الفصل العشرون

أويلر، الرجل الذي كان يرى الرياضيات

وجه خشب!

بفضل صداعه، أدرك السيد روش وهو يستيقظ، أنه لم يمت. لكنه كان عاجزًا عن أن يسلك سلوكًا فيثاغورسيًّا جيدًا. إن الفيثاغورسي الجيد لا ينهض أبدًا قبل أن يسترجع في ذاكرته كل الأحداث التي عاشها في الليلة السابقة.

لم يتذكر السيد روش شيئًا.

في بداية العصر، بينما كان ينعس في الغرفة-الجراج، سمع صوتًا غريبًا يبدو كأنه قادم من الشقة. على الفور بعدها، سمع صراخ نوفيوتشر، ثم لا شيء، ثم صوت خطوات. ثم لا شيء.

لا يمكن أن تكون بيرت؛ ففي يوم الاثنين، تُغلق المكتبة حتى الساعة الخامسة لكي تقوم بجولة في مكتبات الحي اللاتيني وتستعلم عن آخر الإصدارات. كانت تدرس واجهات المكتبات لكي ترى الأعمال التي يضعها زملاؤها في المقدمة، وتستمع إلى الحوارات، وترصد ردود فعل الزبائن. كان ذلك يعطيها أفكارًا لوضع طلبيتها لدى ممثلي دُور النشر.

يا إلهي! الكتب! القى السيد روش بنفسه في المقعد. مكتبة الغابة! الأصوات كانت هناك. إنه لا يغلق أبدًا المرسمَين بالمفتاح. ما الفائدة؟ إن اللصوص يعرفون تمامًا كيف يفتحون الأقفال عنوةً. كان لا بد على الأقل أن يضع جهاز إنذارٍ، مثل أي شخص … مسرعًا عبر الفناء، لم يحرك عينَيه عن باب المرسم. لقد عهد له جروسروفر بكنوزٍ ويجعلها تُسرق منه. لعن السيد روش إهماله. علقت عَجلة مقعده بشبكة الفسقية. وكاد أن ينقلب. دفع الباب. كان مغلقًا! إن ذلك لا يثبت شيئًا، لقد أغلقه اللص ثانيةً وهو يغادر المكان. أدار السيد روش لسان القفل، ودخل كالإعصار. يا للكارثة! نظر في كل مكان، لم تكن هناك كارثةٌ. لا يوجد أي فراغٍ في الأرفف. كانت الغرفة في الحالة نفسها التي تركها عليها قبل أمسيته المرتوية بالبيرة. على ما يبدو لا أحد قد دخل الغرفة إذن؟ على وشك أن يفتح اللص باب مكتبة الغابة، فوجئ بصياح نوفيوتشر، فهرب. نوفيوتشر؟ عندئذٍ تذكر السيد روش أن الضجة لم تكن قادمةً من المرسم ولكن من الشقة.

صاح السيد روش: «نوفيوتشر!» لكي يذهب بسرعةٍ أكبر، لم ينزل حاجز الحماية الخاص برافعة روش. يا إلهي! كم هي بطيئةٌ هذه الآلة! كان باب الشقة مفتوحًا على مصراعيه! وكان يتصاعد منها رائحة كيميائية غير محتملة. تراجع، ومن عند عتبة الباب نادى نوفيوتشر عدة مراتٍ. وضع السيد روش منديلًا على فمه ودخل. رأى المجثم مقلوبًا، ثم الحبوب مبعثرةً والماء مسكوبًا على البلاط. وإلى جوار ذلك مباشرةً، ثلاث ريشاتٍ منزوعة. لقد اختُطف نوفيوتشر! إن مَن قاموا بذلك اختاروا عن معرفة اليوم الذي كانت فيه بيرت غائبةً. إنهم مزوَّدون بالمعلومات بشكلٍ جيد.

عندما دخلَت بيرت إلى غرفة المائدة والاستقبال كانت الرائحة لم تتبدد بشكلٍ كامل. إنه كلوروفورم، لقد تم تخدير نوفيوتشر، لكنه مع ذلك قاوم مثل العفريت، كان الريش على البلاط يشهد على مقاومته.

قامت بيرت بالتقاطه، وهي تفكر، وضعَته على المائدة، رفعَت المجثم، كنست الحبوب، ومررت الممسحة. قامت بلفَّةٍ كاملةٍ في الغرفة لكي تتأكد من أنهم لم يأخذوا شيئًا. كانوا يحقدون فقط على الببغاء.

السيد روش الذي لم يقل كلمةً واحدةً منذ وصول بيرت. طلب منها ألا تترك الريش على المائدة.

– أرميه؟ اندهشَت بيرت. من المؤكد أنه يوجد على الريش بصماتٌ ستسمح للشرطة بالعثور على اللصوص.

لم تكن تعرف إن كان المفروض أن تقول لصوص أم خاطفين.

– إن ماكس سيعود بعد قليلٍ من المدرسة، من الأفضل ألا يرى الريش.

– بالطبع، لكن ماذا بك يا سيد روش؟

متكومًا في مقعده، وجهُه شاحب، بدا محبطًا خائر القوى. لقد ارتبط، بالطبع، بنوفيوتشر. أثناء جلسات المرسم تولدَت مشاركةٌ حقيقية بينهما. لم يقابل السيد روش أبدًا حيوانًا بهذا … بهذا الذكاء. ذكيٌّ وجذابٌ، لكن ما قد أصابه بعمقٍ، أنه لم يستطع أن يفعل شيئًا لمنع الاختطاف. يدخل غرباء منزلي، ويخطفون ببغاء، من الغرفة التي تعلو سريري تحديدًا ولا أستطيع أن أفعل شيئًا لمقاومة ذلك. إذا كانوا على علمٍ بغياب بيرت، فلا بد أنهم على علم بالقَدْر نفسه بحالتي. «لا يوجد أي خطرٍ، لن يستطيع العجوز مقاومة ذلك، إنه …» لا، لن يقول أبدًا «عاجز». إن هذه الكلمة بغيضةٌ. عليل، مشلول، مقعد، كل ما تريدون، لكن ليس عاجزًا. عندما لا يعود بمقدور رجلٍ أن يدافع عن منزله ضد المعتدين، لا يعود يساوي شيئًا.

– لحُسن الحظ أنك لم تتمكن من الوصول في الوقت المناسب، صاحت بيرت. هؤلاء الناس مصممون، كنت ستتلقى ضربةً سيئةً. والآن، لا بد أن أهتم بك. مع كل ما عليَّ القيام به …

صعد ماكس السلالم جريًا. كان لدى السيد روش الوقت بالكاد ليصيح: بيرت، الريش!

دستها بيرت في جيبها في اللحظة التي دخل فيها ماكس الغرفة. مكتشفًا بيرت والسيد روش: المكتبة مغلقةٌ. حدث شيءٌ.

ولاحظ المجثم:

«أين نوفيوتشر؟»

روت له بيرت ما حدث.

– الأوغاد! (كانت عيناه الصغيرتان الداكنتان تلمعان من الغضب) أرجو ألا يكونوا قد أصابوه بسوءٍ. وإلا …

كان في نظرته تهديد لدرجة أنه أفزع بيرت.

– إنهم هم الذين قاموا بالهجوم! همس لنفسه.

– مَن؟

– عصابة مهربي الحيوانات!

– أية عصابة؟

– عصابة سوق السلع المستعملة، يا ماما. لم تنسي، لا، كيف وصل نوفيوتشر إلى هنا.

– لقد حدث ذلك منذ عدة شهور، يا ماكس. كيف تمكَّنوا من العثور عليك؟

روى لهما ماكس نزهته إلى رصيف المجيسري وأعلمهما بموقف البائعة.

– إذن ربما قد تعقبوك حتى هنا؟ لكن لماذا انتظروا كل هذا الوقت الطويل ليتدخلوا؟ يا له من سعيٍ حثيثٍ! صاحت (ثم مع ابتسامةٍ صغيرة) لا بد أنه ثمينٌ، ببغاؤك، لكي يزعجوا أنفسهم إلى هذا الحد …

– أنا متأكدٌ من أنهم لم يتعقبوني، أكد ماكس. لقد أخذتُ حذري.

– إذن كيف تمكنوا من الرجوع إلى هنا؟ لا، إنها الوسيلة الوحيدة.

– إني أقول لك أنْ لا أحد تبعني. إذا كنتُ أقول لك ذلك، يجب أن تصدقيني.

– كان يبدو عليه أنه واثقٌ تمامًا من نفسه. بعد بضع لحظاتٍ أضاف:

«تلك هي المشكلة تحديدًا. إنهم لم يتبعوني وعثروا على أثر نوفيوتشر. لا أفهم كيف فعلوا ذلك.»

بالرغم من كل شيءٍ، اعتقدَت بيرت أنه بذهابه إلى محلات بيع الطيور ربط مجددًا بشكلٍ غير مقصودٍ بين أشخاص سوق السلع المستعملة ونوفيوتشر.

– سأخبر الشرطة.

قفز ماكس:

– لا، يا ماما، لا للشرطة بشكلٍ خاص!

ذكر لهما ما قد علمه بشأن شهاداتٍ إجبارية، شهادة بيع وشهادة طبية، والالتزام بالحجر الصحي والتطعيمات.

«إذا ذهبنا إلى الشرطة، فسنتعرض لمضايقاتٍ، وعندما سنعثر على نوفيوتشر، سيأخذوه منا. كان الأمر واضحًا على اللافتة: إن الطائر الذي يتم إدخاله بالتهريب سيتم مصادرته ويوضع في الحجر الصحي. إن عثرنا عليه فسوف نفقده مجددًا!»

– ماذا تعتقد يا سيد روش؟

– إنني أتفق مع ماكس. إن الأكثر إلحاحًا، الذهاب إلى محلات بيع الطيور. يجب العثور على البائعة.

– سأذهب غدًا.

– الأسرع سيكون أفضل، نصح السيد روش.

– لا أستطيع ترك المكتبة مغلقةً كل فترة العصر.

ترددت، ثم:

«إنك على حقٍّ. سأضع لافتةً لإخبار الزبائن.»

– هذا هو، قال السيد روش، ستعلقين لافتةً مكتوبًا عليها:

المكتبة مغلقة بسبب
خطف ببغاء!

– سنترك المحل مغلقًا، دون وضع شيءٍ على الباب، أعلنت بيرت.

– لماذا مغلقًا؟ أثناء ما تكونين في محل بيع الطيور، سوف أتولى المكتبة.

– لكن … لقد مر عشر سنوات على …

– أتريدين أن تقولي إنني لن أعرف؟ ربما تكونين قد نسيتِ أنني أدرتُ هذه المكتبة لمدة تزيد عن خمسة وثلاثين عامًا.

رفضَت بيرت أن يرافقها ماكس. آخر مرة ذهبت فيها إلى رصيف المجيسري، كانت مع التوءم، كانا في السابعة أو الثامنة من عمرهما.

وبعد لفة أولى في محل بيع الطيور، لم تتوصل إلى تحديد هوية البائعة التي وصفها ماكس. طلبت مقابلة صاحب المحل. وفي انتظاره فكرت في السيد روش، كانت تود أن تكون هناك، تراقبه. هل استعاد على الفور عاداته، أم شعر أنها غيَّرت له مكتبته كليًّا؟

– سيدتي هل أنت مَن استدعيتني؟ إنني في عَجلةٍ من أمري.

لم تكن هيئة صاحب المحل مريحةً، وصفَت له بيرت شكل البائعة.

– آه، نعم، آنا، آنا جيلتي. لقد تركتنا الأسبوع الماضي. إنها لم تبقَ سوى بضعة شهورٍ. إنها فتاةٌ ممتازةٌ، جادةٌ جدًّا. إنها هي التي أرادت الرحيل، لولا ذلك لاحتفظتُ بها. أنت إحدى صديقاتها من الأسرة، إذن؟

رفض صاحب المحل أن يعطيها عنوان آنا جيلتي. شرحَت له بيرت الأسباب وراء طلبها. وروت له زيارة ماكس لمحل بيع الطيور، وسلوك البائعة، لكنها أخفت عنه اختطاف نوفيوتشر. وفي النهاية، أعلنت له أنها ترتاب في أن تكون الفتاة الشابة متورطةً في تهريب الحيوانات.

