أرخميدس، مَن يستطيع اليسير يمكنه الكثير
غادرت السيارة الليموزين الطويلة القصر في حوالي الساعة الخامسة. كان دون أوتافيو هو الذي يقود، وإلى جواره السيد روش، مستقرًّا بشكلٍ رائعٍ على مقعد من الجلد الطري، ينظر إلى المنظر الطبيعي الذي يتتابع أمامه. بعد قليلٍ، تعرَّف على الطريق الذي قادهما إلى أذن ديونيشيوس، يوم وصولهما، منذ يومين فقط! تجاوزت الليموزين سجن محجر دل باراديزيو، وسارت بمحاذاة مغارة الكوردييه. هناك دائمًا هذه النباتات الاستوائية وهذه الجروف الصخرية الكلسية التي تسقط عموديًّا على البحر وهذه المحاجر الضخمة. لم ينطق دون أوتافيو بكلمة. انعطفَت السيارة يسارًا. وبلغت أحد الشواطئ. تغيَّر المنظر الطبيعي؛ فقد كانوا يعبُرون مقبرة جروتيسلي الكبيرة. كان السياح خارجين منها! والطريق يزدحم بهم. يضعون مناديل على رءوسهم، ويرتدون شورتات واسعة تسمح لهواء البحر أن يداعب سيقانهم المشعرة، كانوا يمشون بنشاط الجنود الإنجليز وهم ينقضُّون على العلمين. هدأ دون أوتافيو من سرعته. وبعد إطلاق آلة التنبيه عدة مراتٍ، تفرَّق السياح مثل طيور السمانى المطرودة من حقل قمح، في وسط زقزقتهم، بدأ دون أوتافيو يتكلم: لم أكن وافيًا تمامًا، بالأمس، عندما تحدثت معك عن قراري بالحصول على براهين الجار. ما قلته لك صحيحٌ، لكنى لم أحدثك عن شيءٍ رئيسيٍّ. إن في كل هذه القصة، كان الأمر يتعلق بالرياضيات. لو أن الجار كان عمله منصبًّا على أي مجالٍ آخر، لكان الوضع مختلفًا تمامًا.
وفجأة.
«هل رأيتَ من قبلُ خريطةً لصقلية؟»
وبطرف إصبعه، رسم على الزجاج الأمامي للسيارة ثلاثة خطوط، مثلما فعل ماكس خلال الجلسة الخاصة بفيثاغورس.
«أتعرف كيف كانوا يسمونها في العصور القديمة؟ الأرض ذات النقاط الثلاث. رأس بيلور في الشمال الشرقي، ورأس ليليبيو، في الغرب، ورأس باشينام في الجنوب الشرقي. مثلثٌ حقيقيٌّ، يتجه كل ضلع منه نحو بحرٍ مختلفٍ، البحر الترهيني، وبحر أفريقيا، وهنا، أمامنا، البحر الإيوني.»
حدَّد بإصبعه نقطةً خياليةً داخل المثلث الخيالي الذي كان يراه كما لو أن الجزيرة تمتد أمام عينَيه:
«في مركز ثقل المثلث، مدينة إينا. ومن هناك تنطلق ثلاث سلاسل جبلية، تسير كلٌّ منها نحو البحر، وتقطع الجزيرة إلى ثلاث مناطق. لقد وُلدت في جزيرة هندسية ممنوحة للرياضيات إن ذلك يخلق روابط.»
كان السيد روش، غائضًا في المقعد الذي تدعو ليونته المتناهية إلى النعاس يستمع إلى دون أوتافيو. لم يلحظ أن هناك سيارةً تتبعهم منذ مغادرتهم القصر، وتسير على بُعد مسافةٍ منهم.
«كان آخر عام دراسي لي، وفي عصر يومٍ ما، لا بد أن ذلك كان أثناء عيد الفصح، صحبَني مدرسي على طريق أجريجنت، الطريق الذي نسير عليه الآن.»
أوقف دون أوتافيو السيارة على الممر الجانبي على حافة الطريق. وأنزل زجاج النافذة، وأشار إلى صخرةٍ فاغرةٍ في البعيد. تحت الأشواك والعوسج، كان يمكن تمييز أطلال.
«لقد اقتربنا من المغارة، وجثا المدرس على ركبتيه وأراني الآثار المنحوتة في الحجر. كان الزمن قد محاها تمامًا تقريبًا. وعلى الأرض، رسم ما كانت تمثله هذه الآثار المنحوتة: كرة وأسطوانة مندمجتان. لقد كنا أمام قبر أرخميدس!»
رفع دون أوتافيو زجاج النافذة. وانطلقَت الليموزين مجددًا بلطفٍ. كان المحرك صامتًا جدًّا لدرجة أن السيد روش اعتقد أن أداة التماسِّ مفصولة.
لماذا أسطوانة وكرة؟ سأل دون أوتافيو؛ لأنه برهن أن حجم الكرة يساوي ثلثَي حجم الأسطوانة، وأيضًا أن النسبة نفسها تحكم مساحتهما، وأثبت كذلك أن حجم المخروط يساوي ثلث حجم الأسطوانة، كما أن مساحة الكرة أربعة أضعاف مساحة إحدى أكبر دوائرها.
التقط نفسه بصعوبةٍ. نظر إليه السيد روش مذهولًا.
«إن ذلك يدهشك، أليس كذلك؟ لم أدرس في السوربون مثلكما أنتما الاثنَين، لكن في التاباك قبالتها تمامًا! (انفجر ضاحكًا.) انظر!»
بينما يقود، أخرج سلسلة مفاتيحه.
– انتبه! صاح السيد روش.
تفادت الليموزين راكب دراجة كان يصعد متمايلًا يمينًا ويسارًا على الطريق لهضبة إبيبوليس.
مد دون أوتافيو يده بالسلسلة. إنها من الذهب المطعَّم بالماس. على أحد وجهَيها يوجد هذا الشكل:
وشعارات صقلية منحوتة على الوجه الآخر. داخل مثلث منقوش بدقة، ثلاث سيقان رجالية في خضم مباراة جري؛ حيث تركض كل ساقٍ في اتجاه وترتبط من أعلى بزخرفةٍ هندسية تمثل رأس امرأةٍ مفتوحة الفم، وشَعرها من الثعابين المجدولة. كان عمل الصائغ يتميز بإتقانٍ مبهرٍ.
– أرخميدس، الأرض ذات النقاط الثلاث، صقلية. أتفهم بشكلٍ أفضل الآن؟ قل، لقد فكرت في ذلك توًّا، فجأة! هذه السيقان الثلاث، إنها نحن، بطريقةٍ ما! توجد إشارات أحيانًا … كل ساقٍ تجري في اتجاهٍ مختلف، لكنها مرتبطةٌ.
– بالنسبة للجري، فإنها تجري! غمغم السيد روش.
– أوه، عذرًا. أنت تعرف يا بيير روش، إن ذلك مدهشٌ، لكن …
– … الإعاقة.
– إنها لا ترى. لا أستطيع إدخالها في رأسي. افترِض أن ذلك لا بد أنه يحدث لك كثيرًا.
لم يرُدَّ السيد روش، هزَّ رأسه، مستغرقًا في أفكاره: ثلاث سيقان تجري! واحدة في قبر قرب مانوس والساق الأخرى، منذ عشر سنوات وهي جامدة مثل الرخام. وأنت … آه نعم، أنت تجري نيابة عن الثلاث. لكن سينتهي بك الأمر أن تلهث من فرط الجري.
– لقد حدث ذلك فعلًا!
– بالمناسبة، إنك أحضرتنا هنا، الببغاء، وماكس، وأنا. بينما كان الأبسط أن تأتي أنت إلى باريس.
– فعلتُ ذلك لكي أجعلك تزور قصري.
– لقد أحضرت ماكس ونوفيوتشر هنا قبل أن تعرف أن لي صلةً بهذه القصة.
