الفصل الثالث والعشرون

كنتُ أودُّ بشدةٍ أن أرى سراقوصة …

مثل الإسكندرية، لسراقوصة ميناءان يديران ظهرهما لبعض، الميناء الكبير والميناء الصغير. توقفت اﻟ ٤٠٤ على رصيف الميناء الصغير أمام حانةٍ صغيرة. دخل ألبير. لم يكن يحتاج إلى أن يُعرف نفسه. ناوله الساقي رسالة تطلب منه الذهاب إلى أذن ديونيشيوس. أشار الساقي إلى الطريق لألبير، وبمجرد أن اجتاز ألبير الباب، رفع الساقي سماعة الهاتف.

بعد عبور وسط المدينة، توجهَت اﻟ ٤٠٤ نحو منتزه نيابوليس الأثري، ومرَّت أمام المسرح اليوناني، الذي على حد قول ألبير كان أكبر مسرح في العالم القديم. محفورًا مباشرة في الهضبة، كان يمكنه استقبال ١٥ ألف مشاهد يجلسون على حوالي خمسين مصطبة مدرج! بعد استيلاء الرومان على المدينة، جهزوا المسرح لإقامة عروضٍ مائيةٍ فيه، مع كثير من عرائس الماء، في أي ظرفٍ آخر، كان السيد روش سيتوقف، ليس من أجل عرائس الماء ولكن من أجل المعمار. تصوروا، المكان المخصص للمتفرجين في المسرح الروماني ذو معمارٍ رائعٍ تخترقه في وسطه مقصورة يعلوها إفريز، والكل مصانٌ بشكلٍ مدهشٍ. تابعا طريقهما.

إن سجون المحاجر عبارة عن محاجرَ ضخمةٍ تحيط بسراقوصة. لقد استُخدمت أحجارها لبناء المدينة القديمة. تقع أذن ديونيشيوس في سجن محجر دل باراديزيو. توقفَت اﻟ ٤٠٤ وسط بستان كثيف يمتلئ بأشجار البرتقال والليمون والرمان البري.

وانتصب أمامهما جرفٌ جيري، يخترقه صدع مدهش ارتفاعه حوالي عشرين مترًا بلا شكٍّ، كان للصدع شكل قناة أذن عملاقة. أذن ديونيشيوس! تعرَّف ألبير عليها لأنه كان قد رآها في كل النشرات السياحية الخاصة بسراقوصة.

غير مطمئن على الإطلاق، نزل تفحص الجوار، مشى بضع خطوات دون أن يبتعد عن السيارة. لا أحد! صعد إلى السيارة. كان السيد روش لم ينطق بكلمةٍ واحدةٍ منذ وصولهما إلى المدينة. رغم الخضرة المحيطة، كان الجو حارًّا جدًّا. كان ألبير منذ بدأ «رحلاته» الفريدة، قد قرأ الكثير عن أذن ديونيشيوس.

– إن ديونيشيوس صاحب الأذن، هو ديونيشيوس طاغية سراقوصة، الذي حكم في القرن الرابع قبل ميلاد المسيح تقريبًا. مع تقدمه في السنِّ، أصبح متشككًا جدًّا لدرجة أنه حوَّل غرفته إلى قلعة حقيقية. اسمع هذا! كان سريره محاطًا بخندقٍ! وكان الخندق واسعًا جدًّا وعميقًا جدًّا بحيث كان من المستحيل عبوره بدون مساعدة جسر متحرك. كل ليلةٍ قبل أن يخلد للنوم، كان يرفع بنفسه الجسر المتحرك. وكان ينام مطمئنًّا. إن ذلك أفضل من سريرك ذي القبة، قال للسيد روش، لكي يجعله يبتسم. إن ذلك يسبب ضررًا أقل للصحة من الأدوية المنومة، لكنه أغلى ثمنًا!

كان السيد روش قلقًا جدًّا لكي يبتسم، لماذا الأشخاص الذين حددوا لهما الموعد لم يكونوا هناك؟ ما دام لم يرَ ماكس بعينَيه، لن يطمئن.

هذا الديونيشيوس، واصل ألبير، كان لديه جليسٌ ممالقٌ لا يكف عن أن يكرر على مسامعه: يا للسعادة أن تكون ملكًا! قرر ديونيشيوس أن يجعله. ملكًا ليومٍ واحدٍ. لم يتمالك الممالق نفسه من فرط السعادة. انتهى اليوم بمأدبةٍ كان يترأسها متقلدًا التاج الملكي أثناء تناول الطعام، طلب منه ديونيشيوس أن ينظر إلى ما فوقه. رفع الممالق عينَيه إلى أعلى، كان فوق رأسه يتدلى سيفٌ ثقيلٌ مجرد من غمده. وكان السيف معلقًا بشَعر ذيل حصان. ترك الجليس العرش على الفور. كان اسمه داموقليس.

وواصل ألبير، الذي حتمًا لا ينضب:

«كان ديونيشيوس يحبس سجناءه في المغارات التي تملأ سجون المحاجر. كانت المغارة التي تقع أمامهما ذات صفاتٍ صوتيةٍ استثنائية. كان أقلُّ صوتٍ يتم تكبيره، أية همسةٍ تفلِت عند الأرض، يعتقد المرء أنه يسمع عصف إعصارٍ، تحكي الأسطورة أنه عندما كان يهبط الليل وتنطلق الألسن، كان ديونيشيوس يلصق أذنه أعلى الصدع، لكي يكتشف أحاديث السجناء.»

لم يكن ألبير قد أنهى جملته بعدُ، عندما سمع صوتًا، حقيقيًّا تمامًا هذا الصوت. كان صادرًا من أذن ديونيشيوس. أفلَت ألبير سيجارته، أمره الصوت أن ينزل السيد روش ويضعه على مقعده، ثم يغادر المكان. رفض ألبير. «هناك سلاحٌ موجهٌ إليك!»

– دعك، يا ألبير، قال السيد روش. ما الذي يمكن أن يفعلوه لي في سنِّي؟

واستمر الصوت في إعطاء التعليمات، دون أن يظهر أحد. كان على ألبير أن يرجع إلى حانة الميناء الصغير. وهناك، سيحددون له الفندق الذي سيقيم فيه إلى أن يتصلوا به «كلمة واحدة لأي أحد و…»

أخرج ألبير المقعد، وساعد السيد روش في الجلوس ووضع إلى جانبَيه الحقيبتَين، حقيبة السيد روش وحقيبة أعدتها بيرت لماكس. ثم صعد مجددًا وهو كارهٌ إلى السيارة. وأشار له السيد روش إشارة تشجيعٍ صغيرةً. انطلقَت اﻟ ٤٠٤، استدار ألبير عدة مرات قبل أن يختفي وراء البستان البري. محاطًا بحقيبتَيه، وجالسًا على مقعده وسط أشجار الرمان والليمون، كان السيد روش يحدق في أذن ديونيشيوس. صوتٌ خلفه جعله يستدير. كانت شاحنة صغيرة تتقدم، وقد خرجت من لا مكان. نزل منها رجلٌ. لو أن ألبير عاد على عقبيه في هذه اللحظة، لتعرَّف على الرجل الذي رفض أن يُقلَّه في مطار رواسي، الرجل الذي كان قادمًا من طوكيو، الرجل الكبير الأنيق.

انفتح الباب الخلفي للشاحنة الصغيرة، وامتد سطحٌ مائلٌ يتم تشغيله آليًّا، وشعر السيد روش أنه يُدفع داخل الشاحنة الصغيرة.

بعد صعودٍ طويلٍ، توقفت الشاحنة الصغيرة أمام مدخل قصرٍ. ومباشرةً بعد أن حددت الكاميرا شخصية السائق، انفتحَت البوابة وأُغلقَت دون صوتٍ بعد مرور الشاحنة الصغيرة. وكان يرافق الشاحنة كلبا حراسةٍ من النوع المولوسي يركضان بهدوء على جانبيها، صعدت الشاحنة ممرًّا محفوفًا بشجر طقسوس١ يتعرج عبْر منتزهٍ ضخمٍ.

على واجهة قصر من القرن الثامن عشر، كان رجل يستند على درابزين من الحجر يتابع بعينَيه وصول الشاحنة الصغيرة. اندفع الكلبان، اللذان وصلا أولًا، وهما ينبحان. وبحركةٍ من الرَّجل توقفا في منتصف الركض وناما على الحصى. كانت الشمس لا تزال عاليةً.