– تهريب؟ هنا؟ (تسمر صاحب المحل) أتجرُئين يا سيدتي أن تُلمِّحي أن في محلنا …

– بالمرة، يا سيدي، أنا …

– إن كلامك مهينٌ، اعلمي يا سيدتي، أن محل بيع الطيور الخاص بنا موجودٌ منذ أكثر من قرنٍ. وفي المكان نفسه، رصيف المجيسري. إننا بيتٌ معروفٌ وشريفٌ. ولتعلمي أيضًا أن محلات تربية الحيوانات، أعنى التي لديها محلٌّ تجاريٌّ، تتم مراقبتها بشكلٍ منتظمٍ. لن أقول الشيء نفسه بالنسبة لكل الأماكن، إن دوائر الشرطة أصبحت صارمةً جدًّا بشأن التطعيمات بسبب الأمراض الدخيلة. كما يتم مراجعة شهادات استيراد حيواناتنا بشكلٍ منتظمٍ. (ثم، مغيرًا نبرته) منذ بضع سنواتٍ، تنامت عمليات تهريبٍ كبيرةٌ في باريس. ويسبب ذلك لنا أكبر ضررٍ. أوه، إننا نعرف جيدًا أين يتم ذلك.

نظرت إليه، مشجعةً إياه لقول المزيد.

– في سوق السلع المستعمَلة، يا سيدتي، إن ذلك يدور في سوق السلع المستعمَلة!

كل شيءٍ يتوافق. كان ماكس على حقٍّ تمامًا.

وطلب منها أن تتبعه إلى مكتبه. أخرج ملفًّا حيث كانت مرتَّبة قصاصات صحفٍ. كانت القصاصة الأولى تروي عمليةً للشرطة معروفة تحت الاسم الكودي أوسكار (حرف O نسبةً إلى طائرٍ بالفرنسية). وتصف القصاصة الثانية العملية روميو، التي انتهت باستجواب خمسة مهربين. وذكرت قصاصةٌ أخرى أهم عملية مداهمةٍ قامت بها الشرطة في العاصمة، وسُميت هذه العملية PM اختصارًا لاسم سوق السلع المستعمَلة في مونتروي؛ حيث حدد المقال أنه تم استعادة ٤٩٩ حيوانًا، عصافير كعتر،١ وإناث ببغاوات ذوات عُجُزٍ حمراء، وسلاحف من فلوريدا. لكن لم يكن هناك ببغاء.

رتَّب صاحب المحل الملف بعنايةٍ، ثم أخرج مجموعة قوائم، تصفَّحها وقدَّم لبيرت عنوانًا بريديًّا مطبوعًا.

– ها هو عنوانك.

ذهبت بيرت إلى العنوان على الفور. بالطبع، كان العنوان مزيفًا. لا توجد آنا جيلتي! وهو ما عزَّز شكوكها: إن الخاطفين، حاليًّا تقول خاطفين، وصلوا إلى شارع رافينيون بأن تعقبوا ماكس.

حبس ماكسُ نفسَه في غرفته الصغيرة. لقد أنقذ نوفيوتشر، مرة من قبل، من براثن هذَين الشخصَين. لو أنه كان في المنزل عندما وصلا، لكان تعارك من أجل حمايته. كان حانقًا لأنه ذهب إلى المدرسة. لم يكن يستطيع اصطحابه إلى الفصل على أية حالٍ، هناك كلابٌ للكفيف، لماذا لا يكون هناك ببغاواتٌ للصم؟

سيكون من الخطأ إيقاف العمل الذي بدأ منذ أكثر من ستة شهورٍ. كان نوفيوتشر أحد الفاعلين الأكثر نشاطًا في التحقيق الجاري، سيُفتقد بالطبع، لكن يجب أن يستمر العمل. إن اختفاء أحد المحققين لا يجب أن يجعل تحريات الفريق تتوقف. كان السيد روش يأمل أن يكون الجميع في شارع رافينيون من رأيه.

بعد بيير فيرما، كان الاسم التالي على قائمة جروسروفر هو أويلر Euler. إن ليونارد هو الاسم الأول لدافينتشي أما أويلر فاسمه الأول ليونهارد. وُلد ليونهارد أويلر في بال عام ١٧٠٧م.

لقد تعامل السيد روش، بلا انقطاعٍ، مع اثنَين من الفلاسفة وعلماء الرياضيات المهمِّين، ديكارت وليبنتز. من بين جميع الفلاسفة الغربيين الحديثين، كان ليبنتز أكبر عالِم رياضياتٍ، ومن بين كل علماء الرياضيات الغربيين كان أكبر فيلسوفٍ. لكن مع أويلر كان الأمر مختلفًا تمامًا. كان السيد روش لم يسمع عنه، إذا تكلمنا من منظورٍ فلسفيٍّ. وللدخول إلى عالم أويلر، قرَّر السيد روش استخدام أداة وسيطة: قاموس رياضيات. بعد إقليدس مباشرةً كان يوجد أويلر. ونظرًا لحجم الحيز المكرَّس له، لم يكن الثاني باهتًا إلى جوار الأول، لقد كرس له ثماني صفحات!

لقد تكفَّل جروسروفر بالأمر. فيرما للقرن السابع عشر، وأويلر للقرن الثامن عشر! صرحان يرتفعان كل واحد في قرنه، وإذا كان فيرما دوارة رياحٍ تشير إلى الاتجاهات الأربعة، فما الذي يُقال عن أويلر، الذي كان على ما يبدو يشير إلى جميع الاتجاهات؟ وكأنه لم يفلت منه شيء مما كان يجري في الرياضيات في عصره.

كان الأمر الأكيد أن من بين كل علماء الرياضيات، كان أويلر أكبر مورد ﻟﻠ «تسميات المسجلة»، مانحًا اسمه لقائمةٍ كبيرةٍ جدًّا: صِيَغ، ونظريات، ومناهج، ومعايير، وعلاقات، ومعادلات …

في الهندسة: دائرةٌ، ومستقيمٌ، ونقاط أويلر المتعلقة بالمثلثات، وعلاقات أويلر الخاصة بالدائرة التي يحيط بها مثلث. وفي نظرية الأعداد، معيار أويلر، ودليل أويلر، وتطابق أويلر، وحدسية أويلر. – «هو أيضًا». في الميكانيكا، زوايا أويلر. في التحليل، ثابت أويلر. في المنطق، رسم تخطيطي أويلر. وفي نظرية بيان الدالة،٢ علاقة أويلر، مجددًا. في الجبر، طريقة أويلر، الخاصة بحل معادلة الدرجة الرابعة. في حساب التفاضل، طريقة أويلر، المتعلقة بالمعادلات التفاضلية. لقد شعر بدوار. سيواصل حتى النهاية. معادلة أويلر لمستقيمٍ في شكلٍ عموديٍّ، ومعادلة أويلر (التي يتقاسمها مع لاجرانج) المتعلقة بحساب التغيرات. مميز أويلر (الذي يتقاسمه مع بوانكاريه) المتعلق بمتعدد الأوجه، وببيان الدالة، وبالمساحات، وبالتنويعات التفاضلية. علاقة أويلر، مجددًا، بالنسبة لبيان الدالة، وعلاقة أويلر للمثلثات، وتحويل أويلر، فيما يتعلق بالمشتقات الجزئية، وتحويل أويلر الخاص بالمتسلسلات، بالإضافة إلى قضية أويلر الخاصة باﻟ ٣٦ ضابطًا. وحشد من النظريات الخاصة بالأعداد التامة، وتعميم صيغة ذي الحدين، وبيانات الدوالِّ المترابطة. فضلًا عن النظرية الخاصة بمتعددات الأوجه التي تضع أساس الهندسة اللاكمِّية.٣ دون أن ننسى جمْعًا من الصيغ. هذا بالنسبة للموصوفات.

ثم هناك الصفات.

  • مفرد مذكر: الدورة الأويلرية وبيان الدالة الأويلري.
  • مفرد مؤنث: دالة أويلرية من النوع الأول أو دالة بيتا، والدالة من النوع الثاني، دالة جاما، دون أن ننسى السلسلة الأويلرية لبيان دالةٍ بدون انعطافاتٍ، جمع مذكر: الأعداد الأويلرية (مختلفة عن أعداد أويلر) التوافيقية، وتجذيرات أويلر، بالنسبة لجيوب الأعداد المركبة وظِل تمامها!

والقول بأن كل هذه الأسماء تنطبق على طريقةٍ أصليةٍ، ونتيجةٍ جديدةٍ، ومفهومٍ جديدٍ!

كانت أغلب الكلمات مجهولةً بالنسبة له. وبالطبع لم يكن يفهم ما كانت تنطبق عليه هذه الكلمات. ما هي مجموعة عناصر حيز مجرد، وسلسلة، وبيان دالة؟ لكن كم كان ممتعًا في الفترة الأخيرة العثور على اكتشافاتٍ أخرى: عدد مركَّب، ودائرة محيطة، ومعادلة جبرية، وذو الحدين ومتعدد الأوجه، ومعادلة تفاضلية. كان هناك شيءٌ أكيدٌ، إن هذه الجولة في مجال الرياضيات قد أثْرت ذخيرته اللغوية.

ثم هذه المعلومة، التي كان لها فضلُ وضْع السيد روش مجددًا على أرضٍ مألوفةٍ: أويلر، «ملك الأعداد المتحابة». لقد اكتشف أكثر من ستين عددًا متحابًّا، في حين اكتفَى سابقوه باستخراج زوجَين أو ثلاثة أزواج على الأكثر!

وهو لا يزال تحت تأثير صفحات القاموس الثمانية، حرك السيد روش مقعده نحو أرفف مكتبة الغابة. القسم (٣). هناك، لم يكن أويلر إلى جوار إقليدس، لكن إلى جوار ديكارت. لا! ليس ممكنًا! كان المقعد يتدحرج، ويتدحرج على امتداد قطعة الأثاث. ٧٥ جزءًا! ٤٥ ألف صفحةٍ من الرياضيات تم التفكير فيها وكتابتها بواسطة شخصٍ واحدٍ! إن ليونهارد أويلر يشكل، له وحده، مكتبة تقريبًا.

ويُضاف إلى ذلك مراسلاته، ٤٠٠٠ رسالة! وأنا الذي أُثير كل هذه الجلبة من أجل رسالتَين تلقيتُهما من صديقٍ مفقودٍ.

لقد صدرت في عام ١٩٨٣م، الأعمال الكاملة بمناسبة ذكرى مرور مائتَي عامٍ على وفاته. وهو ما يبرهن إذا كان هناك حاجةٌ لذلك، على أن جروسروفر كان مطلعًا على آخر الإصدارات. غمر السيد روش إحساسٌ بالإرهاق. كان عليه أن يواجه هذا الصرح هو الذي في عشية اليوم السابق لم يكن قادرًا على مقاومة اغتصاب منزله وسرقة ببغاء كان قد بدأ يرتبط به. إعياء وضجر، ما الفائدة؟ نعم، ما معنى ذلك؟ لماذا تتبع حرفيًّا «برنامج» جروسروفر فجأة كل شيءٍ يترنح، كل شيء يبدو عبثيًّا، توقف، كف عن هذه التصرفات الصبيانية. لم أعد في سنٍّ مناسبٍ لذلك! الجملة الأخيرة جعلته ينتفض. كان الأمر على النقيض تمامًا: لم يعد سنُّه يناسب سوى ذلك!

بعد قفل القوسَين، كان لا بد من البدء. من أين البدء؟ في وسط الصفحة التي توقف عندها، صيغة جذبَت نظره بأناقتها البسيطة:

= ١ + + + + … + + …
حاول السيد روش أن يقول ذلك بالفرنسية: إن سدس مربع π يساوي مجموع … معكوس … مربعات الأعداد الصحيحة المختلفة. «أرأيت، إنك تستطيع؟» قال لنفسه، فخورًا بأنه نجح من الوهلة الأولى فيما يمكن اعتباره إنجازًا: أن يقول بالكلمات صيغة مكتوبة بشكلٍ صحيحٍ، دون أي فكٍّ لرموزها وتوضيح ما تريد التعبير عنه. مربع … π هو ذلك إذن! لقد وجد إلى أين يذهب. سيحسن ذلك من حالة ماكس لو أنه خرج قليلًا.

التوقف في الأعلى أم في الأسفل؟ في الأعلى، كان هناك قوس النصر لتوال. في الأسفل، ساحة الكونكورد. وبينهما الشانزليزيه. اختاروا الأسفل، كان ذلك أقرب عند وصولهما إلى الكونكورد، ارتقى ماكس والسيد روش «أجمل جادة في العالم».

عندما بلغا مستوى الجراند باليه، بجناح كنيستها الضخم، الذي كان، على ما يبدو، قد بدأ يغوص، شرح السيد روش لماكس ما كان قد قرأَه في الصحف بهذا الخصوص. كان القصر قد شُيد من أجل المعرض الدولي الكبير في عام ١٩٠٠م. إن الأرض تنخفض في انحدارٍ خفيفٍ ابتداءً من الشانزليزيه وحتى السين. وكان لا بد من تعلية الأرض. وبدلًا من الردم بالتراب، استخدموا أعمدةً من جذوع أشجار البلوط. وتم دفن عدة آلاف من الجذوع.

