الفصل الثاني والعشرون

المستحيلُ سِمةُ الرياضياتِ

– الأكاديمية الملكية للعلوم بباريس عام ١٧٧٥م. قررت الأكاديمية، ذلك العام، ألا تفحص أي حلٍّ لموضوعات تضعيف المكعب، أو إثلاث الزاوية، أو تربيع الدائرة، ولا أية آلةٍ مُعلن أنها ذات حركةٍ دائمة.

كان جوناثان وليا مستغرقَين في كُتبهما المدرسية، يدرسان بنشاطٍ دروسهما للبكالوريا وقد تأخرَا كثيرًا، قد رفعا رأسَيهما. كانت بيرت تقرأ الصحيفة. وماكس كان يفكر في نوفيوتشر وعيناه مثبتتان على المجثم الأرمل. وصل السيد روش إلى قاعة الطعام والاستقبال، ملوحًا بنسخةٍ أحضرها من المكتبة الوطنية.

– «تجربة عمرها يزيد عن سبعين عامًا، واصل كلامه، بينتُ للأكاديمية أنْ لا أحد ممن أرسلوا لها حلولًا لهذه القضايا كان يعرف طبيعتها ولا صعوباتها، وأن الطرق التي استخدموها ما كانت لتقودهم إلى الحل حتى لو كان الحل ممكنًا.

هذه التجربة الطويلة كانت كافيةً لإقناع الأكاديمية بِقلَّة النفع الذي سيعود على العلوم من فحصِ كل هذه الحلول المزعومة. كما أن اعتباراتٍ أخرى أيضًا جعلَت الأكاديمية تتخذ هذا القرار. توجد شائعةٌ شعبيةٌ أن الحكومات وعدَت مَن يتوصل إلى حل قضية تربيع الدائرة بمكافآتٍ ضخمة، وأن هذه القضية موضوع أبحاث علماء الهندسة الأكثر شهرةً، واستنادًا إلى هذه الشائعات، تخلى حشدٌ من الناس، أكبر بكثيرٍ من المتوقع، عن مهنٍ نافعةٍ ليتفرغوا للبحث عن حل لهذه القضية، وفي أغلب الأحيان يقومون بذلك دون أن يفهموا القضية، ودائمًا ما كانوا يفتقدون إلى المعارف الضرورية لمحاولة الحل بنجاحٍ.

واعتقد الكثيرون لسوء حظهم أنهم نجحوا، وكانوا يكابرون في البراهين التي كان علماء الهندسة يهاجمون بها حلولهم، وفي أغلب الأحيان كانوا لا يستطيعون فهْم هؤلاء العلماء، وينتهي بهم الأمر إلى أن يتهموهم بالحسد وسوء النية. وفي بعض الأحيان تحولَت مكابرتهم إلى جنونٍ حقيقي. إن كل تمسكٍ عنيدٍ برأيٍ ثبت أنه خاطئٌ، خاصةً إذا اقترن بذلك انشغالٌ مستمرٌّ بالموضوع نفسه، ونفاد صبرٍ عنيف من المعارضة، هو جنونٌ حقيقيٌّ دون أدنى شكٍّ، لكن لا يُنظر إليه على أنه كذلك، إذا كان الرأي الذي يشكل هذا الجنون لا يصدم الأفكار المعروفة للناس، وإذا لم يؤثِّر على نهج الحياة، وإذا لم يعكر النظام والمجتمع.

إذن، كانت الإنسانية تتطلب أن تسعى الأكاديمية، وقد أدركت عدم الجدوى المطلق للفحص الذي كان يمكن أن تجريه لحلول تربيع الدائرة، لتدمير الشائعات الشعبية التي كانت مشئومةً بالنسبة لعددٍ كبيرٍ من الأُسر، بأن تصدر بيانًا عامًّا.»

وفي الصمت رنَّت الكلمات الأخيرة: «مشئومة بالنسبة لعددٍ كبيرٍ من الأُسر!»