وضع المقعد تحت شجرة برتقال كبيرةٍ.

رأى السيد روش رجلًا مسنًّا رائعًا يتقدم نحوه، كان منتصب القامة وضامرًا. وكان شَعره الأبيض الفضي يحيط بوجهٍ دقيقٍ وقاسٍ تبرزه التجاعيد غير المحسوسة وكأنها نسيجٌ شبكيٌّ. كان يُطبق بقوة على الكرة الصغيرة المصنوعة من العاج لعصاةٍ محفورةٍ ومنقوشة، كانت بمثابة رمزٍ للسلطة أكثر منها عونًا لخطوةٍ خائرة القوة. كانت أناقته متناهيةً، يرتدي قميصًا من الكتان الشفاف تقريبًا يسهم في إعطاء حركاته هيئة أثيرية. وكانت نعلاه المصنوعتان من الجلد اللين لا تصدران أي صوتٍ على الحصى، بينما كان يقترب من السيد روش. كان رغم سنِّه تشع منه طاقة ورشاقة تجعلانه أكثر خطورةً.

توقَّف على بُعد خطواتٍ وأخرج نظارةً رقيقةً، ونظر إلى السيد روش باهتمامٍ شديد.

– يا إلهي!

لم يترك له السيد روش الوقت ليواصل دمدم وهو ينتصب على مقعده: أريد رؤية الصبي فورًا! وإذا كنت لمست شَعرةً واحدةً من شَعره! …

كان يهدد، وقد تصلَّب وجهه بغضبٍ رهيب.

أشار صاحب القصر للشخص الكبير الأنيق.

– على الفور، يا دون أوتافيو. قال ذلك الشخص باحترامٍ قبل أن يبتعد.

– أأنت لا تتذكرني؟ سأل العجوز.

– لم يكن لي شرفُ معرفتك يا سيدي. وليست لديَّ الرغبة في ذلك.

– أنا أتذكَّرك، رغم السنوات يا بيير!

نظر السيد روش مذهولًا، باهتمامٍ لهذا الرجل الذي يناديه باسمه الشخصي. حرَّك الرجل عصاه: بيير روش الفيلسوف. لقد احتفظتَ بهذا الرأس الدقيق. على الأقل أنت لم تسمن.

هذه اللكنة الإيطالية … هذا العجوز الذي يقول إنه يتذكره …

– تافيو! لا مستحيل. ما الذي تفعله هنا؟ أنت الذي أحضرتَني؟ لماذا جعلتني أحضر؟ ما علاقتك بهذه القصة القذرة؟

النادل الصغير، أحد أفراد ثلاثي حانة تاباك السوربون! كان هنا، أمام عينيه! جروسروفر، وروش، وتافيو. انتصب السيد روش على مقعده:

«لا تقلْ لي إنك أنت الذي خطف الصبي؟ لقد جُننت! إنه في الثانية عشرة من عمره، إنه طفل. أريد أن أراه فورًا»، صاح السيد روش.

صوت صريرٍ على الحصى، كان ماكس يركض بلا توقفٍ. وارتمى بين ذراعَيه.

– يا صغيري، يا صغيري لم يؤذوك؟ (ضم السيد روش ماكس في حضنه بقوةٍ.) رُدَّ عليَّ!

كان يبكي. إنه لم يبكِ منذ عشرين عامًا، ثلاثين عامًا. ماكس الذي كان منفعلًا جدًّا بالقَدْر نفسه، شعر بدمعةٍ تسيل على يده، فهمس في تجويف أذن السيد روش: إنهم ينظرون إلينا، يا سيد روش.

أفلَت السيد روش ضمته.

– لم يؤذوك؟ سأل مجددًا.

– لا. ولم يؤذوا نوفيوتشر أيضًا.

– أترى لسنا متوحشين، تجرأ أن يضيف دون أوتافيو.

لكن في ذهن السيد روش، كان الأمر عصيدةً شيطانيةً. لم يكن يفهم فيها شيئًا. سرقة الببغاء، وخطف ماكس، وهذا التافيو الذي خرج من قاع ماضيه. هل هذا التافيو هو رئيس عصابة مهربي الحيوانات التي تكالبَت منذ شهور لاسترداد نوفيوتشر؟ وتذكَّر فجأة أنه عندما كانوا يحقِّقون بشأن عمر الخيَّام وناصر الدين الطوسي، أجبرَتْه بيرت أن يتذكَّر ثلاثي حانة تاباك السوربون. نعم، لقد أشارت إلى وجود تافيو قبل أن يظهر شخصيًّا هنا بوقتٍ طويلٍ! هل هو مرتبطٌ بما حدث في مانوس؟ هل يكون هو … لا، مستحيلٌ! تلاقت نظرته مع نظرة تافيو، وقرأ في عينَيه تصميمه.

وكان ذلك هو نقطة التحول. إن تافيو هو رئيس العصابة التي تريد الاستيلاء على البراهين! هو الذي أراد جروسروفر أن يحدده له معددًا الدلائل. إنه هو الذي حدَّدت بيرت هويته! من المؤكد، إنه يعتقد أن جروسروفر أرسل لي أوراقه وأبحاثه قبل أن يموت ولذلك خطف ماكس ليجبرني على أن أسلمها له، الدنيء! لكن لماذا إذن، سرقة نوفيوتشر؟ كل شيءٍ يختلط. كان السيد روش مجهدًا. لقد أنهكه هذا السفر الطويل. كان الجو حارًّا جدًّا، حتى في ظل شجرة البرتقال الرائعة؛ كان المكان على بُعدٍ أقل من ثلاثمائة كيلومتر من أفريقيا.

كان الصبي في صحةٍ جيدة، وكان ذلك هو الشيء الوحيد المهم. وفضلًا عن ذلك، لم يكن له شأن بالبراهين والحدسيات، ومانوس وجروسروفر. انهار ضغطه. ورأى تافيو يندفع نحوه وظنَّ أنه يراه يسقط. أطلق ماكس صرخةً. وتافيو تاركًا عصاه، كان لديه الوقت بالكاد ليمسك السيد روش قبل أن يسقط من مقعده. لقد أُغمي عليه.

عندما فتح السيد روش عينَيه لم يتعرَّف على شيءٍ. لكن المكان كان جميلًا جدًّا! الشيء الوحيد الذي رآه جدران زرقاء. وكانت يداه موضوعتَين على قماش نعومته لا تصدق. ممددًا على سرير ليس بقبةٍ ولا محاطًا بخندقٍ مع جسرٍ متحركٍ لكنه سريرٌ على شكل مرْكب، كانت مقدمته ترتفع، رقيقة، أمامه، وتبدو كأنها تبحر في أتجاه النافذة التي لمح السيد روش من خلالها الشريط الأزرق للبحر الإيوني. كانت الغرفة كبيرةً لكن دون مبالغةٍ. خزانة ملابس أنيقة تحولت إلى مكتبة، كانت أبوابها ذات الفتحات المسيَّجة تُظهر كتبًا نفيسة. فهم السيد روش الموقف. لقد أُصيب بدوارٍ. حاليًّا يشعر أنه في حالة جيدةٍ أفضل بكثيرٍ عنه طوال هذا النهار المريع. كان المساء قد بدأ في الهبوط. كانت هناك أصواتٌ تتكلم بصوتٍ منخفضٍ على الشرفة، كان دون أوتافيو يتناقش مع رجلٍ ببدلةٍ غامقة. فكر السيد روش، هكذا، أصبح تافيو الصغير هذا الرجل المثير للقلق، المحترم والمُهاب، رئيس عصابة. إننا في صقلية … المافيا! دون أوتافيو، زعيم المافيا! كان الأمر لا يكاد يصدَّق. استدار دون أوتافيو ونظر في اتجاه السرير. أغمض السيد روش عينَيه على عَجلٍ. إن ذلك سيعطيه بعض الوقت ليفكر.

