الفصل الثاني

ماكس الهوائي

لا يزال الببغاءُ في مكانه على الإفريز، لم يتحركْ، كومة صغيرة مِن الرِّيش! كان رأسه المثني إلى الخلف مختفيًا تمامًا في ريش الظَّهر. هل هو مستسلمٌ لنومٍ مُجدِّدٍ للقوى، أم إنه غارقٌ في غيبوبةٍ غير قابلةٍ للانعكاس؟ جَرَّ ماكس سُلَّمًا نقالًا حتى المدفأة، وتسلَّق وجلس على درجة السُّلم الأخيرة، ومدَّ يده نحو الطائر، وفي اللحظة التي كان سيلمسه، أوقف حركته، وقال في نفْسه إنه ليس من حقِّه انتهاز حالته لمداعبته، يجب أن تترك له إمكانية الرفض.

«لماذا لم تَقُلْ كلمةً واحدةً منذ أن جئتَ؟ أعرف أنك تتكلم، لقد سمعتُك في العنبر. إنك شبه أبكم وأنا شبه أصم، سوف نتفاهم جيدًا، لكن يجب أن تستيقظ، خذْ وقتك، بالطَّبع، لكن مع ذلك استيقظ.»

توقَّف ماكس، واستدار وتأكد أن أحدًا لم يدخل الغرفة أثناء ما كان يتكلم، عاد إلى الببغاء:

«إذا لم أنظر، لا أسمع. أنت لا تعرف ما يعنيه أن يكون المرء أصم، لا أحد يعرف، فيما عدا الصم بالطَّبع، فأنتَ لا تسمع سوى نفسِك، وتسمع نفسَك طوال الوقت. في مراتٍ، أريد … كيف التعبير؟ الابتعاد قليلًا عني. النقيض التام للتوءم، هل رأيتَ التوءمَ؟ هما اثنان، لكن كأنهما شخصٌ واحدٌ، جوناثان وليا في كلمةٍ واحدة! أنا، ماكس الهوائي. تجد أنني أتكلم أكثر مما ينبغي. لحُسن الحظِّ أنا لستُ أصم منذ الولادة، وإلا كنتُ بالإضافة إلى ذلك أبكم! مِن الأفضل أن يسمع المرء ويتكلم عن أن يكون أصم وأبكم، أتتفقُ معي في ذلك؟ يجب أن نجد لك اسمًا. إنكَ لا تشغل بالك بشيء، إنها ليست مشكلتك. مشكلتك، أن تتخلص مِن الضربة التي تلقَّيتَها على قمة رأسك. لقد رأيتُك عندما تلقَّيتَها، يا لهما من دنيئَين! آه، لو نعثر عليهما، لقد عضضت أحدهما، حسنًا فعلت! ربما مِن الأفضل ألا نعثر عليهما. إنهما يبحثان عنكَ، أليس كذلك؟ ياه، إنَّ باريس كبيرةٌ! لماذا قلت توًّا: «أصم وأبكم»؟ لأنكَ إذا لم تسمع شَيئًا لا يمكنك الكلام. إنه أمرٌ غريبٌ، أليس كذلك؟ في النهاية، قد لا يكون الأمر، على الأرجح، غريبًا، إنكَ لا تتكلم إلا لأنكَ تسمع. ليس فقط الكلمات، لكن الأصوات كُل الأصوات، ماء فسقية الفناء، صرير مقعد السيد روش، أستطيع تقليدها، اسمع!»

بصوتٍ خفيضٍ، قلَّد صوت مياه فسقية الفناء وصرير مقعد السيد روش.

«أترى، لا نفعل سوى الإعادة، إننا جميعًا ببغاوات!»

وانفجر ضاحكًا، ترنَّح السُّلم النَّقال، تمسَّك ماكس بالإفريز وانتظر حتى استقرَّ السُّلم.

«لا يوجد سوى شيئَين لا نكرِّر أصواتهما، الصراخ والبكاء. لا نحتاج إلى سماعهما لتقليدهما، والضحك، ربما، لكنني لستُ متأكدًا من ذلك.»