– أتريد حقًّا أن تعرفَ؟ لقد قلتُ لك إن قلبي ينبح. وأحيانًا، يفعل أكثر من النباح، إنه يعوي. إن الطبيب الذي فحصك طبيبٌ كبيرٌ متخصصٌ في أمراض القلب، وهو يتابعني منذ سنوات، وحذرني أن … أخيرًا قررت ألا أغادر صقلية أبدًا. لا أريد أن أموت مثل أبي، بعيدًا عن هنا، على أرضٍ أخرى. هذا هو سبب عدم ذهابي إلى باريس.
– إذن.
لا أحد منا نحن الثلاثة يجري.
صمتًا.
كان السياح قد اختفوا تمامًا. زاد دون أوتافيو من سرعة السيارة، وانطلقت الليموزين عبر هضبةٍ صخرية. لقد حل المنظر الصحراوي، لهضبة إبيبوليس، محل النباتات الكثيفة. كانت الليموزين تسير بسرعةٍ كبيرةٍ جدًّا حقًّا. أنزل السيد روش زجاج النافذة، لفح وجهه هواءٌ دافئٌ. نظر إلى دون أوتافيو، كانت خُصلات شَعره الفضي الطويلة تتطاير. وقد اختفت هيئته المستبدة، وبحركةٍ آلية، كان يحاول أن يعيد ترتيب شَعره.
توقفَت الليموزين على قمة هضبة إبيبوليس أمام أطلال قلعة. نزل دون أوتافيو، قرع باب منزلٍ صغير. صاح الحارس، دون أن يفتح، أن المتحف يُغلق قبل الغروب بساعة؛ لذلك كان المكان خاليًا، وهو الذي يعج عادةً بالزوار. قرع دون أوتافيو الباب مجددًا، وفُتح الباب. انحنى الحارس، وقد تعرَّف على دون أوتافيو، معتذرًا بفتور. ودون تبادل كلمةٍ واحدة، دخل مسرعًا وعاد بحزمة مفاتيح. كان واضحًا أنه معتادٌ على زيارات دون أوتافيو.
محاطة بثلاثة صفوف من الخنادق المحفورة في الصخر، كانت القلعة مؤثِّرةً. في قاع الخندق الأخير، لمح السيد روش أعمدة الجسر المتحرك. كان البرج الرئيسي للقلعة لا يزال منتصبًا بأبراجه الفرعية الخمسة التي كانت قد بدأَت تكتسي باللون الوردي مع غروب الشمس.
– هل كانت غرفته هنا؟ سأل السيد روش.
– آه، نعم، تعني الخندق الشهير الذي كان يحيط بسريره، مع الجسر المتحرك. إنها حمايةٌ طيبةٌ! في صقلية، لا يكون المرء أبدًا مفرطًا في الحذر.
ألقى نظرةً على المنطقة أسفل القلعة. كانت السيارة التي تبعتهم منذ مغادرتهم القصر تقف هناك، مع حراسه الخاصين. خرج رجل من السيارة. ومثل أي سائحٍ كان يتفحص المنظر الطبيعي بواسطة منظاره المقرب، الذي كان في أغلب الأحيان موجهًا نحو القلعة؛ حيث يتواجد دون أوتافيو، أكثر منه نحو البحر؛ حيث يوجد كمٌّ هائلٌ من الأشياء الجميلة التي يمكن رؤيتها.
متكئًا على عصاه، كان دون أوتافيو، وقد ترك شَعره نهائيًّا للنسيم، يشرح للسيد روش النظام الدفاعي لديونيشيوس، وتنظيم الدفاعات التي جعلَت القلعة منيعةً.
وبإحساس مَن عاش من قبل هذا المشهد، قال السيد روش بصوتٍ خافتٍ: «قلعةٌ منيعةٌ». تحت شمس وسماء البحر الإيوني، هل كنا نبعُد كثيرًا عن البروز، وحسن الصباح وقلعة ألموت؟
مشيرًا إلى أجزاء الجدران المتهدمة الممتدة عبْر الهضبة الموحشة، شرح دون أوتافيو أن السور الطويل الذي شيده ديونيشيوس كان يرسم نصف دائرةٍ ويصل إلى البحر من الجانبَين، محيطًا بالهضبة بالكامل.
هناك، أسفل القلعة كانت تتلاقى تحصينات الجنوب والشمال. كانت سراقوصة محميةً تمامًا. سواء جاء المهاجمون من الجبل أو من البحر. اثنان وعشرون كيلومترًا من المتاريس! كان ذلك مهولًا بالنسبة لتلك الفترة. طريقكم الدائري، في باريس، كم يبلغ طوله؟
– الداخلي أم الخارجي؟
– آه …
لم يتوقَّع دون أوتافيو الضربة.
– يبلغ الخارجي ٣٥٫٠٦٣ كيلومترًا، والداخلي ٣٥٫٠١٤ كيلومترًا.
ذهل دون أوتافيو.
أو حوالي ذلك، أضاف السيد روش.
– نعم، إنه دقيقٌ بشكلٍ تقريبيٍّ … تعالَ، سأريك. من هناك ستفهم كل شيءٍ. لنسرع قبل أن يهبط الليل. استعجله دون أوتافيو، دافعًا المقعد عبر أرضٍ غير مستوية، دون مراعاةٍ للنتوءات البشعة التي كانت ترج السيد روش.
– يمكننا الذهاب بسرعةٍ أقل!
– يجب الوصول قبل غروب الشمس إذا كنت تريد مشاهدة المعركة.
توقف المقعد عند نهاية جبهة القلعة على بُعدٍ، نحو الشرق، كان الظل يغطِّي البحر، متقدمًا ببضع دقائق على سراقوصة.
– أنا متأكدٌ أن أرخميدس عندما نظر إلى البحر من هنا مثلنا، استطاع أن يجزم بأن سطح كل السوائل مقوسٌ. مقوس مثل الأرض، سواء كان ذلك الماء المالح في البحر أو الماء في القهوة الاكسبريسو في قدحي وأنتم في فرنسا، تقولون اﻟ «ماء مسطح».
ضحك، فخورًا بتلاعبه بالكلمات، لكن السيد روش لم يكن يسمعه؛ فقد كان يتأمل المنظر الطبيعي. في الأسفل، كانت المدينة تتمتع بأخر أضواء النهار. بينما الناس يخرجون من المكاتب، كان المشهد رائعًا.
«هذه القطعة الصغيرة المدبَّبة من الأرض التي تتضح هناك، في هذا المكان رسا الإغريق الأوائل. كانوا قادمين من كورنثة. وبما أنها كانت مليئةً بطيور السمانى، أطلقوا عليها اسم أرتيجيا؛ أي جزيرة طيور السمانى. في تلك الفترة، في القرن السابع، كانت جزيرة. على اليمين، الميناء الكبير، وعلى اليسار، الميناء الصغير، الذي كان لديك موعد فيه. وهو يطلُّ على حي الأشاردين.
إن المعركة، هي التي واجهَت مرسلس، أكبر قائد روماني، مع أرخميدس، أكبر عالم يوناني. كانت سراقوصة غنيةً وقويةً وكانت صقلية أكثر جزر البحر المتوسط خصبًا. بدون حبوبها، كانت روما ستموت جوعًا.
دارت المعركة في العام ٢١٥م قبل الميلاد. اندفع مرسلس نحو سراقوصة. إن الهجوم يجب أن يُشنَّ بحرًا وجوًّا في وقتٍ واحد.»
أشار دون أوتافيو بعصاه في اتجاه الميناء الصغير.
«ستون سفينةً شراعيةً حربيةً رومانيةً تواجدت أمام المدينة في تنظيمٍ قتاليٍّ، مندفعةً نحو متاريس الأشاردين، الحي الراقي؛ حيث كان يقطن أرخميدس.»
