دوارة الرياح
أثناء خروج ليا من محطة مترو باربيس، قدَّم لها رجلٌ أسودُ كبيرٌ يرتدي قميصًا أفريقيًّا فضفاضًا نشرةً إعلانية. ليست ورقة إعلانٍ كبيرةً وإنما بطاقةٌ صغيرةٌ رصينة.
ويلي ذلك نصٌّ صغيرٌ مكتوبٌ بخطٍّ دقيقٍ: لا توجد مشكلةٌ بدون حلٍّ.
أدخلَت ليا البطاقة في الجيب الخلفي لسروالها الجينز وهي تتجه إلى مقهى شارع ليبيك، حيث حلُّوا، مع ماكس، معادلة السيد روش الشهيرة الخاصة بسن أبناء ليارد.
– هناك أمران أو ثلاثة أعرفها عنها، أعلن جوناثان وهو يجلس قبالة ليا في شرفة المقهى.
– مَن هي؟
– الاحتمالات! أنسيت أن لدينا مسئولية نتولاها وليس نزهتك إلى المعهد الوطني للفنون والحِرف هي التي جعلتنا نتقدم بهذا الشأن. ها هم الأمران أو الثلاثة الأمور. ينحصر الاحتمال بين صفر و(١). أكثر احتمالًا من (١)، يكون أكثر بياضًا من الأبيض! وأقل احتمالًا من صفر، يكون أقل إمكانية من المستحيل! في الاحتمالات يكون الصفر هو التعبير الرياضي عن المستحيل، ويكون الواحد الصحيح هو التعبير الرياضي عن اليقين، وبين الاثنين تقع كل درجات المحتمل. إن ما فهمته أنهم يريدون، كما يقولون، «تطبيق علم الرياضيات على المحتمل»، هندسة الصدفة، هذا هو الاسم الذي أعطاه بسكال للاحتمالات: دقة البراهين الهندسية مجتمعة مع عدم يقين الصدفة!
– اللعنة، قالت ليا مع برطمةٍ واضحة. جعْل الصدفة منضبطة ودقيقة مثل قصِّ الأجنحة لطائرٍ.
– تفكرين فيمَن؟
– منذ وقتٍ طويلٍ، تساءلت عن الاحتمال الذي يمكن أن يكون لكي يقابل ماكس نوفيوتشر في مستودع سوق السلع المستعملة.
– في جميع الحالات، لا يوجد احتمالٌ صفريٌّ. وهل سألت نفسك عن احتمال أن نُولد توءم؟
– أوه، نعم! قالت ليا.
غاصت ليا في مقعدها وكانت تستمع إلى صوت جوناثان. كان يبدو أنه قام بتوثيق المستندات بجدية، ذهب إلى «الفحم» طبقًا لتعبيره. ها هو يتحدث عن عربة مسافرين تجرُّها الجياد، استمعَت باهتمام أكبر ووجدَت نفسها في قلب القرن السابع عشر، تتأرجح إلى جوار باسكال، المنطلق في مناقشةٍ كبيرةٍ مع جاره، الفارس دي ميريه، اللاعب المحنك. في السوق، وبينما كانوا يبدِّلون الخيول، انجذب ميريه باسكال إلى مباراة في لعب النرد، لكن رحيل عربة الجياد قطع عليهم المباراة في وسطها. كيف يتم توزيع الرهانات؟ اقتسامها بإنصاف، بالطبع! لكن كيف التوصل إلى ذلك؟ بمجرد وصولهما، كتب باسكال إلى فيرما ليطرح عليه قضية مباريات اللعب. مباريات لم تكتمل، كان هناك الكثير منها قبلهما. إن تارتاجليا وكردان بشكلٍ خاصٍّ كتبا عن هذا الموضوع.
– مباراة بين الاثنين، لا بدَّ أنها مجزيةٌ! تارتاجليا الذي كان يخفي أوراقه وكردان الذي كان يريد أن يسرقها منه.
– لكي أكون صريحًا لست متأكدًا من أن الأمر دار بالضبط كما رويتُه لك، حذَّر جوناثان. على أية حالٍ، تبادل باسكال وفيرما بعض الرسائل بشأن هذا الموضوع. ووضعا في هذه الرسائل قواعد حساب الاحتمالات. كما سينطلق باسكال أيضًا في التحليل التوافيقي؛ أي حساب عدد طرق إحصاء الحالات الممكنة دون الاضطرار إلى عدِّها واحدةً واحدةً مثل قرويٍّ ساذجٍ، والترتيبات، والتوافيق، والتباديل. لن أتوقف عندها، لقد درسناها هذا العام في الفصل، مثلث باسكال … آه، لقد نسيتُ ببساطة التعريف: «إن احتمال حدثٍ ما هو عدد الحالات المواتية مقسومًا على عدد الحالات المستحيلة.»
– أتريد أن تقول إن الميلاد كتوءمٍ، هو حالةٌ مواتيةٌ.
– لست بعيدًا عن هذا الاعتقاد. انتظري الباقي.
اقترب النادل الذي كان قد نسيهما. طلب جوناثان حليبًا، بسبب «أكثر بياضًا من الأبيض»، وطلبت ليا قهوةً.
– بعد أن قاموا بتسليتنا بالألعاب، تابع جوناثان وهو يتفحص ملحوظاته، لعب الورق، والنرد، والروليت، والكرات البيضاء في الأكياس البيضاء، والكرات السوداء في الأكياس البيضاء، انتقل مَن كانوا يهتمون بالاحتمالات إلى الأمور الجادة. تصوَّري أنهم بدءوا يدرسون موت الناس بوضع جداول لذلك. كانوا يحددون رياضيًّا احتمال بقاء شخصٍ ما، مأخوذ عشوائيًّا على قيد الحياة، وكذلك احتمال استمرار الحياة معًا لعدة أشخاص.