انهمر الماء على الزجاج بعنفٍ جعل سفينة الشحن تهتز حتى العارضة الرئيسية الممتدة على طول قعر المركب. كان الربان باستوس مُنهَكًا؛ حيث ظلَّ مُمسِكًا بمقبض الدفة منذ ساعات. لقد غادر بيليم منذ ثلاثة أيام، ويعلم الله أنه قطع من قبلُ هذا الطريق بين سواحل البرازيل وسواحل أوروبا. ثلاثون عامًا وهو يبحر ولم يتعرَّض لعاصفةٍ مُماثلة! إنه يعرف المحيط جيدًا، لكن عنف الطبيعة والمباغتة التي عصفت بها الريح فاجأته. رغْم البرد، كان العرق يتصبَّب منه، وبدا أن الرادار لا يعمل بشكلٍ طبيعي؛ فمنذ قليل، لمح على الشاشة نقطةً مضيئة، ثم اختفت فجأة. انفتح الباب، وارتمى مساعد الربان في الغرفة، وكان عليه أن يتمسَّك بمقبضٍ لكيلا يسقط على المفاتيح والروافع. هو أيضًا كان يبدو مُنهَكًا: لقد ذهبتُ لأفحصَ القعر، لا تزال السفينة صامدةً، لكن ليس لوقتٍ طويل، ثلاث أو أربع ضرباتٍ عنيفةٍ مثل هذه وتنقطع الحبال! قبطان، إنَّ حمولتنا زائدةٌ جدًّا. تنحنح لو استمرَّ هذا الوضع، فسنُضطرُّ إلى تخفيف جزءٍ مِن الحمولة.

اسْتَدار باستوس نحوه وصرخ: دي سيلفا، أنت مجنونٌ! أخفِّف حمولتي، لقد اسْتَودَعوني هذه البضائع وتريد أن أرمي بها للأسماك! منذ أن بدأتُ قيادةَ سفينة، أتسمعني؟ لم يكُن هناك عند الوصول صندوق ولا حاوية واحدة ناقصة. وأبي وجدي، اللذان عَمِلا على الخطِّ نفسِه، فَعَلا الشيءَ ذاته، اذهَب بالأحرى لتفقُّد ما يحدث في غرفة الآلات.

تردَّدَ المساعد، أراد أن يتكلمَ.

«إنه أمْرٌ!»

كان باستوس يعلم أن لديه أفضل ملاحين في كل جنوب الأطلنطي. لقد اختار البحَّارة واحدًا واحدًا، رجالٌ يتمتعون بالصلابة والخبرة، وكان يعرف قيمة مساعده، الذي صاحَبَه منذ سنواتٍ طويلةٍ في أسفاره، واستطاع اختبار شجاعته في مناسباتٍ عديدة. «أنا القبطان، وأنا مَنْ يتَّخذ القرارات. كُلُّ ما تمَّ شحنه سيصلُ سالمًا إلى غايته.» ما هي الحمولة؟ حاول باستوس أن يتذكَّر، لم يتمكَّن من ذلك، بذل مجهودًا وهو يحاول أن يستعيدَ في ذهنه صورةَ لحظةِ التحميل. جذوع أشجار، كالمعتاد، قِطع أثاث، وعشرات الحاويات، وأيضًا صناديق كُتبٍ قادمة من مانوس.

فجأة اهتزَّ المركبُ، وخلال الضوضاء كان هناك شبهُ صمت، لقد توقَّف صوت الآلات. ثم، بعد وقتٍ بدا وكأنه أبدي، عاد صوتُ الآلات، لكن بشكلٍ أضعف. بدا أن السفينة تُعاني مزيدًا من التعب. شعَر باستوس بانقباض، لقد فَهم، أحد المحركات توقَّف. لم يَعُدْ هناك سوى حلٍّ واحد. إلقاءُ الحمولةِ في البحر. كان لا يزال باستوس مُشمئزًّا من هذه الفكرة. إنَّ الحمولةَ مقدسةٌ، والرجال؟ موجتان ضخمتان ضربتا جِسْر السفينة، على التوالي، وغطَّيتاه، وجعلتا السفينة تتأرجح. كان عليه أن يتخذ القرار الآن وإلا فلن يتَّخذَه أبدًا. اتَّخذ باستوس، وهو شاحب اللون، القرار، لن أكونَ القبطان أشاب Achab، ولن تكونَ سفينتي اﻟ «بيكود Péquod».