ومرت ثمانون عامًا. وبدأ الجراند باليه يميل نحو السين. وتم بحث السبب. لقد جفَّ الخشب، وجفَّ لأن مياه السين التي كانت ترطِّب الجذوع لم تعُد تصل إليها. ولم تعُد تصل إليها لأن الطرق على حافة النهر التي بُنيَت بعد ذلك كانت تمثل سدًّا منيعًا. كان ماكس يسير إلى جوار السيد روش. لقد وصلا.

– كان ذلك في عام ١٩٣٧م، روى السيد روش.

كانت شوارع باريس لا تزال تضجُّ بضوضاء المظاهرات الكبرى التي قامت بها الجبهة الشعبية. كان الناس لا يصدقون أنهم سافروا، إلى الريف، إلى الجبل، إلى البحر، إلى أي مكان. لم يكن يُقال «عطلة»، إنها كلمة الأغنياء، لكن «إجازة مدفوعة». الكلمة السحرية التي قلبَت الأشياء رأسًا على عقب. قبل ذلك، عندما كان رب العمل يقول للعامل: «إني أعطيك إجازتك»، كان ذلك لكي يعلمه أنه يفصله من العمل. والآن أصبح رب العمل مجبرًا ليس فقط على أن يعطيك إجازةً لكي ترتاح، لكنه بالإضافة إلى ذلك مجبرٌ على أن يدفع لك هذه الإجازة!

أثناء كل الشتاء، أتذكَّر، كان الناس الذين أقابلهم في الشارع، في المترو أو الحافلة، كان شكلهم غريبًا. كانوا ينتظرون شهر أغسطس لكي يسافروا من جديد.

في بداية صيف ١٩٣٧م، كان المعرض الكبير قد فتح أبوابه على امتداد نهر السين. برج إيفل، شان – دي – مارس، حدائق الشانزليزيه، قصر تروكاديرو، بيتيه، باليه، جراند باليه.

لقد شيدوا عدة متاحف، في أماكن متفرقةٍ من باريس، خمسة متاحف دفعةً واحدةً! متحف الفنون والعادات الشعبية، متحف البحرية، ومتحف الآثار الفرنسية، والمتحفان الأخيران حيث كنت متواجدًا طوال الوقت، متحف الإنسان، ومتحف الفن الحديث.

كانت السنة الجامعية قد انتهت. وذات صباح، عند تناول الفطور، نصب لي جروسروفر فخًّا حقيقيًّا. لقد جرني تقريبًا معه. وبمجرد أن وصلنا، جعلني ألاحظ أن البهو ليس دائريًّا. كان مقعد السيد روش ينزلق على الفسيفساء — المصنفة أثرًا تاريخيًّا — التي تغطى أرضية البهو الإهليليجي الشكل لقصر الاكتشاف، وهو إحدى نقاط الجذب في المعرض الدولي لعام ١٩٣٧م، وهو هدف رحلة السيد روش وماكس.

قالبًا رأسه إلى الوراء، كان ماكس ينظر إلى القبة والزجاجات الكبيرة المرسومة التي يدخل من خلالها ضوء النهار. كان يوجد أيضًا، في أماكن متفرقة، بلاطاتٌ زجاجيةٌ، يتذكر السيد روش ذلك، إلا أنه بحث عنها سدًى. لقد سُدَّ أغلبها، ولا تزال مواضع ذلك مرئيةً. وعندما وصل السيد روش إلى مركز القطع الناقص، انحرف على يمينه، نحو السُّلم الجانبي.

– لقد صعدنا السلالم أربع درجات بأربع درجات، إلى هذا الحد كان جروسروفر متشوقًا أن يُريني …

توقف مقعد السيد روش أمام أولى درجات السُّلم الضخم.

ولا يوجد أي مصعد، كان على المشلولين أن يكتفوا بزيارة الدور الأرضي! كان هناك رافعةٌ يمكن الوصول إليها من القبو، بسرعة، مرورًا بمواضع الخدمة مثل أي صرة غسيلٍ قذر.

رفض السيد روش ذلك. بالاتفاق التام مع ماكس.

وكان على وشك أن يعود على أعقابه عندما أمسكت مجموعة من طلبة المرحلة الثانوية، تابعوا القضية وهم ينتظرون مدرسهم الذي ذهب لشراء التذاكر، بالمقعد ورفعوه وبخطوةٍ سريعةٍ صعدوا السُّلم. منتشيًا بالصعود، متأرجحًا كما لم يحدث له ذلك من قبلُ، كان السيد روش يضحك بأعلى صوته.

كان الزائرون ينظرون إلى «ذلك» بشكلٍ معترضٍ. وماكس يجري في الخلف. وتواجد كل هؤلاء الناس من جديدٍ على قرص السُّلم في وقتٍ أقل مما كان تسمح به أسرع رافعة – روش. لم تتسارع أو تتأثر أنفاس الشباب بأية درجةٍ! كانوا مجموعة «رياضة بدنية – دراسات» في زيارة مع مدرس الرياضيات الخاص بهم. كانوا ذاهبين إلى المكان نفسه الذاهب إليه المقعد.

بينما استعاد المقعد هيئةً أكثر لياقةً، أفلت السيد روش من شفتيه بعض أبيات الشِّعر. كان جروسروفر يلقنها له طوال زيارتهما. حقًّا، إن الذاكرة تعود عندما يكون المرء موجودًا في الأماكن التي دارت فيها الأحداث!

العرض الأول للعلوم، البازغ من بحار التجريد التي لا لون لها، يتدثر باللباس الشهواني لأفروديت التي نفخها الزبد البحري، وتحت قبةٍ مستوحاةٍ من ديكور فيلمٍ تكعيبيٍّ،٤ يجري شريط أرقام اﻟ ٧٠٠ كسر عشري المحسوبة للعدد π.
لقد وصلا إلى الهدف: معبد π. قاعة فريدة في العالم جعلَت أجيالًا من الشباب تحلم. وهي لا تزال تجعلهم يحلمون، نظرًا لحشد المراهقين الذين يتدافعون للدخول إليها. إن القاعة مستديرةٌ، بالطبع!
ويدور حول القاعة شريطٌ دائريٌّ، يعلن أسماء علماء الرياضيات المشهورين. فوقه إفريزٌ حلزوني الشكل يلفُّ عدة لغاتٍ حاملًا اﻟ ٧٠٧ كسر الأولى ﻟ π مكتوبةً على شكل مجموعات من عشرة أعداد، لونها بالتناوب أحمر وأسود، ويعلو هذا الإفريز قبةٌ كرويةٌ مضاءةٌ.
مفتونًا بهذه الخربشات العددية، ركَّز ماكس نظره على ٣ التي في البداية، نط العلامة العشرية وبدأ: ١٤١٥٩٢٦٥٣٥، شريحة حمراء، ٨٩٧٩٣٢٣٨٤٦، شريحة سوداء، ٢٦٤٣٣٨٣٢٧٩، شريحة حمراء، ٥٠٢ … زاد من سرعته، شريحة سوداء، شريحة حمراء. أول لفة، وصل تحت اﻟ ٣ الخاصة بالبداية، شريحة سوداء، شريحة حمراء، عداء الكسور العشرية! زاد مجددًا من سرعته أحمر أسود، مثل الروليت. كانت عيناه السوداوان تقفزان مثل الكرة الحمراء من أرقامٍ إلى أرقامٍ، رابح! خاسر! ترقرقت عيناه بالدموع، أين نوفيوتشر في هذه اللحظة؟ أسود، أحمر، أحمر مثل أطراف ريشه. كان ماكس يدور حول نفسه بسرعةٍ متزايدة، وأصاب رأسه الدُّوار، لم يلتهم قط في حياته كل هذا القدر من الأرقام. اللفة الرابعة، اليوم الرابع على اختفاء نوفيوتشر. كاد أن يقلع! كان رأسه مسحوقًا، عبَر كالإعصار العدد الأخير دون أن يتمكَّن من أن يتوقف. لماذا التوقف عند اﻟ ٧٠٧؟ الاستمرار، الاستمرار في الدوران الذي لا ينتهي للأرقام! عندما نجح أخيرًا في أن يثبت نفسه، نازعًا عينَيه عن اللوحة حيث كانت الكسور العشرية ﻟ π لا تزال ترقص، وتشبَّث بقوةٍ بمقعد السيد روش. كانت القاعة تهتز، والأرضية تتمايل. هل جذوع السنديان المدفونة هي التي تهبط أكثر قليلًا، تحت قدمَيه؟
ساد الصمت. دخل المحاضر – المقدم. كان شكله جادًّا وماكرًا، بدأ على الفور: في السطح، يكون الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين. إذا كنتم تشعرون بروح التسكع وتريدون قطع الطريق سالكين طريقًا دائريًّا، فسيكون الطريق أطول. لكن بكم؟ سيكون أطول ﺑ π/٢ مرة!
– بابل، أحمس، المصري، أرخميدس، أرخميدس، أرخميدس، أريابهاتا، الهندي، زو شونجشي، الصيني … قصة طويلة هي قصة π.

كان ماكس لا يستطيع تركيز انتباهه.

«القاشي في سمرقند، ١٤ كسرًا عشريًّا، لودولف فان سيولن Ludolphe van Ceulen، ٣٥ كسرًا عشريًّا، وجعلها تحفر على قبره …»

كان العديد من الورق المقوَّى المعَد للعرض قد تم استخدامه. أفلت المحاضِر قلمه. كان ذلك بمثابة صوت فصل الآلة. خرج ماكس من أفكاره، واسترخي السيد روش.

«ندخل الآن في عصر الصيَغ، أعلن المحاضر الذي استعاد قلمه، لقد وضع فرنسوا فييت François Viète صيغةً مدهشةً تمامًا. لا تستخدم سوى عددٍ واحدٍ، عدد (٢)! وتعتمد آليتها على تجميعات جذورٍ تربيعيةٍ. وكانت أول صيغةٍ لامتناهية.»

وكتب ببطءٍ على السبورة:

π = ٢ × × …

– كما ترون، فإن كل شيءٍ يتم في المقامات التي لا بد أن تكون بالضرورة أكبر بشكلٍ متزايد، وإلا فإن الناتج سيكون لامتناهيًا.

ثم تابع قائلًا إن حساب π سيعبر المانش. طوال كل القرن السابع عشر، سيصبح اختصاصًا بريطانيًّا. وستستخدم الصيغ المختلفة المقترحة تعبيراتٍ لانهائية، عمليات جمعٍ وضربٍ وقسمة، لكنها تتميز بأنها لا تتضمن جذورًا. كانت أول صيغةٍ من هذا النوع لجون واليس.

«ها هو مجددًا الطبيب الذي يفك الشفرة!» قال السيد روش لنفسه.

وقام المحاضر بفكِّ رموز هذه الصيغة للحضور، وهو يكتبها: في البسط، يتم ضرب الأعداد الزوجية الصحيحة في نفسها: ٢ مضروبٌ في ٢، في ٤ مضروبٌ في ٤، في ٦ مضروبٌ في ٦، وهكذا دوالَيك. في المقام يتم ضرب الأعداد الفردية في نفسها: ٣ مضروبٌ في ٣، في ٥ مضروبٌ في ٥، في ٧ مضروبٌ في ٧، وهكذا دوالَيك.

– وكأن هذه الصيغة تتلعثم، همس ماكس في أُذن السيد روش. لو أنه عرف أن واليس فتح أول مدرسةٍ للصم – البكم …!

كانت الصيغة، في الواقع، تبدو وكأنها تتلعثم.

– ثم أكمل المُحاضِرُ، كان هناك وليم برونكر، أول رئيسٍ للجمعية الملكية، وهي المكافئ لأكاديمية العلوم الفرنسية. لقد أقام كسرًا مختلفًا عن الكسور التي نستخدمها عادةً، كسرٌ متصلٌ. يتكون بسطه من عددٍ صحيحٍ مرتبطٍ بكسر … وهذا الكسر ذاته له مقام عدد صحيح وكسر متكوِّن بالطريقة نفسها مثل الحالات السابقة … وهكذا دوالَيك. إن هذا التعريف لليونهارد أويلر. هنا تستخدم الصيغة مربعات الأعداد الفردية.

وبدأ يكتب على السبورة مضطرًّا أن ينحني كلما تقدَّم في كتابة الصيغة:

إنها تغرق! صاح أحد الحاضرين. إنها التيتانيك.