– هيه (تظاهرت ليا بأنها تبحث الموضوع): لدينا السن نفسه، والأهل نفسهم، وأصبنا بالأمراض نفسها وعشنا في الأماكن نفسها، إذن احتمال بقائنا على قيد الحياة هو نفسه.
– والحوادث؟
– الحوادث لا تُحتسب. إذن، استأنفت الافتراض المحتمل لبقائنا معًا على قيد الحياة يساوي (١). وإذا متنا في السن نفسها، نكون قد عشنا معًا طوال حياتنا. إنه خبرٌ جيدٌ، أليس كذلك؟
– إنهم لم يقولوا تعايشًا سلميًّا.
– لا ينقص سوى ذلك! في هذه الحالة، سيكون الموت، صاحت ليا.
– بعد جداول الضرب جداول الانحلال! أفلتَت ليا.
– أحب طريقتك الرقيقة لقول الأشياء. في الواقع إنك أنت الشاعرة.
وضع النادل كوب الحليب وفنجان القهوة. أشارت ليا إلى القهوة، ثم إلى الحليب:
– أسودُ: مستحيلٌ. أبيضُ: أكيدٌ.
ثم بحركةٍ غامضةٍ من يدها:
«بين الاثنين كل سلسلة الأنواع المختلفة من القهوة بالحليب، التي على ما يبدو، مضرة جدًّا جدًّا للمعدة.»
كان جوناثان يراجع ملحوظاته. كيف الاهتداء؟ معجزة.
– لقد سبق للسيد روش أن تحدث معنا عن أكثر من واحد من عائلة برنولي، إنهم موجودون في كل مكان. في أقل من قرنَين، كان يوجد عشرة أشخاص منهم! وكلهم تقريبًا علماء رياضيات! لكن العائلة لم تكن كلها يدًا واحدةً. كانت الكراهية تسود بين جاك الأخ الأكبر وجان الأخ الثاني في الترتيب! كانا «قابيل وهابيل الرياضيات»، أمضيا حياتهما في خصامٍ. عندما كانا يحضران هما الاثنان جلسة من جلسات الأكاديمية، كان المتوقع هو مباراة في الملاكمة. وكان زملاؤهما يندفعون للتفريق بينهما.
– وبالطبع لم تتوقع الجداول وفاته!
– كما لم تتوقع اكتشاف المخطوط بواسطة شخصٍ من عائلة برنولي، بعد وفاته بسنواتٍ كثيرة. وعندما نُشر الكتاب كان له تأثير القنبلة (فجأة، وبنبرةٍ مخيفةٍ، صاح): ستوخاستيكوس «فن رمْي الرمح. معرفة كيفية إصابة الهدف.»
نظرت إليه.
– أنا أيضًا أفعل مثل السيد روش على طريقتي! إن فن التخمين، بالنسبة لبرنولي، هو تطبيق حساب الاحتمالات على الأعداد التي تشير إليها الإحصائيات: أي فن معرفة عملٍ ما يجب إنجازه لبلوغ الهدف المحدد كما في رمي الرمح. كيف يوزن عدم اليقين؟ كيف تتخذ قرارًا بفعل هذا الشيء أو شيء آخر عندما تجد نفسك في موقفٍ غامض؟
– إن الأمر بسيطٌ، عندما لا نعرف، لا نذهب!
قهقه جوناثان: فيما عدا بالنسبة إلى برنولي، إنه واضحٌ وبات، إننا نعرف كل شيءٍ! وإذا لم نكن نعرف كل شيءٍ، فلأن رأسنا لا يعمل بشكلٍ جيد، إن عدم اليقين ليس في الأشياء لكنه في رأسنا: إن عدم اليقين هو جهلٌ. إنه يقول ذلك: «إن الطقس في اليوم التالي لا يمكن أن يكون مختلفًا عما سيكونه في الواقع.»
– إنه علم الأرصاد منذ ٢٥٠ عامًا! إذن لن تكون هناك صدفةٌ!
من الجيب الخلفي لسروالها الجينز، أخرجَت بطاقة السيد سيماخا وقرأَت بطريقةٍ مسرحيةٍ: وسيطٌ كبيرٌ. عرَّافٌ عظيمٌ. لا توجد مشكلةٌ بدون حلٍّ. كلُّ الأسئلة لها إجابةٌ!
– إن ذلك بالظبط ما يؤكده برنولي. إن هدفه: «اكتشاف القوانين العامة التي تتحكم فيما يسميه البشر، بسبب جهلهم لتتابع العلة والمعلول؛ أي السبب والنتيجة، بأسماء مثل حظٍّ وقدَر.»
– وأشواقي المفاجئة، ورغباتي الفجائية؟ ونزواتي؟ و… وغمغمت من السخط والحرية؟ قالت صارخةً في نهاية الأمر (قلبت قهوتها التي نسيت تمامًا أن تشربها.) لا مصادفة؟ (كان سروالها الجينز مملوءًا بالقهوة.) إنني أمقت هذه الطريقة لرؤية العالم. عندما صادف ماكس نوفيوتشر في مستودع سوق السلع المستعملة، كان الأمر متوقعًا! ألم يكن من الممكن ألا يقابله، ونوفيوتشر أيضًا! هل كان محكومًا عليهما منذ الأزل أن يتقابلا هناك. في تلك اللحظة! مسار مقذوفتَين! إنه علم القذائف البشري. رمح اﻟ ستوش.. الخاص بك.
