معًا.
لا يعرف لماذا، لكنه فكَّر فجأة في مدام بترفلاي. ربما لأنه ظهر من الكيمونو المنفرج الذي ترتديه ثديٌ صغيرٌ فاتح. كان يعشق أوبرا بوشكيني. كان لديه هاجس بما سيحدث.
في اليوم التالي تلقَّى برقية. أمره صاحب العمل أن يعود على الفور إلى باريس. وأضاف: «لويجي، هذا الغبي، لم يعثُر بعدُ على الببغاء. يجب أن تهتم بالموضوع بنفسك.»
إن أوامر صاحب العمل لا تُناقَش. لقد أدركَت المغنية اليابانية الشابة هذه الحقيقة على حسابها في المساء، تواجدَت وحيدةً على طاولة الحانة الغنائية. ضمَّت في يدها الشيء الوحيد الذي كان لديها منه، خريطة أوروبا تلك، وفي أدنى جزء منها، جزيرته، وغنَّت طوال السهرة أغنياتٍ حزينةً.
«كوبنهاجن، عام الجذر التكعيبي ٦٠٦٤٣٢١٢١٩ (مع الأخذ في الاعتبار الكسور).»
١٨٢٣٫٥٩٠٨٢٧ عامًا.
في نهاية السنة الأولى، كتب في الدفتر المدرسي لنيلز: «إنه يجمع إلى عبقريته الفريدة شهيةً لا تشبع لممارسة الرياضيات. سيصبح إذا عاش أفضل عالم رياضيات في العالم.» لماذا أضاف «إذا عاش»، لم يعرف هولمبو السبب قط. كان نيلز في السادسة عشرة من عمره. ويتذكر هولمبو بفخرٍ أنه هو الذي جعل نيلز يكتشف، في تلك السنة، الرياضيات.
حتى ذلك الحين كانت نبوءته أبعد ما تكون عن الخطأ. كان نيلز أفضل عالمِ رياضياتٍ نرويجيٍّ بلا منازعٍ، وربما في كل البلدان الاسكندينافية. ولم يكن قد تجاوز سن الواحد والعشرين. لقد استوعب، بسهولةٍ محيرة، أعمال أويلر الضخمة.
منذ بعض الوقت، في مناطق متعددة من أوروبا، كانت تُجرى مجددًا مناقشةُ المسألة القديمة الخاصة بحل معادلة الدرجة الخامسة بالجذور. وكان أويلر الذي أنجز العديد من الأشياء قد حاول، لكنه أخفق، رغم أنه كان مقتنعًا أن الصيغة موجودةٌ.
منذ أن أصبح أبيل مثقفًا في الرياضيات بما فيه الكفاية، تحمس للمسألة. وبسرعة، اكتشف الصيغة التي تعطي الحل لمعادلة الدرجة الخامسة. لقد نجح حيث فشل أويلر! في تلك الفترة لم يكتشف هولمبو أي خطأ في برهان أبيل. وكذلك بالنسبة لباقي علماء الرياضيات الآخرين الذين حلَّلوا البرهان. لحسن الحظ، بعد فترة من الوقت، اكتشف نيلز نفسه أن البرهان خاطئ. إن الصيغة لم تكن صحيحة في جميع الحالات. غير أن الصيغة المطلوب وضعها يجب تحديدًا أن تكون صحيحةً في كل الحالات. كما تم ذلك بالنسبة للدرجات الأربع السابقة.
وبالتالي، غيَّر نيلز وجهة نظره جذريًّا. قال لنفسه، إذا لم يعثر أحد على الصيغة فلأنه لا يمكن العثور عليها. ولا يمكن العثور عليها لأنها غير موجودة. انقلابٌ تامٌّ. لقد انتقل من «ما دامت مثل هذه الصيغة موجودة حتى الدرجة الرابعة، يجب إذن أن تُوجد للدرجة الخامسة» إلى «لماذا لا يمكن أن توجد للدرجة الخامسة ما دامت موجودة حتى الدرجة الرابعة؟»
بعد عودته من إجازته الدنماركية في كوبنهاجن، عمل أبيل بلا انقطاعٍ، مستغرقًا بشكل خاص في أعمال لاجرانج، الذي كان قد تُوفِّي قبل ذلك ببضع سنوات، في باريس. كان لاجرانج هو الذي ذهب أبعد من الآخرين في هذه الطريق، وأشار إلى الاتجاه الذي يتعيَّن على كل مَن يريدون الاهتمام بالمسألة اتباعه. وهو الاتجاه الذي سار فيه لاجرانج نفسه دون نجاحٍ. أخذ أبيل الدليل من يدَي لاجرانج.
كان الوقت منتصف الخريف. وقد بدأَت تسقط أولى ندف الثلج. كان ذلك سيستمر شهورًا. انهمك أبيل في العمل. فجأة، أصبح لديه يقين بأنه سينتهي من حل المشكلة، عندما يتوقف الثلج، ويطرد الربيع البرد. في ذلك الوقت، كان يملك وسائل النجاح. وكانت الأعياد تقترب.
قبل أعياد الميلاد بقليلٍ، كان البرهان قد انتهى. كان مركزًا لكنه واضح. أعاد قراءته. هذه المرة لم يكن هناك أي خطأ؛ لأنه منذ أول محاولة له، اكتسب أبيل خبرةً. لقد أصبح عالِم رياضيات. كانت النتيجة جليةً. جملةٌ بسيطة — لكن أية جملة! — كانت تضيء ورقة حسابه.
رحلة طويلة امتدت ثلاثة قرون. كم من المسافرين سلَّموا لبعضهم المهمة بخشونةٍ في بعض الأحيان، وبلطفٍ في أحيانٍ أخرى. ديل فيرو، تارتاجليا، كردان، فيراري، بومبلِّي، تشي نهاوس، أويلر، فندرموند، لاجرانج، رافيني، والآن … نيلز هنريك أبيل. وصل إلى الهدف، مختتمًا الرحلة.
كتب أبيل مذكرات عن المعادلات الجبرية؛ حيث يتم البرهنة على استحالة حل المعادلة العامة من الدرجة الخامسة. كان المقال مكتوبًا بالفرنسية في ست صفحات. وكان على أبيل أن يطبعه على حسابه. وبهدف التوفير عمل منه ملخصًا في نصف صفحة. كانت التكلفة أقل، لكن كان النص من الأصعب فهمه.
كيف توصَّل إلى هذه النتيجة؟ بصراحة، لم يفهم السيد روش الشيء الكثير من كل ذلك. لقد فهم فقط أن الأمر لم يعُد يتعلق بتفحص حلول المعادلات واحدةً واحدة، ولكن في مجملها. إن الفكرة العظيمة هي فيما يلي: أخذ كل جذور المعادلة في مجموعها ودراسة تباديلها.
لو أنه بدأ قبل ذلك بعشرين عامًا، لكان قد وصل إلى أبعد من ذلك بكل تأكيد. ها هو قد شرع يأسف أن جروسروفر لم يتصل به قبل ذلك! كان يعرف جيدًا أن جزءًا من خلاياه العصبية قد ذهب دون أملٍ في العودة، وأن كونه استطاع تعبئة الناجين من هذه الخلايا لهو بمثابة معجزة.
أرسل أبيل بحثه على الفور إلى كبار علماء الرياضيات الأوروبيين. أولًا، إلى أكبرهم، إلى جاوس الذي وضعه دون أن يكلف نفسه عناء قراءته، وعند وفاة جاوس عُثر في أوراقه على المقال الذي لم يُفتح.
كتب أبيل بحثًا جديدًا عن التكامل، وألحقه بملف أعده بهدف الحصول على منحة من الجامعة. حصل على المنحة، لكن البحث اختفَى ولم يستطع أحدٌ أن يعثر عليه.