مهزومًا، قرَّر أن يعطي الأمرَ الذي كان طاقم السفينة ينتظره، ألا وهو إلقاء الحمولة في الماء، والدُّعاء أنْ يكون ذلك كافيًا، صوتٌ مريع، لقد ثارت السفينة وارتفعَت إلى أعلى أكثر كما لو كانت تنشفط نحو السماء، وعندما بلغَت السفينةُ، بعد صعودٍ لا ينتهي، قمةَ الموجة، وفي وسط الضباب، اعتقد باستوس أنه لمح سفينةً ضخمةً تُسرع نحوهم.

جبلٌ مِن السباجتي يتصدر مائدة غرفة الطعام والاستقبال. كانت ليا تحركه بهمَّةٍ بشوكَتَي طعامٍ لكي تمزج الصلصة جيدًا، والأسرة تتابع حركاتها بفارغ الصبر، عندئذٍ ارتفع صوتٌ أبح: «لن أتكلمَ إلا في وجود محامٍ.» كان ذلك هو الببغاء.

لم يسمعْ ماكس شَيئًا بما أنه لم يرَ شَيئًا. شكَّ فقط أن صوتًا، هو وحده لم يسمعه، كان وراء الاندهاش الذي قرأَه على الوجوه، استدار. كان الببغاء يُحمحِم، مثل ساعة حائطٍ قديمةٍ تستأنف عملَها فجأة. كان جاثمًا على الإفريز، مستقرًّا جيدًا على ساقَيه، وريشه يبرقُ، وطرفُ الريش الكبير في جناحَيه يلمع ببريقٍ أحمرَ فاقع، وعلى جبهته الزرقاء البرَّاقة، كان خطٌّ رفيعٌ يشير إلى الجرح الملتئم. لاحظَت ليا أن بعض الريش حول الندبة قد تغيَّر لونُه، مكونةً خصلة باستيل.

كانت بيرت هي أول مَنْ أبدى رد فعلٍ: لقد أكَّدتُم لي أنه لا يتكلم!

– حسنٌ، إنه يتكلم! أقرَّ جوناثان، لكن ليقول إنه لن يتكلم.

– لا. إنه سيتكلم، لكن فقط في وجود محاميه، أوضح السيد روش.

– لماذا يقول ذلك؟ سألت «ليا»، إنه جنونٌ في كل الأحوال.

– لقد قالها لأنه سمعها! إنَّه يكرر. قال جوناثان منتقدًا.

– إذن، فهو مِلْكُ مُحامٍ، قالت «ليا» بحَسْم.

– لا، مِلْكُ لص، قال ماكس مُصحِّحًا. إنَّها جُملة لص.

– ربما ذلك هو ما كان يصيح به للشخصَين اللذَين كانا يريدان قتله في سوق السلع المُستعمَلة، ألا تعتقد ذلك يا ماكس؟ افترضَ جوناثان.

– لم يُرِدا قتله، وإنما تكميمه، صحَّح ماكس.

انطلقَت قهقهةٌ جعلَتهم يستديرون. كانت بيرت جذْلَى: يا صغاري المساكين، إنكم تقرءون قصصًا بوليسيةً أكثر مِن اللازم؛ فهو لم يقل المُحامي الخاص بي، لقد قال مُحامٍ فقط، وهذا المُحامِي لا يلبس ثوب المُحاماة الأسود، لكن جِلدًا أخضر تمامًا ولامعًا تمامًا. إنه يتضوَّر جوعًا، هذا كُل ما يعاني منه هذا الببغاء.

في هذه الساعة، لا يوجد حانوتٌ مفتوحٌ سوى محلِّ بقالة حبيبي، في ركن شارع الشهداء. لم يكُن لدى حبيبي ثمار المحامي. واضطُر ماكس إلى الذهاب حتى محلات جوت دور الأفريقية، وعاد ومعه كيلو من ثمار المحامي مِن السنغال. التهمها الببغاء.