وعلى الفور، اتخذ رماة السهام مواقعهم، موجهين سهامهم لأعلى الجدار. وتبادل معهم الرماة بالمقلاع، الذين رشقوا المدينة بسُحبٍ من الحجارة. وفجأة انفصلَت ثماني سفنٍ حربيةٍ عن باقي الأسطول. وكوَّنَت هذه السفن، التي ربطَت اثنَين اثنَين بحبالٍ ضخمة، جسرًا طويلًا وُضع عليه سلاحٌ رهيبٌ، سُلم نقال عملاق مجهز بجسرٍ خشبيٍّ لتسلق الأسوار. وفي اللحظة نفسها، هناك، وراءنا …
أدار دون أوتافيو المقعد على محوره وأشار إلى صف المتاريس الممتد عبْر الهضبة.
«تدفق جنود المشاة الرومان من الجبال للانقضاض على المتاريس، آملين فتْح ثغرةٍ ينفذون من خلالها إلى المدينة، بحيث يتم الاستيلاء عليها من الخلف.»
كانت آلات أرخميدس في انتظارهم. يركض الجنود الرومان مكشوفين بلا حمايةٍ مطلقين صيحات الحرب الخاصة بهم لكي يتشجعوا، إنهم آلافٌ. لكنَّ صفيرًا أخذ يطغى على صوت الضجيج. إنها صخور أُطلقت من وراء المتاريس، تعبر الهواء وكأنها حصًى عادي. وقعَت الصخور على المشاة الرومان الذين لم يكابدوا من قبلُ مثل ذلك المطر من المقذوفات المميتة. انكسر الهجوم قبل أن يبدأ. وعلى البحر، كانت المسألة أكثر خطورةً.
أدار دون أوتافيو مجددًا مقعد السيد روش على محوره، فوجد الأخير نفسه من جديدٍ أمام البحر، وضع دون أوتافيو الواقف بجوار المقعد، يده على المسند لكي يتكئ عليه خفيةً. كان الهواء الذي يدخل في قميصه ينفخ القماش ويجعل له كرشًا. كان دون أوتافيو يرى المعركة، ويعيشها كما لو كان أحد المدافعين عن سراقوصة، عائدًا بعد ألفَي عام ليحكي المعركة من وقتٍ إلى آخر، كان يشير بعصاه لتحديد مكانٍ معينٍ من المعركة.
كان السيد روش مستسلمًا. لقد نسي كل شيءٍ، خطف ماكس، والأسباب التي أرغمته على المجيء إلى سراقوصة … كان يستمع إلى دون أوتافيو، مفتونًا بروايته. سيعتقد مَن يمُر من هناك أنهما اثنان من متقاعدي القوات المسلحة الإيطالية في درس استدراكٍ عن الاستراتيجية العليا القديمة.
– كان يتم نصب السُّلم العملاق المزوَّد بجسرٍ. إنه سلاحٌ مرعبٌ؛ فهو نوعٌ من الأبراج يتكوَّن من نظام سلالم منزلقة محمية بألواح. وبوضعها متلاصقة الأطراف، كانت تتجاوز ارتفاع التحصينات. إذا تمكَّن هذا البرج المتحرك من الوصول إلى الجدار، فستكون نهاية سراقوصة. كان الجنود، المستعدون للمعركة، ينتظرون أسفل السلالم. وكان عشرات الرجال يجذبون بكل قوَّتهم لكي ينصبوا السلالم بمساعدة كابلاتٍ مربوطةٍ في أطرافها. بينما كان جنودٌ آخرون يضعون أحبال دعم لسندها وجعلها ثابتةً. كان الهجوم وشيك الوقوع؛ فقد بدأ الجنود يتسلقون السلالم. عندئذٍ مرت صخرةٌ ذات حجمٍ خارقٍ فوق الجدار محدثةً صوتًا مرعبًا. وقبل حتى أن تصل إلى هدفها، شقت الهواء صخرةٌ ثانيةٌ، من الحجم نفسه، وأعقبتها على الفور صخرةٌ ثالثةٌ. لقد أُصيب البرج المتحرك ثلاث مرات. قاوم وهو معلق في الهواء. ساد الصمت. وتركزت كل العيون عليه. ترنح بشكلٍ خفي. وأطلق الجنود الذين تسلقوا السلالم صرخات رعبٍ. والرجال الذين بقوا أسفل السلالم، عندما رأَوا البرج المتحرك يتهاوى على رءوسهم، اختلطت صرخاتهم بصرخات الجنود الذين كانوا يصيحون وهم يتحطمون على الجسر عند أقدامهم. قُذف بالعديد منهم في البحر وغرقوا. وانهار البرج المتحرك، الذي تفكك على جسر السفن الحربية! وقطعت شدة الصدمة الحبال التي كانت تربطهم معًا، وغرق العديد من تلك السفن.
إن السلاح الرئيسي للرومان، الذي وقع ضحية آلات أرخميدس، قد سقط في الماء، محدثًا أمواجًا ضخمة جعلَت القوارب المساندة تنقلب، أمام متاريس الأشاردين.
وعلى السفن الأخرى شاهد الرومان مذهولين تدمير البرج المتحرك. وانخفضت روحهم المعنوية.
لكن أليس مرسلس هو أكبر القادة الرومان؟ أثناء الليل، وفي صمتٍ تامٍّ، جعل مراكبه تتقدم إلى أقرب ما يمكن من المتاريس. أسفل الجدران، اعتقد أنه محميٌّ، وهو ما يحدث عادةً في هذا النوع من المعارك. «إن قوة آلات أرخميدس ومداها الطويل ستجعلها غير فعالة بالنسبة لبلوغ هذا الموقع، ستمر القذائف فوق رءوسنا تمامًا. أما الآلات ذات المدى القصير التي يمكن أن يستخدمها، فإنها عديمة الخطورة.» هذا هو ما فكَّر فيه الاستراتيجي الروماني.
كان أرخميدس قد استعدَّ لذلك. لا شيء مما يخص نِسَب الأوزان والمسافات كان خافيًا عليه.
في الفجر، بينما كان الرومان يستعدون للهجوم، تدحرجَت بسرعةٍ رافداتٌ ضخمةٌ من أعلى الجدران، فضربَت سفن مرسلس على رأسها وصرعَتها. الأسوأ من ذلك أنها عادت من حيث أتت، مثل أسلحةٍ مرتدةٍ ضخمةٍ ممسوكةٍ بحبال قنب غليظة، رفعت حتى قمة المتاريس لتسقط مجددًا على السفن التي اعتقدَت أنها في مأمنٍ. ثم قدَّم أرخميدس اختراعًا آخر من اختراعاته.
بدأ دون أوتافيو يتلو مما رواه تيت – ليف:
«رافعة موضوعة أعلى الجدار، كانت تُطلق على مقدمة هذه السفن يدًا من حديدٍ مربوطة بسلسلةٍ قوية، وتعيد اليد الحديدية إلى الوراء ثقالة ضخمة من الرصاص بحيث ترفع مقدمة السفينة، وتعلق السفينة رأسيًّا على مؤخرتها، ثم بهزةٍ مفاجئةٍ ترمي بها بطريقةٍ كانت تبدو وكأنها تسقط من الجدار. وكانت السفينة تضرب البحر بقوةٍ كبيرةٍ مما يجعل الأمواج تدخل فيها دائمًا حتى عندما تسقط رأسيًّا، مثيرةً بذلك رعبًا عظيمًا للبحارة.»
أعطى مرسلس الأمر لسُفنه بأن تتفرق وتتخذ مكانها على مسافاتٍ مختلفةٍ من المتاريس، بحيث لا يستطيع أرخميدس ضبط قذائف آلاته. ولكن أرخميدس كان قد توقع ذلك.
إن فرقه للمنجنيق والقذائف المضبوطة مثل أنابيب الأرغن، كلٌّ منها مثبتٌ على مدًى مختلفٍ، أطلقَت دفعات مقذوفاتها التي بلغت السفن أينما وُجدت، على أية مسافةٍ كانت من المتاريس.
أعطى مرسلس الأمر لسفنه ألا تظل ساكنةً. لكن القذائف كانت تلاحقهم.