رغم أنه لم يفهم بعدُ أسباب سرقة نوفيوتشر، اقتنع السيد روش أن درب مهربي الحيوانات لا يستقيم. إن الأمر يتعلق تمامًا بجروسروفر ومانوس. لقد اتخذ قرارًا، كان الأمر بسيطًا. سيحكي كل شيءٍ لتاف … لم يعُد يمكنه تسميتُه حاليًّا باسمه الشخصي. سيحكي كل شيءٍ لدون أوتافيو، ويقول له بأمانةٍ ما حدث، الرسالتان والمكتبة، وكل شيءٍ، ولا يُخفي عليه شيئًا، لكن في المقابل، سيقول له أن جروسروفر لم يرسل له البراهين. تردد السيد روش: هل هو متأكدٌ من ذلك؟ مرت في ذهنه فكرةٌ: وماذا لو كانت البراهين مخبأةً في كتابٍ من كتب مكتبة الغابة؟! ولو كان ذلك هو السبب الذي جعله يرسلها له؟ لكي تفلِت من الحريق، بالطبع، لكن لأنه أيضًا أخفَى فيها البراهين! ويكون بذلك قد تلاعب به مجددًا. من الغريب أنه لم يفكر قط في ذلك. ولا بيرت، ولا التوءم، ولا ماكس. لا أحد! البطاقات ربما تكون البراهين مكتوبةً على بعض البطاقات، لكن إذا كان الأمر كذلك، فهل من حقِّه أن يكشف هذا السر لدون أوتافيو وأن يخون جروسروفر؟ الذي يستحق ذلك تمامًا! في أي اتجاهٍ كان يقلب الأمور، كانت تبدو في كل مرةٍ بشكلٍ أكثر تعقيدًا. مثل لفافة صوف كل محاولة لتسليكها تؤدي إلى تعقيدها أكثر.

لا يهم، سيقول كل ذلك إلى هذا العجوز. وسيرحل على الفور مع ماكس ونوفيوتشر وألبير، الذي في فندقه، بدون أخبار، لا بد أنه في حالة قلقٍ شديدة. فتح فمه لكي ينادى دون أوتافيو وفجأة تذكر مبدأ رسخوه لديه في فترة المقاومة: السجان لا يعرف شيئًا، إن السجين هو دائمًا الذي يخبره بكل شيءٍ. الصمت وعدم المبادرة!

صمت وقرر ألا يتكلم مع دون أوتافيو عن رسائل جروسروفر ولا عن مكتبة الغابة.

كان الرجل ذو البدلة الواقف في الشرفة هو طبيب العائلة. عندما اقترب ليفحص السيد روش رفض الأخير بحسمٍ. أصر ماكس بشدة بحيث استسلم السيد روش في النهاية. كان كل شيءٍ على ما يُرام، الضغط، التنفس، القلب.

– إنه في صحةٍ ممتازةٍ، صديقك الفرنسي. قرر الطبيب.

ثم قال بتلقائيةٍ:

«إن له قلبَ شاب.»

توقَّف فجأة، واحمرَّ وجهه، ونظر إلى دون أوتافيو معتذرًا.

– نعم، قلبي يعاني بعض الضعف؛ فهو ينبح من وقتٍ لآخر، مثل كلبٍ سيئٍ. قال دون أوتافيو حسنٌ لقد اطمأننت بالنسبة للصغير. إنه ينام.

كان ماكس قد نام في سريرٍ صغيرٍ في آخر الغرفة.

«إن كنت تريد، فسننقل غدًا سريره هنا، استرح، سنتكلم مجددًا فيما بعدُ.»

استيقظ السيد روش عند مطلع الفجر، وهو ما لم يكن من عاداته. ومن نافذة الشرفة التي ظلت مفتوحةً، تأمل بإعجابٍ شروق الشمس على البحر الإيوني.

دخلَت الغرفة بهدوءٍ، وصيفة ساعدته على أن يغتسل ويرتدي ملابسه. كان ماكس نائمًا، في الوضع نفسه مثل العشية. «دون أوتافيو ينتظرك لتناول الإفطار». وقادته إلى صالونٍ صغير؛ حيث كان دون أوتافيو يقرأ الصحف. وعندما سمعهما قادمَين نزع على وجه السرعة نظارته. إنها عياقةُ رجلٍ عجوزٍ. استقبل السيد روش بحفاوة، وبدا مسرورًا لرؤيته قد استعاد قواه.

أه، إنك أفضل حالًا! لقد أصبتنا بالرعب (مستديرًا نحو النافذة:) سيكون الجو حارًّا. لكنك سترى، هنا لا يشعر المرء بالحرارة، اجلسْ.

شعر السيد روش أن مقاومته تضعف. فهاجم: لماذا خطفتَ الصغير؟ والببغاء؟ ولماذا طلبتَ أن أحضر هنا؟ ما الذي تريده منا، في النهاية؟

هدَّأه دون أوتافيو بحركة: سأجيب على كل أسئلتك. دعني أخبرك فقط أن الجار مات منذ حوالي عامٍ في حريق منزله في مانوس بالأمازون.

حدق دون أوتافيو في السيد روش. لم يطرف للسيد روش رمشٌ، ثم وكأنه، يسترجع من الماضي: كنت أعتقد أنه مات منذ وقتٍ طويلٍ. لكن ماذا كان يفعل هناك؟! وما علاقة ذلك بأسئلتي؟

– سأكون مضطرًّا أن أرجع إلى الوراء كثيرًا. تتذكَّر، لقد تعرَّفْنا قبل الحرب بعامٍ تقريبًا، كان لديَّ حوالي سبعة عشر عامًا، وكنتُ قد وصلتُ إلى فرنسا مع أهلي قبل ذلك ببضع سنواتٍ. إننا من قرية في الجبل من ناحية أتنا (وأشار بإصبعه نحو جبالٍ ورائه). أسرة من الرعاة، كان أبي بنَّاءً. وبسبب الأزمة لم يعد يجد عملًا في الجزيرة. وقرر أن يهاجر. كان إخوانه يقيمون في نيويورك، في البرونكس. قالوا له أن يأتي يلحق بهم. وسيتولون ترتيب وضعه هناك.

أشار دون أوتافيو إلى كبير خدمٍ يرتدي زيًّا خاصًّا وله جسمٌ رياضيٌّ، واقترح على السيد روش عصير فاكهة.

«الفاكهة من الحقل»، حدد دون أوتافيو، الذي لم يأخذ سوى قهوة.

تذوقها برشفاتٍ صغيرةٍ قبل أن يواصل:

«رفض أبي. أتعرف لماذا؟ لم يكن يحتمل البحر! رحلة حتى أمريكا، قال إن رحلة كتلك ستقضي عليه. لقد كان العبورُ من الجزيرة حتى أوروبا محنةً. في المضيق، يكون البحر رهيبًا دائمًا، شارييد وسيلا،٢ لن أذكِّرك أنت بأسطورة الدوامتَين. أنا كنتُ أريد أن أبقى في الديار. لكن هنا، وحتى الآن كلمة الأب لا تناقش. تبعتُ الأسرة. كم كان سنِّي؟ مثل صغيرك. لديه أحدَ عشرَ – اثني عشر عامًا؟ (وافق السيد روش). ووصلنا إلى فرنسا.

وجد أبي عملًا في المناجم في الشمال. وأنا كنتُ أقوم بأعمالٍ صغيرةٍ ذات اليمين وذات اليسار ثم صعدتُ إلى باريس، تنقلتُ بين المقاهي، ووجدتُ نفسي في تاباك السوربون. وهناك تعرَّفتُ عليكما أنتما الاثنَين، الجار وأنت، كنتما النجوم، «الوجود والعدم»، أتتذكر؟ كم حسدتكما! ثم أصبحنا أصدقاء. في المساء كنتما تصطحبانني إلى مجونكما في الحي اللاتيني. ومعكما تعرَّفت على أولى فتياتي. طالبات جميلات. ياه، الباريسيات! في فترة ما بعد الظهر، أثناء ساعات البطالة، كان الجار يجلس وحده، ليعمل أو ليفكر. ولم يكن يوجد أحدٌ في القاعة تقريبًا. وبين زبونَين، كنت آتي إلى طاولته وكان يشرح لي الرياضيات. لم أكن أفهم الشيء الكثير، كنتُ أستمع إليه. كان نابغةً حقيقيًّا.

ثم وقعَت الحرب. ورحلتها على الفور. وذات مرةٍ أرسل لي الجار رسالةً قصيرةً، قال لي إن حادثًا أصاب ساقه وإنه ليس لديه أنباء عنك. كنتُ متأكدًا أنك عرَّضتَ نفسك للقتل.