وكان أبيل قبل ذلك بعامَين قد خطب الجميلة كريلِّي كمب. ولم يكن لديه المال الكافي لكي يتزوجها؛ لذلك، كانا ينتظران حصول أبيل على وظيفة أستاذ، لكنه لم يحصل عليها قط، سواء في موطنه أو في برلين أو باريس. وعندما تم أخيرًا إنشاء كرسي رياضيات في جامعة كريستيانيا، مُنحَت الدرجة ﻟ… هولمبو، أستاذه القديم، الذي أصبح صديقه! هنأه أبيل. كانت الحياة قد أصبحَت أكثر صعوبةً، فضلًا عن أن جزءًا مما كان يكسبه من دروسٍ خاصة كان يذهب لتسديد ديونٍ عائلية. فقير وعبقري، يكاد يكون رومانسيًّا حقيقيًّا. فيما عدا أنه كان حكيمًا ومستسلمًا، وكان التمرد شعورًا غريبًا عنه، لكن ذلك لم يؤثِّر في تعدُّد محاولاته للتعريف بعمله.
كان أبيل مقتنعًا بأن باريس هي المكان الذي سيتم فيه الاعتراف باكتشافاته. سيقدم أبحاثه إلى المعهد؛ حيث سيعرف كوشي وليجندر وعلماء الرياضيات الفرنسيون الآخرون كيف يقدرونها حق قدرها. كان أبيل يتكلم الفرنسية بشكلٍ جيد. ثم أليس الذي يحكم بلاده، وإن كان بطريقة غير مباشرة، فرنسيًّا؟
ففي عام ١٨١٥م، حين غادر نيلز مسقط رأسه لكي يأتي ليدرس في كريستيانيا، كان قد تم توقيع عقد اتحادٍ بين النرويج وجارتها القوية، السويد. ولسخرية التاريخ، أنه في اللحظة التي كان نابليون ينهي مستقبله في واترلو، كان أحد أكثر قادته نفوذًا وهيبة، الكونت بيرنادوت، يبدأ مستقبله. كان قد تُوِّج لتوِّه على عرش السويد، ونتيجةً لذلك، كان يتولى السلطة في النرويج.
لقد شهدت نهاية القرن الثامن عشر أكبر تجمع عرفه التاريخ لعلماء الرياضيات في بلدٍ واحد. كان يعمل في باريس، أثناء الثورة الفرنسية، لاجرانج، وكارنو، ومونج، وفاندر موند، ولابلاس، وليجندر، ولاكروا، وفورييه، فضلًا عن كوندورسيه وديلمبير. ثم بعد انتهاء القرن واصل المسيرة كوشي، ويونسليه، وصوفي جرمان، وبواسون، وشاسلس.
في بداية فترة ما بعد الظهر، جاء ألبير «ليُقِل» السيد روش. كما في المرة الأولى، من أجل طاليس، توجهَت السيارة ٤٠٤ نحو قلب باريس. وعندما عبَرت ميدان كاروسل اللوفر، بعد القصر الملكي، ألقى السيد روش نظرةً سريعةً نحو الهرم، إنه معرفةٌ قديمة. كان الوقت في بداية الخريف، ستة شهور مضت. كثيرٌ من الرياضيات سال من ريشته منذ ذلك الحين … مجموعة من اليابانيين، مجددًا، لكنهم هذه المرة، متدثِّرين بالفِراء وبقلنسواتٍ ذات وبر، يعبُرون ممرَّ المشاة. وكان الهرم الذي لا يزال متجمدًا في برد الصباح، يشبه بلُّورة أكثر أيضًا من المعتاد. حوله، كانت أحواض المياه الصغيرة متجمدة في ثبات مسطح شبه سحري، كان الماء يبدو ثقيلًا دون أن يكون مجمدًا، مثل الفودكا التي خرجَت توًّا من مجلد الثلاجة.
غير متطفلٍ، سأل ألبير، وليس بموجب الأدب فقط، أين وصل التحقيق والبحث.
وجد السيد روش صعوبةً في الرد. ما الذي يمكن أن يقوله له سوى: لقد أمضيتُ بضعة أيامٍ مع عالِم رياضياتٍ إيطاليٍّ غريب، وهو في الوقت نفسه طبيب، وابتكر منذ حوالي أربعة قرون قطعة غيار رئيسية لسيارتك اﻟ ٤٠٤.
– لم تكن هناك سيارات في تلك الفترة.
– لا، لكن كانت هناك بواخر وعلى البواخر تُوجد بوصلات، وتحت البواخر يوجد البحر. وعندما يتحرك البحر حركةً شديدةً فإن البوصلة تتحرك أيضًا ولا تعود تفيد في شيء. ويضل البحارة الطريق. عالِم الرياضيات الذي أكلِّمك عنه وضع نظام تعليقٍ وارتكاز لعزل البوصلة عن التمايل واهتزاز السفينة من أمام أو خلف، إن هذا النظام، معدلًا بعض الشيء، هو الموجود في سيارتك اﻟ ٤٠٤. إذا قلتُ لك اسمه فستفهم على الفور. كردان.
ولف ألبير المقود لكي يثبت ما يقوله. وبما أن وصلات كردان كانت تعمل بشكلٍ جيد، فلقد دارت العجلات، وصعدت اﻟ ٤٠٤ على السطح، وكادت أن تدوس مجموعة اليابانيين الذين كانوا يعبُرون في ممَر المشاة، مثل ماذا؟
– حسنٌ، لقد فهمتُ! صاح السيد روش.
ترك ألبير السيد روش على رصيف اللوفر، على مستوى جسر الفنون الصغير. هناك، معجزة! على جانبَي درجات السُّلم، يوجد مستوًى مائل يسمح بالوصول إلى الجسر الصغير. غادر ألبير مطمئنًا، وانطلق نحو رصيف المجيسري.
كردان أو لا، كان ضجيج السيارات غير محتملٍ. في كل مرة تكون فيها إشارة المرور حمراء، من ناحية التويليري، اتجاه عالية النهر، كان يسود صمتٌ مفاجئ، مثير للقلق، مثل تنفس ثقيل لمريض يتوقف فجأة.
بعد بضع لغات للعجل وجد السيد روش نفسه فوق المياه. كان السين مهيبًا، بلونه الأزرق المائل للرمادي الذي يثير غَيرة رسامٍ فلمنكي. بخار مائل إلى الزرقة، وكأن دخانًا يصعد من المياه؛ إنه تنفُّس السين. في هذه اللحظات، عندما يقرر الشتاء في باريس أن يُخرِج لنا أنواره، فإن باقي العالم يستطيع أن يرتدي ثيابه مجددًا!
مرَّ قاربٌ هادئٌ محملٌ بالرمل تحت مقعده بالضبط. تابعه السيد روش بعينَيه. وعندما وصل إلى رأس جزيرة السيتيه، اتجه إلى اليمين، واختفَى تحت بورت-نوف.
توقَّف السيد روش وسط الجسر الصغير. كانت الشمس الشاحبة، التي تلمع داخليًّا بحرارةٍ غير مرئية، تُدفئ المنظر الطبيعي المتماثل للشفاء، وتقصف رقبة البرد الخفيف الجاف الذي كان يلاحق السيد روش. بدأ الجو يصبح معتدلًا. هذا الاعتدال، في الشتاء، استقبله السيد روش كهديٍ.
لقد التهَم السين ضجيج السيارات. لم يعُد يُسمع سوى خطوات المشاة وصوت المارة، إن الأشجار العارية من أوراقها، المنتصبة على امتداد الرصيف مثل حراسٍ عراة تضع حدود حرم النهر. في وسط النهر، شعر السيد روش أنه على مسافةٍ بعيدةٍ جدًّا من الضفتَين.
في مكتبه بجامعة كريستيانيا، كان هولمبو منهمكًا في العمل عندما طرق البوَّاب الباب وأعطاه خطابًا. تناول هولمبو قاطعة الورق، الموضوعة في مكانٍ بارزٍ على مكتبه، وفتح المظروف.