جُنَّ جنونُ البحارة والجنود المحنكين، الذين خاضوا كل معارك مرسلس. لم يروا قط، ولم يتعرضوا قط، لمثل هذا الإنهاك. لقد انهزم أكبر قائد روماني أمام سراقوصة. لم يكن مرسلس يفهم كيف تكون مثل هذه الإنجازات ممكنةً.
لو كان عرف على ماذا كان يعمل أرخميدس منذ سنوات، لأصبح كل شيءٍ واضحًا له. إن أرخميدس يبرع في كل ما يتعلق بفنِّ الموازين والتوازن، ما طول الرافعة، وما الكتلة المطلوب قذفها، وما الثقل الموازن الذي يتعين تثبيته. إنه أستاذ الروافع والموازين، وبمساعدة الهندسة، وضع لها القوانين الميكانيكية. أما أهل سراقوصة فلم يكونوا مندهشين. كانوا يعرفون أرخميدس الخاص بهم!
بدأ دون أوتافيو يتلو:
«إن أرخميدس وهو يجلس على بُعد مسافةٍ قصيرةٍ، ودون أن يبذل مجهودًا، يجذب بيده بهدوء طرف آلةٍ ذات عدة بكرات، فيعيد إليه السفينة الحربية التي تنزلق بخفةٍ كبيرةٍ وبدون عوائق كما لو كانت تشق الأمواج.»
إن أرخميدس بتحقيقه هذا الإنجاز، قد طرح أرضًا أحد مبادئ أرسطو الكبرى التي كان تُلقن منذ قرنٍ، مبدأ عدم القدرة.
– عدم القدرة؟!
«أن يتحمس دون أوتافيو لسراقوصة الخاصة به، فإنها قضيته، لكن أن يتدخل في أرسطو، فإن ذلك يصبح قضيتي، ثار السيد روش في سرِّه. وفي كلمةٍ واحدة: «لا تلمس أرسطو الخاص بي»!»
– نعم، أنا الذي يطلق عليه هذه التسمية. إذا كانت القوة ضعيفةً والمقاومة كبيرةً، تكون السرعة بالتالي صفرًا! هذا بالضبط ما كان يؤكده، فيلسوفك الإغريقي. لو لم يكن مبدأ عدم القدرة، أريد أن أعرف ماذا يكون! كانت القوة المبذولة من أرخميدس وهو يشد المركب ضعيفةً، هل أنت متفقٌ مع ذلك؟ وكانت مقاومة المركب في الماء كبيرةً.
هل أنت موافقٌ؟ وانزلق المركب نحو الضفة! إذن، لقد تحرك؛ ومن ثم لم تكن سرعته صفرًا، متفقٌ على ذلك؟ إذن، مبدأ أرسطو الذي يؤكد عدم القدرة، خاطئٌ تمامًا!
قال السيد روش لنفسه إنه سيفكر في الأمر.
كما صفق أهل سراقوصة لأرخميدس بسبب إنجازٍ آخر، قضية التاج الملكي. كيف كشف أرخميدس غش الصائغ الملكي الذي خلط ذهب التاج بالفضة.
كان السيد روش يعرف القصة، وبابتسامةٍ ماكرةٍ، كان يستمع إلى الرواية التي يحكيها له دون أوتافيو، ولم يتمكن من منع نفسه من أن يصيح متعجبًا: إن ما يجعلك أرخميدس تفعله، هو ضربٌ من الجنون! منذ نصف ساعةٍ وأنت تمجد لي الموازين! أنت الذي كنتَ مستعدًّا، هذا الصباح نفسه، أن تغتالها! لأن، في الواقع، لم يفعل بطلك سوى أنه لم يكُف عن جعل الموازين تتكلم!
نظر إليه دون أوتافيو مذهولًا، متأملًا السيد روش بإعجابٍ غير مكبوتٍ: أنت، إذن، لم تتغير، تجد دائمًا الوسيلة لكي تُخرج شيئًا لم يسمعه أحد قط من قبلُ. هل هذا ما علَّمته لك، الفلسفة؟
دون أن يرد واصل السيد روش: ليس هذا كل شيءٍ! ها هو دون أوتافيو، مهربٌ كبيرٌ أمام الخالق، يبتهج الآن لأن أرخميدس الخاص به كشف مزيفًا! هنا، أنت مَن يدهشني.
– نعم، حسنٌ. أقرَّ دون أوتافيو محرجًا. لا أحدَ كاملٌ.
– إذا استمررت، فسينتهي بك الأمر بأن تحرف الرواية!
– آه، لا تقلْ أشياء قذرة، ما رويته لك توًّا، سمعته لأول مرةٍ هنا تحديدًا، ومن فم مدرسي. ولقد دامت روايته وقتًا أطول بكثيرٍ من روايتي. أن يكون أحد أبناء سراقوصة قد وجه مثل هذه الضربة لهذا الروماني، لا يمكنك تخيل التأثير الذي أحدثه ذلك فيَّ. كنتُ مبتهجًا. إن أرخميدس انتقم لي من كل هؤلاء الناس القادمين من روما، المنتفخين، كل إيطاليي الشمال هؤلاء الذين كانوا يأتون إلى جزيرتنا كبلدٍ محتلٍّ ويعاملوننا معاملةً حقيرةً. وفجأة، هنا، في المكان الذي أكون موجودًا فيه الآن، منذ … أوه، لا داعي لعدِّ السنوات منذ وقتٍ طويلٍ. لقد منحني الفخر بأن أكون قد وُلدت هنا.
وبعد بضعة أيامٍ من عصر يوم عيد الفصح هذا، كنا في الفصل، وحدَّثنا المدرس عن مسلَّمة أرخميدس. أتعرف مسلَّمة أرخميدس؟
– لا. أجاب السيد روش، حانقًا في داخله.
«لن يعطيني الآن درسًا في الرياضيات، لي أنا! بعد كل ما تعلَّمتُه في هذه الشهور الثمانية الأخيرة!» لكن، كان ذلك حقيقيًّا، وكان ذلك مثيرًا للدهشة؛ فطوال الشهور الثمانية لم يتقابل قط مع أعمال أرخميدس. وهو ما أعطى الميزة لرجل المافيا العجوز.
– إيه حسنٌ، سأخبرك بها. قال دون أوتافيو الذي كان يشرب لبنًا رايبًا. قال لنا المدرس، إني أتذكر ذلك حرفيًّا تقريبًا: «يوجد دائمًا مضاعف للأصغر يفوق الأكبر.» لم نفهم شيئًا. عندئذٍ قال لنا: «إذا كان لدينا قطعةٌ مستقيمةٌ صغيرةٌ وأخرى كبيرةٌ يمكننا دائمًا، بمضاعفة الصغيرة، تجاوز الكبيرة.» أحدث ذلك انفجارًا في رأسي. دق الجرس بعد ذلك مباشرةً. كنت أريد أن أتكلم مع المدرس، لكنه كان في عَجلة من أمره. وفي طريق عودتي إلى المنزل، جلستُ على أحد الأطلال التي تراها. وفكرتُ، وكانت أول مرة أفكر. بالطبع، لا بد أن ذلك حدث من قبلُ، لكن دون إرادةٍ مني، بينما في ذلك الوقت أجبرتُ نفسي على التفكير. قلتُ لنفسي، تافيو، إنك أنت القطعة المستقيمة الصغيرة. واتضح كل شيءٍ. قال المدرس إن أرخميدس قال: «مهما كنتَ قطعةً مستقيمةً صغيرةً، تستطيع أن «تتضاعف» وتصبح أكبر من أي قطعةٍ مستقيمةٍ كبيرة. مهما كانت كبيرةً!.»
يوم الأحد التالي، عندما قابلت الكونت، مثل كل أيام الأحد صباحًا، وكان يمُر بساحة القرية، وحيَّاه أبى منحنيًا، قلتُ له في رأسي: «كونك كونتًا كما أنت، سأتفوق عليك!» شعرتُ بدفء في قلبي كما لو كنتُ شربت. لكن كيف أتضاعف؟ منذ ذلك اليوم، هذا ما أردتُ تعلمه: أن أتضاعف للتفوق على أي كبيرٍ، وأكبر الكبراء. وها أنت ترى، لقد تعلمت.