أُصيب أبي بمرضٍ سيئٍ من أمراض المناجم يهاجم الرئة. وساءت حالته فجأة. كان يريد العودة إلى دياره. لم يسعفنا الوقت لكي نعيده إلى الجزيرة. على الأقل، لم يكن مضطرًّا لعبور المضيق مجددًا. قال ذلك متكلفًا الضحك.

لكن أنا عدتُ مع أمي وإخواني. كان الألمان في كل مكانٍ في باريس، وكان ذلك يقززني. هنا، انضممتُ على الفور للمقاومة. ووصل الأمريكيون، ثم بدأ أعمامي في البرونكس يرسلون لي «بضاعةً». قمتُ بتهريب السجائر. وكسبتُ مالًا. وكسبتُ مالًا بشكلٍ متزايدٍ.

وأصبحتُ دون أوتافيو، وأقمتُ في هذا القصر، قصر الأرستقراطيين. لقد أصبحتُ قادرًا على دفع ثمن أي شيءٍ واشتريت كل شيء؛ أجمل الأراضي والممتلكات، وأجمل الخيول، وأجمل السيارات الفيراري، وأجمل النساء.. كل شيءٍ يُشترى، أنت تعرف ذلك.»

كان ذلك بعيدًا جدًّا عن السيد روش!

وروى له دون أوتافيو الظروف التي التقى فيها جروسروفر مجددًا. كان قد ذهب إلى مانوس للقاء وكلاء؛ فهو يقوم ﺑ «أعمال» في أماكن متفرقةٍ من العالم. وذات مساءٍ، في مقهى في وسط المدينة، عثر على جروسروفر.

– هو أيضًا كان يقوم بأعمالٍ. ليس بالحجم نفسه، لكنه كان قد أصبح ثريًّا. ولقد عملنا قليلًا معًا. تجارة، خاصة بعض الشيء. قد تُسمي ذلك تهريبًا.

وفجأة:

«جولدباخ، أتعرف ما معنى ذلك؟»

لقد فوجئ السيد روش تمامًا. تردَّد، وارتبك ثم متماسكًا: هل هي كلمة ألمانية؟ لكن لماذا هذا السؤال؟

قرر السيد روش أن يظلَّ حذرًا. لا يعرف إن كان دون أوتافيو أراد أن ينصب له فخًّا.

– نعم، لكن ماذا تعني؟ ألحَّ دون أوتافيو.

– جولدباخ؟ جولد – باخ! حسنٌ … نهر الذهب.

– نهر الذهب في الأمازون، يوجد عددٌ كبيرٌ من أنهار الذهب. كان الجار يعرفها جيدًا، وكان أحد كبار المهربين في تلك الفترة.

وروى دون أوتافيو أنه عاد مرارًا إلى مانوس. قليلًا بغرض الأعمال، بيزنيس، كما كان يقول، وكثيرًا لرؤية جروسروفر مجددًا.

«كان قد عاد إلى ممارسة الرياضيات. كان يقول لي: أنا في حاجة إلى ذلك، حاجة بدنية. هناك مَن يتعاطَون المخدرات، بالنسبة له كان يتعاطى الرياضيات. وكان ذلك موفقًا إلى حدٍّ ما بالنسبة له.»

– موفقًا إلى حدٍّ ما! صاح السيد روش.

– نعم، لقد مات على أية حالٍ في سنِّ اﻟ ٨٤!

– إننا من سنٍّ واحدةٍ، تذمر السيد روش بنفاد صبرٍ.

– لقد اقترحتُ عليه أن يأتي ليقيم هنا في القصر. كان سيعيش في رفاهية، وينقل كل أعماله، خاصة كُتبه. إن المناخ هناك ليس طيبًا، رطوبة رهيبة، لكنه رفض.

ثم تغيَّر بعد ذلك. وانهمك في العمل مثل مجنونٍ. كان يجلس إلى طاولة عمله بعد العشاء، ولا يتركها إلا عند الفجر. كان يقول إنه لا يعمل جيدًا إلا في الليل.

هو المتين جدًّا، هل تتذكر جذعه الأشبه بجذع الثور؟ بدأ وزنه يتناقص. تصورتُ أن لديه مشكلاتٍ خطيرةً، سألته، كان لا يريد أن يقول لي شيئًا. كان مهووسًا بعمله ومتزايد الحماس. وفي النهاية، أثار صمته ومظهره الغامض فضولي.

وحكى دون أوتافيو، كيف ذات ليلةٍ، بعد أن جعل جروسروفر يفرط في الشراب، كشف له أنه توصل إلى حل قضيتَين شهيرتَين لم يتمكن أحد منذ قرونٍ من حلهما. حدسيتان. وعندما قال لي إن الحدسية الثانية تحمل اسم جولدباخ، انفجرتُ ضاحكًا. وسألتُه إن كان قد اختارها عمدًا. نظر لي مندهشًا لم يكن قد قام بالربط بينهما قبل أن أقول له ذلك. نهر الذهب! ياه، المثقفون!

وكان جروسروفر قد قرر الاحتفاظ ببراهينه سرِّية.

«أوه، لم يكن يحتاج إلى أن يحدِّثني طويلًا عن أسبابه. كنتُ أفهمه جيدًا جدًّا.» أضاف دون أوتافيو.

لمعت نظرته:

«تريد أن تعرف لماذا كنتُ أفهمه جيدًا لهذه الدرجة؟»

نهض دون أوتافيو، وأشار إلى كبير الخدم أن يتركهما. مستغرقًا في أفكاره، مشى نحو الجدار الجانبي لغرفة الاستقبال؛ حيث كان معلقًا مرآة بيضاوية ذات نقاءٍ محيرٍ. رآه السيد روش يضع يدَيه على جانبَي الإطار وكأنه يريد ضبطه. حركة عادية لرب المنزل، قال السيد روش لنفسه، متلهفًا لمعرفة لماذا دون أوتافيو كان يفهم بشكلٍ جيدٍ جدًّا رغبة جروسروفر في الاحتفاظ بالسر، بينما هو، روش، لا يزال لا يفهم، رغم التفسيرات التي أعطاها جروسروفر في رسالته.

بدا وكأن الجدار يتحرك، وكما في الأفلام، انفتح دون صوت لوحٍ، لم يكن مرئيًّا حتى ذلك الحين. بابٌ سريٌّ يفضي إلى حيزٍ، كان السيد روش، من مكانه، لا يستطيع تحديده، استدار دون أوتافيو وبحركة عظمة، دعا السيد روش إلى الدخول كان الباب ضيقًا لكن المقعد دلف منه دون صعوبة. وبمجرد أن دخل، شغَّل دون أوتافيو مرآة مماثلة لمرآة غرفة الاستقبال. أغلق الباب. كان الضوء قليلًا؛ فمصدر الضوء الطبيعي الوحيد كان فتحةً في وسط السقف، تفتح على مجرى ضوءٍ. شغَّل دون أوتافيو مبدِّلًا للضوء الخافت. بدت الغرفة كأنها مصلًّى.

وتولَّد من علبة مصابيح مخبأة في الجدار أوكار من النور. أفلَت السيد روش صرخةً. جالسًا في مركز الغرفة كان يجعل مقعده يدور بعصبيةٍ لكي يتمكن من أن يعانق بنظرةٍ مستمرةٍ ما كان قد اكتشفه توًّا. عشرات اللوحات النادرة معلقة على جدران من الحجر العاري.

– فقط لوحات مسروقة! أعلن دون أوتافيو.

استدار السيد روش. كان دون أوتافيو يتفحَّصه، مشرقًا، مستندًا على عصاه، كان يبدو وكأنه مزروع في الأرض. رابط الجأش.

– إن هذه اللوحات من بين أكثر اللوحات التي تبحث عنها كل أجهزة الشرطة في العالم! إنهم يمنحون مبالغَ جنونيةً لاستردادها. ولقد أنفقت مبالغ جنونية للحصول عليها.

وواقفًا إلى جوار كل واحدةٍ من اللوحات أعلن اسمها: مشهد لدلفت، لجونج كنج. رسالة حب، لفيرمير. الهروب إلى مصر، لرامبرانت، دوق ولينجتون، لجويا. هذه اللوحة الفنية المزدوجة من مدرسة جيوتو. صورة لأبيه، لرودان. رصيف شحن، لبراك، وهاتان اللوحتان لبيكاسو، جيتار وطبق فاكهة، الطفل والدمية.