لا لم يبدأ الخطاب ﺑ «فرولاند، جذر تكعيبي ٦١٢١٠٨٥٧٠١». كان يبدأ بشكلٍ تقليديٍّ أكثر ﺑ «فرولاند، ٦ أبريل ١٨٢٩م». وأعقب ذلك جملة واحدة: «نيلز هنريك أبيل مات هذا اليوم في الساعة الرابعة عصرًا.» لم يستطع هولمبو حبس دموعه. تلميذه، وصديقه، مات منهكًا من المرض. لم يكن قد بلغ السابعة والعشرين من عمره.
وتذكَّر هولمبو ما كان قد دوَّنه على الدفتر المدرسي لنيلز: «سيصبح، إذا عاش، أفضل عالم رياضيات في العالم.» إذا عاش!
كان لا بد أن يكون الموت المبكر والشقاء ملموسَين لهذه الدرجة، حتى يترك المدرس المبتدئ، الذي كانه في ذلك الحين، هذا التعليق يفلِت منه، دون حتى أن يدرك مدى ما يمثله من قسوة، كما لو أنه لم يستطع أن يمنع نفسه من الإشارة إلى التهديد الذي كان يحوم حول الطالب.
ابتسم هولمبو بحزن. في الحقيقة، لقد أخطأ في نبوءته. إن نيلز لم يعش طويلًا لكنه كان واحدًا من أفضل علماء الرياضيات في العالم. ومن ناحيةٍ أخرى، بدأَت أشكال التكريم تتساقط على قبره.
إن جامعة برلين التي رفضَت مرارًا أن تمنحه وظيفة. أرسلَت له رسالةً تدعوه إلى أن ينضم إلى هيئة التدريس فيها. عندما وصلَت الرسالة إلى النرويج، كان نيلز قد دُفن. وفي باريس، المعهد؟ هناك، كان الموقف أفضل.
في عام ١٧٩٣م، أغلقَت الثورة الأكاديميات. وبعد ذلك بثلاثين شهرًا، أنشأَت المعهد وأقامته في اللوفر. وفي عام ١٨٠٥م، جعل نابليون المعهد يعبُر السين، عبْر جسر الفنون الذي كان قد شُيِّد، لكي يستقر في الجانب المقابل بالضبط، في قصر مازاران سابقًا.
لم يلتفت السيد روش إلى ذلك قط من قبل. نظر إلى كل طرفٍ؛ كان الباب المربع لفناء اللوفر وقبة المعهد في تراصفٍ تامٍّ مع الجسر. إن الخط المستقيم هو أقصر طريقٍ … بالطبع، لكن بين ماذا وماذا؟ بين الأمل واليأس. لم يستطع السيد روش أن يمنع نفسه من تخيل وصول هذا الشاب القادم من البرد إلى باريس، هابطًا في مدينة علماء الرياضيات، وبحثه تحت ذراعه، يملؤه الأمل.
كان الجو حارًّا، في شهر يوليو ١٨٢٦م، وكان الجسر مزدحمًا بجمهورٍ مسرورٍ وفَرِح. كان ذلك هو الجسر المشهور، جسر باريس، أول جسرٍ معدني! لقد أُعجب أبيل بالهيكل المعدني الظاهر، وبأقواسه المصنوعة من الحديد الزهر وبسطح الجسر ذي الهيكل الحديدي. لم يكن قد رأى شيئًا مماثلًا أثناء رحلته الطويلة عبْر ألمانيا والنمسا وإيطاليا. وعلى امتداد الجسر، كانت هناك أشجار برتقال في أحواض! وفي المشرب، ابتلع أبيل دفعةً واحدةً كوبًا كبيرًا من عصير الليمون. وعلى أنغام فرقة موسيقية صغيرة مرحة كانت تعرف أنغامًا شعبيةً، حلم بكريلِّي، خطيبته، التي كانت تنتظره هناك. ثم توقف أمام مسرح عرائس صغيرٍ جدًّا، وضحك مثل طفلٍ واندفع نحو الرصيف. بعد لحظاتٍ قليلة، سيتم تسجيل بحثه في معهد فرنسا!
لقد أعادت ضجة السيارات المصمَّة السيد روش إلى القرن الذي يعيش فيه. انتظر بصبرٍ أن تتحول إشارة المرور إلى اللون الأحمر وعبر شارع كونتي العام، الذي يفصل النهر عن البيوت، رافضًا أن يتعجل. كان لديه كل الوقت. ألم يكن في موعد مع الماضي في بيت الخالدين؟!
تحت السقيفة أمام المدخل في موقع الحراسة، كان عليه أن يقدم تحقيق الشخصية. يضم الجزء الأساسي للمباني مكتبتَين. المازارين، أقدم مكتبة عامة، كان السيد روش يعرفها لأنه تردَّد عليها عندما كان طالبًا. لم يتوجه إلى هناك. أعطَوه شارة. ثاني فناء، على اليسار بعد الممر المقبب. الحارسان بزيهما الرسمي ساعداه على ارتقاء درجتَي سُلَّم المدخل وأنزلاه في بهوٍ فسيح. إن طريق السجاد الأخضر الفاتح بلون التفاح الأخضر الذي يمتد في السُّلم، يقود أيضًا إلى مصعدٍ صغير ينفتح بابه آليًّا بمجرد وصوله على قرص الدرَج.
مكتبة معهد فرنسا! مختلفة تمامًا عن مكتبة المعهد الآخر، معهد العالم العربي. وإن كانتا تشتركان في أنهما تقعان كلتاهما على الضفة اليسرى من السين، فلا شيء يقارب بينهما. ليس المقاعد على وجه الخصوص. هنا، المقاعد مصنوعة من خشبٍ متينٍ فاخر. ومغطاةٌ بمخملٍ أخضر زيتوني. ومساند المقاعد مسطَّحة!
القاعة ضيقة وطويلة، يبلغ طولها حوالي أربعين مترًا، ويقطعها في منتصفها صفٌّ من الطاولات الثقيلة من خشب البلوط تزين أرجلها زخارفُ مقلدة، جلس السيد روش. وسرعان ما كان يقرأ بحثًا عن الخاصية العامة لفئةٍ واسعةٍ جدًّا للدوال العليا. لنيلز أبيل، هذا البحث ذاته الذي نام ثلاث سنوات في درج قبل عرضه في المجلس … بعد موت أبيل بأسبوعٍ. لقد قام أغسطين كوشي أخيرًا، مدفوعًا من ليجندر، بكتابة تقريرٍ عن أبيل. لكن عالِم الرياضيات الكبير هذا كان مستغرقًا جدًّا في عظمة أعماله بحيث لم يتمهل لكي يستخدم ذكاءه الفائق الحد لمحاولة فهْم نظريات هذا الشاب النرويجي المجهول، الذي على ما يبدو، كان خطُّه بالإضافة إلى ذلك غير مقروءٍ!
قبل ذلك بشهرٍ، هنا أيضًا في المعهد، أودع شابٌّ، أصغر حتى من نيلز أبيل –— كان بالكاد في الثامنة عشرة من عمره — بحثًا؛ أبحاث عن المعادلات الجبرية من الدرجة الأولى.
كان الباحث طالبًا. وعلى دفاتره المدرسية هذا ما كان يمكن قراءته: «دائمًا مشغول بما لا يجب القيام به»، «ينخفض مستواه كل يومٍ»، «تصرفاته غريبة بعض الشيء»، «سلوكٌ سيئٌ جدًّا، وطبع غير منفتح». وأضاف مدرسٌ آخر: «أعتقد أن ذكاءه محدودٌ، أو على الأقل يخفيه بحيث كان من المستحيل عليَّ أن أكتشفه.»
وكان إظهار المرء ذكاءه لأحد، لم يكن بمثابة تقديم هديةٍ له، لم يستطع السيد روش أن يمنع نفسه من إبداء الملاحظة. ما الذي فعله هذا المدرس لكي يكون لدى جالوا الرغبة في تقديم ذكائه إليه؟ هناك أناس، فكر السيد روش بمرارة، لا يستحقون سوى أن يقدم لهم سيلًا من البلاهة.