ظل السيد روش صامتًا. إن ما قاله دون أوتافيو قد هزَّه. ثم، قال تقريبًا لنفسه: يوجد دائمًا صغارٌ جددٌ … وبعضهم أيضًا. يريد التفوق على الكبار. ولقد أصبحتَ كبيرًا.
– أنت لا تعرف إلى أي درجة أن ذلك صحيحٌ، لكن أنا، إنني كبيرٌ لم ينسَ أنه كان صغيرًا؛ وبالتالي فإنني مستمرٌّ في مضاعفة نفسي.
– أعرف: «أعطني نقطةً ثابتةً وسأرفع الكرة الأرضية.» إنه أرخميدس الذي قال ذلك. تستطيع كتلةٌ صغيرةٌ، بوزنها الذاتي، بفضل رافعة، أن ترفع أثقل فيلٍ. لكن لا بد أن تعرفَ أين تتموضع!
– ثقْ بي! لقد تحدثت عن أرخميدس، سأروي لك كيف انتهت المعركة.
أمام متاريس الأشاردين هزم أكبر عالم هندسة يوناني، المولود في سراقوصة، أكبر قائد روماني. وبدلًا من العودة إلى الشمال من حيث أتى، استخدم مرسلس سلاح الجبناء: الحصار. ما لم يستطع الحصول عليه بالسلاح، عزم على الحصول عليه بالتجويع. وبعد مضيِّ عامين، كانت سراقوصة ما زالت تقاوم.
إن طول سور ديونيشيوس، الذي شكل حمايةً له، كان سببًا في ضياعه. كيف يمكن مراقبة سورٍ ممتدٍّ لهذه الدرجة طوال مثل هذه الفترة الطويلة جدًّا؟ وأثناء ليلة احتفال، فتحت مجموعة من مواطني سراقوصة، خونة، قذرون لا يفكرون إلا في الأكل بشراهة، بابًا لم يكن محروسًا بشكلٍ جيدٍ في جدار إبيبوليس. وتدفق منه الرومان على المدينة. وتم الاستيلاء على سراقوصة!
اندفع مرسلس يريد أن يرى هذه الآلات التي تسببت في فشله. أُصيب بالانهيار. وفهم لماذا لم يكن يستطيع الفوز في مواجهة مثل هذا العدو، ولماذا ما كان يستطيع أبدًا، بدون هذه الخيانة، الاستيلاء على المدينة بقوة السلاح. ورحل باحثًا عن أرخميدس، الذي تعذر العثور عليه.
بينما المدينة تتلألأ أمام عيني السيد روش بآخر ضوء النهار، يحكى دون أوتافيو عن تلك الليلة من عام ٢١٢م التي سقطَت فيها سراقوصة. لم يجد السيد روش صعوبةً في تخيل المشهد. تنتهي ليلة النهب والسلب. حرائق هنا وهناك! ومجموعات من الجنود السكارى يغنون أثناء خروجهم من منازل أثرياء سراقوصة، يحملون بين أذرعهم أواني مائدة من الفضة وأوعية من الذهب. وكلما ابتعدنا عن الأشاردين، يخفت الضجيج والضوء. ويبزغ النهار على سراقوصة وقد خربت.
صمتَ دون أوتافيو. ثم!
«في بضع ساعاتٍ، في ذلك النهار، يوم عيد الفصح، منحَني هذا المدرِّس عبْر أرخميدس عدة أشياء في آنٍ واحد، الفخر بأنني وُلدتُ هنا، والوسائل لعدم قبول وضعي، وحزن الهزيمة والرغبة في الانتقام. لقد جعلني أشيخ، خلال بضع ساعاتٍ. كان أرخميدس في الخامسة والسبعين عندما مات.»
كان دون أوتافيو متأثرًا بشكلٍ عميقٍ وهو يحكم على هذه النتائج. هذا الرجل المستبد، هذا الشيخ الجليل الذي لا ذرية له، والذي لا يحيط به سوى مستشارين، وحراس، ومحامين، ورجال مصارف لم يكشف، بدون شكٍّ، عن قلبه قط بهذا الشكل التام لأحد. إلا، ربما لجروسروفر، لكن بكل تأكيدٍ ليس بهذا الانفعال وهذه الصراحة. هنا، كان المكان يلعب دورًا، كان دون أوتافيو في مدينته، في المكان ذاته حيث وقع الحدث. لم يكن يروي ذكريات، إنما كان يعيش ماضيه مجددًا.
لقد تأخر الوقت، لنعد إلى المنزل. قال دون أوتافيو بصوتٍ متعَب.
– يا إلهي، صاح السيد روش، نسيتُ أن اتصل هاتفيًّا ببيرت. لقد وعدتُها أن اتصل بها كل مساء قبل الساعة الثامنة. ستشعر بقلقٍ شديد.
في الليل الذي هبط، دفع دون أوتافيو المقعد، عبْر الصخور، ببطءٍ أكثر بكثيرٍ عنه في الذهاب. كان السيد روش يسمعه يلهث من المجهود.
لحقا بالليموزين، واستعاد السيد روش بمتعة ملمس الجلد الطري للمقعد الذي ساعده دون أوتافيو للجلوس عليه، انطلقَت السيارة دون صوتٍ، ثم سلكَت طريقًا فرعيًا عبْر الهضبة.
سارت وراءهما سيارة الحراسة، وقد اقتربت، تتبعهما. كانت الليموزين تسير بهدوءٍ نحو قصر الكونت، الذي حصل عليه دون أوتافيو منذ سنوات.
هبط الليل بسرعةٍ كبيرة. أضاء دون أوتافيو كل مصابيح السيارة.
في صمت الليل، فكر السيد روش مجددًا في هيبياس الإليسي. مثل هيبياس، بدأ دون أوتافيو حياته فقيرًا وختمها ثريًّا جدًّا. بدأت ثروة هيبياس عندما ذهب إلى مدينة إنيكوس، في صقلية؛ حيث ربح أموالًا طائلةً. ولم يعرف أحدٌ كيف تم له ذلك. بالنسبة له، كل القضايا كانت قضايا تقنية. لم يكن يربك نفسه بالنظريات، ولا يمنع نفسه عن أية وسيلة، وكان يلجأ إلى كل الحِيَل الممكنة للوصول إلى أهدافه. صورة طبق الأصل من دون أوتافيو.
– ٤٤٩٦٣ مليارًا و٥٤٠ …
خرج السيد روش بعنفٍ من أفكاره ونظر إلى دون أوتافيو. «إنه يردد حسابه المصرفي، أو ماذا، لكي يثير دهشتي!»
– … مليون عامٍ! هذا هو الزمن الذي كان سيستغرقه أرخميدس، إذا انطلق بسرعة حصان يركض، لكي ينقل الكرة الأرضية مسافة بوصةٍ واحدة بواسطة رافعته! أحد الإنجليز قرَّر حساب ذلك. قال دون أوتافيو وهو يقهقه، حسنٌ، موافقٌ، ما الذي يغيره ذلك الحساب؟ إنه يستطيع نقلها، هذا كل شيءٍ!
– إن القبر الذي أريتك إياه حالًا، القبر الذي أراني إياه مدرسي ليس قبر أرخميدس. لكنه نوع من البناء الروماني. هل يغير ذلك من الأمر شيئًا؟ لا تعتقد أني مغفلٌ. أنا أعشق الأساطير! لكني، كما لاحظت ذلك، لا أحتقر الواقع أبدًا.
كان هناك سؤالٌ يُلح بشكلٍ مستمرٍّ على بيرت. كيف يمكن مساعدتهم، هناك؟ منذ رحيل السيد روش إلى سراقوصة، كانت تبحث، محاولة تذكُّر كل ما جرى منذ وصول الخطاب الأول. من وجهة نظرها، لقد أصبح هناك شيء أكثر وضوحًا بشكلٍ متزايد. لا يمكن ألا يكون جروسروفر قد أرسل إلى السيد روش إشارةً تتعلق بالبرهانَين، حتى ولو كانت إشارةً صغيرةً جدًّا. ليس البرهانان ذاتهما، بالطبع، لكن توضيح، علامة، دليل يتعلق بهما.