كان للضربة التي تلقَّاها على رأسه بعضُ العواقب. لقد اندمل الجرح سريعًا، إلا أن الطائر كان على ما يبدو لا يتذكَّر شيئًا، وهو ما جعله نموذجًا فريدًا، كان الببغاء الوحيد الذي يكرر ما لم يسمعه أبدًا. لقد قرَّروا أن يطلقوا عليه اسم نوفيوتشر.١

كان ريشُه المُتعدِّد الألوان المُنتَصب فوق رأسه يجعل منه أول ببغاء بانك في التاريخ الطويل للطيور الناطقة.

لقد وضعوا مجثم الطيور في غرفة الطعام، أعلى السُّلم، وهو مزودٌ بمعلفٍ، وأحواضٍ صغيرة ومغطسٍ صغير، وحرصوا على أن يكون بمأمنٍ من تيارات الهواء. وتحت المعلف صينيةٌ كبيرةٌ تتولَّى التقاط الفضلات، وفي لمح البصر علَّم ماكس الببغاء أن اسمه مِن الآن فصاعدًا هو «نوفيوتشر.»

«هل سترفضين حقًّا إيواء أحدٍ يحتاج إلى مُساعدة؟» إنَّ السؤال الذي طرحه ماكس على بيرت ذلك المساء قد أربكها. لقد قرَّرَت، سوف تتحدث إليهم، إنَّ اللحظة قد حانت لكي تكشف لهم كيف حدث أنهم كانوا متواجدين، هم الخمسة، في منزل رافينيون. تحدَّثَت إليهم في المساء نفسِه.

لقد بدأ كُلُّ شَيْءٍ منذ ١٧ عامًا بسقطة. كانت بيرت ستُكمل عامها العشرين، وكانت تدرُس القانون وعلى وشك الزواج من قاضي تحقيقٍ شابٍّ، كانا قد التقيا في إجازات الشتاء في مشتًى بمنطقة البرانس، ثم التقيا من جديدٍ في الربيع في «الكوت دازور» وخطَّطا لزواجهما في باريسَ، مع بدايةِ إجازاتِ الصَّيف.

كانت قد ذهبَت إلى محلِّ جراند ماجازان دي بلان للقياس النهائي لثوب زفافها. ومنهمكةً في آلاف الأشياءِ الصغيرةِ المتبقية التي لا يزال عليها إنجازها، لم تَرَ الحفرة في وسط الرصيف، وعلى الرغم من قواعد السلامة، قام عُمَّال المَجاري بنَزعِ البلاطة دون وضْع حاجز الحماية المُعتاد حول الفتحة.

شعَرَت بيرت أنها تُشفط، أطلقَت صرخةً، لم يرها أحدٌ تختفي في فتحة البالوعة. لقد خَرجَت منها، بعد ذلك بساعات، كم عدد الساعات؟ مُبللة، متسخة، وكسيحة. وعندما وصلَت إلى محل ماجازان دي بلان، كانت الستائر مُسْدَلةً والأبواب مغلَقة. عادت مباشرةً إلى منزلها، وفصَلَت الهاتف، واغتسلَت، وتَخلَّلَت ليلتها الأحلام والكوابيس. في اليوم التالي، فَسخَت خطبتها. بعد تسعة شهورٍ وُلدَ جوناثان وليا، توءم غيرُ متماثل.

إنَّ والِدَيها، اللذَين لم تُقدِّمْ لهما أي تفسيرٍ، لم يغفرا لها إلغاء حفل الزفاف والتكاليف ونظرة أصدقائهما الساخرة. إنها لم تَرَهما مجددًا قَط. كما لم تَرَ أيضًا قاضيَ التحقيق الشَّاب الذي كادتْ أنْ تُصبحَ زوجةً له.

لقد وجدَت وظيفةَ بائعةٍ في مكتبة ألف ورقةٍ وورقة. وعند مولد التوءم، اقترح عليها السيد روش أن تأتي لتسكن في منزل شارع رافينيون، لم تتردَّد، كان قد علَّمَها المهنة، ثم قرَّرَت أن يكون لها طفلٌ ثالث. ومرةً أخرى، لم تقدِّم أية تفسيرات. رغم أن القانون الخاص بالتبني يُطالب بضرورة أن يكون للمرأة زوجٌ لكي تكون الأم الثانية لطفل ليس ابنها، فإن ماكس الصغير، الذي كان عُمره ستة شهورٍ فقط، انضم إلى جوناثان وليا في منزل شارع رافينيون.