ليس كل التلاميذ محظوظين بأن يكون لديهم هولمبو. ومع ذلك فإن بعض مدرسي جالوا لاحظوا أن «وسائله متميزةٌ جدًّا»، وأن هذا التلميذ كان «يستبد به شغفه بالرياضيات»، حتى إن أحدهم كتب: «إن حبه الجنوني للرياضيات هو الذي يسيطر عليه.»
ثم هذا الآخر، الذي لم يكن يخطر على باله أن ملحوظته الخبيثة ستصبح صحيحة لهذه الدرجة: «هو يهدف إلى التفرد والجدة!»
وأخيرًا، مكتوبٌ على أحد بيانات علاماته، هذه الجملة التي ترن مثل صرخة: «إنه يحتج على الصمت!»
هذه المرة، فهم كوشي أهمية العمل الذي بين يدَيه، لكن للأسف، في اليوم الذي كان يجب أن يقدم فيه تقريره، كان مريضًا ولم يتمكن من حضور الجلسة. وسرعان ما استرد كوشي صحته، لكنه نسي التقرير.
تخيل السيد روش دون عناءٍ الشابَّ وهو يأتي لطلب بحثه ويرد عليه الحاجب بأنهم لم يتمكنوا من العثور عليه، وكأنْ لم يكن كافيًا ألا يُقدَّم عمله في الجلسة، كان لا بد بالإضافة إلى ذلك أن يضيع. الغضب!
وهذا الشاب أفاريست جالوا، الذي يُقال عنه إنه مستثارٌ ومتمردٌ، ماذا فعل؟ عاد بكل تعقلٍ إلى منزله وأعاد كتابة بحثه بالكامل.
وبعد ذلك، وفي نهارٍ مماثلٍ لهذا النهار، في منتصف شتاء ١٨٣٠م، عبَر مجددًا الرواق أمام مدخل المعهد وأودع «بحث عن شروط قابلية حل المعادلات بالجذور»، من أجل المشاركة في مسابقة الجائزة الكبرى للرياضيات التي كان من المفترض أن تُمنح في بداية الصيف. للأسف هذه المرة لم يكن كوشي هو الذي سيُعد التقرير وإنما فورييه، بارون إمبراطوري.
إن بحث أبيل اكتُشف في أوراق جاوس بعد وفاته، لكن بحث جالوا لم يتم العثور عليه في أوراق فورييه، وللمرة الثانية ضاع عمل لجالوا.
وفي يوم ٢٨ يونيو ١٨٢٠م، مُنحَت الجائزة ﻟ … نيلز أبيل! وكأن الأكاديمية كانت تريد أن يغفر لها عدم منحها له أثناء حياته. إن الأكاديمية برفضها منح الجائزة لجالوا، شقيقه في الرياضيات، الذي لا يزال حيًّا، أدت بتأجيلٍ مشؤمٍ إلى تكرار المخطَّط نفسه.
لا تحدث حالات الإخفاق فرادى، لم يتوقف الأمر عند حالتَي إخفاق، كان هناك إخفاقٌ ثالثٌ؛ فأثناء نهارٍ شتويٍّ من عام ١٨٣١م، عبَر جالوا للمرة الثالثة رواق مدخل المعهد وأودع بحثه.
هذه المرة تمَّت قراءته. وردُّوا عليه.
«لقد بذلنا كل جهدنا لفهْم برهان السيد جالوا. إن استدلالاته ليست واضحةً بما يكفي، ولا مفصَّلة بما يكفي لكي نتمكَّن من الحكم على صحتها، ولن نكون حتى قادرين أن نعطي فكرةً عنها في التقرير …» كتب بواسون.
إن هذا الخطاب وضع نهاية العلاقات بين المعهد وأفاريست جالوا. وفي اللحظة التي كان فيها بواسون لا يفهم شيئًا في عمل جالوا، كان الأخير يواجه مؤسَّسة أخرى. السجن. كان جالسًا في زنزانته في سجن سانت – بيلاجي عندما اكتشف هذه السطور التي قتلَت رغبته في رؤية عمله معترفًا به ومفهومًا. وسيُقال إن أفاريست جالوا سيقضي عشرين عامًا في السجن.
«ولن تكون حتى قادرين أن نعطي فكرة عنها في التقرير …»، كتب بواسون. وماذا لو أن السيد روش كان يستطيع ذلك؟! لقد عزم على أن يجرِّب نفسه رغم كل شيء، تحيةً لجالوا. ربما سيعطيه جروسروفر بعضَ المعرفة من خلال بطاقاته.
وهو يُرتب أغراضه، تذكَّر أنه قرأ في مكانٍ ما أن تمثالًا لفولتير كان معروضًا في المكتبة قبالة المدخل. كان التمثال يجسد «فولتير عاريًا في سن اﻟ ٧٦». لم يكن التمثال موجودًا هناك.
إن جسد المسنِّين، الذي عادةً ما يُستَر، كان معروضًا هناك. وكان جسد فيلسوف. إن السيد روش معنًّى مرتَين، سأل: أين ذهب التمثال؟ أعلموه أنه قد تم تبادله مقابل قبرٍ تذكاريٍّ لمازاران. لاحظ السيد روش وهو يغادر المكتبة أنه «من الأفضل أن يعرض على أنظار الأكاديميين قبرًا فارغًا لأحد الكرادلة، بدلًا من الجسد الشائخ وإن كان حيًّا لفيلسوفٍ!»
عاد السيد روش إلى شارع رافينيون وكله إثارة. وعندما انتهى من سرد ما حدث له في فترة ما بعد الظُّهر، كان الحماس في أَوْجه. كان الجميع، فيما عدا ماكس الذي كان صغير السن جدًّا ونوفيوتشر الذي كان ببغاء، قد سمع بكل تأكيد بجالوا، بضع جملٍ هنا وهناك، لكنهم كانوا يكتشفون من فم السيد روش جوانبَ كاملةً من حياته وأعماله. أما بالنسبة لأبيل، فلم يسمعوا عنه قط.
«ابني العزيز جدًّا،
ها هو الخطاب الأخير الذي ستتلقاه مني. عندما ستقرأ هذه الكلمات، لن أكون في عِداد الأحياء. لا أريد أن تيأس ولا أن تحزن. حاول أن تستأنف حياةً طبيعيةً بمجرد أن يكون ذلك ممكنًا. أعرف أنه سيكون من الصعب عليك أن تنسى أبًا كان صديقًا لك أيضًا.»
كان صوت ليا بالكاد يمكن سماعه. كانت جالسةً على سريرها. وجوناثان إلى جوارها، يستمع، وعيناه تائهتان تبحثان عن السماء من خلال الزجاج البانورامي.
«سأحاول أن أبذل أقصى جهدي لأشرح لك لماذا قررتُ القيام بهذه البادرة التي لا رجعة فيها. إنك تعرف، يا ولدي، أنني كنتُ عمدة مدينتنا طوال سبعة عشر عامًا. بعد واترلو، حاول أعداء الحرية إبعادي، لكن دون جدوى. كان الجميع يعرفون معتقداتي، ورأيي في البوربون والجزويت.
أنا متأكدٌ يا بني، أن راعي الكنيسة والرجال الذين أرسلوه إلى هناك يعرفون أنهم لن يستطيعوا تقويض سلطتي في معركةٍ صريحةٍ، فغيَّروا طريقتهم. لم أعُد العدوَّ الذي يُخشى جانبه، جعلوا مني موضوعًا للسخرية. بدأ البعض يستقبلني بابتساماتٍ غير مكبوحة. وآخرون، أعدائي الدائمون، كانوا يسخرون مني في وجهي، وهم يغنُّون أغاني عن مدينة بورج – لا – رين التي كانت أضحوكة البلاد؛ لأنها اختارت عمدةً مجنونًا.
إذا لم أقم بأي رد فعلٍ، فأنهم سيسخرون مني في وجهي، وإذا حاولتُ استخدام الإقناع، كانوا سيسخرون مني في وجهي، وإذا أبديت غضبًا، كانوا سيسخرون في وجهي ضعفَين.