صاح أحد طلبة مجموعة رياضة بدنية – دراسات، واحد ممن رفعوا السيد روش: سيتعين الغوص يا شباب لكي يتسنى كتابتها!

– هيا، يا هنري، اغطس!

أخذ هنري نفسًا عميقًا. وتابع كل الطلبة بانتباهٍ الانتفاخ البطيء لجذع هنري، بعد أن انتهى من أخْذ الشهيق، ثبَّت قدمَيه جيدًا في الأرض.

– طق!٥

بدون تسرعٍ، وبإيقاعٍ سلسٍ ومستمرٍّ، بدأ الشاب هنري. ساد شعور بأن الشاب مدرَّب تدريبًا جيدًا.

– واحد زائد واحد على اثنين زائد ثلاثة تربيع على اثنين زائد خمسة تربيع على اثنين زائد سبعة تربيع على اثنين زائد تسعة تربيع …

وصل حتى ٢٧! رقمٌ قياسيٌّ. توقع السيد روش أن الشاب سيسجل ٥ على مقياس التنفس، أقل قليلًا من جروسروفر، لكن مع ذلك!

وعد المحاضر – المقدم أنه بمجرد عودته إلى مكتبه، سيجرب ذلك، ليرى إلى أي حدٍّ يستطيع النزول. وتخيل مدير القصر مستخدمًا هذا التمرين لاختبار المحاضرين. مَن لا يبلغ عددًا صحيحًا فرديًّا محددًا فسيتم الاستغناء عنه!

ثم عاد إلى π.
– بعد ذلك، قال، كان هناك جيمس جريجوري، وإسحاق نيوتن، وجون ماشين. كتب نيوتن لأحد أصدقائه: «لم يكن لديَّ شيءٌ أفعله في تلك اللحظة، فقمتُ بحساب ١٦ كسرًا عشريًّا ﻟ π!» أما جون ماشين فكان أول مَن وصل إلى مائة كسرٍ عشريٍّ، ولنعُد من جديد إلى القارة.

إننا في نهاية القرن السابع عشر. بنى جوتفريد ليبنتز مجموعًا لامتناهيًا، مستخدمًا هو أيضًا متواليةً من الأعداد الفردية:

كل هذه الصيغ، وإن كانت «جميلة» جدًّا، ليست بالضرورة «جيدة» جدًّا، بمعنى أنها ليست كلها فعالة بالقدر نفسه فيما يتعلق بإنتاج الكسور العشرية. بعض الصيغ تتقارب ببطءٍ شديد، إنها تتقدم مثل السلاحف، وصيغٌ أخرى تتقدم بسرعةٍ أكبر. في هذا المجال، يفضل علماء الرياضيات الأرانب البرية. ثم نصل إلى ليونهارد أويلر، ليونهارد بحرف الهاء!

تلا السيد روش من بين أسنانه: «مجموع مربعات معكوس مختلف الأعداد الصحيحة.»

على الورق المقوَّى، كانت الصيغة مختلفةً عن الصيغة التي كتبها في دفتره في مكتبة الغابة.

– أرى أن البعض بينكم منزعجٌ، قال المحاضر، ملاحظًا الهيئة المتشككة للسيد روش. إن ذلك بكل تأكيدٍ بسبب الإشارة الموجودة بعد إشارة التساوي، أليس كذلك؟ حرف البداية اليوناني سيجما، المكافئ لحرف «أس» الخاص بنا. إن هذا الترقيم يسمح بكتابةٍ مركزةٍ مانحًا طريقةً اقتصادية جدًّا لتمثيل مجموع، خاصة إذا كان لامتناهيًا.

يقرأ ذلك: «مجموع ن = ١ إلى ما لا نهاية». نعم إن رقم ثمانية الصغير الراقد فوق سيجما يمثل الما لا نهاية التي ينزع إليها العدد ن. لقد ابتكره جون واليس، الذي تكلمنا عنه منذ قليلٍ

تبادل نظرات بين ماكس والسيد روش.

– إن سباق الكسور العشرية قد انطلق. سنشاهد مضاربةً حقيقيةً على الأرقام القياسية. ١٢٧، ثم ١٤٠، ودخل الحاسبون المحترفون الحلبة، «صيادو الكسور العشرية» كما أُطلق عليهم. بعض هؤلاء ظواهر سيرك حقيقية. في عام ١٨٤٤م، تم الوصول إلى الكسر العشري اﻟ ٢٠٠. بقفزةٍ، انتقلنا إلى اﻟ ٤٤٠. كان وليم رازرفورد، رجل الرقم القياسي، مطمئن البال، معتقدًا أنه سيظل طويلًا في منجًى. طق! بعد ذلك بعامَين في عام ١٨٧٤م، سبقه وليم آخر؛ حيث أطلق وليم شانكز كسوره العشرية اﻟ ٧٠٧! واحتُفي به كبطلٍ، إنه يستحق ذلك تمامًا. ألم يقضِ عشرين عامًا من حياته في حساب واحدة تلو الأخرى من هذه الكسور اﻟ ٧٠٧!

وفي لمحةٍ، تخيل السيد روش حياة هذا الرجل. طوال عشرين عامًا، وفي كل صباحٍ، يجلس إلى مكتبه ويقول: «حسنٌ، أين وصلت؟» وأصابه الغثيان.

إن الكسور العشرية لوليم شانكز كانت تعرض على إفريز القبة. إن تلك الكسور هي التي أراد جروسروفر أن يريها له ذاك الصباح من يوليو ١٩٣٧م، حين جرَّه إلى قصر الاكتشاف!

واصل المُحاضر – المقدم: دام الرقم القياسي لشانكز ٧١ عامًا. في عام ١٩٤٧م، كانت الحرب قد انتهت لتوها عندما أعاد شخصٌ اسمه فرجسون، الحسابات، واكتشف …

تاركًا جملته معلقة، أمسك بمسطرةٍ طويلةٍ كانت مخفيةً عن عيون الجمهور، ومثل مبارز يستخدم سيفه، طعن الرقم ٩ من الصف الرابع الواقع بالضبط فوق حرفي S لاسم «بواسون»، وقبل اسم «بونسليه». ثم مستديرًا نحو الحضور، استأنف:

«اكتشف أن الكسر العشري اﻟ ٥٢٨ كان خطأً!»

مفزوعين، لم يتمكن الحضور من كبت صيحة «آه …»، التي ارتدَّت بفضل الصدى مما جعلها أيضًا مهولةً أكثر.

«خراء!» قال السيد روش. كان مبتهجًا. لقد انهمك جروسروفر حتى الإعياء نهارات كاملة أمام أعداد خاطئة! إن ذلك كما لو أنهم باعوا له لوحة مزيفة لرامبرنت، وظلَّ أمامها مفتونًا، كان أفضل نبأ منذ مدةٍ طويلة. شعر السيد روش بأنه انتقم. وتملكه ضحكٌ مجنونٌ رهيبٌ.

اعتقد الجميع أن ذلك كان إزالةً للضغط. والقول بأن جروسروفر لم يعرف ذلك قط! أين كان عندما عرف نبأ الخطأ؟ في الأمازون، في الأدغال، منهمكًا في فصد أشجار المطاط لجمْع المحصول، منتفخًا من لدغات البعوض، يكدُّ طوال اليوم. أراهن أنه لو أعلموه أن الكسر العشري اﻟ ٥٢٨ ﻟ π كان خاطئًا، ما كان هذا الأمر ليعنيه بتاتًا.

إن المدرس المرافق لفصل رياضة بدنية – دراسات، الذي لم يقلْ كلمةً منذ بداية الجلسة، قوَّى صوته لكي يُسمع وسمح لنفسه: لكن إذا كان اﻟ ٥٢٨ خطأً، فإن الكسور التالية ستكون كذلك!

– بالضبط، وافق المقدم بهدوءٍ.

– لكن عندئذٍ، شهق المدرس؛ فإن اﻟ ١٨٠ كسرًا عشريًّا الأخيرة المكتوبة هنا خاطئةٌ!

تركزَت كل الأنظار على المقدم.

– كانت كذلك! فمنذ ١٩٤٩م، لم تعُد خاطئة. لقد مسحت إدارة القصر الكسور الخاطئة ابتداءً من هذا العدد ٩، الذي طعنه مجددًا بالمسطرة. إن الكسور التي ترونها هنا كلها صحيحةٌ تمامًا!

تقدم الجميع خطوةً إلى الأمام لفحص الأرقام عن قربٍ أكثر. واكتشاف آثار التعديل. لم تنمَّ الألوان ولا شكل الحروف والمسافة بينها عما جرى. لم يرشح شيء من المأساة التي عاشها الإفريز.

استأنف المقدم، كمحترفٍ محنكٍ، دون أن يترك وقتًا للحضور: في تلك السنة ١٩٤٩م، تم تجاوز حاجز الألف. ثم انتقل السباق إلى الآلات المبرمجة كما ينبغي. إنها هي التي من الآن فصاعدًا، ستُستخرج الكسور العشرية ﻟ π. في عام ١٩٥٨م، تم بلوغ عشرة آلافٍ، وفي عام ١٩٦١م، وصل الرقم إلى مائة ألفٍ، وفي ١٩٧٣م، إلى مليون، وفي ١٩٨٣م إلى عشرة ملايين، أما المائة مليون فتم بلوغها في عام ١٩٨٧م، والمليار في ١٩٨٩م!

كان طلبة الرياضة البدنية – دراسات يتابعون هذا السباق إلى الأرقام القياسية، لاهثين، ومفتونين بالأرقام التي كانت تقع. كان ذلك بمثابة رياضة بدنية.

انتهت الجلسة.

«أمران صغيران قبل أن تغادرونا. يجب ألا نعتقد أن π لا توجد إلا في الرياضيات البحتة. إننا نجد π هنا وهناك في الظواهر الفيزيائية وحتى الكونية.»

وأشار إلى القبة الكروية المضاءة التي تعلو إفريز الكسور العشرية. ضغط على زرٍّ، اختفت القبة في الظلام.

– بعض علماء الفلك يزعمون أن π موجودةٌ في السماء. إذا تم تعيين موضع كل نجم في القبة السماوية بإحداثيَّيه، الارتفاع والميل الزاوي، وعُبِّر عنهما بأعدادٍ صحيحة، فإن احتمال أن يكون العددان أوليَّين فيما بينهما؛ أي ألا يكون لديهما قاسمٌ مشتركٌ، هو احتمال يساوي ٦/π٢.

أضيئت القبة الكروية من جديدٍ.

– وعلى الأرض، تابع المحاضر المقدم، ترتبط π بالأنهار الكبرى الكسالى. الأنهار التي يرسم مجراها انعطافات وتعرجات، إذا قارنَّا المسافة بسرعةِ طيران طائر، بين المنبع والمصب، والطول الحقيقي للنهر بكل تعرجاته، نلاحظ أن النسبة قريبة من ٣٫١٤. كلما كانت التضاريس مسطحةً، كانت هذه النسبة قريبة من π إن نهر الأمازون هو أفضل مثالٍ على ذلك.
سمع السيد روش ماكس يهمس بكل الجدية في العالم: يوجد π في الهواء وπ في الماء.

– وعند خروجكم من القاعة لا يفوتكم أن تعجبوا بالصيغة المكتوبة أعلى الباب. إنها لليونهارد أويلر. وهي بلا شكٍّ الصيغة الأجمل في كل الرياضيات.

عند الخروج من القاعة، رفع الجميع الرأس وقرأ كل واحد:

تفحَّص السيد روش الشيء، وتكاد رقبته أن تُكسر. كون الصيغة قصيرة، فهي كذلك، لكن جميلة، لماذا، اللعنة، تكون كذلك؟ وليس فقط جميلةً، بل الأجمل؟

محصَها السيد روش. خمس إشاراتٍ. كلها معروفةٌ له. إلا إشارةً واحدة.

كان هناك π، إنها أكثر الأمور طبيعية في هذا المكان، إنها القوة الداعية، ثم إشارة «=» الخاصة بريكورد، واﻟ «–١» لأماكن انتظار السيارات، واﻟ i للعدد التخيلي ﻟ … ليونهارد أويلر ذاته، الذي نسيه في قائمة التسميات المسجلة.
ثم كان هناك هذا اﻟ e، الذي لم يرَه قط من قبلُ. هل هذا الحرف هو الذي يجعل الصيغة جميلة لهذه الدرجة؟ سأل السيد روش ماكس، الذي كان يتأمل الصيغة، وقد كُسر عنقه هو أيضًا، كما في روما؛ حيث يتأمل السياح أسقف كنيسة السكستين: أتجدها جميلةً لهذه الدرجة؟

– الجمال، كما تعرف، يا سيد روش … شخص أحمر الشَّعر بعينَين سوداوَين صغيرتَين، هل هذا جميل أم لا؟ لا أطلب منك أن تجيب.