وهنا، لوحتي المفضَّلة، هي الأخيرة، بالطبع عازف الفلوت لفيرمير. لقد أحضروها لي توًّا من طوكيو.

لبس نظارته وبدا وكأنه يدرسها.

متحفٌ حقيقيٌّ! مَن كان يستطيع أن يتخيل أن وراء هذا الجدار تختبئ هذه الروائع!

– إن لوحة فيرمير لم يكن من السهل الحصول عليها. من الأفضل، تقديم طلب شراء. أنت مولعٌ بلوحةٍ ما، تقدِّم طلبيةً لمتخصصين. يستغرقون الوقت اللازم لكن في النهاية يحضرون لك اللوحة. أنت سيد مجموعتك! تكوِّنها لوحةً لوحة.

– ما دمتَ شديد الثراء، لماذا لم تشترِها، ببساطة؟ صاح السيد روش ساخطًا.

استقبل دون أوتافيو السؤال بقهقهةٍ غير محتملة. اقترب من رسالة حبٍّ، ناظرًا إليها بحنانٍ: أشتريها؟ مثل سيارة فيراري، أو غسالة أطباقٍ؟ (مطَّ شفتَيه باشمئزازٍ) يا لها من طريقةِ تفكيرِ صاحب حانوت أولًا، أغلب هذه اللوحات لم يكن معروضًا للبيع. إنها جزءٌ من التراث العالمي، كما يُقال. لكن ليس ذلك هو السبب. (توقف عن الكلام، وضع نظارته في جرابها.) أنت لا تلبس نظارةً؟

– مطلقًا. أجاب السيد روش، بفخر.

– لماذا لم أشترِها؟ نعم، في الواقع، كان ذلك سيكون أبسط بكثيرٍ، قال ساخرًا صراحةً من السيد روش. امتلاك القطعة الوحيدة التي لا يملكها أحد في العالم، والجميع يحسدونك عليها، إن ذلك بالقطع مَدْعاة للرضا والإشباع، لكنه رضًا سهلٌ. متعة برجوازي، إثارة فناء الفسحة في المدرسة: أن تمتلك كيس كلات لا يملكه الآخر. أنا كنتُ أحتاج إلى متعةٍ من نوعٍ مختلف، متعة مزدوجة الانبساط، إذا جاز التعبير. كنتُ أريد وما زلت أريد أن أكون الوحيد الذي يملك قطعةً فريدةً وأن أكون الوحيد الذي يعرف أنني أمتلكها. هذا تحديدًا ما شعرتُ به أول مرةٍ اشتريتُ فيها لوحة فنانٍ عالميٍّ كان قد تم سرقتُها من متحف Rijks.

ألم تتساءل لماذا بعض اللوحات الشهيرة، التي ظاهريًّا غير قابلةٍ للبيع، لأنه سيتم رصدها في الحال، تُسرق رغم كل شيءٍ من المتاحف؟ ما الذي يستطيع اللصوص عمله بها؟ بيعها؟ لكن لمَن؟ إلى هواة جمع الأعمال الفنية. وماذا سيفعلون بها؟ سأقول لك: سيعلقونها على جدار غرفةٍ سريةٍ مثل هذه الغرفة، لتأملها سرًّا على انفرادٍ.

أيمكنك أن تقول لي أيها الفيلسوف، ما المشترك بين هذا الابتهاج وفرحة الثري الذي يشتري على مرأًى ومسمعٍ من الجميع لوحةً في مزادٍ عام، ويغادر وهي معه، مثل ربة بيتٍ تحمل غسيلها تحت ذراعها؟ ثم يعلقها في مكانٍ بارزٍ في شقته أو في قصره لكي يأتي مدعووه يُعجبون بها كما في متحفٍ خاصٍّ للنخبة؟ والذي يمشي في إثرهم مثل كلبٍ صغيرٍ، ويهمس لهم في أذنهم مقتطفاتٍ من تعليقاتٍ حفظها عن ظهر قلبٍ من كتابٍ للفن، والذي يخفض عينَيه مثل عذراء من صقلية عندما يستدير زائرٌ ويرمقه بنظرة إعجابٍ أكثر صدقًا من النظرة التي ألقاها منذ لحظةٍ قبلها على لوحة الفنان العالمي التي نُسيَت؟ عجبًا!

إن الامتلاك الحميم الذي أكلمك عنه مثل.. إقامة علاقة حبٍّ سريةٍ مع أجمل امرأة في القرية، التي تقابلها في اليوم التالي في الشارع الرئيسي وسط الجمع، عند الخروج من القداس، وتحييها خافضًا رأسك مثل أية امرأةٍ غريبة.

مذهولًا من هذا الهجوم. استغرق روش لحظةً قبل أن يسترجع صفاء ذهنه. لم يجد شيئًا يقوله سوى: إننا نبتعد! لقد سألتك أسئلةً وما زلت لم تردَّ عليها. ما علاقتنا بكل ذلك، إنني أسألك مجددًا؟

– إننا لا نبتعد.

وأخذ دون أوتافيو يحكي كيف، عندما عرف بوجود البراهين ورغبة جروسروفر أن يبقيها سرًّا، أراد على الفور أن يمتلكها للأسباب نفسها التي تجعله يستولي على اللوحات المعلقة أمام عيونهما.

انفجر السيد روش: لأنك تعتقد أنه يمكن للمرء امتلاك برهانٍ رياضيٍّ كما يمتلك لوحة لرامبرانت؟ (كان في صياحه القدْر نفسه من الذهول والتسامح المتعجرف.) إن هذه اللوحات التي تملكُها في السر، كيف تأكدتَ أنها أصليةٌ وأنهم لم يبيعوا لك لوحاتٍ مزيفةً؟

توتر دون أوتافيو، وبنبرةٍ باردةٍ: الذي قد يكون خدعني لن يكون هنا ليفخر بذلك.

المسألة ليست هنا. إن عازف الفلوت، هناك في إطارها، لقد تطلب الأمر منك أن تحللها لكي تتأكد إنها لفيرمير. مهما كنتَ خبيرًا، فإنك لم تتمكن من القيام بذلك بنفسك، واضطررت للجوء إلى خبير، الذي استطاع بعد تحليلها، أن يطمئنك أنها ليست لوحةً «مزيفةً». هذا الخبير الذي ضمن لك أصالة اللوحة ألم ينتزع منك ملكيتها بمجرد أن فحصها فحصَ خبيرٍ وتحقق من أنها أصليةٌ؟

تزايدَت حيرة دون أوتافيو من كلام السيد روش، وكان يستمع إليه بانتباهٍ: كل ذلك صحيحٌ.

لقد قلب السيد روش علاقة القوى. إن دون أوتافيو هو الذي كان يسأل في الوقت الحالي:

«لكن إلى أين تريد أن تصل؟»

– ببساطةٍ إلى ما يلي: إن براهين الجار، إذا وضعتَ يدك عليها في يومٍ ما، مَن الذي يضمن لك أنها صحيحةٌ، وأنها في النهاية ليست مجرد هذيان محشوٍّ بالأخطاء؟

– ليس معقولًا أن تقول ذلك. براهين الجار، هذيان محشو بالأخطاء!

– أسحب «هذيان». إلا أن ذلك لا يمنع أن مئات من علماء الرياضيات قبله، قلت لي ومن بين أكبرهم، حاولوا إثبات هاتين الحدسيتين وفشلوا. وبالتأكيد، اعتقد كثيرون منهم أنهم أثبتوا هاتَين الحدسيتَين وانخدعوا في ذلك. لماذا لا يكون الجار مثلهم؟ إن مَن يستطيع أن يؤكد لك أنها صحيحةٌ يجب أن يكون عالم رياضيات، فضلًا عن أن يكون عالم رياضيات ممتازًا. باستثناء أن … باستثناء أن … بمجرد أن يعلم بها، فإنه سوف يمتلكها بقدْر امتلاكك لها. بل في الواقع، أكثر منك. بما أنه سيكون قد فهمها. وسيُمكِنه نشرها عندما يريد ذلك. إن مَن استطاع إقرار صحة برهانٍ يكون قد عرفه!