– ستوخاستيكوس. لا أهمية لذلك، يا عزيزتي، ناح جوناثان.
انتصبَت ليا: نعم، لكننا لسنا لا شيء! وإلا فما كان شيء سيحدث. ولا حتى ما هو مقدَّر. وبقعة القهوة تلك على سروالي الجينز، من المستحيل الإفلات منها، وأنا، مثل مغفلة، كنتُ أحاول تفاديها!
لا تتساوي كل الاتجاهات، مَن يبحثون عن طريقهم يعلمون ذلك جيدًا. الشمال، لم نقم بعدُ بشيءٍ أفضلَ كي لا نفقده. في دوَّارة الرياح الخاصة ببيير فيرما، يشير الشمال إلى:
رسم السيد روش خطًّا نحو الشمال، الاتجاه الأخير الذي كان يريد جروسروفر منه أن يلتزم به. والدليل على ذلك أن البطاقات الخاصة بنظرية الأعداد، وُضعَت في الأعمال الكاملة لفيرما، بعد كل البطاقات الأخرى.
في الرياضيات بشكلٍ عامٍّ تكون القضايا «الجيدة» هي تلك المصاغة بشكلٍ بسيطٍ … لكن يتكشف أن حلَّها صعبٌ بشكلٍ خاصٍّ. كلما كانت المسافة كبيرةً بين بساطة الصياغة وتعقُّد الحل، كانت القضية «أفضل». وبهذه الصفة، فإن نظرية الأعداد منجمٌ للقضايا الجيدة!
في نظرية الأعداد، فيرما هو الأفضل بلا منازعٍ، لم يحصل بسكال ولا ديكارت، ولا أي عالم رياضيات معاصرٍ آخر، على نتائج مماثلة.
إن الأمر يتعلق بالبحث عن خواص الأعداد في حد ذاتها. انطلاقًا من التفرقة بين أعدادٍ زوجيةٍ وأعدادٍ فردية، وبين أعدادٍ أوليةٍ وأعدادٍ مركبة، ترتكز اللعبة على تمثيل عددٍ ما كمجموع تربيعات وتكعيبات. كم من التربيعات، كم من التكعيبات؟
ملحوظة: منذ بعض الوقت أصبحت الأعداد الأولية هامة جدًّا في دراسة الخطوط السرية والوثائق المرمزة. إن أغلب عمليات التشفير الحديثة ترتكز على خواص الأعداد الأولية.
انتفض السيد روش هنا، كان الأمر واضحًا. إن جروسروفر كان يشير إلى شفرةٍ سريةٍ ليُنشِّط الذاكرة! في دفتره ذي الغلاف المقوَّى، وجد السيد روش ما كان قد كتبه سابقًا:
يكون العدد أوليًّا إذا لم يكن يقبل القسمة على أي عددٍ آخر غير (١) وهو نفسه. وفيما عدا (٢) كل الأعداد الأولية فردية: ٣، ٥، ٧، ١١، ١٣، ١٧، ١٩، ٢٣ …
ويستتبع ذلك نتيجتان:
-
كل عددٍ صحيحٍ يمكن أن يُحلل بطريقةٍ وحيدةٍ إلى حاصل ضرب عواملَ أولية.
-
إذا قسم عددٌ أوليٌّ حاصل الضرب ا ب، فإنه يُقسَّم إمَّا أ، أو ب.
(أي إن العدد الأولي لا يستطيع أن يقسِّم حاصل ضربٍ دون أن يقسِّم أحد العاملين. أهمية الأمر: إن قابلية قسمةٍ ما تؤدي إلى أخرى).
إن هذه الملحوظات واضحةٌ وموجزةٌ! هل هي تلك الخواص التي كان يتكلم عنها جروسروفر فيما يتعلق بالتشفير؟
جذبت انتباهه ضجةٌ قادمةٌ من الفناء. كان نوفيوتشر يرفرف بطريقةٍ مُلحةٍ أمام الكوة الزجاجية. حرك السيد روش مقعده حتى الباب وأدخل نوفيوتشر الذي حطَّ على المجثم. لم يطلب قط من قبلُ أن يدخل إلى مكتبة الغابة.
بما أنه لا يرى كيف يستطيع أن يرد على السؤال الخاص بالتشفير؟ قرَّر السيد روش الاستمرار في قراءة البطاقة. ذكر جروسروفر قائمةً لنتائج فيرما، مسبوقةً بهذه الكلمة الصغيرة لفيرما:
ها هو باختصارٍ بيانٌ لتأملاتي حول موضوع الأعداد. لم أكتبه إلا لأنني أتخوَّف من ألا يتسع الوقت لي لكي أفيض وأعرض كل هذه البراهين والطرق. على أية حالٍ، هذه الإشارة ستخْدم العلماء في أن يجدوا بأنفسهم ما لا أدركه قط.
كل عددٍ صحيحٍ هو إما تربيعٌ أو مجموع تربيعَين أو ثلاثة أو أربعة تربيعات. وبشكلٍ أكثر تعميمًا، كل عددٍ صحيحٍ هو مجموع ثلاثة أعداد مثلثة، أربعة أعداد مربعة، وخمسة أعداد مخمسة … إلخ.
وبعد ذلك بقليلٍ، ذكَر جروسروفر «نظرية المربعَين» الشهيرة الخاصة به.
يمكن فصل الأعداد الأولية (فيما عدا ٢) إلى كميتَين كبيرتَين:
-
الكمية الأولى: ٥، ١٣، ١٧، ٢٩ … تتكون من أعداد بقسمتها على ٤ تعطي (١) كباقي (ويمكن تدوينها ٤ك + ١).