– إذن، إننا مثل طاليس، يا سيد روش، ننظر إلى السماء!

ثلاثة شياطين رأسيون خرجوا من مغارة π وانتصبوا أمامهما؛ جوناثان، وليا وبيرت.

– إننا هنا منذ دقائق. لا بد أن هذه الصيغة قد استغرقتكما بحيث لم تلاحظانا.

قالت بيرت:

السيد روش الذي لا يحب أن يفاجأ، لم يجد شيئًا يقوله أفضل من: أتعرفون مَن هو e؟

– نعم، نعرف، قال جوناثان وليا معًا.

إن طلبة رياضة بدنية – دراسات الذين غادروا المكان بالخطوة السريعة بمجرد انتهاء المحاضرة، لم يكونوا هناك لإنزال المقعد. لا يهمُّ، كان لدى السيد روش في الوقت الراهن، تحت يده، أسرته كاملة. جوناثان القوي الضخم، وماكس الأصغر، من ناحية، وامرأتان بيرت وليا، كلٌّ منهما رشيقة وقوية، من الناحية الأخرى. قبض الرباعي على المقعد ووجد السيد روش نفسه في الفضاء على عتبة السُّلم العظيم الحجم.

لقد استطاع مَن قابلوهم أثناء النزول الإعجاب بالحذاء الرائع الأزرق ذي الرقبة القصيرة الذي كان يلبسه العجوز المقعد. كان نزولًا ملكيًّا. لم يحظَ قط بمثل هذا الاحتفال، منذ أن اندهش أمام أرفف ألف ورقةٍ وورقةٍ. كلوفيس على درعه، يحمله أهله! اصطنع السيد روش وجهًا محايدًا لكيلا يترك الانفعال الذي يخنقه يبدو عليه. وفجأة، أدرك أن بيرت هنا في منتصف عصر يوم من أيام الأسبوع.

– بيرت، لقد أغلقتِ المكتبة!

نعم، يا سيد روش، كما نصحتني، جذبت الستارة وعلقت لافتةً كُتب عليها

أمينة المكتبة في السُّلم

وضعوا المقعد في وسط فسيفساء البهو الإهليلجي الضخم — المصنفة أثرًا تاريخيًّا!

في الحقيقة، لقد تبجَّحا، لا جوناثان من جانبه، ولا ليا من جانبها، ولا جوناثان وليا معًا يعرفان شيئًا عن e، فيما عدا أنه أول حرفٍ من كلمة أسًى.
قصة e
كان هناك سؤالٌ يطرح نفسه: «مَن هو e؟» إن الإجابة أدهشتهما ببساطتها. e هو عددٌ! ببساطةٍ تامةٍ مثل ١، أو ٢، أو π. ومثل هذا الأخير، فإن قيمته لا يمكن التعبير عنها بدقةٍ في الكتابة العشرية، مختلفًا في ذلك مع ١ و٢ كان تعبير ليا: «عدد لا ينتهي، وبالإضافة إلى ذلك يتصرف قليلًا كيفما اتفق فيما بعدُ.» بعبارةٍ مباشرةٍ، كانت ليا تعبِّر عن أن كسور e ليست فقط عددًا لامتناهيًا، لكنها أيضًا لا تمثل أي انتظامٍ، بمعنى أنه لا توجد وسيلة لتوقع هذه الكسور قبل حسابها.
e = 2,718281828 …
كانا سيتوقفان هنا. لكن ذلك لم يكن يشكِّل قصةً. هل كان يمكنهما التقدم أمام السيد روش قائلَين: أما بالنسبة ﻟ e، حسنٌ، يا للعجب! …

لكيلا يعيشا مثل هذا الإذلال، كانا على استعدادٍ أن يعملا. وتقاسما العمل؛ أي، في البداية، قامت ليا بكل شيءٍ وجوناثان لا شيء.

– كل أهمية e، إذا أمكنني القول، هي، أعلنت ليا. اسمع، إنها حيلة، بالطبع. افترض أنك منذ عام جمعت مبلغًا كبيرًا سيسمح لنا بدفع رحلتنا إلى مانوس. لنفرض أن هذا المبلغ هو م. وأنك وظفته وقتيًّا. ضربة حظٍّ، رجل المصرف يقترح عليك سعرَ فائدةٍ عجيبًا: ١٠٠٪! لا تهرِّج، هذا يحدث ليس للفقراء، لكن للأغنياء. احلم!
احسب! بعد عامٍ، سيكون لديك م + م = ٢م. ستكون قد ضاعفت مالك، ولو أنه بدلًا من قبض الفوائد في نهاية العام، تقبضها كل ستة شهورٍ وتعيد توظيفها، في نهاية العام سيكون لديك م(١ + ١ /  ٢)٢. احسب! سيكون مبلغك قد تضاعف وأكثر: سيكون لديك ٢٫٢٥م.
وإذا بدلًا من أن تقبض الفوائد كل ستة شهورٍ، تقبضها كل ثلاثة شهورٍ وتعيد توظيفها في نهاية العام، سيكون لديك م(١ + ١ /  ٤)٤، احسب! ستكون قد ربحت المزيد أيضًا: ٢٫٤٤١م. وإذا قبضت الأرباح كل شهر وأعدت توظيفها، فسيكون لديك م(١ + ١ /  ١٢)١٢، احسب: ٢٫٥٩٩٦. المزيد أيضًا! ثم كل يومٍ: م(١ + ١ /  ٣٦٥)٣٦٥ المزيد أيضًا! كل ثانية، أكثر وأكثر! ثم كل اللاشيء تمامًا، «بشكلٍ متصل». لم تعُد تحتمل، تطير، تُحلق، تقول لنفسك إنها بيزنطةٌ، وإن مالك يولِّد مالًا، وسيتضاعف أربع مرات، وعشر مرات، ومائة ضعف، ومليون ضعف، ومليار ضعف، إنك تفكر مسبقًا في أختك الصغيرة التي تعطيها نصف ما قد كسبت، إنك لا تهتم كثيرًا بذلك، ما دمت في اللحظة التالية ستكسب الضعف. اهبط، يا جون المسكين! إن حلمك ينهار. لقد تحللت أرباحك المركبة منذ مدةٍ طويلة، حسنٌ، عند الوصول، لن يكون لديك ولا حتى ثلاثة أضعاف مالك، ولا حتى ٢٫٩ مرة أكثر، ولا حتى ٢٫٨ مرة أكثر، ولا حتى ٢٫٧٥ مرة أكثر، ولا حتى ٢٫٧٢ مرة أكثر..
لديك فقط ٢٫٧١٨٢٨١٨٢٨! … يا جون المسكين، بعد كل هذا الثراء، ها أنت فقط أقل فقرًا ﺑ e مرة مما كنت عليه في البداية! خذْ!

قذفَت له بقطعةٍ نقديةٍ تركها تقع على الأرض، مجترًّا خيبة أمله.

«عجبًا، لن يمنعنا ذلك من الذهاب إلى مانوس.»

إن قصتك الخاصة ﺑ e هي اختلاقٌ دنيءٌ من قِبل رجال المصارف لكيلا يفلسوا! إنها ليست e، إنها قرفٌ!

– لا ترمِ بالطفل مع ماء الحمَّام! إن الدالة الأسية رغم كل شيءٍ هي آيةٌ صغيرةٌ. هل تتذكر أشكال أبولونيوس المخروطية التي وجدناها في حركة النجوم؟ إنه الأمر نفسه بعض الشيء: الدالة الأسية، نجدها في كل مكانٍ. في الطبيعة وفي المجتمع. نموُّ نباتٍ ما، انتشار وباءٍ، زيادة عدد السكان، زيادة الإشعاع … إلخ. هنا، أخرج لك الجملة الملائمة: «عندما تتناسب درجة النمو مع حالة النمو، تشتم رائحة الدالة الأُسية.»

– كلما كنت غنيًّا، كسبت مزيدًا من النقود! كلما كنت مريضًا، أُصبت أكثر بالأمراض! …

– أسوأ! ليس فقط كلما كنت غنيًّا، كسبت مزيدًا من النقود، لكن كلما كسبتها بسرعةٍ أكبر. كيف أجعلك تلمس ذلك بإصبعك؟ إنك في مواجهة ظاهرة في غمرة النمو، وكما أعرفك ومدى فضولك، فإنك ستهتم بالطريقة التي تنمو بها هذه الظاهرة. على سبيل المثال … إن الرياضيات التي لا يمكن الإفلات منها، هي التي ستكلمك مجددًا عنها بشكلٍ أفضلَ. إذا كانت ظاهرتك تنمو مثل خطٍّ مستقيمٍ المستقيم «٢س»، مثلًا يكون النمو خطيًّا. مشتقتها، راجع فيرما والآخرين …

– مشتقتها تساوي ٢!

– إذن نموها ثابتٌ! أما إذا كانت ظاهرتك، على نقيض ذلك تنمو مثل قطع مكافئ «س٢»، فإن نموها …

– يكون ٢س.

– هي أيضًا ناميةٌ! لكن بالإضافة إلى ذلك فإن نمو نموها، أتتابعني، ثابتٌ، ويساوي ٢.

أمام سحنة جوناثان تدخلت ليا بقوة:

«لا مجال لأن تضعف، يا جون، إذا كنت أنا أتابع، فيجب أن تتابع!»

– لا! لا! أنا، أبيفان، وأنت هيباشيا! هو أقل موهبةً بكثيرٍ من أخته.

– التي انتهت محروقةً!

– بالضبط.

– أفضِّل أن أكون رديئًا في الرياضيات وألا أنتهي على محرقة.

– إنك تهول الأمور دائمًا! قصة e، تابع ونهاية. إذا كانت ظاهرتك تنمو في الوقت الراهن، مثل ex، فلن يكون نموها متزايدًا فقط، ولا نمو نموها متزايدًا فقط! لكن بالإضافة إلى ذلك سيكون النمو الخاص بنمو نموها متزايدًا أيضًا! والأمر يستمر … لماذا؟

لم يسأل جوناثان لماذا. ولم تهتم ليا. لقد طرحت سؤالًا! وستُعطى الإجابة.

– لأن مشتقة ex هي ex. وهو أمرٌ استثنائيٌّ تمامًا. إن ذلك لا يحدث إلا للدالة الأُسية. إنها الوحيدة التي تكون مساوية لمشتقتها.

تسمرت ليا وقلدت مكبر الصوت:

«انتباه، انتباه، إن الدالة الأُسية استثنائيةٌ. إنها الوحيدة التي تكون مساويةً لمشتقتها!»

– عجبًا، ما الذي آل إليه مكبر الصوت؟ لم نره منذ وقتٍ طويل.

– تريد أن تقول لم نسمعه. آخر الأنباء، إنه حرق صفيحته الرقيقة.

– مكبر صوت بدون صفيحةٍ رقيقة، صاح جوناثان، إنه مثل حنجرةٍ بدون أحبالٍ صوتية، وأُذنٍ من دون طبلة، وعيونٍ بدون حدقاتٍ … وشرحٍ من دون رسمٍ.

كانت الرسالة واضحةً، كان على ليا أن تتكرم بتقديم رسمٍ. قامت بذلك على عَجلٍ وبلا إحكامٍ.

في المدرسة، كان أستاذهما للرياضيات، الذي قالا له كلمة في قاعة C113، مندهشًا أنهما لم يتذكرا أن e مرتبطةٌ ﺑ log لوغاريتم. وضحك منهما مدعيًا النبوغ. ساخرين، أوه، لم يدم ذلك طويلًا! لقد تلقفهما شبه التوءم على الفور. غير أن الأمر يظل، بالنسبة لجوناثان وليا، مهينًا. بعد هذه الوصمة، لن يضعا قدميهما في C113 قبل أن يصبحا «أبطال اللوغاريتمات». لقد تقاسما العمل؛ أي، في البداية، قام جوناثان بكل شيءٍ وليا لا شيء.

قرأ جوناثان في بحثٍ ما يلي:

«إذا كان أ، ب، ﺟ ثلاثة أعداد بحيث اب = ﺟ، إذن ب هي لوغاريتم ﺟ للأساس ا:
اب = ﺟ ب = لوا
ما دام أن ١٠٢ = ١٠٠، فإن لوغاريتم ١٠٠ للأساس ١٠ هو ٢: لو١٠ ١٠٠ = ٢.
ما دام أن ١٠٣ = ١٠٠٠، فإن لوغاريتم ١٠٠٠ للأساس ١٠ هو ٣؛ أي إن: لو١٠ ١٠٠٠ = ٣ … إلخ.
في حالة الأساس ٢، مثلًا لوغاريتم ٨ للأساس ٢ هو ٣: لو٢ ٨ = ٣، ما دام أن ٢٣ = ٨.