قرَّرت الذهاب لتفتش في مكتبة الغابة. على أية حالٍ، كانت عاجزةً عن فعل أي شيءٍ آخر. عبرَت الفناء. كانت رافعة – روش واقفة بمظلتها الكبيرة عند ارتفاع الشرفة، كان السيد روش قد أوقفها هناك قبل أن يرحل. دخلت المرسم. كان في الحالة التي تركه عليها السيد روش قبل أن يسافر مسرعًا إلى صقلية. لا ماكس، ولا السيد روش، ولا نوفيوتشر. كانت مكتبة الغابة خاوية تمامًا. فجأة اندفعَت نحو عدادٍ صغيرٍ مخفيٍّ وراء ستارة. منذ أن تم تركيب نظام الأمن، لا يكون لدى مَن يدخل الغرفة سوى ٤٠ ثانيةً من لحظة دخوله، قبل أن ينطلق جرس الإنذار. بدأَت بيرت تضرب الشفرة. بسيطة، لقد نسيت الباقي! كان جرس الإنذار سينطلق! لحُسن الحظ، نجحت في تذكُّر الجملة التي أبلغها بها السيد روش لتكوين الشفرة:
جلسَت ولم تعرف ماذا تفعل. كانت مضطربةً. إنها المرة الأولى التي تنفصل فيها عن ماكس … خلال اثنَي عشر عامًا! لم يسافر قط في مخيمٍ صيفيٍّ أو في رحلة مع المدرسة. ربما كانت تبالغ في حمايته. لم يكن ذلك لأنه يعتمد عليها، أوه، هذا لا. إنه لا يعتمد عليها ولا على أحدٍ.
مستغرقةً في أفكارها، مسحت نظرتها الأرفف. لمحت الصندوق الموجود هناك منذ وصول مكتبة الغابة، قرَّرت فتحه وترتيب محتواه في الأرفف.
فتحَته: كانت هناك رزمتان من مجلات الرياضيات، كل رزمةٍ مربوطةٌ بعناية. قطعَت الخيوط وبدأَت تضع المجلات على آخر رفٍّ لا يزال خاليًا، مع الحرص ألا تختلط مجلات الرزمتَين.
هل السيد روش أهملها لأنها حديثةٌ؟ أغلبها كان بالإنجليزية، بعضها بالفرنسية والألمانية والروسية.
فحصَت بيرت العناوين لكي تفهم الفرق بين الرزمتَين. لم تجد أي تفسيرٍ. وهي تتصفح أول مجلة، لاحظَت، وهي تقرأ الملخص، أن هناك مقالًا موضوعًا تحته خطٌّ بالحبر.
– أمي! (كانت ليا تناديها من الشرفة) تعالَي سريعًا! هاتف! سراقوصة!
كان ماكس. كان يتكلم إلى جوناثان والسيد روش يكرر لماكس ما كان يقوله جوناثان له. لقد تكلموا جميعًا معًا. عندما وضعَت ليا سماعة الهاتف، انفجرت بيرت في البكاء. أصاب الذهول ليا وجوناثان، لم يعرفا ماذا يفعلان. لا يتذكران أنهما رأيَا أمهما تبكي.
متصفحةً أحد المقالَين، تلقفَت هذه السطورَ القليلة التي تفتتح مقالَ جورو شيمورا:
(١) مقدمة
و
وفجأة، شعرت أنها منهكةٌ بشكلٍ مريع.
جلست جيوليتا وراء مقود سيارةٍ رياضيةٍ رائعةٍ وكان ماكس قد جلس إلى جوارها، جعلت سقف السيارة ينزلق. ورماهما الشخص الصغير الأنيق، الذي لمحهما، بنظرةٍ سوداء.
نُصب سريرٌ صغيرٌ ولطيفٌ في غرفة السيد روش الزرقاء. ونام عليه ماكس على الفور، كانت وجنتاه وجبهته وردية. لقد أصابته ضربة شمسٍ أثناء نزهته مع جيوليتا ماري.
لم يكن السيد روش يشعر بالنعاس. كان لا بد أن يهضم كل ما اكتشفه في هذا الوقت القليل جدًّا. وجود دون أوتافيو، والعلاقات بينه وبين جروسروفر، والعمليات الغامضة لهذا الأخير، ودور نوفيوتشر، وفقدانه الذاكرة الذي يصعب تصديقه، فضلًا عن قصة اللوحات المسروقة والمعلقة في المصلى السري. كان مترنحًا وكأنه تلقى ضربةً.
كم كانت بعيدة مكتبة شارع رافينيون الهادئة! لنتحدث عن ذلك. لقد تم مباشرة حل قضيتَين من قضايا شارع رافينيون الثلاث: شخصية الرفيق المخلص، وتحديد هوية العصابة التي كانت تريد الاستيلاء على البراهين. إنه لأمرٌ قاسٍ إدراك أنهم لم يفعلوا شيئًا لاكتشاف حل القضيتَين. لقد قُدمَت لهم الإجابات على طبقٍ من فضة. باستثناء بيرت: لقد تمكنت من رصد وجود تافيو في قصة قلعة ألموت. إن ضلال السيد روش وحده حال دون أخْذ هذا الدرب في الاعتبار. أما فيما يتعلق بنوفيوتشر، فإن الأمر يدعو للضحك. طوال سبعة أشهر، كانت الإجابة أمام أعينهم. ألم يؤكد السيد روش، الأسبوع الماضي فقط، وبشكلٍ حاسمٍ، أنهم لن يستطيعوا الرد على السؤال إلا بالذهاب إلى مانوس!
وهم مغمورون في المغطس حتى أعناقهم، لم يعرفوا أن يروا الماء وهو يفيض، على نقيض أرخميدس، والأكثر من ذلك أنهم لم يتمكنوا من اكتشاف سبب هذا الفيضان. كان يمكنهم أن يختالوا ﺑ «وجدتها» الخاصة بهم. ومما يبرئ ساحتهم، ضرورة القول إن الحل كان مستبعدًا تمامًا لدرجة أنْ لا أحد كان يمكنه العثور عليه. لا أحد سوى دون أوتافيو، وهنا تكمن قوَّته؛ إنه لا يمنع نفسه عن أي افتراضٍ. هيبياس الإليسي. في هذه المناسبة، كان تفكيره أكثر علميةً منا بشكلٍ فاضحٍ. بالنسبة لنا، كان لا يمكن للرفيق المخلص إلا أن يكون آدميًّا. إنها خطيئة اعتبار أن الإنسان هو حقيقة الكون المركزية. وسان فرانسوا داسيز الذي تكلم إلى الطيور! إن كان هو قد تحدث مع طيور الدوري. فلماذا لا يتحدث جروسروفر مع ببغاء؟ ما أسرَّ به القديس لطيور مدينة شمال إيطاليا الصغيرة ظلَّ سرًّا إلى الأبد. هل سيكون الأمر نفسه بالنسبة للأسرار التي باح بها عالم الرياضيات – المهرب القاطن في مانوس لببغائه ماماجينا؟ هل سيعرف السيد روش ذلك، ربما في الغد؟
مع ذلك، زعيم من صقلية مفتون بعالم هندسةٍ قديمٍ! أن يكون أرخميدس شخصيةً تبعث على الفضول والإعجاب، ليكن، لكن في حالة دون أوتافيو، يتعلق الأمر بشغفٍ حقيقيٍّ لصيقٍ به منذ الطفولة.