توقَّفَت بيرت عن الكلام، كان الصمت تامًّا. إنَّ أغلى الأشخاص عليها كانوا هناك «ماكس»، و«جوناثان»، و«لِيا»، والسيد روش. إنَّهم عالمها. لقد اسْتَمعوا إليها بانتباهٍ شديد. سبعة عشر عامًا من حياتها رُويَت مرةً واحدة، في بضع دقائق. في هذا الوقت القصير جدًّا عَرفَ كُلُّ واحدٍ شيئًا جوهريًّا عن جذوره. فيما عدا السيد روش، الذي كانت هذه المسألة بالنسبة إليه محلولةً منذ زمنٍ طويل.

بالنسبة إلى بيرت كان ذلك خلاصًا. لم تتكلم من قبلُ عن سقوطها، كما لم تتكلم قَط عن تبنِّيها لماكس، والسيد روش، الذي كان وحده القادر على القيام بعملية التبنِّي، لم يطرح عليها أي سؤالٍ عن الموضوع. لقد تكلَّمَت بيرت بصوتٍ رتيب، دون أن تنظر إلى أحد، رفعَت رأسها، ومرَّرَت يدها في خصلات شَعرها الجعدة ونظرَت إليهم..

وقالت لماكس: أنتَ لستَ مني، ولقد اخترتُ أن تكون لي.

وقالت للتوءم: أنتما، أنتما مني، ولقد اخترتُ أن أحتفظ بكما.

ثم إلى أطفالها الثلاثة: أنتم لي وأنا لكم!

أخذَت سيجارةً، وأشعلَتْها. مدَّ السيد روش يده: هلا أعطيتني واحدة، يا بيرت؟

كان قد أقلع عن التدخين منذ سنواتٍ. ناولَته سيجارةً، وبينما كانت تُقدِّمُ الولَّاعة وتميل نحوه، همسَت له: وأنتَ، يا سيد روش، لقد صنَعتَ لنا بيتًا.

سَحقَت سيجارتها، ونهضَت مشدودةً بعض الشيء، أرادت أن تبدو وقورة، انتصبَت، ملامحُها تعِبة، أضاءت ابتسامةٌ غيرُ متوقَّعةٍ وجهَها: «أتمنى لكم ليلةً سعيدة.» غادرَت الغرفة، خفيفةً مثل ريشة.

وهي تدخل السرير، لا تعرف لماذا فكَّرَت في محلِّ الأسماك الذي يقع عند ركن شارع ليبيك. في كل مرةٍ كانت تمرُّ أمام البضائع المعروضة، كانت تشكر صاحب المحل في سِرِّها. في ذلك الوقت، عندما كانت تبحث عن عمل، رفَض توظيفها. «ما الذي كان سيحدث لنا لو كنتُ بِعْتُ بدلًا مِن الكُتب أسماك سردينٍ أو إسقمري؟ وخلدت إلى النوم.»

في اللَّحظةِ نفسِها، في غرفة الطعام والاستقبال، استَنَد ماكس، لابسًا المنامة، على مجثم نوفيوتشر. كانت عينا الببغاء تلمعان في الضوء الخفيف، وهو يستمع إلى ماكس بانتباه. «لا أعرف من أين أنت قادمٌ»، قال له ماكس، الأمر ليس بالخطير لأنِّي أيضًا لا أعرف من أين أنا قدمتُ. لقد سمعت ما قالته أمي، قالتْ: «لقد اخترتُ أنْ أحتفظَ بكَ». ربَّتَ عليه، لم يُبدِ الطائر أيَّة مقاومةٍ وهو يَثني عنقه. «أنا أيضًا، اخترتُ أن أحتفظَ بك، لا مجال لتأشيرةٍ مؤقتة!» وأضاف بابتسامةٍ واضحة: «لقد قرَّرْتُ ذلك عندما كنتُ عائدًا بكَ من سوقِ السِّلع المُستعمَلة.»