يوجد إذن أسسٌ ممكنة بقدر الأعداد في الواقع، ليس تمامًا. يُستبعد العدد ١ والأعداد السالبة كأساس للوغاريتمات.»

– لماذا ليس كل الأعداد؟ سألَت ليا.

– منذ عشر ثوانٍ، لم يكن هناك لوغاريتم واحد، والآن تطالبين بأن يكون ذلك مع كل الأعداد!

– لوغاريتم واحد ينقصك وكل شيء يغدو خاويًا!

– لا بد أن تتعودي على الأمر. أنا أجهر بذلك:

لا يوجد لوغاريتم بأساسٍ سلبيٍّ أو يساوي ١!

– يبقى لدينا مع ذلك كمٌّ كبير. كل اللوغاريتمات لها نقطةٌ مشتركةٌ، اجهر بها:

لوا ١ = صفر
– وe؟ سألت ليا.

– إنهم يتحرقون!

– هذا بالضبط ما يجب قوله!

– بما أن e أكبر من ١. أذكرك أن …

– … ٢٫٧١٨٢٨١٨٢٨

– إذن يوجد لوغاريتم بأساس e. ويُسمى اللوغاريتم الكبير ويشار إليه بحرف بدايةٍ كبير.
لو Log

– إنه «اللوغاريتم الطبيعي» أو اللوغاريتم النابيري، نسبة إلى نابير، مخترع اللوغاريتمات الطبيعية.

كان يمكنهما التوقف، كانا يعرفان ما يكفي. لكن، بما أنهما يميلان للثأر، سيذهبان حتى نهاية اللوغاريتمات، أسرعا إلى مكتبة الغابة، وانقضَّا على الحرف ن من القسم ٣. كان دي نابير محشورًا بين كلود ميدورج وإسحاق نيوتن، وأخرجا كتابه Mirifici Logarithmorum كان ذلك يبدأ بشكلٍ سيئ، إن مجرد قراءة العنوان الفرعي أجهدهما Mirifici Logarithmorum canonis descriptio, ejusque usus, in utraque Trigonometria, ut etiam in omni Logistica Mathematica amplissimi, facillimi et expedissimi explicatio, de Johanne Neper Barone Merchistonii.

لحُسن الحظ كانت الترجمة تلي ذلك: «وصف القواعد الرائعة للوغاريتمات واستخدامها في حساب المثلثات، وفي كل حسابٍ خاصٍّ بالرياضيات. مع الشرح الأوسع، والأسهل، والخالي من التعقيدات. طُبع في أدنبرة، في ورشة أندريه هارت، صاحب مكتبة ١٦١٤.»

٥٦ صفحة من عرض القضايا والتعريفات والشرح. ثم جداول وجداول … لا تنتهي. نوعٌ من دليل هاتف رقمي. يصعب أن يكون الأمر أكثر بساطةً، فكرت ليا، إنه الهدية التي تقدم لأفضل صديقة لها.

«جداول اللوغاريتمات» الشهيرة!

طوال قرون، لم يكن ممكنًا إجراء أي حسابٍ منطقيٍّ له أهمية دون مساعدة جداول اللوغاريتمات، وها هي في الوقت الراهن قد أُقصيت إلى حانوت الطُّرف والنوادر. حتى في علم الرياضيات، الأشياء تشيخ!

ما هي إذن هذه «القواعد الرائعة» التي كان نابير يتحدث عنها؟ دعايات كاذبة؟ إن كل جمال اللوغاريتمات وفعاليتها يرتكز على جملةٍ واحدةٍ: «لوغاريتم حاصل ضرب هو مجموع اللوغاريتمات.»

لو س ص = لو س + لو ص.

قلد جوناثان لهجة حبيبي: «تريد عملية ضرب؟ أقدم لك عملية جمْع!» ثم فجأة أصبح جوناثان متدخلًا من محطة فرانس كولتور France Culture: «بما أن آليات الجمع أكثر أولية بشكلٍ صريحٍ من الآليات التي تعمل في عملية الضرب، يكون المكسب واضحًا للعيان. إن اللوغاريتم يعمل كمضادٍ للمضاعف.»

والباقي يتبع: لإجراء عملية قسمة يكفي إجراء عملية طرحٍ:

لو = لو س − لو ص

ولرفع عددٍ ما لأسٍّ، يكفي إجراء عملية ضربٍ:

لو سن = ن لو س

والأجمل، التجذير! لاستخراج جذرٍ، يكفي إجراء عملية قسمة. بالنسبة للجذر التربيعي، مثلًا، يكفي القسمة على ٢!

لو لو س.
– تريدين الجذر السابع عشر ﻟ ١٧٨٩: ؟ تقسمين لو ١٧٨٩ على ١٧. ثم تبحثين في جدول اللوغاريتمات عن العدد الذي هو لوغاريتمه. إن هذا العدد، هو الجذر السابع عشر ﻟ ١٧٨٩! وها هو العمل، يا سيدتي الصغيرة!

إن ما نشره جون نابير في عام ١٦١٤ لم يكن كاذبًا!

قالت ليا متأملةً: لا بد أن ذلك كان بمثابة ثورة مقدسة! الجذر السابع عشر، يا إلهي! لقد كان الجذر التربيعي يتطلب قضاء نهارٍ كامل! وهنا، باف، جدول لوغاريتمات في دقيقةٍ واحدة. لا يمكن تخيل ما أحدثه ذلك الآن، بواسطة الحاسبات، تقوم الآلة بالعمل الشاق.

– فلاح طاليس!

– ما الذي تحكي؟

– أنا لا أحكي، أنا أكرر.

أفلتت منه الجملة. نظر تلقائيًّا نحو المجثم الخالي. نهضت ليا، واقتربت. لقد تم تغيير الماء، وكان المعلف مملوءًا بالحبوب الطازجة، وكأن نوفيوتشر سيعود بين لحظة وأخرى. كان جوناثان وليا لا يعتقدان في عودة نوفيوتشر. باختصارٍ، كانا يتصوران أنهما لن يرياه مجددًا أبدًا. إن مَن استطاع الدخول إلى المنزل في وضح النهار، وتخدير نوفيوتشر بالكلوروفورم، والخروج به دون أن يلاحظهم أحد، لا بد أن يكونوا محترفين حقيقيين.

قالا لنفسيهما لا بد أن نوفيوتشر له قيمةٌ مهولةٌ، لكي يواصل رجلَا سوق السلع المستعملة البحث عنه، بعد مُضي ستة شهور، ويأتيا لاستعادته، إنه حقًّا ليس ببغاءً عاديًّا، وإن كانت معرفتهما بالموضوع ليست كبيرةً، اتفق جوناثان وليا أن نوفيوتشر كان يقوم بأشياء غير عادية. ربما يكون ببغاء سيرك. عجبًا، إنها فكرةٌ، يجب قول كلمة عن ذلك للآخرين والبحث من هذه الناحية. «في كل عام تهرب نمور وثعابين أصلة وضباع من السيرك. لماذا لا يهرب ببغاء؟ هذان الشخصان الأنيقان ربما كانا من رجال السيرك وكانا يريدان استعادة ببغائهما المدرَّب، وليسا بالمرة مهربي حيوانات. هذا هو ما يعنيه عدم النظر في جميع الافتراضات»، انتهى جوناثان إلى ذلك.

أقوياء بمعرفتهم الجديدة، استطاع جوناثان وليا أن يتقدما كما ينبغي أمام السيد روش. في الغرفة-الجراج، كانت رائحة زيت التفريغ تصعد من أرضية مونمارتر. كان السيد روش ممددًا على سريره ذي الستائر والقبة، يستمع لهما:

أعلن جوناثان: قصة e ! e مثل أول حرفٍ في اسم أويلر. سيتطلب الأمر أن تتشبَّث، يا سيد روش، سيحدُث تمايلٌ شديد!

– في سريري ذي القبة لا أخشى شيئًا؛ فهو مضمونٌ ضد الغرق.

– هل كنت مسئولًا عن اتجاه الشرق في دوارة الرياح الخاصة ببيير فيرما؟

– نعم!

– أكان هذا الاتجاه يشير إلى حساب التفاضل؟

– نعم مجددًا.

– إذن لا شيء يتعلق بالمشتقات والمنحنيات البدائية٦ يكون غريبًا عنك!

– نعم مجددًا للمرة الثانية.

تكلما طويلًا. وعندما انتهيا كان السيد روش قد عرف الكثير من الأشياء عن e واللوغاريتمات لكن:
– إن اﻟ e الخاصة بكم لا تفسر لماذا تُعد صيغة قصر الاكتشاف هي الأجمل بين كل الصيغ الرياضية.

– لم تكن تلك هي الطلبية، صاح جوناثان.

– في الواقع، لقد طرحت السؤال على ماكس.

– هو، يكون هو، وe، فهي نحن. أين هو بالمناسبة؟

– في سوق السلع المستعمَلة. إنه يقضي نهاره هناك كل يومٍ. يسأل الناس، يُجري تحقيقه. يريد أن يعثر على الشخصين اللذين اختطفا نوفيوتشر. إنه متأكدٌ من أنهما شخصَا المستودع.

– قد يكون الأمر خطيرًا، قال جوناثان.

– إذا قرر ذلك، فلا شيءَ سيمنعه من الذهاب إلى هناك. أنتَ تعرف ذلك جيدًا. قالت ليا.

جلست على راحتها في الجزء السفلى من سرير السيد روش الواسع. أعلنت وهي متدثرةٌ بستارة السرير المخملية: قصة e، اثنان! جون نابير قضى عشرين عامًا في بناء جداول اللوغاريتمات.

– واحد آخر مجددًا! صاح السيد روش وهو يثبِّت وسادةً كبيرةً وراء رأسه، فيمَ كان يمكن أن أقضي عشرين عامًا من حياتي؟

نقر على الباب. دخل ماكس. متفاجئًا من وجود كل هذا الجمع، أراد أن يغادر.

– لا، ابقَ!

جذبته ليا:

«تعالَ اجلس» …

كان وجهه حزينًا. بدأتِ فجأة بقول:

«الديوك ليست ببغاوات!»

دهشة عامة وبابتسامةٍ ماكرةٍ، تابعت:

لكنَّ الاثنَين لهما ريش. كان ريش ديك جون نابير أسود لامعًا. كان نابير ساحرًا. وكان ديكه يروي له كل أسرار الجيران. ذات يومٍ وقعَت سرقةٌ في بيته. وطبقًا للقرائن كان لا يمكن أن يكون السارق إلا واحدًا من الخدم.

وقام نابير، سرًّا، بحكِّ سخام أنبوب المدخنة. وبعد أن دهن به الديك، حبسه في غرفةٍ مظلمة. وجمع خدمه وأعلن لهم أنه سيتعين عليهم أن يدخلوا الغرفة الواحد تلو الآخر ومداعبة الديك. وبمجرد أن يلمس اللص الطائر، سينطلق الديك في الغناء. دخل الخدم الغرفة. وبعد مرور لحظة مع الديك، كان كل واحدٍ منهم يخرج من الغرفة مرتاحًا. لم يغنِّ الديك في أية مرةٍ!

– هل كان الديك يعاني من عجزٍ صوتيٍّ؟ سأل السيد روش.

– ولا واحد من الخدم كان اللص؟ سأل ماكس.

– هل تم تكميم الديك؟ سأل السيد روش.

لم تتوصلوا! طلب نابير من خدمه أن يظهروا أيديهم. كانت أيدي الجميع مسودةً باستثناء واحد كانت يداه بيضاء.

انتصب ماكس: اللص! إنه هو الذي كانت يداه نظيفتين الذي كانت يداه قذرتين!

ثم بعد صمتٍ!

«أريد أن يكون لديَّ مثل هذا الديك. بواسطته، سأكتشف بكل تأكيدٍ اللصوص الذين اختطفوا نوفيوتشر.»

خرج.

–انتظرْ يا ماكس، صاح جوناثان، ممسكًا به على عتبة الباب (وموجهًا حديثه للسيد روش) وعْدُ الحُرِّ دَيْنٌ عليه! المقصود هو هذه الصيغة التي يبدو أنك تركز عليها بؤرة اهتمامك.

– كيف أركز بؤرة اهتمامي؟! (انتصب السيد روش على مقعده) يؤكدون لي أنها أجمل صيغة في العالم، ويجب ألا آخذ هذه المقولة على محمل الجد! بالنسبة لي يا شباب، الجمال، أمرٌ مهمٌّ.