ما الذي كان يعنيه السيد روش بقراته هذا النص؟ هل كان يريد أن يحذر من أن بحث القضايا الثلاث الخاصة بشارع رافينيون قد يكون مشئومًا مثل القضايا الثلاث الخاصة بالعصور القديمة؟ ما هي المخاطر التي يتعرضون لها؟ أن يصبحوا مجانين؟ منذ أن بدأ التحقيق، لم يفقد أحد عقله. التخلي عن أعمالٍ نافعة؟ بيرت مستمرةٌ في إدارة المكتبة، وماكس في الذهاب إلى مدرسته، وجوناثان وليا في الذهاب إلى المدرسة الثانوية. وفيما يتعلق بالسيد روش هل كان يمكنه أن يفعل أشياء أقل نفعًا مما كان يفعل في السابق، قبل أن ينطلق في حل القضايا الثلاث لشارع رافينيون؟

مشئومٌ: يسبب الموت، يحمل معه الشقاء. إنه تحذيرٌ رهيبٌ! هل مواصلة البحث عن حلٍّ للقضايا الثلاث لشارع رافينيون سيحمل الشقاء والتعاسة؟

منذ أن بدأَت هذه المغامرة، لم يحدث شيءٌ سوى اختطاف نوفيوتشر … لكن لم يكن لذلك علاقة بقصة جروسروفر. إنه حادثٌ حزينٌ بالطبع، لكنه ليس مأساة على أية حال. ولو أنه كذلك بالنسبة لماكس. إنها مأساته الأولى.

أثارت هذه الأفكار الخواطر أثناء اللحظات التي تلت قراءة بيان الأكاديمية الملكية للعلوم.

كانت بيرت أول مَن قطع الصمت: هل يمكنك مجددًا قراءة هذه الجملة التي تبدأ ﺑ «تجربة يزيد عمرها على سبعين عامًا».

أعاد السيد روش قراءة المقطع. وعندما وصل إلى «ما كانت لتستطيع أن تقودهم إلى الحل حتى لو كان الحل ممكنًا»، صاحت بيرت:

– نعم هنا! لقد سمعَت بشكلٍ صحيحٍ. بالنسبة للأكاديميين، يمكن ألا تكون هذه القضايا ممكنةً!

– ماذا! صاح جوناثان وليا. غير ممكنةٍ، الثلاث …!

– مهلًا! انتظرا، لا يجب التحرك أسرع من الموسيقى! ذكَّرهما السيد روش.

– ذلك يعني، صفرت ليا، أن كل علماء الرياضيات في العصور القديمة …

– … وكل مَن جاءوا بعدهم، أضاف جوناثان.

– … جاهدوا من أجل حلِّ قضايا مستحيلة!

– استنتاجٌ متسرعٌ. يقول النص: «حتى لو كان الحل ممكنًا»، إنه لا يقول «مستحيلًا».

– عذرًا، يا سيد روش، أعلنت ليا بوقارٍ، يقول النص: «حتى لو كان ممكنًا» وليس «حتى لو كان مستحيلًا». إن ما يشكك فيه الأكاديميون الخاصون بك بوضوح، هو أن تكون القضايا ممكنةً، وليس أن تكون مستحيلةً!

وها هو في اللحظة نفسها التي بدأ فيها جوناثان وليا، متأخرَين جدًّا، في استذكار دروس البكالوريا بنشاطٍ، سقطَت عليهما مسألةٌ ذات عواقب خطيرةٍ جدًّا. أغلقا كتبهما، معطيَين الحق لبيان الأكاديمية: «التخلي عن اهتماماتٍ نافعة». أليس ذلك تحديدًا ما يقومان به؟ إلا إذا كان الحصول على البكالوريا ليس بالعمل النافع لهذه الدرجة.

ونظرًا لوضع المعارف الخاصة بالموضوع في شارع رافينيون، كان من البديهي أنهم لن يتمكنوا من المُضي لأبعدَ من ذلك؛ ومن ثم تفرقوا.