بهذه الحركة النهائية، استطعتُ أن أعيد الحياة للاحترام الذي كنُّوه لي ولأسرتي. لن يجرؤ أحدٌ عندئذٍ أن يسخر من أمك أو منك.
إنني أموت مخنوقًا. أموت من نقص الهواء النقي. هذا الهواء المسمم الذي يقتلني قد أفسده رجال بورج – لا – رين. لا بد أن يتم معرفة ذلك وأن يتم فهمه.
من الصعب عليَّ أن أقول لك وداعًا، يا ابني العزيز. أنت ابني البكر ولقد كنتُ دائمًا فخورًا بك. ذات يوم ستكون عالم رياضيات كبيرًا ورجلًا مشهورًا. أنا أعرف أن هذا اليوم سيأتي، لكني أعرف أيضًا أن المعاناة، والصراع، والإحباط في انتظارك.
ستكون عالم رياضيات لكن حتى الرياضيات، أنبل العلوم جميعًا وأكثرها تجريدًا، لها جذورٌ عميقةٌ في الأرض حيث نعيش، على الرغم مما هي عليه من أثيرية. حتى الرياضيات لن تتيح لك الإفلات من معاناتك وآلامك ومن معاناة وآلام البشر الآخرين. كافح، يا بني العزيز، كافح بشجاعةٍ أكبر مما قمتُ أنا به. قد تستطيع أن تسمع قبل أن تموت أجراس الحرية.»
عندما وضعَت ليا الخطاب الذي أرسلَه والد جالوا إلى ابنه قبل أن ينتحر، كانت ترتجف.
بإدراكٍ مسبقٍ رهيبٍ كان مستقبل الابن مكتوبًا في الخطاب بيد الأب. المعاناة والصراع وخيبة الأمل، والعبقرية، والحرية والموت. كما لو كان الأب، قبل أن يموت، قد أوصى للشاب ببرنامج حياته.
الصراع، الحرية … كان الدور على جوناثان لكي يخبر ليا بما عرفه. كان الزمن في عام ١٨٣٠م. وكانت عودة أسرة البوربون إلى عرش فرنسا من جديدٍ قد مضى عليها ١٥ عامًا، ولم يدَّخر البوربون جهدًا من أجل الانتقام من شعب باريس. في يوليو، حدث عصيان العاصمة المسلح، الذي لم يستطع جالوا المشاركة فيه؛ حيث كان تلميذًا داخليًّا في الفصول الإعدادية لمدرسة لويس – لي – جراند، واحتُجز ضد رغبته، لكنه عُوض ذلك فيما بعدُ.
فرَدَ جوناثان ورقةً كان قد نقل عليها بعناية … تقريرًا للشرطة:
«شارك تقريبًا في جميع حركات العصيان والاضطرابات في باريس. وأثناء اجتماعٍ عامٍّ لجمعية أصدقاء الشعب، حاول تحريض الحضور صارخًا: الموت للوزراء، وتطوع في سلاح مدفعية الحرس الوطني وأمضى الليالي من ٢١ إلى ٢٣ ديسمبر ١٨٣٠م، محاولًا إقناع جنود المدفعية بتسليم مدافعهم للرعاع. وفي يوم ٩ مايو ١٨٣١م، في المأدبة الجمهورية التي أُقيمت في «فندونج دي بورجون» شرب نخبًا، وخنجرًا في يده: «إلى لويس – فيليب».»
الطباع: في حديثه وخطابه، يكون أحيانًا هادئًا وساخرًا. وأحيانًا أخرى متحمسًا وعنيفًا. قد يكون عبقريةً رياضيةً وإن كان علماء الرياضيات لم يعترفوا به. لا توجد علاقاتٌ نسائيةٌ. إنه أحد الجمهوريين الأكثر شراسةً. شديد الشجاعة، متطرف، ومتعصب. ربما يكون من أكثرهم خطورةً بسبب جسارته. يسهل التعامل معه من قِبل رجالنا لأنه، بشكلٍ عامٍّ، يمنح ثقته للناس، ولا يعرف شيئًا عن الحياة.
– قال الجواسيس: إنه لم تكن له علاقاتٌ نسائيةٌ؟ احتجَّت ليا. في الواقع، كانت له علاقةٌ واحدةٌ فقط. وقع في غرام شابةٍ كانت على ما يبدو لا تبادله عاطفته، ولأسبابٍ غبيةٍ وغير مفهومةٍ إطلاقًا، تحداه أحد أصدقائه الجمهوريين، كان يحب هو أيضًا الشابة نفسها، للمبارزة.
«… إن تأملاتي الرئيسية كانت موجهةً منذ بعض الوقت نحو تطبيق التحليل المتسامي لنظرية الإبهام. كان الأمر يتعلق بمعرفةٍ مسبقةٍ لما هي التبادلات التي يمكن القيام بها في علاقة بين الكميات أو الدوال المتسامية، وما هي الكميات التي يمكن إحلالها محل كمياتٍ معينة دون أن تكُف العلاقة عن الحدوث. إن ذلك يتيح التحقق بشكلٍ متتالٍ من استحالة العديد من الصيغ التي يمكن البحث عنها … «تركت ليا الجملة معلقةً» … لكن ليس. لديَّ الوقت، وأفكاري لم تتطور بعدُ بشكلٍ جيدٍ في هذا المجال الشاسع. لقد خاطرتُ في كثير من الأحيان على امتداد حياتي بتقديم افتراضاتٍ لم أكن متيقنًا منها. لكن كل ما كتبتُه هنا كان موجودًا في رأسي منذ ما يقرب من عامٍ، ومن مصلحتي ألا أُخطئ لكيلا يُشتبه في أنني أعلن نظريات لا يتوفر لديَّ البرهان الكامل عليها.»
عندما أزف الفجر، وقَّع جالوا! «تقبَّل مني فيضًا من القبلات.»
أطبق وصيته الرياضية وغادر الغرفة مع شهوده.
في اليوم التالي، عاد السيد روش إلى مكتبة الغابة. وأبدى مجددًا إعجابه بالأرفف حيث يسود اللون الأحمر والذهبي على ظهر الكتب المعروضة. كل هذه الكتب هنا! تحت تصرفي. أجمل هدية أُهديَت له على الإطلاق. آه، جروسروفر، جروسروفر! كُتبٌ عظيمةٌ لكنه حصل عليها بطريقة ليست … جدًّا، لقد قال ذلك هو نفسه. إلا أنه من غير الممكن اتهامي بإخفاء أشياء مسروقةٍ، بما أنه قد اشتراها بطريقة ليست بالطبع … جدًّا، لنقلْ كنوعٍ من تبييض أموالٍ ليست نظيفةً تمامًا.
والقول بأنْ لا أحد، فيما عدا بعض المقربين، يستطيع الشك في وجود مثل هذا الكنز في خلفية هذا الفناء العادي. صاح قائلًا: لحُسن الحظ! وفكَّر في أن ذهنًا محتالًا يمكن أن يعتبر المكتبة «غطاء»، واجهة، تُخفي تجارةً غير مشروعةٍ للكتب النادرة، وكان عليه أن يُقرَّ، أنه لن يستطيع قط إثبات مَن الذي يمتلكها. لم يرسل جروسروفر أية ورقةٍ وبيته في مانوس أصبح رمادًا. كانت هناك الرسالة، لكن لم يكن ذلك كافيًا بالطبع. إن هذه المكتبة قنبلةٌ موقوتة.
ألقى السيد روش نظرةً واسعةً حوله. كان هناك شيءٌ ينقص هذه الغرفة! تمثال! مرسم فنان، أليس بالمكان المنشود لأن يضم واحدًا؟ لا سيما أن مجموعةً من الرسامين والنحاتين كانت تستخدم المرسمَين، قبل أن يصبح السيد روش مالكًا لهما.