كان دون أوتافيو يغلي: في صقلية، يوجد تعبيرٌ يطبق هنا أكثر من أي مكانٍ آخر: القبور لا تتكلم.

انتفض السيد روش، مفزوعًا: ما الذي تريد قوله؟

– كنتُ أمزح، كان ذلك فقط لكي تعلم أن هناك دائمًا حلولًا لكل المشكلات.

فكَّر السيد روش مجددًا في القضايا الثلاث الخاصة بالعصور القديمة. كان مهزوزًا. إن الأمر لا يتعلق بتمرينٍ مدرسيٍّ، أو بتبادل حججٍ أو بمناظرةٍ خطابيةٍ، لكن الأمر يتعلق بشيءٍ أخطر بكثيرٍ. ربما تكون حياة بشرٍ معرضةً للخطر. كان لا بد أن يستعيد التفوق بأي ثمنٍ. كان عليه أن يقنع دون أوتافيو بأن مطاردته للبراهين محكومٌ عليها بالفشل في جميع الحالات.

– كنت تمزح، استأنف السيد روش، إني أفضِّل ذلك. إن كل ما امتلكته حتى الآن، كان … كيف أقول ذلك، نعم كان له دعامةٌ ماديةٌ، الأملاك، السيارات، الخيول، اللوحات، حتى النساء، كانت لها أجسامٌ ماديةٌ.

– إيه، حسنٌ، لحُسن الحظِّ! أنتَ دائمًا عجيبٌ كما كنتَ.

– لكن مع الرياضيات، صادفتَ صعوبةً غير متوقعةٍ. إنها قوة الأفكار. ليس لها دعامة! كان صديقٌ يتحدث عن خفة الوزن غير المعقولة التي تتمتع بها الأفكار، هذه البراهين لن تستطيع امتلاكها أبدًا. دعك منها، يا تافيو.

– إنك تتكلم مثل لحاد. أجئت إلى هنا لكي تدمر روحي المعنوية، أم ماذا؟

– يبدو أنك نسيتَ إنني لم آتِ إلى هنا بإرادتي. نعم، إنك تواجه مفارقةً. لديك حجر في يدك، ولا تعرف إن كان زجاجًا أم ماسًا، ولكي تعرف ذلك، يتعين عليك استدعاء ساحر. بمجرد أن يرى ما لديك في يدك، إذا كان حجرًا يقول لك: «إنه حجرٌ». وإذا كان ماسًا، فسيتحول الماس أمام عينَيك إلى حجرٍ.

– لقد فاتك شيءٌ، يا أستاذ فيلسوف: أنا مقتنعٌ بأن براهين جروسروفر صحيحةٌ. وهذا فقط يكفيني. ولذلك، وعليك أن تتنفس الصعداء، لن أحتاج إلى قتل عالم رياضياتٍ ممتازٍ لكي أتأكد من أي شيء كان. (ثم مبدلًا النبرة) نتكلم، نتكلم، لكنني لم أحصل عليها بعد، هذه البراهين اللعينة!

لقد ظل واقفًا، مستندًا على عصاه طوال الوقت الذي دام فيه تبادل الحديث. كان يبدو مرهقًا. كنا في بداية الصباح.

قطع الحديث فجأة، وتوجه نحو المرآة، ووضع يدَيه على الإطار، فاختفَى اللوح، وانفتح الباب السري. غادر روش الغرفة. أطفأ دون أوتافيو النور، وخرج بدوره وشغَّل الآلية. انقفل الجدار مثل غطاء تابوت على كنوزه الضخمة.

لقد تم تنظيف المائدة التي تناولا عليها الإفطار. وفُتحَت ستائر النافذة. اقترح دون أوتافيو على السيد روش أن يقوم بجولةٍ في المنتزه قبل أن يصبح الجو حارًّا جدًّا. كان السيد روش تحت تأثير ما اكتشفه توًّا.

– ألا تخشى أن أُخبر الشرطة؟

– لا. قبل أن تصل وأن ينجح الضباط في الدخول إلى المصلى، سيكون قد تم نقل اللوحات. وأنت تعرف هنا، ما، ما نفعله مع … في فرنسا تقولون «الوشاة».

وأضاف:

«خاصةً إذا كان صديقًا.»

في وسط الأشجار، كان الجوُّ لا يزال لطيفًا. رفع السيد روش رأسه، كان ورق الشجر كثيفًا لدرجة أن الشمس لا تنجح في النفاذ من خلاله. تابع دون أوتافيو نظرته، ثم، فجأة: لقد قلتُ لنفسي: لا يمكن أن يكون الجار لم يترك آثارًا لهذه البراهين. لا أستطيع تخيل ذلك. أن يكون قد عمل كما لم يعمل أحدٌ طوال عشرات السنوات، ثم يترك نتائجه تضيع! إذن، تساءلت ما هي الآثار التي يمكن أن تكون قد تركها، وبشكلٍ أكثر تحديدًا، ما نوع هذه الآثار؟ نصٌّ مكتوبٌ، أسطوانات، شريط مغناطيسي، شريط فيديو ميكروفيلم؟ لقد فكرت حتى أنه قد يكون حفرها على الحجر! وتساءلتُ أين كان يمكن أن يخفيها.

للسبب نفسه الذي ذكرته — أترى أننا نلتقي — لقد قلتُ لنفسي إن أية دعامة مادية تنطوي في حد ذاتها على خطر أن تُكتشف؛ وبالتالي أن تبوح بالسر إلى مَن يكون قد وضع اليد عليها.

توقف.

«انظر إليه، لا يبدو عليه أنه فقَد الشهية.»

في صف الممشى، لمح السيد روش عريشًا مغطًى بالخضرة، كان ماكس جالسًا أمام وجبة إفطارٍ.

– إنه يقظٌ، هذا الصغير، متمردٌ حقيقيٌّ وزوجتك، ما اسمها؟

– ليس لديَّ زوجةٌ.

– أنت أرمل؟

– أنا لم أتزوج.

– وأنا أيضًا. هذا غريبٌ. لم يتزوج أحدٌ منا نحن الثلاثة. لا الجار، ولا أنت ولا أنا. لدينا، في صقلية، هذا أمرٌ غير مقبولٍ. يجب ترك ذريةٍ، من أجل الاسم. أنا، تريد أن أقول لك، إني لا آبه بذلك. إذن، هو مَن، إذا لم يكن حفيدك؟

– إنه مِثل حفيدي.

– وبالنسبة إلى أذنَيه؟ هل فعلتَ شيئًا؟

– والدتُه حاولَت، لكن كان الوقت قد تأخر جدًّا عندما تبنَّته، كان أصمَّ.

– لقد كلموني عن توءمٍ. هل هما متبنَّيان أيضًا؟ أين هما في هذه اللحظة؟

– هل هذا استجوابٌ أم ماذا؟ لن أتكلم إلا في حضور المحامي الخاص بي!

ابتسم السيد روش. كانت أول جملةٍ نطقها نوفيوتشر عندما أحضره ماكس من سوق السلع المستعمَلة.

تاركًا دون أوتافيو، تحرك السيد روش نحو العريشة. ماكس لم يسمعه قادمًا؛ لذا لم يستدرْ إلا في اللحظة الأخيرة.

أسرع السيد روش في سؤاله إن كان قد تكلم مع أي شخصٍ عن مكتبة الغابة ورسائل جروسروفر. كان ماكس لم يقلْ كلمةً عن ذلك. طلب منه السيد روش ألا يقول شيئًا.

– أعدك بذلك. لقد تكلمتُ في السابق أكثر من اللازم. وبسببي أنت هنا الآن. كانوا لا يعرفون سوى اسمٍ واحدٍ، ليارد. كانوا يعتقدون أن اسمك ليارد، مثل بيرت. عندما وصلتُ هنا ورأيتُ دون أوتافيو، كنتُ غاضبًا جدًّا لدرجة أنني قلتُ له: «عندما يعلم السيد روش أنك خطفتني، سترى ماذا سيحدث لك!» وبمجرد أن سمع اسمك انتفض. وسألني: «ما عمر السيد روش الخاص بك؟» «نفس عمرك»، قلتُ له. عندئذٍ توقف وكأنه تلقى ضربةً على رأسه. وقال: «بيير روش؟» قلتُ: نعم، بيير! فكَّر وقال: حسنٌ، سنجعله يحضر، هذا البيير روش! وفي تلك اللحظة أدركتُ أنني اقترفتُ حماقةً.