أقر السيد روش أن رؤية ليا كانت صحيحةً في تفسيرها لبيان الأكاديميين: كانوا يميلون بصراحةٍ نحو الاستحالة. إن كل علماء الرياضيات اليونانيين، ثم كل علماء الرياضيات العرب، والعديد من العلماء الآخرين بعدهم، كانوا مقتنعين بأن هذه القضايا ممكنةٌ. متى إذن حدث التحول؟ في أية لحظةٍ انتقلوا من البحث عن حلول لها إلى البحث عن برهان لاستحالة حلها؟

مَن «هم»؟ سؤالٌ صعبٌ. علماء الرياضيات؟ ما هو عالم الرياضيات؟ أيوجد تعريف له؟ أتوجد بطاقة شهادة، قائمة شاملة؟ لنقلْ «جماعة علماء الرياضيات». متى إذن أصبحَت جماعة علماء الرياضيات مقتنعةً بأن تربيع الدائرة مستحيلٌ؟

«ها هو نوع الأسئلة الغريب على الفلسفة، قال السيد روش لنفسه. لا توجد جماعة فلاسفة، بل وبدرجةٍ أقل جماعة تكون متفقةً بشأن قضيةٍ معينةٍ أو قضيةٍ أخرى وتكون «مقتنعة ﺑ…» فظاعة! لا يوجد إجماع في الفلسفة، ولا براهين ولا حقائق عامة مشتركة لمجموع الفلاسفة.» وفي ذلك، كان السيد روش فخورًا لكونه فيلسوفًا.

لقد دخلَت القضايا الثلاث لشارع رافينيون دخولًا مجلجلًا بجلسة احتفالية في منزل شارع رافينيون، وبجلسة احتفالية أيضًا سيعرف ما حدث لها. هل حُلَّت وبواسطة مَن؟ لقد استخدم جوناثان بشأنها كلمة «المصارع الذي يُسقِط خصمه أرضًا»، متشوقًا أن يعرف أسماء المصارعين الأبطال لقضايا شارع رافينيون الثلاث.

وفي غضون ذلك — أي فيما بين الجلسة التي تكلم فيها السيد روش لأول مرة، والتي دارت قبل أعياد الميلاد ونحن الآن بعد عيد الفصح — تناقصت فرقة الممثلين. لم يتبقَّ من الممثلين سوى ماكس والسيد روش. وبما أن من المستحيل تواجد نوفيوتشر ومكبر الصوت، سيتم العمل بأبسط الطرق.

– لنبدأ بتربيع الدائرة، اقترح السيد روش على جوناثان وليا وأيضًا على بيرت.

متوقعةً أن الجلسة ستكون ذات أهميةٍ استراتيجية، أغلقَت المكتبة مبكرًا لكي تكون حاضرة منذ البداية. لقد رُفعَت الستارة الكبيرة، لكن لم يُقَم أي ديكور خاص.

– في منتصف القرن السادس عشر، اقترح عالم رياضيات ألماني هو ميكائيل ستيفل Michael Stiefel، أن تربيع الدائرة قد يكون مستحيلًا! لم يكن لذلك أي تأثير. كل عام كان عدد المتطوعين في جيش مَن يحاولون حل قضية تربيع الدائرة يتزايد: كاردينال دي كوزا، وأستاذ ملكي، أورونس فين، وكاهن قانوني، شارل دي بوفل، وراهب يسوعي، الأب لوريشون، ودنماركي، لوجومونتانوس، وهولندي، فان دير إيك، وجغرافي، ريمي بودمونت، وضابط سويسري، نيكولاس وورستن، وآخرون بالعشرات.

كل محاولةٍ جديدةٍ كانت تقدم نصيبها من الأخطاء، وكل فشل جديد، بدلًا من أن يثبط همة المتقدمين، كان يُستقبل كخبرٍ سعيد؛ لأنه كان يترك الباب مفتوحا لمحاولاتٍ جديدة. كما في مباريات القرون الوسطى، كلما كبرت كومة الجثث، زادت قيمة المعركة.