-
الكمية الثانية: ٣، ٧، ١١، ١٩، ٢٣ … تتكون من أعداد بقسمتها على ٤ تعطي ٣ كباقي (ويمكن تدوينها ٤ك + ٣).
ويواصل محددًا أن:
-
(١)
كل أعداد الكمية الأولى يمكن التعبير عنها كمجموع مربعَين ولا يمكن أن يكونوا كذلك إلا بطريقةٍ واحدة.
-
(٢)
لا أحد من الكمية الثانية يمكن أن يكون كذلك.
هذا ما كان مستشارٌ في برلمان تولوز يفكِّر فيه، في منتصف القرن السابع عشر! الآن فيمَ يفكر مستشارو البرلمان الأوروبي؟ تساءل السيد روش هل يفكرون على الأقل ويتأملون؟ كانت قائمة نتائج فيرما المعنية بالأعداد مدهشةً.
كما برهن أيضًا أنه لا يوجد مثلثٌ قائم الزاوية تكون مساحته مربَّع عدد.
ويدين فيرما بجزءٍ كبيرٍ من هذا الحصاد المذهل من النتائج إلى التناقص اللامتناهي.
اسمٌ جميلٌ حقًّا لهذا النوع من الاستدلال الذي وضعه فيرما: إذا أردنا إثبات أن قضيةً ما ليس لها حلول بأعدادٍ صحيحة، نبرهن أنه إذا كانت تسمح بحلٍّ واحد، فسيكون هناك حلٌّ آخر بأعدادٍ أصغر، كتب جروسروفر. «موافقٌ، لكن لماذا هو برهان؟ تساءل السيد روش طبعًا، لأنه ليس هناك سوى عدد محدود من الأعداد الصحيحة أصغر من عددٍ صحيحٍ معينٍ أي تحديدًا لأن التناقص ليس لامتناهيًا!»
لنفرض أن سُلمًا يبدأ في الدور الأرضي، وإذا كنا في كل مرةٍ نتواجد فيها على درجة نكون مضطرين أن ننزل مجددًا على الدرجة السابقة، فإن عند لحظةٍ معينة. لحظة بلوغ الدور الأرضي – لن نستطيع النزول إلى درجة أدنى، غير أن فرضيتنا تجبرنا على النزول دائمًا إلى أسفل. تناقض! إذن الفرضية خاطئة. لا يوجد، إذن عدد يملك الخاصية المعنية. وهو المطلوب إثباته. كان السيد روش معجبًا بهذا الخليط البارع من استدلال الخلف والبرهان التراجعي بعكس المقصود.
كانت كل البطاقات الخاصة بفيرما تحمل عنوانًا، ولم يكن ذلك هو شأن العلماء السابقين. ربما يرجع ذلك إلى حقيقة أن الأعمال التي تعالج موضوعًا واحدًا موزعة عبر الأجزاء الخمسة للأعمال الكاملة، وكان على جروسروفر أن يُجريَ بنفسه عملية التوليف.
كان عنوان البطاقة التالية، المكتوب بحجمٍ كبير، هو:
ميلاد حدسية فيرما
وصلنا! لقد وضعنا إصبعنا في وكر حياتٍ. لن يغامر السيد روش في ذلك وحده. إن ما يلي يمس من قرب جدًّا قضية من القضيتَين اللتَين حلهما جروسروفر. إن اجتماعًا عامًّا يفرض نفسه.
غير أن حب الاستطلاع تغلب عليه.
كل شيء بدأ بديوفانتوس.
صديقٌ لفيرما، باشيه دي مزيرياك، ترجم وطبع إلى اللاتينية كتب ديوفانتوس السنة «علم الحساب»، وقدَّم نسخةً لفيرما. حبٌّ من أول نظرةٍ! شُغف فيرما على الفور بنوع القضايا التي طرحها عالم الرياضيات السكندري القديم.
معادلات ديوفانتسيه. إنها تظهر في شكل:
قام فيرما بالتعليق على الأعمال صفحة تلو صفحة. مسجلًا ملحوظات هنا، وكاتبًا هناك على عَجل نتائج غير مسبوقة … لكن بدون براهين!
«هذا موفقٌ! غمغم السيد روش. لكن ما لهم يخربشون على الكتب! ألا يمكنهم أن يدفعوا ثمن دفتر! ما كان لهذا أن يضايق جروسروفر كثيرًا، هو الذي يلصق في كل آنٍ صلبانًا في هامش كتب عمرها أربعة قرونٍ.» أدرك السيد روش أنه يتكلم عن صديقه بصيغة المضارع. حقيقي أن الجار أصبح منذ بعض الوقت موجودًا في كل مكان، يعيش إلى جانبه، ويملي عليه، تقريبًا، جدول أعماله، يومًا بعد يوم. كان الإغريق يؤكدون على أنه ما دام الشاعر يواصل تمجيد البطل، فإن البطل لا يزال حيًّا، لكن عندما تتوقف الأناشيد، يبدأ النسيان والموت الحقيقي. بهذا المقياس، لم يكن جروسروفر حيًّا أبدًا بهذا القدْر، منذ خمسين عامًا.