– بالمرة يا ماكس. على النقيض من ذلك. سترى، سنتخلص من هذا الوضع.

– الماكر لم يقلْ لي إنه يعرفك. وتاه دون أوتافيو في أفكاره. وبعد لحظةٍ، سألني: «هل السيد روش الخاص بك تكلَّم عن سيد اسمه جروسروفر؟» عندئذٍ، قلت: «جرو ماذا؟ إنه اسمٌ مضحكٌ، هذا.» عندئذٍ رحل دون أوتافيو.

– برافو، يا ماكس! (فرك السيد روش رأس ماكس). ولا كلمة بشكلٍ خاصٍّ عن رسائل مانوس والمكتبة! إلا إذا أجبروك على ذلك.

– سأكون أخرس مثل الأصم.

– لا، صاح السيد روش. (خافضًا النبرة على الفور، همس وهو ينطق الكلمات جيدًا:) إذا أجبروك، فتكلم على الفور، أتسمعني، يا ماكس. على الفور!

جذبَت صرخة السيد روش انتباه دون أوتافيو. سار نحو العريشة: إذن، انتهت هذه الأسرار! أتعرفون أن هناك ميكروفونات في كل مكانٍ هنا؟

شعر السيد روش بقلبه يدقُّ بعنفٍ.

«ثم إنك تمنعه من تناول إفطاره. في سنِّه، يجب أن يأكل جيدًا في الصباح، مثل الإنجليز، بريكفاست.»

«إذن، يا بيير روش، سنواصل هذه النزهة!» وابتعدا.

– كنتُ أقول لك إن أية دعامةٍ ماديةٍ كان الجار سيعهد إليها ببراهينه تحمل مخاطرة أن تُكتشف؛ وبالتالي تبوح بالسر إلى أي شخصٍ يكون قد وضع يده عليها. إلا إذا كان الجار، لكيلا يتعرض لهذه المخاطرة، استودعها شفويًّا لأحدٍ.

عندما نطق «شفويًّا»، ارتعد السيد روش. لكن دون أوتافيو، منهمكًا في سرده لم يلحظ شيئًا. واستمر، مسترجعًا كل مرحلةٍ من المسار الذي قاده إلى الحل: لكن الشخص الذي يكون قد عهد إليه بها يستطيع أن ينشرها فورًا. إن ذلك تحديدٌ ما قلته بالنسبة لموضوع الخبير. إذن؟ … كان لا يمكن أن يكون دعامةً ماديةً أو إنسانًا! شريط تسجيل مغناطيسي دون أن يكون شيئًا! ذاكرة ليس لديها دعامةٌ، ماديةٌ!

كان السيد روش يتابعه جملةً بجملةٍ. إلى أين يريد أن يصل؟ كرر دون أوتافيو، فخورًا باستنتاجه الطويل:

«ذاكرة ليس لديها دعامةٌ ماديةٌ؟ ببغاء!»

كان مزهوًّا.

تريد أن تقول إن … اسم الرب، سيكون هو اﻟ …

– «اﻟ» ماذا؟

كاد أن يقول «الرفيق المخلص».

– نعم، يا بيير روش، الببغاء، هذا نفسه!

مستحيلٌ! كان السيد روش عاجزًا عن تصديق ما يسمعه. لم يكن يبدو على دون أوتافيو إطلاقًا أنه يمزح. في لمح البصر، فكر السيد روش في الأطفال، في بيرت، طوال شهور كان لديهم هم الخمسة الحل أمام عيونهم! ها هي على الأقل إحدى قضايا شارع رافينيون الثلاث قد حُلَّت، لكن هل حُلَّت حقًّا وهل نوفيوتشر حقًّا هو الرفيق المخلص الذي تكلم عنه جروسروفر؟

«الحيوانات، هنا، لقد تبنَّيتُ عشراتٍ منها. إن أقلَّ ما يُقال إنه كان لدينا مناقشاتٌ طويلةٌ معًا. مناقشاتٌ طويلةٌ! لقد كتب جروسروفر ذلك في رسالته. لقد كتب جروسروفر كل شيءٍ في رسالته! لقد قال لي كل شيءٍ. وأنا لم أسمع شيئًا! ألغازٌ ورموزٌ … إنه أنا الأصم. أما ماكس فقد رصد على الفور الجملة.»

تفحص السيد روش خفيةً دون أوتافيو. كانت جدية وجهه تشهد بصدق ما قاله توًّا. ضابطًا نظرته، دوَّن أوتافيو تفحُّصه: ماذا بك؟ يبدو عليك الاضطراب.

– يبدو عليَّ الاضطراب؟ هل يجب ألا أبدو مضطربًا؟! تشرح لي بكل الجدية الممكنة في العالم أن صديقنا الجار عهد بأسراره الأثمن، وليست أية أسرار، البراهين الرياضية، براهين سيتكالب عليها كل علماء الرياضيات في العالم كلِّه، عهد بها لببغاء! ولا يجب أن أبدو مضطربًا؟ ربما كان عليَّ أن أقول كما في الأفلام: «أمرٌ بسيطٌ، يا عزيزي دون أوتافيو» لقد كان لديك الوقت للتعود على هذه الفكرة. أنا، اكتشفها في هذه اللحظة.

كان السيد روش يحرك بعصبيةٍ يديه المُمسِكة بقوةٍ بعَجلات المقعد:

«أفهم الآن استبسالك في استعادة الببغاء.»

وهو يقول ذلك، كان على السيد روش الإقرار بأن ذلك مبرر إضافي لتصديق ما كان دون أوتافيو يؤكده. كان لا بد من وجود سببٍ خطيرٍ لكي يبذل رجل مثله كل هذه الجهود لاستعادة ببغاء.

– كلما تقدم بي العمر قلَّ صبري، ولا يرفض الآخرون طويلًا ما قررتُ الحصول عليه.

انتفض السيد روش، لقد استخدم دون أوتافيو الجملة نفسها التي استخدمها جروسروفر ليصفه.

وتغلب الشك من جديد: لكن في النهاية، ما الذي يجعلك تصدق أمرًا مستبعد الحدوث إلى هذه الدرجة؟ كان يبدو عليه الذهول لدرجة أن دون أوتافيو انفجر ضاحكًا: مستبعد الحدوث؟ لأنك لم ترَ صديقك الجار مع ماماجينا الخاصة به.

– مع مَن؟

– ماماجينا! كان اسمه قبل أن تقرروا تسميته … نوفيوتشر، أليس كذلك؟

– هل هي أنثى؟

– إيه نعم، لم يكن راضيًا أن يعهد ببراهينه إلى ببغاء ذكر، عهد بها الجار إلى أنثى ببغاء!

«لا أحد يستطيع وقْف التقدم»، أفلت السيد روش.

ووصف دون أوتافيو للسيد روش الروابط التي عقدها جروسروفر مع ببغائه الأنثى.

– لقد أخذها معه منذ وصوله إلى مانوس، كان عمرها لا يتجاوز بضعة أسابيع. ولم يفترقا منذ ذلك الحين. نصف قرن! كان يمكن الاحتفال بيوبيلهما الفضي. كان يصحبها معه أينما ذهب، في نزهاته في قلب قلب الغابة وعلى النهر عندما كان يبحث عن الذهب والماس. وبعد ذلك عندما كان يقوم بعمليات تهريب. كان يتكلم معها لساعات كاملةٍ وكأنها صديقةٌ قديمةٌ. كان يجب أن تراهما. إنها ببغاء أمازونية زرقاء، من أحسن الببغاوات المتكلمة. عندما كان يعمل في مكتبته حتى الفجر، كانت تظل واقفةً على مجثمها دون أن تقول كلمةً. أعتقد أنها كانت أكثر ما كان يحرص عليه، اختتم دون أوتافيو، بالإضافة إلى براهينه بالطبع، ومكتبته.

– ونحن الذين اعتقدنا أن مهربي الحيوانات هم الذين خطفوا الببغاء، أفلت السيد روش.

– دون أوتافيو، مهرب حيوانات! سيجعل ذلك الأصدقاء يضحكون، عندما أحكي لهم ذلك. مع حيلٍ مماثلةٍ، ستدمر سمعتي. اطمئن، لم تكن بعيدًا جدًّا عن الحقيقة، كان هناك في الواقع مهربو حيوانات اهتموا عن كثبٍ بالببغاء.