– إذا كان كل هذا العدد الكبير من الناس الذين اعتقدوا بصدقٍ أنهم أثبتوا تربيع الدائرة، قد أخطئوا، مَن الذي يقول إن صديقك لم يخطئ هو أيضًا؟ اقترحت ليا.

– ليس لأن آخرين أخطئوا يكون هو قد أخطأ، أعلنت بيرت بحزم.

– لقد أخطئوا جميعًا! توجد هنا قرينة.

أشار السيد روش لماكس إشارةً متعجلةً.

– رحلة في عالم الأعداد! أعلن ماكس بثبات، لكن بحزن.

كان ذلك نوع الإعلانات المنوطة عادةً بنوفيوتشر.

– بفضل تارتاجليا، وكردان، وفيراري، وبومبلِّي، وأبل، وجالوا …

وبينما كان السيد روش يعدد الأسماء. كان ماكس يفكر: «كان ذلك هو الزمن الجميل.»

أن يكون المرء في الثانية عشرة من عمره ويتحسر على الماضي.

– … لقد تعاملنا طويلًا مع المعادلات الجبرية، تابع السيد روش. إنها ستتيح لنا تعريف خاصية جديدة للأعداد الحقيقية. لو أن مكبر الصوت كان لا يزال موجودا، لكنا سمعناه يعلن: «انتباه، انتباه، إن ما يلي تعريف: العدد الجبري هو عدد يمثل حلًّا لمعادلةٍ جبرية.»

لكن مكبر الصوت لم يعُد موجودًا، لقد احترقَت أحباله الصوتية نهائيًّا. سر: كان ماكس سعيدًا بذلك، لم يستطع أبدًا «التفاهم» معه. لم يتمكن أبدًا من قراءة صوتٍ واحدٍ على بوقه الجامد.

أعلن ماكس: الأعداد الصحيحة، موجبة وسالبة، هي أعداد جبرية.

وأوضح السيد روش: ١، مثلًا، هو حل المعادلة «س + ١ = صفر».

أعلن ماكس: الأعداد الجذرية هي أعدادٌ جبريةٌ.

أوضح السيد روش: ٢ /  ٣ هو حل المعادلة «٣س − ٢ = صفر».

حذر ماكس: لكن ألا يوجد سواهم؟! إن ، هو أيضًا، عددٌ جبريٌّ!
أوضح السيد روش: أنه حل المعادلة «س٢ − ٢ = صفر» إذن هناك سؤالٌ يطرح نفسه …

أصدر محرك آلة تشغيل الورق الشفاف خريرًا. وظهر على الجدار:

هل الأعداد الجبرية تستنفد كل الأعداد الحقيقية؟

باختصار، استأنف السيد روش، هل توجد أعداد ليست جبريةً؟

– لكن إلى أين تريد أن تصل؟ سألت ليا.

– ليس أسرع من الموسيقى!

– أوه، بدأ يثير أعصابي بموسيقاه! قالت ليا حانقةً.

– إنه على حق، همس جوناثان، لا تقاومي ولو قليلًا.

استمر السيد روش رابط الجأش: طالما أن بعض الأعداد غير الجذرية هي أعداد جبرية، كما رأينا في حالة ، يكون من الطبيعي التساؤل إن كانت كلها كذلك. وهو ما يعني طرح السؤال التالي:
هل توجد أعداد غير جذرية لا تكون جبرية؟

– دون معرفة إذا كانت مثل هذه الأعداد موجودة، أطلق عليها اسم متسامية … مع ملاحظة عرضية تتعلق بنوعية الصفات التي يمنحها علماء الرياضيات للأعداد: مقطوعة، محالة، مستحيلة، صماء، مكسورة، تخيلية، مركبة، تامة وأخيرًا متسامية. إن مجرد حقيقة تخيل وجود أعداد متسامية سمحت بوضع تقسيم مزدوج للأعداد الحقيقية:

– جذرية/غير جذرية

– جبرية/متسامية

كيف يتراكب هذان التقسيمان؟ أثار هذا السؤال علماء الرياضيات طوال القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر.