في اللحظة نفسها، في الطابق الأعلى، تحت الزجاج البانورامي. سماءٌ بدون نجومٍ، عبارةٌ عن قبةٍ محمرةٍ مِن السحب تعكس أضواء المدينة. قرَّر جوناثان أن يطرح السؤال الذي كان يحرق شفتَيه: ما الذي كانت تريد أن تقوله تحديدًا عندما أخرجَتْنا: «تسعة أشهرٍ بعد …»؟

قاطعته ليا: وُلد التوءم. أتحتاج أن يُرسم لك ذلك؟ لقد قالت إننا وُلدنا في المجاري.

– لا. إنَّها حَملَت بنا هناك. صاح جوناثان.

توقعَت وجهه العدواني.

– هل كنتَ تُفضِّل، همهمَت، أنْ تُولدَ في قعر سريرٍ لينٍ يفوح منه عبقُ ماء البنفسج، وأن تكون هي ممددة على ملاءةٍ مِن الحرير، مع وجه وسادة تزينه الورود؟ وأن يكون والِدك قاضيًا شابًّا شديد النظافة؟ يا لكَ من تقليديٍّ، أيها المسكين! ختمَت حديثَها بنبرةٍ تثبِّط الهمَّة.

– إنَّ ما كنتُ أفضِّله، هو أن تقول لنا: «لن أكشف لكما في أية ظروفٍ قد وُلدتما»، بدلًا من أن تروي لنا هذه الخدعة الوهمية، كنتُ أفضِّل أن تقول لنا الحقيقة. ردَّ جوناثان حانقًا: لقد قالت لنا الحقيقة!

في اللحظة نفسها، في البدروم، تحت ستائر السرير ذي القبة، كان السيد روش يتذمَّر: «كُلُّ شيءٍ يحدث في الوقت نفسه! جروسروفر وكُتبه، وبيرت وما كشفَت عنه، وحتى هذا الببغاء. ما الاسم الذي قرَّروا أن يطلقوه عليه؟ نوفيوتشر. إنه أنا مَنْ كان يتعيَّن تسميته نوفيوتشر: بسني … إنَّهم مُسَلُّون، هَؤلاء الصبية، بكلماتهم الإنجليزية. لماذا لم تَقُلْ لي بيرت شيئًا قط، لماذا انتظرَت ثمانية عشر عامًا؟ عَجبًا، هل يغيِّر ذلك شيئًا؟ في الواقع، لا شيء، لكن بالنسبة إلى الصغار … يجب أن أتحدثَ إليهم. خاصةً التوءم: إنهما ليسا على ما يُرام، يشعر المرء بذلك. إن ماكس مختلفٌ؛ فهو صلبٌ، لكن كيف أتحدث إليهما؟ أنا لا أعرف كيف أتحدث إلى الأطفال، فضلًا عن أنهما لم يعودا طفلَين. إنهما مراهقان، وهو أمرٌ أسوأ! لو تحدثتُ إليهما مباشرة، فسوف يُكبَتان، رءوسٌ عنيدة، أبية، وحساسة. يجب أن أجد فكرة.»

نام قبل أن يجد الفكرة.

على مَرِّ السنوات، أصبح المرسم مثل خان قوافل حقيقي، كان السيد روش قد قرَّر إخلاءه بالكامل، وقبل أن تأتي شركة كومبنيون ديموس وتستولي على كل شيء، احتفظ ماكس لنفسه بالقِطَع الأجمل، التي ذهب لبيعها في سوق السلع المستعمَلة، وأخذ حِذرَه كي لا يمرَّ أمام عنبر مخلَّفات المستعمَرات.

بعد أن انتهى نجَّار شارع الإخوة الثلاثة من وضْع الأرفف في المرسم الأول، من أجل مكتبة جروسروفر المقبلة، جعله السيد روش يأتي إلى الغرفة-الجراج، وأعطاه، بسرورٍ ظاهر، التعليمات الدقيقة لتجهيز المرسم الثاني. كان السيد روش قد عثَر على الفكرة التي كان يبحث عنها منذ عدة أيام.

طاليس!

١  معنى الاسم لا مستقبل. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