مات فيرما بعد يومَين من قيامه بالترافع في قضية، لم يعرف إن كان قد كسبها أم خسرها. وكان قبل ذلك ببعض الوقت قد أدرك أن اكتشافاته مهددةٌ بالضياع، فطلب من أصدقائه من علماء الرياضيات أن يجمعوها — وكان الأمر يتعلق بالمراسلات بشكلٍ خاص — من أجل أن يتمكن من نشرها. بدأ البعض عملية الجمع، لكن أمام ضخامة المهمة توقفوا في منتصف الطريق. استأنف ابنه صمويل المهمة، ونشر كلَّ ما كتبه والده أو كاد.
أجمل نتائج نظرية الأعداد لم تُجمع قط حتى ذلك الحين، وجاءت لصمويل الفكرة الجيدة بأن يلحق التعليقات التي كتبها والده في صفحات ترجمة باشيه لكتب ديوفانتوس.
كتب فيرما في الهامش، في الكتاب الثاني، قبالة القضية ٨: «قسمة عددٍ مربعٍ إلى عددَين مربعَين» ما يلي:
وأضاف فيرما (دائمًا في الهامش!)
لقد اكتشفت لذلك برهانًا رائعًا حقًّا، لكن الهامش ضيقٌ جدًّا لكي يتسع له.
لم يستطع السيد روش أن يمنع نفسه من التفكير في أن فيرما لو لم يُخربِش ويُشوِّه كتابه، ولو لم يكتب على عَجلٍ في الهامش لما كان الهامش ضيقًا جدًّا! ولو استعان بورقةٍ لكان عنده كل المكان الذي يريده لتسجيل برهانه بالتفصيل. هذا هو كل شيءٍ!
هذا هو كل شيءٍ. ماذا؟ عندما ذكر القصة للأسرة مجتمعة في غرفة المائدة والاستقبال بعد العشاء، وأطلعهم على ملحوظته الأخيرة، تلقَّى ضربةً شديدةً.
لو كان لديه كل المكان ما كانت هناك قصة، ولا لغز، أعلن جوناثان.
– ما الذي كان سيفعله صديقك، في قلب الغابة؟ سألت ليا.
– سيد روش، إنك تعلم جيدًا، أنت، قالت بيرت، أن الأساطير تُولد دائمًا لأن شيئًا ما لا يعمل. لأن هامشًا ضيقًا جدًّا، ونهرًا عريضًا جدًّا، ولأن إصبعًا رفيعًا جدًّا، أو أن بابًا كان مغلقًا. أو أن …
حبس جوناثان وليا تنفسهما، متسائلَين إذا كانت ستقوله. إذا كانت ستقول: أن تكون «فتحة بالوعة» مفتوحة. لم تكن بحاجةٍ إلى ذلك، كان الأمر وكأنها قالت.
استدارت ليا بعنف، كما في المدرسة، وصاحت: أقترح الاقتراح التالي: من حُسن الحظ أن هامش كتاب باشيه. دي … ماذا؟ …
– دي مزيرياك، ذكر السيد روش بنبرةٍ باردة.
– أن هامش كتاب باشيه دي مزيرياك كان ضيقًا جدًّا. انتقل إلى التصويت. إذا تم الاقتراع، كان سيحدث ما يلي: كانت بيرت سترفع يدها. وليا أيضًا، وكذلك جوناثان.
كان ماكس سيرفع يديه الاثنتَين، قدْر ما كان موافقًا. وكان السيد روش سيرفع يده هو أيضًا، لكن ما كان يستطيع أن يرجع عن رأيه بهذه السرعة. كان سيمتنع عن التصويت. وما كان لنوفيوتشر أن يشارك في التصويت. وكان سيتم تبنِّي الاقتراح.
– لقد كتب جِيدُ: «الباب الضيق» وكتب فيرما في الهامش الضيق، تجرأَت ليا أن تقول.
صفَّر جوناثان:
– لم تُولَد في مكتبة هباء، هذه اﻟ ليا!
أكدَت بيرت على الموضوع:
– إذن بفضل ضِيق الهامش، كانت لدى صديقك جروسروفر إمكانية حل حدسية فيرما.
– إذا سمحت لي، يا أمي، حدد جوناثان، كانت لديه إمكانية الاعتقاد بأنه حلها. ليس لأنه أكد في الرسالة التي بعث بها إلى السيد روش، أنه حلها، يكون ذلك إثباتًا أنه حلها. إن ذلك يثبت فقط أنه اعتقد أنه حلَّها.
غضنَت بيرت عينَيها، ونظرت إليه بحدة: أنت ماذا ترغب أن يكون حلَّها أم لا؟
صمت الجميعُ، وتركزت العيون على جوناثان. كان في مواجهة بيرت.
– أرغب ألا يكون حلَّها.
فتح السيد روش فمه، ولم يخرج منه أي صوتٍ ثم، بصعوبة: لكن لماذا، لماذا، يا صغيري؟
إنها ليا التي أجابت: لأنه كان عليه أن ينشر عمله. كنا قد عرفنا وكفَى!
– حسنٌ، أنا على النقيض. كنتُ أحب أن يكون قد حلها، قالت بيرت بصوتٍ بارد.
وفي ظل صمتٍ جليديٍّ أعلن جوناثان بجدية: سواء أردتم ذلك أم لا، فإن سره هو الذي أدى إلى موته.
ظل السيد روش منذهلًا: لكن … (كان ذلك ماكس) … إذا لم يحتفظ جروسروفر ببراهينه سرية. إذن … ما كانت هناك قصة! إنه الشيء نفسه لما رويتم حالًا عن الأساطير، أليس كذلك؟
انتقل ماكس إلى معسكر بيرت.
ثم أضاف، لا يجب أن يعرف المرء دائمًا كل شيء.