فيما عدا الأعداد العادية وجذورها، ما هي الأعداد الأخرى التي كانت لدى علماء الرياضيات؟ كان هناك π، e ﻫ، اللوغاريتمات، جيب الزاوية، وجيب تمام الزاوية. إن π، مثلًا، هل هي جذرية أم غير جذرية، جبرية أم متسامية؟
استغل السيد روش الفرصة لكي يشير إلى فرقٍ مهمٍّ بين المربع والدائرة. بقدْرِ ما كان سهلًا إثبات لاجذرية النسبة بين محيط مربعٍ ما وقطره: ٢ ، بقدْرِ ما كان صعبًا إثبات لاجذرية النسبة بين محيط الدائرة ونصف قطرها: π.
وهنا نلتقي مع ليونهارد. كان أول من افترض أن π ليست فقط غير جذرية، لكنها متسامية أيضًا. لكنه لم ينجح في إثبات ذلك. ثم بعد عدة سنوات، في عام ١٧٦١م، أعطى هنريك لمبير الجواب.

شخصيةٌ غريبةٌ هذا اليوهان هنريك لمبير. كان عالم رياضيات وفيلسوفًا وعالم فلك. ذات يوم، عند استقبال الملك فريدريك الثاني ملك بروسيا له في قصر بوتسدام، هذا الملك الذي كان لا يحب أويلر كثيرًا، سأله: «ما الذي تعرفه يا لمبير؟» «كل شيءٍ، يا سيدي.» «وممن أخذتَ ذلك؟» «من نفسي.» من نفسه، إذن، أثبت لمبير أن:

π غير جذرية
– إذن عندما يُقال π تساوي ٢٢ /  ٧، هذا خطأ؟ سألَت بيرت بسذاجة.

– فظاعة: صاح السيد روش بإيماءة بعض مدرسي الرياضيات عند مواجهتهم لشيءٍ منفرٍ اقترفه أحد تلاميذهم.

– غير أن، عندما كنتُ صغيرةً …

كانت المرة الثانية خلال بضعة أيام التي تذكُر فيها بيرت أنها كانت صغيرةً!

– إذا كانت π تساوي ٢٢ /  ٧، حاول السيد روش أن يشرح … ما كانت هناك حاجة أن تُمنح اسمًا مستقلًّا، وأن تُسمى π. كانت ستُسمى ٢٢ /  ٧ مثل الجميع.

شعر أنه يتعين عليه إضافة شيءٍ ما. قال وهو يشعر بالإثارة:

«وفي هذه الحالة، سيكون تربيع الدائرة ممكنًا!»

من وراء الآلة قال ماكس: وكانت الرياضيات ستغدو أكثر كآبةً.

كان ضوء آلة الورق الشفاف يضيء وجهه، ويجعل شَعره أكثر احمرارًا.

هزَّ السيد روش رأسه: بالطبع، بالطبع (مظهرًا وجهًا مأساويًا:) وما كانت قاعة قصر الاكتشاف لتوجد!

– ومليارات المليارات من الكسور العشرية، إلى القمامة! أضاف جوناثان. أترين يا أمي إلى ماذا يقودنا ذلك؟!

– إذا كنتُ قد فهمت جيدًا، فلقد خلصنا من خطر داهمٍ!

باختصار، لم يكن جوناثان وليا يهتمان بعدم جذرية π، لكن ما كانا يتحرقان لمعرفته هو كونها متسامية.
بدأ السيد روش بالردِّ بأن لمبير الشهير الذي يعرف كل شيءٍ لم يتوصل إلى إثبات ذلك. وكان أدرين ليجندر قد حاول أيضًا إثباته دون نجاحٍ، لكنه أثناء ذلك، أثبت عدم جذرية π٢.