فجأة، تذكَّر واقعةً لم يُعِرها اهتمامًا في وقتها. خلال جلسات الرياضيات العديدة، لم يتناول حقًّا أرخميدس. لامسه مرةً أو مرتَين على أكثر تقديرٍ، مع الأخذ في الاعتبار أهمية أعمال أرخميدس، كان من المفترض أن يثير ذلك حيرته، لكنه لم يكن عالم رياضيات. على النقيض، صاحب المكتبة الذي كأنه قد لاحظ غياب أعماله في مكتبة الغابة. لا يوجد أي كتابٍ لأرخميدس في الأرفف المكرَّسة للرياضيات الإغريقية!
والسبب في ذلك! إنها كانت هنا، أمام عينَيه، مرصوصةً في الخزانة الصغيرة الأنيقة في الغرفة الزرقاء، مما يجعله يحكم بأن المكتبة الصغيرة كلها مكرَّسةٌ لعالم رياضيات سراقوصة.
ثم كانت هناك أعمال مؤرخين وفلاسفة من العصور القديمة حكَوا فصولًا من حياة مواطن سراقوصة، تيت – ليف، وبوليبوس، وأثيناوس، وشيشرون. لا يوجد ما يثير الدهشة في أن يكون دون أوتافيو ملمًّا بأبسط تفاصيل حياة بطله، بعد مثل هذه القراءات.
على الأرفف الأخرى، كانت توجد أعمال أرخميدس ذاته. الملاحظة الأولى، كانت هناك أعمالٌ كثيرةٌ. على خلاف الكُتاب الإغريق الآخرين، لقد عثروا على كل أعماله تقريبًا.
راجع السيد روش هذه الأعمال لحظةً طويلةً.
أثار عنوان كتاب حيرته، موحيًا له بفكرة جعلته يبتسم: هذا العالم من سراقوصة الذي يُمضي وقته في إغراق السفن الحربية، وإحراق المراكب، وسحقها تحت أكوامٍ من الحجارة، ورفعها بيدٍ من حديدٍ لرميها من نقطة أعلى. باختصارٍ الذي يُمضي وقته في إغراق السفن، ما الذي يشغله؟ الأجسام الطافية، كان ذلك عنوان العمل الذي شرح فيه أرخميدس شروط طفو الجوامد! كتب أرخميدس: «إننا نُقر كمبدأ أن للسائل طبيعة تجعل الأجزاء المضغوطة أكثر تدفع الأجزاء المضغوطة أقل من مكانها، بما أن أجزاء السائل منظمةٌ بطريقةٍ متساويةٍ ومتجاورة.» ثم بعد ذلك، وجد مجددًا ما قاله له دون أوتافيو هذا العصر، بشأن شكل الماء. «إن سطح أي سائلٍ في حالة سكونٍ سيكون له شكل كرة مركزها هو مركز الأرض نفسه.»
صوت. ظهرَ رأسُ دون أوتافيو في انفراجة الباب: أنت لستَ نائمًا؟ لقد رأيتُ النور …
– … ودخلت كما في أفلام الأربعينيات من القرن العشرين. ادخل إذن! صاح السيد روش.
– صهٍ! قال دون أوتافيو، بنبرة لومٍ مشيرًا إلى ماكس النائم.
«لا تنقصه الوقاحة! فكَّر السيد روش. يخطفه. ويزجُّ به في طائرةٍ تنقله على بُعد ٢٠٠٠ كيلومترٍ من دياره، ويلومني لأني أتكلم بصوتٍ عالٍ خوفًا من أن أوقظه!»
– ماكس أصم، يمكنك التكلم بصوتٍ أعلى. أخبره السيد روش.
– كنتَ تعاين الكتب. رائعةٌ، أليس كذلك؟
ولدهشة السيد روش. ذكر العناوين عن ظهر قلبٍ، مثلما كان تافيو الصغير، بدون شكٍّ، يتلو عديات صباه: تربيع القطع المكافئ. الكرة والأسطوانة. الحلزونات. الأجسام المخروطية وأشباه الكرة. قياس الدائرة. الأجسام الطافية. بحث المنهج. العداد الرملي.
وضع نظارته، وسحب كتابًا من المكتبة.
– آه، العداد الرملي!
وبدأ يتلو:
«البعض يعتقد، يا ملك جيلون، أن عدد حبات الرمل كبيرٌ بشكلٍ لانهائيٍّ؛ ومن ثم فإنهم يقصدون كل الرمل الراقد في كل بلدٍ مسكونًا كان أو غير مسكون. وليس رمل ضواحي سراقوصة فقط.»
وجَّه دون أوتافيو نظرة إلى السيد روش كانت تقول شيئًا ما مثل: «إنني أضع نظارات، لكن لديَّ ذاكرة. أتستطيع أن تفعل ذلك؟»
ثم تحمَّس، مشيرًا إلى الكتاب:
«هنا، سينطلق أرخميدس بواسطة أصغر شيء في العالم: حبة رملٍ، سيقيس أكبر شيءٍ موجودٍ: الكون بالكامل. أتعرف كم عدد حبات الرمل؟ عدد طويل من ٦٤ رقمًا. ذات مساء في مانوس، كان الحر رهيبًا، وكنا على الشرفة، وروى لي الجار كيف قام أرخميدس بالمهمة. لقد استغرق ذلك ساعات. كانت لديه موهبة رواية القصص، قصص الرياضيات، كما كان يقول. كلما زاد العدد، شربنا أكثر. في النهاية، كنا سكارى بعض الشيء. قال لي إن أرخميدس نجح في خلْق نظامٍ يستطيع أن يصل حتى أعداد طويلة، يبلغ طولها … (ضبط نظارته، وتصفح الكتاب) … طولها ٨٠ مليونًا من المليارات من الأرقام! ثروة، لقد حلمتُ بها. آلاف الآلاف من الوحدات التي لا يُحصى عددها من فئة آلاف الآلاف لدورة آلاف الآلاف! عجبًا، صاح فرحًا، لقد تذكَّرتُها فجأة، وبئس هؤلاء الرومان بأعدادهم المثيرة للسخرية. كان الجار لا يحبهم بتاتًا. وتلاقينا في ذلك. لقد حكى لي أنه لم يكن لديهم عالم رياضيات كبير طوال ألف عام تقريبًا! وكان ذلك يثير غضبه بشدة. لا يمكنك تصور المتعة التي شعرتُ بها عندما عرفتُ أنهم أصفار في الرياضيات. فكَّرتُ مجددًا في مدرسي. في ذلك المساء قال لي إنكما عندما كنتما طلبة، أنت كنت من أنصار طاليس وهو من أنصار فيثاغورس. إني أتذكر أنكما كنتما تتعارضان بشأن كل شيءٍ، وكان ذلك غريبًا؛ فقد كنتما دائمًا معًا ورغم ذلك لم تكونا متفقَين قط. مثل زوجَين عجوزَين. إني أتذكر حالات الغضب المفاجئ بشأن دانتون – روبسبيير وبشأن فيرلين – رامبو. بالنسبة لي أنا، كان أرخميدس، لكن لم أصرح بذلك قط. قبل أن أحضر مباشرةً، فكرت أننا لو لعبنا طاليس، فيثاغورس، أرخميدس، لكنا ربحنا الرزمة. ثلاثي ممتاز! إن اللعبة ليست «كأس الويسكي الخاص بي» كما يقول الإنجليز.»
فجأة، توقف، متأثرًا، مشيرًا إلى الكتب:
«إن هذا هو كل ما تبقى لي من الجار. لقد أعطاني إياهم منذ سنواتٍ. كل هذه الكتب جاءت من مكتبته. أعتقد أني لم أحدثك عنها.»
كانت اللحظة خطيرةً، لا مجال خاصةً لأي زلة لسانٍ. قال السيد روش لنفسه.