وتساءل السيد روش إن كان أصدقاؤه من مونمارتر يستطيعون أن ينحتوا له «السيد روش عاريًا في سن الرابعة والثمانين» ليضعه في مدخل مكتبة الغابة سخريةً من تمثال المعهد. وتخيَّل الجلسات التي سيقف فيها أمام المثال، هو الذي يُصاب بالزكام بمجرد أن ينزع كنزته التريكو. حسنٌ، يكفي هذا الهذيان. ماذا لديه إذن هذا الصباح؟ كان يحتاج، بدون شكٍّ، أن يهذب الغضب الذي ولَّدته داخله قراءاتُ الأمس.
في بضعة أمتار، انتقل السيد روش من حجر تمثاله المتخيل، بخيال هو أقرب للهلوسة، إلى الورق الحقيقي تمامًا للكتب التي كُتبت خلال القرون الماضية. في أرفف القسم (٣) من مكتبة الغابة، كان جالوا، الذي يمقت الأرستقراطيين، يتواجد محصورًا بين بارون وأمير. البارون جوزيف فورييه، والأمير كارل فريدريش جاوس. إنها، بلغة الرياضيات، جيرةٌ ذات نوعيةٍ عالية.
وقبل أن يعاود الانقضاض على حل المعادلات الجبرية شعر السيد روش بالحاجة إلى أن يحدد الوضع. أخرج ريشته المصنوعة من زجاج المورانو ومحبرته، وفتح دفتره السميك ذا الغلاف المقوَّى والهامش العريض.
هكذا بدت له المراحل المختلفة التي مرَّ بها علماء الرياضيات.
لقد بدءوا بالطبع بمحاولة معرفة هل معادلة من نوعٍ معينٍ لها جذر أم لا. وذلك بأن يحسبوها. ثم أدركوا أن بعض هذه المعادلات لها أكثر من جذرٍ. وعندئذٍ طُرح سؤالٌ جديد: كم جذرًا يمكن أن يكون لمعادلةٍ ما؟ هل يوجد حدٌّ أعلى؟ وهل يوجد حدٌّ أدنى؟ وكانت الإجابة: إن معادلةً من الدرجة ن يكون لديها ن من الجذور تمامًا، نظرية أساسية لعلم الجبر، سبق أن رأيناها.
في الوقت نفسه، بما أنهم طرحوا السؤال عن الحساب الفعلي للحلول، الحل بالجذور، فقد حددوا الصيغ التي تعطي الحلول للدرجات الأربع الأولى.
وكان لا بد من الانتظار ثلاثة قرونٍ قبل أن يبرهن أبيل على أن المعادلة العامة من الدرجة الخامسة ليس لها حلٌّ بالجذور. ثم أثبت أبيل وكذلك جالوا، كلٌّ من جانبه، أن كل المعادلات ذات الدرجات الأعلى من خمسة، وليس المعادلة من الدرجة الخامسة فقط، ليس لها حلولٌ بالجذور.
وفي سباق التناوب هذا الذي اجتاز القرون، أمسكَت أيدي أبيل جالوا الباردة بالشاهد. إنه هو الذي سيحقق الهدف ويضع نهايةً لهذه التجربة التي بدأَت في عصر النهضة.
تابع السيد روش ملخصه:
لا يعني تأكيد أن كل المعادلات ذات الدرجة الأعلى من ٥ لا تُحلُّ بالجذور أنه لا توجد واحدةٌ كذلك. لقد طرح جالوا على نفسه السؤال الخاص بمعرفة هل توجد وسيلةٌ مسبقةٌ لتقرير ما إذا كانت هناك معادلةٌ معينةٌ قابلةٌ للحل بالجذور؟ وهل يوجد معيارٌ؟ لقد وضع جالوا هذا المعيار!
كيف قام بذلك؟ هل فهم هذا المعيار والسبل التي سلكها جالوا لوضعه — في سن التاسعة عشرة! — هو الذي عبَّأ كل جهود السيد بواسون، الذي لم يتمكن حتى من أن يعطي فكرةً عنها في تقريره؟
إن الأعمال الكاملة لجالوا تقع في مجلدٍ واحدٍ صغير. رجع السيد روش إلى بطاقات جروسروفر.
بدأَت البطاقة الأولى بجملة لجالوا، مكتوبة بعنايةٍ بخط اليد:
«إن موضوع جهود علماء الهندسة الأكثر تقدمًا هو الأناقة.»
توقَّف السيد روش، ها هي حقًّا صفة تؤثِّر فيه. من وجهة نظره الأناقة هي أحد أنواع المعرفة الأكثر إثارةً. أن يكون شابًّا، انتقل توًّا من مرحلة المراهقة، هو الذي يأخذها كهدفٍ لكل عمله، كان الأمر يدعو إلى جعل الذين ينطلقون في المعرفة وهم يرتدون أحذيةً عسكريةً ضخمةً يفكرون. كان جالوا مسجونًا منذ تسعة شهور عندما كتب هذه السطور. هل كان الحنق والتفرد هو الخليط الذي يقود جالوا إلى ومضاته الأنيقة، استأنف السيد روش قراءته:
بدلًا من اعتبار كل واحدٍ من جذور معادلةٍ ما في فرديته، أخذ جالوا في اعتباره هذه الجذور في مجموعها، كتب جروسروفر. ثم درس كيف يتصرف هذا المجموع عند تعرُّضه لبعض التحولات والاستبدالات …
ختم جروسروفر:
بهذا العمل القصير والمكثف، أقفل جالوا المسألة نهائيًّا. لكنه فعل ذلك بطريقةٍ جعلَت الوسائل التي ابتكرها تفتح مجالًا جديدًا، شاسعًا، للرياضيات.
إنَّ الأشياء التي خلقها ستصبح الفاعلين الجدد للرياضيات، والطرق التي استخدمها ستولِّد طريقةً جديدةً للقيام بالرياضيات.
ابتداءً من جالوا يمكن القول بأن الجبر لم يعُد له الوجه نفسه. إن الموضوعات التي سيركز عليها علم الجبر لم تعُد الأعداد أو حتى الدوال، لكن اﻟ «بنية»، بمعنى أن الأشياء، لا تؤخذ في تفردها ولكن في مجموعها وترتبط فيما بينها بروابطَ تهيكل هذه المجموعات.
هذه هي بنية الزمرة التي اخترعها جالوا، والتي ستصبح الموضوع المميز لعلم الجبر في القرن العشرين. إن هذه الطريقة الجديدة ﻟﻠ «رؤية» تشكل ما أُطلق عليه بغباءٍ اسم الرياضيات الحديثة. كما لو أنه في كل مرحلة لم تكن الرياضيات الجديدة رياضياتٍ حديثةً!
ملحوظة: إن تعريف بنية مجموعة، هو أن يكون المرء قادرًا على القول فيما يكون عنصران ليسا متطابقَين، مختلفَين، إن ذلك يعني كسر حالة اللاتمييزية الموجودة بين عناصر المجموعة.
قدَّر السيد روش كثيرًا الملحوظة الأخيرة. كانت إحدى تلك اللحظات التي تلتقي فيها الرياضيات بالفلسفة أو العكس، هو يقرُّ بذلك. كانت إحدى هذه اللحظات التي كان يستطيع الالتقاء حقًّا مع جروسروفر … على قدم المساواة.
إن الجدة القصوى لرياضيات جالوا تخفف قسوة الحكم الذي يمكن إصداره على ناقديه. لا نستطيع أن نلومهم لأنهم لم يفهموا أعماله، لكن يجب أن نلومهم لأنهم لم يفعلوا شيئًا لمحاولة فهمها. لقد دفع جالوا الثمن غاليًا! ثمن أن يكون متقدمًا إلى هذا الحد على زمنه. لم يترك لنفسه الوقت لينتظر أن يلحق به باقي علماء الرياضيات.
عندما أقفل السيد روش الأعمال الكاملة لجالوا، تذكَّر جملةً لكردان، الذي بدأَت به جزئيًّا هذه القصة: «ابذل قصارى جهدك لكي يملأ كتابك احتياجٌ ما، وأن يؤدي هذا النفع إلى تحسُّنك. وبذلك فقط، يكون قد اكتمل.»