– عندئذٍ طرأ تحولٌ جوهريٌّ في طريقة تناول القضية. إن أول تحولٍ ارتكز على الانتقال من إمكانية تربيع الدائرة إلى استحالتها، وارتكز التحول الثاني على الانتقال من الهندسة إلى الجبر طالما أن كل الجهود التي بُذلت منذ ٢٠٠٠ عامٍ لحل تربيع الدائرة بالوسائل الهندسية أو استحالة ذلك قد اتضح أنها غير مجدية، سيتم محاولة حلها «بالوسائل الجبرية».

كان ذلك هو العمل الكبير الذي قام به معيدٌ شابٌّ في مدرسة البوليتكنيك. في عام ١٨٣٧م، كان ونتزل Wantzel في الثالثة والعشرين من عمره عندما أثبت نظريةً صغيرةً كانت لها نتائج هائلة. لقد قدمت هذه النظرية شكل المعادلات الخاصة بالقضايا المستحيل حلها بالمسطرة والفرجار.

دبر السيد روش فترة صمت. ثم أعلن باحتفاليةٍ:

«معادلة تضعيف المكعب كانت من هذا النوع!»

إن تضعيف المكعب بواسطة المسطرة والفرجار مستحيلٌ.

ظهرت الجملة على الشاشة قبل حتى أن ينهي السيد روش كلامه.

أعلن ماكس: إن إحدى القضايا الثلاث للعصور القديمة مستحيلةٌ!

نادرًا ما كان جوناثان، وليا، وبيرت منتبهين لهذه الدرجة. وبينما كانوا يتبادلون النظرات، قام السيد روش بإعلانٍ جديدٍ: إن معادلة إثلاث الزاوية كانت من هذا النوع!

إن إثلاث الزاوية بواسطة المسطرة والفرجار مستحيلٌ.

ظهرت الجملة تحت الجملة السابقة.

أعلن ماكس: إن قضيتَين من قضايا العصور القديمة الثلاث «مستحيلتان!»

– وتربيع الدائرة؟ لم يستطع جوناثان، الذي كان يغلي، منع نفسه من السؤال.

أعلن السيد روش: في عام ١٨٨٢م، برهن عالم الرياضيات الألماني فرديناند ليندمان Ferdinand Lindemann أن π متسامية؛ أي إن π لا يمكنها أن تكون حلًّا لأي معادلةٍ جبريةٍ. وانتهى أمر تربيع الدائرة:

وشفافةٌ جديدةٌ طردت السابقة:

إن تربيع الدائرة بواسطة المسطرة والفرجار مستحيلٌ.

وظهرت الجملة تحت الجملتَين السابقتَين: إن شكل الجمل الثلاث مجتمعة كان مؤثِّرًا! كانت بيرت على حقٍّ عندما اعتقدت أن الجلسة مهمةٌ.

واختتم ماكس: إن قضايا العصور القديمة الثلاث «مستحيلة».

٢٤٠٠ عامٍ لإثبات ذلك! ساد مرسم الجلسات صمتٌ عميقٌ، كان الجميع يفكرون في عواقب هذا الكشف، وفيما يمكن أن يعنيه ذلك بالنسبة للتحقيق: هل قضايا شارع رافينيون الثلاث ستكون هي أيضًا مستحيلةً على الحل بالوسائل التي في حوزتهم؟ لكن الحياة، ليست مثل الرياضيات، إنها أكثر صعوبةً بكثيرٍ. إن المستحيل سمة الرياضيات! ومع ذلك، شعر الجميع بشكلٍ غريبٍ أنهم تحرروا. إن كل برهان استحالة يحرر المستقبل، بدلًا من أن يسد الطرق إليه …

كانت الشاحنة الصغيرة مركونةً بمحاذاة الرصيف، والبابان الخلفيان مفتوحَين. كانت الساعة الخامسة. دوَّى جرس المدرسة، مثل كل أيام الأسبوع اجتاح الطلبة قارعة الطريق. ترك ماكس زملاءه. وعند مروره أمام حانوت حبيبي، أشار له وتابع طريقه. فجأة، شعر أنه يُخطف، أراد أن يصرخ. بعد فوات الأوان! كان بابا الشاحنة الصغيرة قد أُغلقا عليه. وتحركت الشاحنة. لم يستغرق ذلك أكثر من عشر ثوانٍ. لم يرَ أحدٌ شيئًا.