لم يفوِّت ماكس شيئًا مما قيل. مثل المعتاد عندما تصبح المناقشة مهمة، يضع نفسه في حالة انتباهٍ قصوى. أكثر من الانتباه، الاستقبال. إنه يستقبل بكل حواسه، ويسجل كل ما يتم تبادله، ملتقطًا الحدة، كما لا يستطيع أحدٌ، والشحنات الانفعالية التي تخفيها غالبًا الكلمات والتي تفلت، على مضض، من المتحدثين.
بالنسبة له، الأصوات هي نوعٌ من الجبال الجليدية العائمة، ما نسمعه ليس سوى الجزء الطافي. الجزء الأكبر من حمولة الكلمة غير مسموعٍ، وليس من اختصاص حاسة السمع، إن الجسم كله عليه أن يشارك في هذا الاستقبال ويلتقط ما أفلت من الأذن. كان السيد روش يكتشف أحيانًا هذا الاستعداد لدى ماكس؛ ولهذا السبب أطلق عليه اسم ماكس الهوائي؛ لأنه حزر أنه حساسٌ لكل الرياح ولكل الموجات.
ولهذا كانت كلمات ماكس الأخيرة مؤثِّرةً. هو الذي كان قادرًا على الشعور بكل شيءٍ أعلن أنه يرفض معرفة كل شيءٍ.
ثم أضاف:
«على أية حالٍ، لا بد أن يموت المرء من شيءٍ ما (ولمعت نظرته ببريقٍ عجيبٍ) لقد مات من الرياضيات. إن ذلك هو أفضل ما كان يمكن أن يحدث له.»
نظروا إليه مذهولين.
لم يتوقف عند هذا الحد:
«لكي أقول لكم كل شيء، لقد تساءلت لمدةٍ طويلة، إذا كان جروسروفر موجودًا حقًّا، وأنه لم يكن اختراعًا من جانب السيد روش.»
– لكن ما الذي يحدث لهم اليوم؟ فكر السيد روش مذعورًا.
– مَن الذي كتب الرسائل، إذن؟ سألَت بيرت.
– الرسالة الأولى، اعتقدت أن السيد روش هو الذي أرسلها لنفسه. في الواقع أرسلها لنا. وأنها الطريقة التي وجدها ليكلمنا عن نفسه؛ لأنني حتى وصول هذه الرسالة، لم أكن أعرف شيئًا عنك يا سيد روش. ومن ناحية أخرى، لم أسألك قط عن شيءٍ. الآن … الأمر مختلفٌ. المقاومة، السوربون، وصديقك …
– ومكتبة الغابة؟ سألَت بيرت.
إنها هي التي جعلتني أغيِّر رأيي. عندما وصلتُ ورأيتُ كل هذه الكتب، لم يعُد لديَّ شكٌّ. إنني أذهب كثيرًا إلى سوق السلع المستعملة، وأعرف جيدًا ثمن كُتبٍ مثل تلك، إنها كنوز. ولم يكن لدى السيد روش مال يكفي لشراء ولا حتى نصف أصغر رف.
إنني فقيرٌ، هذا ما تريد قوله؟ سأل السيد روش.
– لستَ فقيرًا. ولكنك لست غنيًّا مثل صديقك.
– حسنٌ. الآن وقد اقتنع ماكس بأن جروسروفر موجود، لو نعود إلى فيرما؟ اقترحَت بيرت. في أية فترة حدث ذلك؟
لم يعُد السيد روش يعرف أين وقف في عرضه للموضوع.
– متى؟ آه، انتظري (تصفَّح دفتره بعصبية) لكن يا ربي، أين دسست ذلك؟ كان في السنوات ١٦٥٠م.
– حسنٌ، استأنفَت بيرت. منذ أكثر من ثلاثة قرون، وبسبب هامشٍ ضيقٍ، توجد أسطورة فيرما، ومنذ ستة شهورٍ، وبسبب سرٍّ تقرر في قلب غابة، توجد أسطورة جروسروفر.
– لكلٍّ أسطورتُه، صاح ماكس، فرحًا، وكأنه تحرر. أليس كذلك يا نوفيوتشر. وأنت ما هي أسطورتك؟
أطلق نوفيوتشر مجموعة من الصرخات الأجشة، لكن هنا تكلم فقط كببغاء. لم يفهم أحد شيئًا. ثم شرب جرعة ماءٍ كبيرةً، وكأنه يتغرغر.
بالعودة إلى الحدسية، أبدت بيرت ملحوظةً بأن الأمر يتعلق مجددًا بنتيجةٍ تؤكد استحالة.
– إذا كنت قد فهمت جيدًا، فإن ما يؤكده فيرما، هو لا نستطيع!
هذا صحيح، أكد السيد روش.
– والآن بعد أن أصبح لدينا فييت، وديكارت وجميع الأشخاص الذين هم من النوع المذكور، ربما يكون من حقنا كتابة الحدسية كما كانت ستُكتب حاليًّا، همسَت ليا.
– لا نستطيع ماذا؟ أصرَّت بيرت.
كتبَت ليا ما يلي على قطعة ورقٍ مهملة وأحاطته بإطار.
لا نستطيع إيجاد أربعة أعدادٍ صحيحة س، ص، ع، ن، بحيث يكون س، ص، ع، مختلفين عن الصفر، ون أكبر من ٢، كما:
– أو بشكلٍ أكثر أناقة، همس جوناثان: «لا يمكن تفكيك أُسٍّ إلى مجموع أُسَّين متساويَين، باستثناء المربعات. إنه بسيطٌ جدًّا!»
– إذن، انطلق!