– ماكس ليارد، الذي ها هو، التزم بأن يعطيك ردًّا حالًا، أعلنت ليا. قضية خاصة لم تسمح له بالقيام بالعمل بنفسه، ومرر لنا عصا التناوب.

أيد ماكس، ومندهشًا تمامًا أخذ الورقة المطوية التي قدَّماها له. وقرأ للسيد روش المنتبه، الإجابة:

التي يمكن أيضًا كتابتها:

في هذه الصيغة البسيطة، توجد الأعداد الأساسية للرياضيات:

١، صفر، π، e، i

رائحة حريقٍ … في منتصف عصر هذا اليوم من شهر مايو ١٧٧١م، ينتشر الحريق في سان بيترسبورج بسرعةٍ مذهلة. أكثر من ٥٠٠ مبنًى ستختفي في النيران. كان أويلر منهمكًا في العمل في الغرفة التي يستخدمها كمكتبٍ. إنه وحده في منزله الكبير. تحاصر النيران الغرفة، والجو خانقٌ، لن يستطيع أويلر التخلص من هذا الموقف، إنه يكاد يكون كفيفًا. ولم يتوصل إلى العثور على باب الغرفة. يدخل رجل يلهث تعبًا، بيتر جريم، وهو من بال ويعمل في خدمته. حمل أويلر على ظهره، وطلب منه أن يتشبث بأكتافه وينطلق عبر النيران. حشدٌ قلقٌ ينتظر أمام المنزل. وسط الدخان، يظهر بيتر وينزل أويلر، لم يُصَبْ أيٌّ من الرجلين بحروقٍ. إنها معجزةٌ. أشار أويلر مهتاجًا إلى المكان الذي يحفظ فيه مخطوطاته. عشرات الصناديق، مليئة بالمذكرات، والملحوظات، والحسابات … تشكلَت سلسلة.

لقد تم إنقاذ أغلب المخطوطات، لكن كل ما كان يعمل عليه أويلر عندما انتشر الحريق اختفَى في النيران، في هذه الغرفة كانت تُوجَد مكتبته. احترقَت بالكامل! كتب برنولي، راويًا المشهد، إنه «بالكاد تمكَّن من إنقاذ ثوبه المنزلي.»

شعر السيد روش بانقباض قلبه. كم من الكتب احترقَت على امتداد هذه القصة! رفع عينَيه، ونظر بحنان إلى مكتبة الغابة. كل هذه الكتب الرائعة. لقد حالفها الحظُّ حقًّا!

فجأة، فكر مجددًا في الفزع الذي شعر به عندما تصور أن لصًّا دخل مكتبة الغابة. لم تحدث سرقة. لكن هل فكر في النار؟ لم يتخيل ولو مرةً واحدةً أن حريقًا يمكن أن يشتعل في المرسم ويدمر المكتبة. يا له من عدم إدراكٍ! هذه الكتب جعلها جروسروفر تغادر مانوس لكي يحافظ عليها، لقد عبرت الأطلنطي وأفلتت من الغرق وذلك لكي تنتهي إلى دخانٍ في مرسم فنان بتلة مونمارتر! في مرسمٍ لا يوجد به مزلاجٌ ولا جهاز إنذارٍ ولا جهازٌ ضد الحريق ولا كاشفٌ للدخان. كان ذلك جنونًا! أوه، بالطبع، بالنسبة لحبهم، إنه يحبهم، لكنه لم يفعل شيئًا لحمايتهم. لم يستطع، سابقًا، أن يمنع اختطاف نوفيوتشر. وها هو يكرر ذلك مع مكتبة الغابة، وفي هذه الحالة لا مجال لاتهام ساقَيه العاجزتَين؛ فهما غير مسئولتَين عن ذلك في شيءٍ. يجب حماية ما نحب. إنني عجوزٌ غير مسئول. غادر مكتبة الغابة، وأسرع نحو المكتبة. كان لا بد من التصرف بسرعة. إن بيرت تعرف ما يجب فعله. بين زبونَين، عرض عليها مخاوفه.

أن السيد روش وإن كان قد كسب رزقه طوال حياته من بيع الكتب، فإنه من أصحاب المكتبات الذين يعتبرون أن قيمة كتابٍ ما أكبر بكثيرٍ من سعره المعلن، وردَّ على بيرت عندما سألته عن تقديره لقيمة مكتبة الغابة: عدة مئات من الملايين.

وأضاف:

«ملايين جديدة! كحدٍّ أدنى! لو عرف أحد أن البيت الصغير بشارع رافينيون يضم مثل هذا الكنز، فستكون دعوةً للنهب والسلب واللصوصية.»

ياه، الدنيء، الدنيء!

كان الدنيء، بالطبع، هو جروسروفر. لقد كشف السيد روش الفخ الذي جرَّه إليه صديقه القديم الجار. كان جروسروفر قد أجبره الآن على التصرف مثلما تصرَّف هو مع براهينه: إنه يجبره على السرية. لقد وقع السيد روش في الفخ، وأصبح مجبرًا على الاحتفاظ بوجود مكتبة الغابة سرًّا. من أعماق الأمازون، صدَّر الجار خياره للسرية وكان السيد روش مجبرًا على الالتزام بهذا الخيار. وليس وحده فقط، لكن بيرت وماكس، وجوناثان وليا أيضًا. ونوفيوتشر أيضًا. فضلًا عن ألبير وحبيبي. كان الأمر مثيرًا للغضب.

انتظرت بيرت أن يهدأ سخطه واقترحت اللجوء إلى شركةٍ متخصصةٍ في الحماية. وتحت ستار وضع جهازٍ مضادٍّ للحريق في المكتبة، سيقومون بوضع واحدٍ في مرسم مكتبة الغابة، الذي سيقدَّم على أنه مستودع لتخزين محفوظات المحل. ولإخفاء قيمة الكتب، سيتم تغطية الأرفف بأغطيةٍ لكي، سنقول، يصانوا من التراب الناتج عن التركيب.

لكن ذلك سيكلف غاليًا.

لدفع تكلفة التركيب، اقترح جوناثان بيع أحد كتب مكتبة الغابة. تجهم وجه السيد روش.

– بيع كتابٍ واحدٍ لإنقاذ كل الكتب! شرحت ليا.

– سنختار أقلهم أهميةً والأقل قدمًا.

– الأكثر حداثة؟ مثل البحار الحدث، الذي لا يتجاوز عمره الخامسة عشرة، الذي يُضحَّى به لإنقاذ الطاقم، سنقترع بواسطة قشٍّ مختلف الأطوال لمعرفة مَن، مَن سيؤكل، ترنم السيد روش بصوتٍ لاذعٍ. لن يحدث ذلك أبدًا.

سيأخذ السيد روش من مدخراته. وستتولى بيرت كل شيءٍ.

بعد أن تحرر السيد روش من الطوارئ المالية استطاع أن يفكر فيما جرى منذ قراءة هذه السطور من حياة أويلر. لقد تأكد مجددًا أن جروسروفر لم يفعل الأشياء صدفةً. وأنه إذا كان قد ذكر ليونهارد أويلر في رسالته، فذلك للإشارة إلى الحريق. كان ذلك يبدو بدهيًّا فيما عدا … إن ذلك لا يستقيم. (١) لم يحترق منزل أويلر. (٢) لم تحترق مخطوطاته. (٣) مكتبته هي التي احترقت.

النقيض تمامًا لما حدث لجروسروفر! لكن كان هناك ما هو أخطر. كان السيد روش في استنتاجاته يخرق تسلسل الأحداث. لقد كُتبت الرسالة قبل حريق مانوس بشهر؛ وبالتالي ما كان جروسروفر يستطيع ذِكر أويلر للإشارة إلى الحريق. كان الأمر يتعلق بقراءةٍ خادعةٍ للأحداث، قراءة تعتمد على الاستدلال البعدي. كانت المقارنة بين سان – بيترسبورج ومانوس مصادفة، لا يمكن أن تكون ضمن نوايا جروسروفر. كان يوجد إذن سببٌ آخر لتواجد أويلر في القائمة. قرر السيد روش أن يغوص مجددًا في حياة أويلر.

عندما كان ماكس لا يذهب إلى سوق السلع المستعمَلة، كان يأتي إلى مكتبة الغابة، ويجلس إلى جوار السيد روش دون أن يقول كلمةً. وهكذا كان الحال لحظة أن استأنف السيد روش قراءة الأعمال الكاملة لأويلر. حثَّه وجود ماكس على أن يقوم بالقراءة بصوتٍ عالٍ: في عام ١٧٦٠م، أثناء حرب السنوات السبع، احتلت القوات الروسية جزءًا من ألمانيا. وعند مرورها قرب شارلوتنبورج، خربَت أملاك أويلر. وعندما علم الجنرال الروسي توتلبن ذلك، أرسل على الفور برسالةٍ لأويلر: «إننا لم نأتِ هنا لشنِّ الحرب على العلوم.»

– بالطبع، سجَّل ماكس، جاءوا لشنِّ الحرب على البشر! توتلبن، ماذا يعني هذا الاسم؟

– توت: موت، لبن: حياة.

– لقد قلت لك، صاح ماكس مصفقًا بيديه: الموت، الحياة!

– نظر إليه السيد روش مذهولًا، وكأنه رأى ساحرًا عجوزًا.

– ما الذي فعله توتلبن؟ سأل ماكس.

وجد السيد روش بعض الصعوبة في العودة إلى القصة: لقد تم تعويض أويلر على الفور.

– تعويض صفحات رياضيات! كم تساوي نظريةٌ ما، في رأيك، يا سيد روش؟

تساءل السيد روش إن كان ماكس يسخر منه، لكنه واصل رغم كل شيءٍ، مصممًا على ألا يتوقف ما دام لم يكتشف سبب وجود أويلر على قائمة جروسروفر.

– كانت إمبراطورة روسيا، كاترين العظيمة، تريد أويلر لأكاديمية العلوم الروسية. سعيدًا بأن ينفصل عن ملك بروسيا فردريك الثاني، الذي لم يكن يتفق معه على الإطلاق، غادر أويلر برلين متجهًا إلى سان – بيترسبورج. أنا أقرأ لك الرسالة التي كتبها فردريك الثاني إلى دالمبير ليروي له الرحلة: «السيد أويلر، الذي يحب إلى حد الجنون الدب الأكبر والدب الأصغر، اقترب من الشمال لكي يراقبهما على راحته. إن مركبًا كان يحمل أبحاثه غرق. ضاع كل شيءٍ ويا لها من خسارة؛ لأنه كان هناك ما يكفي لملء ستة مجلدات نصفية من الأبحاث المرقمة من الأول إلى الآخر، وأوروبا ستُحرم على ما يبدو، من التسلية اللطيفة التي كانت هذه القراءة ستمنحها لها.»

– غرق؟ وأويلر؟

– لم يكن على المركب، أجاب السيد روش مرتبكًا إلى أقصى حدٍّ.

– توجه نحو الغلَّاية الكهربية.

والاس، عالم النبات، واجه البحر والنار في آنٍ واحدٍ، في وسط الأطلنطي. أما أويلر، عالم الرياضيات، فقد واجه الاثنين أيضًا، لكن بشكلٍ منفصلٍ، المياه في البلطيق، والنار في سان – بيترسبورج.

كان موعد الشاي قد حان. اختار السيد روش شايًا صينيًّا لاذعًا، شايًا أسود قويًّا تركه طويلًا منقوعًا، بعد تخريب المخطوطات على يد توتلبن، تأتي المخطوطات الغارقة في بحر البلطيق! ستة مجلدات من الأبحاث فُقدت! ذات يومٍ، ربما سيعثر الغواصون في قاع البلطيق على أبحاث أويلر، وسيقوم مخرج سينمائي أمريكي بعمل فيلمٍ ناجحٍ عن ذلك، وهو ما سيعطي عملًا لسنوات لمؤرخي العلوم في العالم أجمع. إن بحر البلطيق ليس المحيط الأطلنطي ومركب شراعي روسي من القرن الثامن عشر ليس سفينة شحن برازيلية من القرن العشرين.

صبَّ السيد روش لنفسه قدحًا من الشاي واستأنف القراءة: بعد كل عملية ضياع، كان أويلر يعيد كتابة كل ما فَقد بمثابرةٍ واجتهادٍ. لا بد من القول إنه كان يتمتع بذاكرةٍ استثنائية. اسمع. ذات ليلة، قرر حساب أول ست أسس لأول مائة عدد وأن يحفظهم غيبًا، على سبيل المثال ٥١ أس ٥ أو …

دون أن يترك له الوقت ليواصل، أعلن ماكس، بعد أن نقر على آلته الحاسبة: ٣٤٥ مليونًا و٢٥ ألفًا و٢٥١.