عند الساعة السابعة، بدأَت بيرت تقلق. اتصلَت بالمدرسة، لم يردَّ أحد. قررت أن تذهب إلى هناك، قرعت الجرس. استدعى البواب المديرة. لقد خرج ماكس مع رفاقه في نهاية اليوم الدراسي. وفي طريق عودتها، توقفَت بيرت عند محل بقالة حبيبي. «نعم، لقد رأيتُه، حيَّاني من بعيدٍ وبعدها مباشرةً اختفَى عن ناظري.»

ربما يكون ماكس قد عاد الآن إلى البيت. ركضت بيرت.

أمام مدخل المكتبة، كان السيد روش ينتظرها. وكان وجهه يثير الخوف.

– لقد خطفوا ماكس! قال بصوتٍ مفجوعٍ.

– كيف عرفت؟

– لقد اتصلوا هاتفيًّا.

– مَن الذي اتصل؟

– كيف لي أن أعرف؟

– يجب إخطار الشرطة فورًا.

– لا، يا بيرت. في الحقيقة لقد قالوا إنه يجب ألا نفعل ذلك، وإنهم لن يؤذوه. وسيعاودون الاتصال في المساء.

– كان علينا أن نفعل ذلك سابقًا عندما خطفوا نوفيوتشر.

دخلتَ المحل للاتصال بالشرطة. دوَّى رنين الجرس. اندفعَت.

– آلو آلو! أين ابني؟

كان جوناثان هو المتكلم. كان يتصل لإبلاغهم أنه هو وليا لن يعودا إلى المنزل لتناول الطعام.

صاحت: آه، لا، ليس أنتما أيضًا!

وانفجرت في البكاء. جذب السيد روش السماعة برفقٍ من يدَيها وشرح لجوناثان ما جرى. ووضع السماعة: سيصلان، يا بيرت.

رنَّ الهاتف مجددًا، وقبل أن يتمكن السيد روش من القيام بأي حركةٍ، ردت بيرت. شحب لونها.

– مَن أنتم؟ مَن أنتم؟

أعطت الهاتف للسيد روش:

«إنهم يريدون التحدث إليك، إليك أنت.»

أخذ السيد روش الهاتف.

– لا، أؤكد لكم. لم نتصل بالشرطة، قال السيد روش بنبرةٍ حاسمةٍ.

أخذت بيرت السماعة.

عندما أقفل السيد روش الخط. نظر كلٌّ منهما إلى الآخر، مذهولَين.

– لن تذهب إلى هناك! صاحت بيرت.

– بلى بالطبع!

– السفر إلى صقلية في سنك! أنت مجنونٌ، أنا التي يجب أن أذهب.

– اسمعي، يا بيرت، اعتقد أنك لم تفهمي ما يجري جيدًا.

– وكأنك تفهم، أنت؟ يسرقون ببغاء من داخل بيتنا، أمام أعيننا، ويخطفون ابني في وسط باريس، ويطالبون بأن تذهب فورًا أين؟ إلى صقلية …

– لا، أنا لا أفهم، ليس أكثر منك. فيما عدا شيئًا واحدًا. إن هؤلاء الأشخاص لا يمزحون. أعتقد حقًّا أنهم لا يريدون إيذاء ماكس … إذا قمنا بما يطلبوه منا بدقة. لقد أخبروني أن ماكس سافر آنفًا إلى صقلية.