– أريد أن أقول، بسيطٌ أن يُقال! بسيطٌ جدًّا. إن هذه البساطة مشبوهة، أصدر جوناثان حكمه وهو ينهض فجأة. أحتاج إلى أن أذهب لأعطي خلاياي العصبية بعض الهواء.
وكأن جرس الاستراحة ضرب، نهض الجميع مرةً واحدة. وأصبح المرسم خاليًا.
– لا تتأخر، يا سيد روش، سنأكل عما قليل، قالت بيرت وهي تغلق الباب.
كان هناك سؤالٌ أزعج السيد روش. لماذا في معادلة فيرما، ما كان صحيحًا حتى العدد ٢ كف فجأة عن أن يكون كذلك لكيلا يصبح صحيحًا أبدًا بعد ذلك؟ هذا ما يؤكده منطوق الحدسية.
لماذا هذا الانقطاع؟ لماذا يتجمد الماء عند درجة الصفر بالضبط ويَغلي عند ١٠٠؟ لم يكن السيد روش يشتكي من وجود عتبات. على النقيض. لو أن الطبيعة تستمر، تتابع طريقها بتمهلٍ وثباتٍ دون توقفٍ أو انقطاع، دون قفزة، دون تغيراتٍ مفاجئة، أي عالمٍ رخوٍ سيكون هذا العالم؟! عالم تتطور فيه كل ظاهرة بنعومة. طبيعة هادئة … مقرفة!
لماذا عند لحظةٍ معينة، ما كان ممكنًا لم يعُد كذلك؟ لماذا عند موضعٍ معين، ما كان صالحًا ومناسبًا أدنى من هذا الموضع لم يعُد كذلك فيما وراءه. لماذا، فجأة تنتصب الحدود هنا بين الممكن والمستحيل؟
بالنسبة لحدسية فيرما، هذه الهوة بين ٢ و٣! كان السيد روش يأمل أن تتوفر له إجابة عن ذلك؛ لأنه باختصار، كان يعرف جيدًا أنه لن يستطيع فهْم الطريقة التي يتعامل بها علماء الرياضيات مع هذه القضية. ربما أجاب جروسروفر في برهانه على السؤال. أدرك السيد روش أنها المرة الأولى التي يستشعر فيها اهتمامًا حقيقيًّا للمضمون ذاته لعمل جروسروفر. وكل شيءٍ بدأ بديوفانتوس.
ديوفانتوس، الذي لا يُعرف عنه شيءٌ فيما عدا … السنُّ التي تُوفِّي فيها. لقد عرف ذلك وهو يرتب الأعمال الكاملة لفيرما. من خلال بطاقةٍ في الجزء الأول كانت قد أفلتت منه عند القراءة الأولى؛ لأن جروسروفر كان قد وضعها بشكلٍ استثنائيٍّ في بداية العمل وليس في نهايته كما هي عادته. وكان الأمر يتعلق بما كُتب على شاهد قبر ديوفانتوس، وهو مأخوذٌ من المقتطفات البلاطية لمترودور:
«أيها المار، تحت هذا القبر يرقد ديوفانتوس.
آه، آيةٌ كبرى، العلم سيعطيك مقياس حياته. اسمع. لقد منحه الله أن يكون شابًّا أثناء الجزء السادس من حياته. وبعد واحدٍ على اثني عشر إضافية جعل لحية سوداء تنبت له. ثم كان يوم زواجه بعد الجزء السابع من عمره. ووُلد له من هذا الزواج ابنٌ في السنة الخامسة.
آه للأسف، ابنٌ صغيرٌ مسكينٌ: لقد عرف برودة الموت بعد أن عاش فقط نصف عمر والده. لكن بعد أربعة أعوامٍ، وجد الأب بدوره عزاءً لحزنه، وبلغ مع هذه الحكمة نهاية حياته. كم دامت حياته؟»
كان ظهْر البطاقة خاليًا من أية كتابة. إنه طبق الأصل جروسروفر! لم يُعطِ بالطبع الإجابة. «إيه حسنٌ، سنرى! سنرى إن كنت، بعد ستة أشهر من العمل العنيد، غير قادرٍ على حساب هذا! لنرَ!»، كل هذه الكلمات كانت هنا لإخفاء عصبية السيد روش الذي كان يخشى تحديدًا ألا يكون قادرًا على حل هذا اللغز الحسابي.
ما الذي نعرفه عن حياته؟ إنها مثل كلِّ حياة، مقسمة إلى شرائح، بجمعها بعضها على بعض نحصل على الحياة نفسها.
– وخمسة أعوامٍ أيضًا لكي يرى ميلاد ابنه: + ٥.
– والانتظار ٤ سنواتٍ إضافيةٍ لكي يموت هو نفسه: + ٤.
انهمك السيد روش وكتب:
فتح ماكس الباب. كان نوفيوتشر معه.
لم يكن السيد روش على ما يُرام. وكان لا يمكن أن يخفَى ذلك على ماكس، الذي سأله ما به.
– أقرأ الفنجان.
– عمَّ تبحث؟ هل أستطيع؟
– أوه، انظر قدْر ما تريد.
– إنها حياةٌ.
– حسنٌ، إذن، فهي موجبةٌ.
– كان رائعًا.
أوضح ماكس، مدركًا أن السيد روش تشكك في طلبه:
«أريد أن أقول إنها عددٌ موجبٌ، إن حياة بعدد سنوات سالب ستكون حياة تحت الأرض، حياة في أماكن انتظار واقعة تحت الأرض، حسنٌ، أتركك.»
– لا يا ماكس، لا يمكنك أن تفعل ذلك معي!