– أو، لا أعرف، أنا سبعون أس ٦، اقترح السيد روش.

أعلن ماكس النتيجة: ٢٠٨ مليارات و٤٢٢ مليونًا ٣٨٠ ألفًا و٨٩.

– غيبًا، الستمائة! إن ذلك يصيبني بالدوار! كيف تكون كل هذه الأعداد في الرأس ويمكن النوم؟! لم يكن أويلر يسعى إلى إنجازٍ، إنما كل هذه الأعداد المطبوعة في ذاكرته كانت تفيده في أعماله؛ فذلك يجعله في ألفة مع الأعداد. إن أويلر كان المتمم لأعمال فيرما. لقد كتب ١٥٠ بحثًا! كان يحفظ غيبًا أيضًا كل صيغ حساب المثلثات والتحليل، لكن تلك الموهبة لم تكن قاصرةً على الرياضيات، كان يستطيع أن يتلو غيبًا الإنييد كاملةً! فضلًا عن أنه كان يحدد أول سطرٍ وآخر سطرٍ في كل صفحةٍ من صفحات الكتاب الذي قرأَها فيه عندما كان طفلًا.

– الذاكرة! صاح ماكس. يا سيد روش، الذاكرة! هذا هو ما كان جروسروفر يريد أن يقوله لك. إن رفيقه المخلص كان يستطيع أن يتلو غيبًا نصًّا كاملًا. نص براهينه!

– برافو، يا ماكس. لقد اكتشفت الأمر. لم يكن الحريق، إنما الذاكرة!

أخذ ماكس الكتاب عن حياة أويلر من أيدي السيد روش وتابع القراءة: في سن الثامنة والعشرين واجهت أويلر مسألة فلكٍ شائكةً. باشر العمل، وبعد ثلاثة أيام من العمل المتصل، توصَّل إلى حلِّها. لكن المجهود كان كبيرًا لدرجة أنه أصيب باحتقانٍ دماغيٍّ. لحسن الحظ لم يترك ذلك أي آثارٍ على المخ، لكنه فقد استخدام إحدى عينَيه. ولقَّبه فولتير ﺑ «الهندسي الأعور».

أدرك أويلر أنه سيصبح كفيفًا تمامًا. وقرر أن يستعدَّ لذلك. أولا، تعلم أن يكتب «ككفيفٍ». كان يغمض عينه السليمة، ويأخذ قطعة طباشير وعلى لوح إردواز كبيرٍ يكتب كل أنواع الصيغ الرياضية. في البداية، كان الخط غير مقروءٍ، لكن تدريجيًّا، وبتصحيح حركاته، توصل إلى كتابة صيغٍ طويلةٍ وصعبةٍ في مجال التحليل، وفي كل مجالٍ آخر من مجالات الرياضيات، وهو مُغمض العينَين.

كل يومٍ، كان يتمرن من أجل أن يتمكن من تذكر أكبر عددٍ ممكنٍ من النصوص الرياضية. عندما لن يستطيع الإبصار، سيكون في إمكانه أن يعود إلى ذاكرته كما يستخدم المرء المكتبة. لقد أصبح مكتبةً حيةً.

مكتبة حيَّة! تمامًا الدور الذي منحه جروسروفر للرفيق المخلص. إن أويلر كان يحفظ عن ظهر قلبٍ نصوصًا لكي يتمكن من استخدامها عندما لن يستطيع قراءتها. ما الذي فعله جروسروفر؟ لقد جعل رفيقه المخلص يحفظ عن ظهر قلبٍ نصَّ براهينه. ليس لأنه كان سيصبح كفيفًا، لكن لأن هذه النصوص ستختفي، ستُحرق.

كان السيد روش متحمسًا جدًّا: هذا هو ما كان جروسروفر يريد أن يبلغني به بذكره أويلر في قائمته.

– يمكن إيقاف أويلر الآن.

يا له من طريق للوصول إلى هنا! صب مجددًا شايًا لنفسه، كان يفكر، وهو يشرب بجرعاتٍ صغيرةٍ، إنه لا يمكن الاستغناء عن الذهاب إلى مانوس لو أردنا تحديد هوية رفيق جروسروفر المخلص. أصبح السفر إلى الأمازون لا مناصَ منه بشكلٍ متزايد. لقد أكدت ليا ذلك منذ وقتٍ طويلٍ. مَن الذي سيذهب؟ على أية حالٍ، ليس أنا! لا أريد التحرك من هنا. ليذهب التوءم، إنها فكرتهما.

– حسنٌ، قال السيد روش الذي كان مزاجه مازحًا، سوف أحفظ عن ظهر قلبٍ كل مكتبة الغابة. سيكون ذلك أفضل ضمانٍ ضد الحريق.

– إنك تتبجَّح، يا سيد روش! كان لأويلر ذاكرةٌ استثنائيةٌ لأن عينيه لم تكونا تعملان بشكلٍ جيد؛ فعندما ينقص المرء شيءٌ ما فإنه ينمِّي شيئًا آخر مكانه.

أصابت الملحوظة هدفها. كان السيد روش يفهم تمامًا ما كان ماكس الهوائي يريد قوله، هو الذي استطاع بشكلٍ جيدٍ جدًّا أن ينمِّي قدرته على «استشعار» الأصوات بكل جسمه، لكي يعوض أذنَيه الضعيفتَين. «لكن أنا، ما الذي نميتُه منذ أن أصبحتُ عاجزًا عن السير؟ لا شيء! لم أحاول حتى أن ينمو لي جناحان! عندما يبدأ المرء متأخرًا، يصل أكثر تأخيرًا …» هذه الفكرة أغضبَتْه.

غريبًا عن البلبلة التي كانت تعصف بالسيد روش، تابع ماكس مشيرًا إلى أن أويلر كان ذا بصيرةٍ بحفظه عن ظهر قلبٍ كل هذه النصوص الرياضية؛ «لأنه حتى وإن لم يصبح كفيفًا، فإن الكتب كانت تنقصه بأية حالٍ بما أنها اختفت في حريق منزله.» وأضاف: هذا ما كان سيحدث لو أن صديقك جروسروفر لم يرسل لك مكتبة الغابة.

فكرةٌ رهيبةٌ عبرت ذهن السيد روش. إن ما اعتبره حتى ذلك الحين معجزةً ربما لم تكن كذلك. لم تكن هناك «صدفة معجزة» وراء إرسال جروسروفر مكتبة الغابة إلى السيد روش قبل أن يحترق منزله. إنما لأنه كان يعرف أن منزله سيحترق أرسل المكتبة. ونتيجة لذلك.

يا إلهي، نتيجةً لذلك، إذا اتضح أن هذه الفرضية صحيحةٌ، فإن الحريق لم يكن عرضيًّا إنما متعمدًا، رفض السيد روش أن يتخذ قرارًا خطيرًا، واستبعد أن يكون جروسروفر هو نفسه مشعل الحريق.

كان ماكس لم ينتهِ بعدُ مع أويلر:

– بدأت قدرة عينه اليسرى على الإبصار تتناقص. وبعد وصوله إلى سان – بيترسبورج ببعض الوقت، لم يعُد يرى بها بالمرة. وقرر إجراء عملية المياه البيضاء، الكاتاراكت. ونجحت العملية، وأصبح يرى من جديدٍ ما كان قد اختفَى منذ سنواتٍ، كل الكائنات، بدأ من أولئك الأعز إلى قلبه. كانت أكبر فرحةً في عمره! وبأي متعةٍ وسرورٍ بدأ يكتب مجددًا خطاباته بنفسه. لكل الذين يتراسلون معه وهم كُثر، برنولي، لاجرانج، جولدباخ.

– كرر الاسم!

– جولدباخ.

– جولدباخ، جولدباخ … إنها الحدسية الثانية التي برهنها جروسروفر! يجب التحقق من ذلك فورًا، ألا تريد أن تذهب إلى غرفتي لتحضر لي الرسالة؟

– ليس كل شيءٍ مرةً واحدةً، يا سيد روش! ننهي أويلر وننتقل إلى جولدباخ، اقترح ماكس، ودون انتظارٍ، استأنف قراءته.

لكن السيد روش، مستغرقًا في أفكاره، لم يعُد يستمع إليه. إن الاقتحام المفاجئ لجولدباخ في كتاب أويلر قد غيَّر المعطيات وشكك في استنتاجه الأخير: لم تكن ذاكرة رفيقه المخلص هي التي أراد جروسروفر أن يكلمه عنها بذكره أويلر، إنما عن الحدسية الثانية.

لماذا لا يكون عن الاثنين؟

– ظهَر التهابٌ، وبعد آلامٍ رهيبة، فَقَد أويلر بصَر عينه الثانية؛ أصبح كفيفًا تمامًا. إنه كان قد استعد لذلك، بالطبع. كان في اﻟ ٥٩ من عمره، وحدث ذلك قبل الحريق. ظلَّ كفيفًا ١٨ عامًا. وبمجرد أن توقفَت الآلام، استأنف عملَه، منطلقًا في كتابة عملٍ كبير في مجال الجبر، ووظَّف خياطًا شابًّا يتمتع بخطٍّ جميلٍ، لكي يكتب ما يمليه عليه قرر أويلر أن يؤلفَ العملَ بطريقةٍ تجعل الشابَّ يفهم أولًا بأول ما كان يكتبه. للتوصل إلى ذلك، كان لا بد أن يُصاغ العمل بطريقةٍ تجعل الشاب يتثقف في الرياضيات وهو يكتبه. وعندما تم الانتهاء من الكتاب كان الخياط الشاب قادرًا على حلِّ مسائل في الجبر صعبة حقًّا.

إن هذه القصة ذكَّرت ماكس بشيءٍ ما.

كان السيد روش أسرع: فيراري، لودوفيكو فيراري! كردان كان قد وظفه كوكيل، وأصبح عالم رياضياتٍ كبيرًا!

– لكنه كان شيطانًا، أشار ماكس مذكرًا. النص لا يقول إذا كان الخياط الشاب شيطانًا. استمر أويلر في العمل والخياط الشاب في الكتابة. ماتت زوجته، وكان أويلر في اﻟ ٦٩ من عمره. أتعرف ماذا فعل؟ تزوج مجددًا في العام التالي. أترى لا يكون الوقت متأخرًا أبدًا. وتزوج أخت زوجته الأولى غير الشقيقة؛ أي الأخت غير الشقيقة لزوجته.

– إن هذا لا يمكن أن يحدث لي؛ لأنني لم تكن لي زوجةٌ أولى، قال السيد روش.

ماكس، الذي ما كان لشيءٍ أن يوقفه، واصل: أثناء الأيام الأولى من شهر سبتمبر ١٧٨٣م، بعد عامَين من حريق مكتبته، عانى أويلر من نوبات دوار، لكنها لم تمنعه من حساب حركات الكرات الأيرو … الأيروستاتيكية.٧ ويوم ٧ سبتمبر، في وجبة الظهيرة، تناقَش مع أحد أصدقائه. ثم تسلى مع أحد أحفاده الستة والعشرين، وأثناء تناوله الشاي أُصيب بسكتةٍ.

– ما هي السكتة؟

– إنه … القلب عندما يستسلم.

وصاح: «إنني أموت!» وفقَد الوعي. ومات في المساء، كان عمره ٧٥ عامًا و٥ شهورٍ و٣ أيامٍ.

– أخيرًا واحد لا يموت عند سن الرابعة والثمانين! لم يتمكن السيد روش من أن يمنع نفسه من أن يهتف بذلك.

وضع ماكس الكتاب. وأصبح وجهه جادًّا. وحدق في السيد روش بعينيه الصغيرتين السوداوين.

– من فضلك يا سيد روش، لا تأخذ مزيدًا من الشاي.

١  جنس عصافير من الجواثم يكثر في أوروبا. (المترجم)
٢  مجموع ازدواج العناصر المرتبطة بعلاقةٍ معينةٍ. (المترجم)
٣  فرعٌ من الرياضيات يُعنَى بدراسة موقع الشيء الهندسي بالنسبة للأشياء الأخرى، لا بالنسبة لشكله أو حجمه. (المترجم)
٤  يتعلق بمذهب التكعيبية في الرسم والنحت؛ حيث تُمثل الأشياء بمكعباتٍ وأشكالٍ هندسيةٍ أخرى. (المترجم)
٥  دقة لتحديد موعد تسجيل عملية بداية أو نهاية. (المترجم)
٦  منحنًى يمكن اشتقاق منحنًى آخر منه. (المترجم)
٧  الخاصة بتوازن الغازات. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