– لماذا صقلية؟ المافيا! لماذا تهتم المافيا بماكس؟ أنا لا أفهم لماذا يريدون أن تكون أنت مَن يذهب إلى هناك (فجأة، نظرت إليه مرعوبةً): يا سيد روش، ألم تكن لك أية علاقةٍ قط بالمافيا؟

عندما فهم معنى السؤال، لم يستطع أن يمنع نفسه من الضحك.

– أوه، لا، يا بيرت يا مسكينتي، أبدًا، أُقسم لك. هناك لحظاتٌ حيث لا يجب أن نحاول الفهم. سأرحل غدًا.

حضَّرت له حقيبته.

في صباح اليوم التالي، في نشرة الأنباء، وقع النبأ: إضرابٌ عامٌّ في إيطاليا! أوضح المذيع أن الحركة قويةٌ جدًّا، ويبدو أن الإضراب في مجال النقل بشكلٍ خاصٍّ سيدوم عدة أيامٍ.

لقد جعلهما هذا النبأ ينهاران. في هذه اللحظة قرع ألبير الباب. كان ذلك يوم إجازته. لم يستطيعا إخفاء الأمر عنه. هرش «الكاسكيت»، وأشعل سيجارته عدة مراتٍ.

– سأُقِلُّك، قال فجأة للسيد روش.

– لكن أنت مجنونٌ، أتعرف أين تقع صقلية؟

– أتريد أن تقول إن السيارة اﻟ ٤٠٤ قديمةٌ جدًّا لكي تقوم بالرحلة؟

– لكن، عملك؟

– هذا هو المفيد في أن تكون مستقلًّا. نرحل عندما نريد. أنت تعرف الأغنية: «كم أحب أن أرى سراقوصة! …» سراقوصة في صقلية، أليس كذلك؟

عندما انطلقت اﻟ ٤٠٤، لوحت بيرت والتوءم، المنتصبان أمام ألف ورقة وورقة، بتحفظ «لعلهم يرجعون!»

بعد كل ما جرى، سرقة نوفيوتشر وخطف ماكس، والآن هذا الرحيل على عَجل لسراقوصة، أدرك جوناثان وليا أن رحلتهما قد تعرضَت للضرر بشدةٍ.

إذا عاد ماكس سالمًا، وسيعود سالمًا — لقد كانا متأكدَين من ذلك لثقتهما المطلقة في قدرات أخيهما الصغير في التخلص من أسوأ المواقف — فهل سيسافران إلى مانوس؟ لقد أصبح جوناثان وليا مقتنعَين بشكلٍ متزايدٍ أن التوصل إلى حل قضايا شارع رافينيون الثلاث، لن يتم إلا بالذهاب إلى هناك، إلى الأماكن الأصلية، هناك حيث بدأت القصة.

كانت اﻟ ٤٠٤ قد عبرت الحدود عندما رن الهاتف في ألف ورقة وورقة. كان … «آلو، ماما» ماكس! قال لها دفعةً واحدةً إنه عثر على نوفيوتشر، وإن نوفيوتشر في حالةٍ جيدة، وإنه هو في حالةٍ جيدة، وإنه يحبها كثيرًا، وألا تقلق، وأن تُقبل التوءم والسيد روش.

انتظرت بيرت نهاية هذا الطوفان لكي تعلن لماكس أن السيد روش غادر ليلحق به، مع ألبير، وأنه سيراهما خلال يومين أو ثلاثة أيام. وهي تتحدث، أدركت أنه لا يستطيع سماع ما قالته توًّا. كانت المرة الأولى التي تتحدث معه هاتفيًّا. كيف التصرف؟ تبع ذلك صمتٌ لانهائي. ثم صوت امرأة: «لقد نقلتُ لماكس ما قلتِه له. أعتقد أنه مسرور جدًّا من النبأ. إن صغيرك رائعٌ، يا سيدتي.»

وأغلقَت المرأة الخط.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