– لقد جئت فقط لأقول لك إن العشاء جاهزٌ. وها أنت تأخذني رهينة (ينظر مجددًا إلى الورقة). اسمع يا سيد روش: مجموع كسور، تحويل لمقامٍ موحد، اختصار. النمط المتبع، ماذا؟
وتركه.
– يعيش المرء وحيدًا، ويموت وحيدًا، ويحسب وحيدًا.
بعد الاختصار، وجد السيد روش …
– يا سيد روش! من أعلى شرفة غرفة المائدة والاستقبال، كانت بيرت تنادي عليه. لقد تم تقديم الحساء.
دس ورقة الحسابات في جيب سترته، وألقى نظرةً أخيرةً على دوارة الرياح التي أتاحت له التوجه في هذه العوالم الرياضية الجديدة. وبعد أن تأكد من أن الرحلة اكتملت تمامًا في الاتجاهات الأربعة، غادر المرسم.
بعد الحساء بوقتٍ طويلٍ، في نهاية العَشاء، وبينما كان الجميع صامتين لمرةٍ واحدة، وجهَت ليا حديثها إلى السيد روش: لقد وجدت شيئًا لك.
رفع السيد روش رأسه، مندهشًا من أنه لم يسمع الباقي. أشارت ليا إلى نوفيوتشر الذي انتصب مرةً واحدة. كان قد نسي! هذا ما لم يحدث له قط.
صحا نوفيوتشر وانطلق دفعةً واحدة:
– «يمكن رؤية ثلاثة أشياءَ رئيسية في دراسة الحقيقة؛ الأول اكتشافها، عندما نبحث عنها، الآخر، إثباتها، عندما نملكها، والأخير، التمييز بينها وبين الباطل عندما نفحصها.»
قفز السيد روش: باسكال! «عن فكر الهندسة وعن فن الإقناع».
– برافو! صاحت بيرت وجوناثان وليا معجبين بصدقٍ.
تظاهر السيد روش بالتواضع:
– إن الثقافة، أترون، هي ما نتذكره عندما نكون نسينا كل شيء. آه، لو رغبت، لكنت أصبحت …
رفع ذراعه نحو السماء. نظر إليه الأولاد، وترك ذراعه تسقط على ركبتيه:
«لكنتُ أصبحتُ … تمامًا ما أصبحتُ عليه.»
– ما كنتُ أحب أن تكون غير ذلك، أعلن ماكس بجفاءٍ تقريبًا.
– هيا، يا نوفيوتشر، الجملة، مرةً أخرى! أمرت ليا.
نظر نوفيوتشر إليها بجدية، ثم قال بوقارٍ وبصوتٍ منخفضٍ: أنا لا أكرر، أنا لا استظهر. أنا أحكي.
ومديرًا ظهره للحضور، طار حتى مجثمه وانهمك في التهام حبوب بذرة القنب التي كانت تملأ معلفه.
كررت ليا الجملة وأبلغت الحضور بتحليلها.
– المبدأ الأول هو لنا، هنا: اكتشاف الحقيقة عندما نبحث عنها. المبدأ الثاني هو لجروسروفر. بمباشرة العمل على الحدسيات، كان ذلك تحديدًا ما يريد فعله: إثبات حقيقة، عندما نملكها. ماذا لو أنه لم ينجح بشكلٍ أفضل منا!
بعد العَشاء، عاد السيد روش مسرعًا إلى الغرفة-الجراج، خلع سترته لكي يلبس ثوبه المنزلي، وأثناء تفريغه لجيوبه كما هي عادته، وجد الورقة المكتوب عليها على عَجل. لن يُقال إنه لم يتمكن من إنهاء حسابٍ من نوع «النمط المتبع»، كما أسماه ماكس بتعالٍ.
وانطلقت العملية من جديد! مدة حياة ديوفانتوس؟ بمعنًى آخر ماذا كان سنُّه عندما تُوفِّي؟ بعد الاختصار، وصل السيد روش إلى:
بدأ يكتب: «آه، لن يبدأ ذلك من جديد!» تخلص من ثوبه المنزلي، وارتدى مجددًا سترته، وليس معطفًا، ودفس قبعة على رأسه وغادر الغرفة-الجراج، نزل شارع رافينيون على طاسات العجلات. لحسن الحظ، لم يكن هناك أحدٌ على الأرصفة.
دخل مقهى شارع الأبيس الذي يفتح حتى وقتٍ متأخرٍ. جمعٌ غفيرٌ، وضجةٌ متواصلةٌ، ودخانٌ كثيفٌ. أفسحوا له مكانًا. طلب بيرة، ثم أخرى، على التوالي. فرَدَ ورقة الحسابات التي كان قد كوَّرها بغضبٍ شديد، مقترنًا بثنايا الورق كان الحل هناك:
ديوفانتوس أيضًا مثل الخيَّام وجروسروفر، تُوفِّي في سِنِّ اﻟ ٨٤. سن مصدم، بطريقةٍ ما. طلب المزيد من البيرة.
وغنَّى مع الشباب الذين كان يجلس على مائدتهم. ولذهول الحاضرين، صاح، بين كأسَين مترعتَين، «إنهم يريدون موتي، لن ينالوني حيًّا!» وذلك جعله يضحك.
لم يعرف كيف تمكَّن، في وقتٍ متأخرٍ من الليل، من أن يصعد المنحدر الشديد لشارع رافينيون وأن يعود إلى الغرفة-الجراج الخاصة به. وغاص بملابسه كاملةً في سريره ذي القبة، ومحميًّا بالظلة السميكة والستائر المخملية الثقيلة، حلم أنه كان ثملًا.