إن العمل الذي رصَّه السيد روش في مكتبة الغابة، بين أعمال فوربيه وأعمال جاوس، كان، بهذا المعنى، مكتملًا بما لا يدع مجالًا للنقاش. لقد أنهى بشكلٍ نهائيٍّ إحدى المسائل الرئيسية لعلم الجبر.
نظر طويلًا، وهو يبتعد، إلى الأرفف وتساءل كم من الأعمال التي تحتويها هذه الأرفف تُشبع احتياجًا؟ بالنسبة لصاحب المكتبة الذي كانه، ذهب تأمل جالوا مباشرةً إلى القلب. هو الذي أمضى زهرة حياته مع الكتب، كم من الكتب التي باعها كانت مكتملةً؟ أطفأ السيد روش الأنوار وغادر المرسم.
ورغم أن الجو كان لا يزال باردًا، ظلَّ في ظلام الفناء. كان يجد صعوبةً في استيعاب كل ما اكتشفه توًّا. لقد شغل تفكيره مضمونُ ملحوظة جروسروفر الأخيرة منذ بعض الوقت. هناك سؤالٌ يقلقه. وكان يجد صعوبةً في صياغته. فجأة، أصبح واضحًا تمامًا: هل كانت هناك وسائل أخرى لحل قضية مسألة المعادلات الجبرية غير التي استخدمها جالوا؟ وسائل أخرى كان يستطيع عصره أن يفهمها. هل كانت هناك طريقةٌ أخرى للقيام بذلك؟ في ظل وضع الرياضيات في سنوات الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، هل كانت هناك احتمالاتٌ أخرى إلا حل القضية كما فعل جالوا ولم يحظَ بالفهم، أو عدم حلِّها؟
إن المأساة الرياضية والإنسانية ما كانت لتحدث إلا لأن جالوا، عبقرية بعيدة الاحتمال، نجح في حل القضية، لو كان قد فشل … زدْ على ذلك، أن أساتذته النافذي البصيرة، مثل هولمبو مع نيلز أبيل، حذروه على مضضٍ: منشغلٌ دائمًا بفعل ما لا يجب فعله! إنه يهدف إلى التفرد!
ألم يكن «التفرد» هو السبيل الوحيد الممكن؟
في مجال مثل الرياضيات حيث يكون للبرهان قوة القانون، كانت مأساة جالوا أنه قدَّم بالفعل البراهين التي تثبت ادعاءاته، لكنه لم يجد أحدًا يستطيع فهمها؛ أي يدعمها. مما تركه يتجادل وحده مع ما هو متيقنٌ منه؛ وبالتالي لم يكن يستطيع أن يجد ضمانَ صحةِ عمله إلا داخل نفسه، بما أن البراهين التي يثبت بها عمله لا يدركها أحدٌ غيره.
ارتعش السيد روش ودخل الغرفة-الجراج الخاصة به.
كان نوفيوتشر مثلجًا؛ فهو لا يحب الشتاء أبدًا. منذ أن انخفضَت الحرارة، أصبح أقل حضورًا بكثيرٍ. كان يتكلم أقل، ويطير أقل، ولا يشارك إلا نادرًا في أنشطة المنزل. رغم أن الطقس ليس أبرد من السنوات السابقة؛ فقد تم تدفئة المنزل بشكلٍ أكبر بكثيرٍ من أجله، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا.
في عصرٍ حزينٍ لأحد أيام الأحد، حيث الجوُّ رديءٌ، كان نوفيوتشر ينعس على مجثمه قُرب المشعاع. لقد اجتمعوا في غرفة المائدة والاستقبال، لتحديد الوضع. أحضرَت ليا الشاي للسيد روش والقهوة للآخرين. كان الضوء ضعيفًا جدًّا بحيث أضاءوا حاملة المصباح. تلك التي استخدمها السيد روش في لعبة الضوء التي قام بها على أشكال أبولونيوس المخروطية. من عملية التحريك احتفظ غطاء المصباح بحدبةٍ كانت تُشوِّهه.
– إذا كنتُ أتذكر جيدًا، بدأَت بيرت فإن كل شيءٍ بدأ مع تارتاجليا الذي أراد أن يحتفظ بصيغةٍ سريةٍ، والذي جعلها تُسرق منه؛ لأنه وثِق في شخصٍ أوهمه أنه صديقه.
– لو أنه لم يرغب في الاحتفاظ بها سرِّية، ما كان لأحدٍ أن يسرقها منه، أبدت ليا ملاحظتها.
– كان يريد نشرها، أصرَّ جوناثان، لم يكن مجنونًا بالسرية.
– فيما عدا أنه عندما قرَّر نشرها، كان ذلك متأخرًا جدًّا. ومات قبل أن تُنشر، نبَّه ماكس.
– لم يكن يستطيع توقُّع ذلك، صاح جوناثان.
– وا أسفاه إنها غلطته! وبغلطته تلك، تحمل صِيَغه اسم الذي أذاعها. لقد خُدع مرتَين، اختتمت ليا، راضيةً.
كانت بيرت تفكر. شعر الجميع بأن لديها فكرةً في رأسها: وتنتهي هذه القصة بأبيل وجالوا. ما الذي حدث لهما؟ هما الاثنان فعلًا كل شيءٍ لكي تُنشر أعمالهما، لكي يتم قراءتها وفهمها. وفي حالة جالوا بشكلٍ خاصٍّ، لم يُفِد ذلك بشيءٍ. هذا ما كان جروسروفر يريد أن يقوله لك، يا سيد روش؛ لذلك جعلنا نقطع هذا الطريق الطويل عبْر المعادلات الجبرية، لكي يقول لك الأسباب التي دفعَتْه للاحتفاظ ببراهينه سرية؛ لكي يقول لك إنه لو أراد نشرها لكان تعذب للاشيء.
كان السيد روش يستمع بأقصى انتباه، استدارت الأنظار نحوه وبعد لحظةٍ، قال أخيرًا: أنت على حقٍّ بلا شكٍّ. رجلٌ عجوز، مجهولٌ تمامًا، يسكن وسط غابة الأمازون، يرسل براهينه إلى الشخصيات المهمة في مجال الرياضيات! كانت هذه البراهين ستذهب مباشرةً إلى صندوق القمامة.
– أنا أرى أيضًا شيئًا آخر في هذه القصة، انطلق جوناثان. كان تارتاجليا يريد أن تظل النتائج التي توصل إليها سرًّا ولقد تم إذاعتها! أما جالوا فكان يريد نشرها لكنها ظلت سرية!
– ما الذي تستخلصه من ذلك؟ سألَت بيرت.
– إن ما نتوقعه لا يحدث أبدًا، أفلتَت ليا.
– ما نتوقعه أم ما نبتغيه؟ سألَت بيرت.
– ما نبتغيه، أكد جوناثان.
نظرت بيرت بحدةٍ إلى جوناثان. ما الذي ابتغاه لهذه الدرجة، وهو في السابعة عشرة من عُمره ولم يحدث قط؟ انتابتها رغبة في أن تربِّت على خديه، أن تُقبله، لكن ذلك لم يكن أسلوبها. ثم، كان سيزجرها.
لم يقل نوفيوتشر أية كلمة.
قال ماكس في نفسه لا بد أن يتدخل.
– من بين كل هؤلاء الناس، صديقك هو مَن حقق أفضل نجاحٍ، اعترف ماكس للسيد روش. كان يريد الاحتفاظ ببراهينه سريةً. وظلت سريةً.
– حتى الآن، حدَّدَت ليا.