قرعٌ على الباب. دخل الشخص الكبير الأنيق، قال بضع كلماتٍ في أذنٍ دون أوتافيو.

«عن إذنك. سأعود فورًا.»

جات المقاطعة في ميعادها، كان السيد روش يجد صعوبةً في استيعاب ما كشفه له دون أوتافيو. أول فكرةٍ عنَّت له كانت خاصة بليا، سيسعدها ذلك كثيرًا: أول ببغاء رياضي كان أنثى! لقد ثأرت ماماجينا لهيباشيا.

عاد دون أوتافيو، استقبله السيد روش: إيه حسنٌ، أنت حاليًّا راضٍ تمامًا، يا دون أوتافيو! (أكد على الاسم) إن هذه الببغاء عندك! فهي في مكان تربية الطيور الخاص بك. ما الذي تحتاجه أكثر من ذلك؟ لا أرى ما تريده منا؟ احتفظ ببراهينك، خبئها في خزانتك واتركنا وشأننا. أفرجْ عن الصبي واتركنا نعود إلى ديارنا.

– ستبقى هنا الوقت الذي أريده! قال دون أوتافيو بنبرةٍ باردة.

– لن تكلمني بهذه الطريقة! صاح السيد روش. لستُ واحدًا من خدمك.

مندهشًا من حدة السيد روش، ضغط دون أوتافيو على فكِّه. ولمعت عيناه ببريقٍ مخيفٍ. ثم هدأ فجأة. إن السنوات الثماني التي تفصل بينهما منذ فترة شبابهما، لن يستدركها أبدًا. للأبد سيظل روش الأكبر سنًّا، وهو، تافيو، رغم كل سلطته، لن يستطيع شيئًا تجاه ذلك. يستطيع إجباره، الاحتفاظ به قسرًا، لكنه لا يستطيع أن يتحدث معه بهذه النبرة. لقد فهم ذلك. وبصوتٍ هادئٍ أسرَّ له: إن الببغاء لم تتكلم.

– نوفيوتشر لم يتكلم؟

– ولا كلمة!

– إنه أكثر ببغاء ثرثار عرفته! إنه حقًّا صاحب مزاج، قال السيد روش دون أن يتمكن من إخفاء إحساسٍ صغيرٍ بالزهو. ألا يريد أن يتكلم؟

– لا يستطيع! صرخٌ دون أوتافيو. إنه فاقد الذاكرة، أتسمعني، فاقد الذاكرة!

هل يموت المرء من الضحك؟ كاد السيد روش أن يسقط من مقعده. وقال لنفسه، إن دون أوتافيو، رغم هيئته الشرسة، فإنه في النهاية طريفٌ. لا سيما أنه أضاف: وأجد نفسي مثل أي وغدٍ غبيٍّ، أنا دون أوتافيو! مثل لصٍّ صغيرٍ يدعو للرثاء أمام خزانة مليئة بالدولارات ويدرك أنه لا يملك المفتاح ولا الشفرة، ولا الأدوات لكي يكسر الخزانة. في الوقت الحالي توجد البراهين دائمًا في دماغ هذه الببغاء اللعينة. وإذا كنتُ قد أحضرتُ الصغير، فذلك لأنه الوحيد الذي يستطيع المساعدة على إخراجها من دماغها.

لمعت عيناه فجأة: أتعرف أن الببغاوات في الطبيعة، لا تقلد الأصوات التي تسمعها، ولا تغريد الطيور الأخرى؟ وأن الببغاوات التي تعيش في الأسر مع ببغاوات أخرى لا تتمكن من الكلام؟ كما لو أن صحبة أمثالها تكفيها لكيلا تشعر بالملل.

توقف، وبدا كأنه يفكر:

«لماذا لا يتكلمون إلا عندما يعيشون في الأسر وفي اتصالٍ مع البشر؟»

– بالتأكيد لكي يُعهد لهم ببراهين رياضية. أجاب السيد روش بنبرة بداهة.

إنها مطيرةٌ استثنائيةٌ. أوسع وأعلى من المعتاد، لا يوجد مثلها إلا في حدائق حيوانات البلاد الحارة، على الأكثر!

كان ماكس يقف في الأسفل في الخارج، ونوفيوتشر في الأعلى في الداخل. كان ماكس يتكلم. ونوفيوتشر لا يجيب. كان مكورًا! منسحبًا في عزلةٍ جليلةٍ، كان لا يقبل وضعه كسجين. في سنِّه، يتواجد وراء قضبان! إن كان من الممكن إدخال زرافة وفرس بحر في هذه المطيرة، لفرط ما هي كبيرة، فإن ذلك لا يغير من الأمر شيئًا، وكذلك كون أنه لا يوجد أي خراء على الأرض لا يغير من الأمر شيئًا! بالنسبة لببغاء، لا يوجد سجن أربع نجومٍ.

لقد كان دائمًا طائرًا منفردًا وها هو محبوسٌ في زنزانةٍ جماعية، مختلط بطيور أخرى تصفر صفيرًا خفيفًا، سعيدة بمصيرها! لكن ما الذي أوقعني مع طيورٍ مماثلة؟! إن القبول الذي يظهرونه بوضعهم كان يثير اشمئزازه. للمرء الحق في أن يثور! وماكس في الأسفل يوصيني بالصبر ويطلب مني التوقف عن الإضراب عن الطعام، إنه أمرٌ سهلٌ بالنسبة له؛ فهو حرٌّ. عجبًا، ها هو السيد روش الآن!

لاهثًا، لحق السيد روش بماكس وحكى له ما عرفه توًّا. كان ماكس ينظر لشفتَي السيد روش بأقصى انتباه، راغبًا ألا يترك كلمةً تفلِت.

عندما أنهى السيد روش حديثه، استدار ماكس نحو المطيرة ونادى على الببغاء. نوفيوتشر الذي رفض أن يسمع شيئًا منذ أن حبسوه في المطيرة، نزل من علوه ورفرف حتى ماكس. دس ماكس يده عبْر القضبان، وربَّت بحنوٍّ على الندبة التي على جبهته واستسلم نوفيوتشر لذلك.

اقترب بستانيٌّ – سجانٌ، كان منذ بضع دقائق يراقب المشهد، وفي يده مقص البستنة. تساءل السيد روش كيف يمكن للرجل أن ينجح في الإمساك بزهرةٍ واحدةٍ من فرعها بمثل هذه الأيدي الضخمة.

انطلق ماكس صارخًا: «شيوزو، شيوزو!»

فابتعد البستاني – السجان.

وفجأة، بدأ نوفيوتشر يصيح خافقًا بجناحيه بعنفٍ. لم يفهم ماكس شيئًا، لقد كان منذ لحظةٍ خائر القوى. كان نوفيوتشر متشبثًا بالقضبان، ومنقاره المتوعد متجهًا نحو الخارج على بُعد عدة أمتار من المطيرة، من الشخص الصغير الأنيق. كان ينظر بحقدٍ وخوفٍ في اتجاه نوفيوتشر كانت الضمادة التي تحيط بإصبعه الصغير تتفجر بياضًا تحت الشمس الحارقة.

قال السيد روش لنفسه، إن نوفيوتشر، رغم الإضراب عن الطعام الذي بدأه منذ رحيله من باريس، ليس قريبًا من الموت.

هدأ نوفيوتشر. كان منهكًا. تكلم ماكس بصوتٍ خفيضٍ إلى السيد روش: «إنه لم يأكل شيئًا منذ باريس؟ إذا لم نفعل شيئًا، فسيموت، أنا متأكدٌ. سأقول لك، يا سيد روش، أنا لا تعنيني كل تلك القصة. الشيء الوحيد الذي يهمني، هو نوفيوتشر. أنا مسئولٌ عنه. وبالتالي أنا أخطرك، سوف.. أتعاون. لو كان نوفيوتشر يستطيع أن يعطي هذه البراهين، إلى هذا المجنون دون أوتافيو، فليعطها له! وسأبذل كل جهدي من أجل ذلك.»

فضل السيد روش ألا يتحدث عن ماماجينا. تكفي مفاجأة واحدة.

١  شجرة للتزيين. (المترجم)
٢  شارييد اسم دوامة في مضيق ميسين قريبة من صخرة اسمها سيلا. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