أبدى جوناثان امتعاضه. لم يكن متفقًا إطلاقًا مع ماكس. وقال وهو يُخرج ورقةً من جيبه: لقد أعددتُ لكم هذا النص الصغير الذي كتبه جالوا في السجن: «عندما نتضامن من أجل الدراسة والتعلم، لن تسود الأنانية أبدًا في العلوم؛ فبدلًا من إرسال طرودٍ مختومةٍ إلى الأكاديميات، سنسرع لنشر أبسط مشاهداتنا مهما كانت قليلةً ما دامت جديدةً وسنضيف: «لا أعرف الباقي».»
ثم ذلك أيضًا: «إن شابًّا، تعرض للإهمال من جانبهم مرتين، لا يزال لديه الطموح أن يكتب كُتب نظرياتٍ، وليس كتبًا تعليميةً. يوجد تفانٍ من جانبي؛ لأنني أتعرَّض لأقسى عذاب، لسخرية البلهاء. هذه هي الأسباب التي جعلتني التزم بتحطيم كل العراقيل، وبأن أنشر رغم كل شيءٍ ثمرة سهري وجهدي.
إن ذلك لكي يعرف أصدقائي الذين كوَّنتُهم في العالم قبل أن يدفنوني في السجن أنني ما زلتُ حيًّا.»
ساد صمتٌ ثقيلٌ عقب الكلمات الأخيرة. لا بد أن هذه السطور كانت مضنيةً بالنسبة لجروسروفر.
– لقد كتب ذلك بعد أن ضاع بحثاه، واستمر في أن يكون ضد السرية. إن ما يقوله جالوا، لي أنا، أن جروسروفر رجلٌ أنانيٌّ، وأكاد أشاطره رأيه، قال جوناثان.
– لو كنت جالوا … بدأَت ليا.
– ولم تتمكن من إنهاء جملتها. استرخى الجميع. وكان الضحك الصاخب عامًّا.
– نعم، ماذا كنتِ تفعلين؟ سأل جوناثان الذي تظاهر بأنه متحمسٌ جدًّا للإجابة التي ستقولها ليا.
– كنتُ طلبتُ من أخي الأكبر أن يضربهم.
– كنتُ سأضربهم بكل سرورٍ، أكد جوناثان.
– أتجدون أنه لم يكن لديه ما يكفي من الهموم؟! لاحظَت بيرت.
– همٌّ إضافيٌّ، همٌّ أقلُّ! لأن كل هذا الضياع للأبحاث كان كفيلًا، بالنسبة لي، أن يجعلني مجنونًا.
– ماذا قلت؟ انتفض السيد روش.
أليس أنت الذي رويتَ لنا أن الأبحاث التي سلَّمها للمعهد ضاعت ثلاث مراتٍ متتالية؟
– أتذكُرون الشيء الوحيد الذي قلناه بخصوص رفيق جروسروفر المخلص؟ سأل السيد روش.
– لا بد أن تكون له ذاكرةٌ شيطانية، استرجعَت بيرت.
– إذن لو أن هذا الرفيق المخلص كان يعاني من فقْد ذاكرةٍ، فإن البراهين تكون قد فُقدَت للأبد.
– إيه. صفر جوناثان. إلى أين نذهب؟ لن تبدأ في تأويل كل شيء! إن ذلك مرضٌ. ويُسمَّى ذهانًا تأويليًّا.
أقرَّ السيد روش. كان جوناثان على حقٍّ. يجب أن يحذر، ألم يكن في طريقه للانزلاق تدريجيًّا في هذيان التأويل؟
نهضَت بيرت مستثارة. كان من النادر رؤيتها هكذا.
– ربما أكون أنا أيضًا مصابةً بهذا الهذيان التأويلي. لكن جالوا كان له هو أيضًا رفيقٌ مخلصٌ. هذا ما رويتَه لنا. ما كان اسمه؟
– شفالييه. أوجست شفالييه، أجابت ليا.
– وعشية مبارزته، كتب جالوا خطابًا، ليحكي له ما حدث، ولماذا وقعت المبارزة. وأيضًا ليعهد له بأعماله.
كان ذلك صحيحًا، لم يوضح أحدٌ التشابه مع جروسروفر؛ ؛ لأن ذلك كان جليًّا تمامًا. عشية موته، كتب جروسروفر أيضًا خطابًا. عشية موته أو قبل موته بلحظاتٍ لا يغير ذلك من الأمر شيئًا. هذا الخطاب وجَّهه إلى السيد روش.
هزَّ السيد روش رأسه، كان مقلقلًا: رفيقٌ مخلصٌ، لا أعرف. لكن رفيقه القديم، بالطبع. وفي هذا الخطاب لم يعهد لي بنتائجه. هذا كل الفرق.
غير أن تشابه المواقف كان مربكًا. كان السيناريو نفسه يعمل في المغامرتَين.
كان جوناثان لا يحتمل المقارنة التي بدأَت تنشأ بين جالوا وجروسروفر. انفجر قائلًا: السيناريو نفسه؟ فيما عدا أن في الحالة الأولى يتعلق الأمر بشابٍّ بالكاد في العشرين من عمره وفي الحالة الأخرى، بعجوزٍ عمره أربعة أضعاف. الأول عبقريٌّ والآخر.
– لقد تم الاعتراف بعبقرية الأول بعد أربعين عامًا من وفاته، صحَّحَت بيرت.
– إيه حسنٌ، سننتظر أربعين عامًا قبل اتخاذ قرار بالنسبة لجروسروفر!
– ستنتظرون بدوني، قال السيد روش.
بعد مغادرة التوءم، سأل السيد روش بيرت: أتعرفين لماذا يغضبهما ذلك لهذه الدرجة؟
– أعتقد أنني أعرف.
ثم بعد لحظة:
«هناك أسرارٌ لم يستطيعا قط تحمُّلها. لقد فاجأني شيءٌ فيما رواه الأولاد، كنتُ أعرف قصة المبارزة، لكنى فقط كنت متصورةً أنه تقاتل مع شخصٍ ملكي. في الواقع إن مَن تحداه للمبارزة كان أحد أصدقائه، جمهوريٌّ مثله، ضابطٌ جمهوري.»
– ماذا تقصدين؟
لا أعرف. إني ألاحظ فقط. يُعتقد دائمًا أن الأعداء هم الذين يقتلونك.
للمرة الثانية، تذكُر بيرت موضوع أن قتلة جروسروفر ربما قد يكونون أصدقاءه. أول مرةٍ كان ذلك بخصوص عمر الخيَّام وقلعة ألموت وإشارتها إلى «الأصدقاء الثلاثة». والآن، كانت تؤكد، بإشارتها إلى حقيقة أن الأمر كان يتعلق بضابط، أن جالوا لم تكن لديه أية فرصةٍ للفوز ضد محترفٍ في استخدام الأسلحة. ليس أكثر من فرصة جروسروفر ضد هذه العصابة.
– كم من نقاط التشابه! لم يتمكن من منع نفسه من أن يسترعي ذلك انتباهه. ذهان تأويلي قال جوناثان، توًّا.
– الكلمة قويةٌ.
في ثانيةٍ صغيرةٍ جدًّا، قبل أن تنام، استعادت ليا رحلة النصل الذي شوَّه تارتاجليا إلى الرصاصة التي قتلَت جالوا. وكانت قد طبعَت في رأسها، الجملة الأخيرة التي وجهها جالوا إلى أصدقائه الجمهوريين: «وداعًا! كان لديَّ الكثير من الحياة من أجل الصالح العام.»
إلى جوارها، ممدَّدًا على السرير، تحت الزجاج الجداري، كان جوناثان يعيش مجددًا، وللمرة العاشرة، المبارزة. المنديلان الأبيضان موضوعان على العشب بينهما مسافة عشرين خطوة. أُجريت قرعة لاختيار المسدسَين. جالوا وخصمه، صديقه القديم، يبتعدان بعضهما عن بعض. الرجلان وجهًا لوجه. الآخر يطلق الرصاص. وجالوا ينظر إليه دون حراكٍ ويسقط. ويسمع جالوا: «لديك دقيقةٌ لكي تنهض.» ثم لم يعُد يسمع شيئًا. ممددًا على العشب، يحتج على الصمت.