«كانت بلا شكٍّ من أجمل مكتبات العالم، كتب رياضيات فقط، نادرة جدًّا، مثل هذا الكتاب، قال وهو يشير إلى كتاب بلوتارك. لقد جمعه بنفسه، جزءًا جزءًا، لقد أمضى سنوات لكي يجمعه. وكلفه ذلك ثروة، كل ما كان يكسبه كان ينفقه على ذلك. في كل مرة استطعت، قدمت له المساعدة، سواء بإضافة بعض المبالغ الصغيرة التي كانت تنقصه، أو بالضغط بلطفٍ على المُلَّاك المتردِّدين، لكن كل ذلك حدث بأكبر قدْر من الكياسة ولم يتم خداع أحد، أنا، لا أعرف شيئًا في الكتب، لكن أنت، أنت صاحب مكتبة، هذا حقيقي. آه، كانت ستجعلك تحلم. أغرب ما في الأمر أن مكتبةً مدهشةً بهذا الشكل توجد في بيتٍ في قلب الغابة. كنتُ أجد هذا الوضع، كيف أعبِّر، يبعث على السخرية. كتبٌ مليئةٌ بالحسابات والنظريات، وسط أشجار المطاط العملاقة! إنه وضعٌ يتطابق تمامًا مع الجار! أوه، كان قد اتخذ احتياطات. لم يضع المكتبة في أي مكان، لكنه وضعها في غرفةٍ باردةٍ وجافةٍ بدرجةٍ كافية؛ لأن الرطوبة، هناك، تقتل كل شيءٍ. وكان قد طلب أجهزة للتحكم في الرطوبة وأشياء أخرى من هذا النوع، تعرف، مثل الصور الكهربية للدماغ في المستشفيات، ترسم بريشةٍ خطوطًا على الورق. ذات يوم، تعطَّل النظام، وكنتُ هناك. لم أرَه أبدًا هكذا، كان مفجوعًا. كان متمسكًا بها، بمكتبته! أنا، الكتب، ليست …»
– كأس الويسكي الخاص بي، همس له السيد روش ساخرًا.
– وكل ذلك لكي ينتهي بهم الأمر محترقين!
كان على السيد روش أن يبدي رد فعلٍ: محترقون؟ تساءل بمرارةٍ.
– في حريق منزله. كل شيءٍ احترق. وهو أيضًا!
شعر السيد روش بتصاعد الغضب داخله. كان عليه أن يكون حريصًا جدًّا لكيلا يكشف نفسه. يجب ألا يثير أي شيءٍ يقوله الشكوك بأنه يعرف الكثير عن هذه الواقعة. كانت كلمات الخطاب لا تزال في رأسه. كان عليه أن يراوغ: أفكِّر فجأة في قصةٍ دارت أحداثها ليس بعيدًا عن هنا، في كروتونا، قرنان أو ثلاثة قرون قبل أرخميدس الخاص بك، قال السيد روش. ربما رواها لك جروسروفر، إن الأمر يتعلق بالفيثاغورسيين في كروتونا، كان يعيش رجلٌ ثريٌّ وقويٌّ اسمه سيلون. كان معجبًا بالفيثاغورسيين، ويأبى إلا أن يتم قبوله في صفوفهم. كان الفيثاغورسيون يجدونه، لنَقُلْ، مريبًا. ورفضوا انضمامه. أثار رفضهم سخط وغضب سيلون؛ لم يكن معتادًا على أن يرفض أحدٌ ما يريده. وذات مساءٍ، كان أعضاء المدرسة مجتمعين في مبناهم؛ اقترب سيلون وأنصاره وأضرموا النار في البيت. مات كل الفيثاغورسيين ولم ينجُ سوى واحدٍ فقط.
انتصب دون أوتافيو، شاحبًا. ظل لحظةً دون أن يتفوه بكلمة، كانت يده تضغط بشدةٍ على مقبض العصاة.
– مَن الرجل الثري القوي؟ أتقول يا بيير روش، إنني أشعلتُ النار في منزل الجار؟ أتقول إنني قتلتُه؟
شعر السيد روش بالخوف. كان غضب دون أوتافيو مرعبًا: إنك تحكم عليَّ بتعسفٍ لا يصدَّق. قتلُ صديقٍ …
– … رفض أن يعطيك ما كنت تريده. وإنه، بدون شكٍّ، الوحيد الذي فعل ذلك …
– نعم، الجار رفض إعطائي ما كنت أريده، وإنه الوحيد الذي فعل ذلك، نعم أثار ذلك حنقي. لكن كان يجب أن يعطيني رده النهائي في ذلك المساء؛ ولهذا السبب كان لدينا موعدٌ معه في المنزل مساء. لقد قدمتُ له مبلغًا ضخمًا. كان لا أحد يعرف ماذا سيكون رده.
عضَّ السيد روش على شفتَيه لكيلا ينفجر. كان يعرف كل ذلك: سوف يعودون حالًا، عند هبوط الليل. تستطيع أن تصدقني، لن يحصلوا على براهيني! سوف أحرقهم بمجرد أن أنهي هذا الخطاب.
– وصل رجالي أولًا. كان المنزل مشتعلًا. وجئتُ بعد ذلك مباشرةً. كان المنظر رهيبًا. بيتٌ خشبيٌّ كبيرٌ، من المستحيل إيقاف الحريق، مستحيلٌ تقديم النجدة للجار. كنتُ منهكًا. غادرنا بسرعة. كانت الشرطة ستصل، وكان من الأفضل ألا ترانا في المكان.
انحنى دون أوتافيو ونظر إلى السيد روش في عينَيه.
«يهمني أن تصدِّقني يا بيير روش. أنت الشخص الوحيد الذي أريد إقناعه، أتسمعني؟ ولهذا السبب أيضًا جعلتُك تحضر عندما علمتُ أنك حيٌّ.»
– لم تكن هناك حاجةٌ لأن تخطف حفيدي. كل ما كان عليك فعله هو دعوتي ببساطة. أتعتقد حقًّا أنك لم تكن تعرف ما سوف يكون عليه رد الجار؟
– ما دام الشيء لم يتم قوله.
ظل كتاب بلوتارك مفتوحًا على منضدةٍ صغيرةٍ بقائمةٍ واحدةٍ حيث وضعه دون أوتافيو. كانت الرسومات المصغرة لجيرولامو الكريموني التي تزين الصفحة تتراقص في تأثيرات مرئية من ألق الألوان البارع. تكلم دون أوتافيو إلى نفسه وهو ينظر إلى تلك الرسومات:
«كان ذلك بعض الشيء كأني تقاسمت وحدي مع أرخميدس إحدى نظرياته السرية.»
ثم رافعًا رأسه فجأة، وشَعره الفضي يلمع بشدة في ضوء المصباح:
«أريد منك أن تسمعني، يا بيير روش، بمعزلٍ عن روابط الصداقة التي كانت تربطني بالجار، لم تكن لي أية مصلحة — وكرَّر الكلمة — في أن يموت. إن موته، يعني كارثةً بالنسبة لي. إن موته يعني أن تختفيَ براهينه معه.»
– تخيل أنك تمكنت من اغتصابها منه بالقوة، سأل السيد روش، الذي كان يرفض أن يترك نفسه يتأثر بما يعلنه دون أوتافيو، كان سيتعين عليك بعد ذلك أن تقتله؛ لأنه كان في مقدوره أن ينشرها في أية لحظة، مثل خبيرنا الذي تكلمنا عنه هذا الصباح.
– لذلك، أستطيع أن أُقْسم لك، أنه ما كان ليفعله أبدًا. كان سيفضل ألف مرةٍ أن نكون اثنان نملك هذه البراهين عن جعلها علنيةً، هذا بالضبط ما كنت أرغب فيه. لم أكن أريد نزع البراهين منه، لكن امتلاكها معه. نحن الاثنان وحدنا. كنتُ أتطلع إلى هذا التواطؤ.
بعد وقتٍ كان يتذكر فيه رغبته الضائعة، استرد كل رباطة جأشه: يبقى أنه مات ولم أحصل على البراهين. وفي ذلك دليلٌ. وليس افتراضًا.
ارتبك السيد روش بالحجة الأخيرة. في الواقع، ما كان جروسروفر سيعلن أبدًا براهينه حتى ولو كان ذلك لمعاقبة دون أوتافيو.
– يبقى أن هذا الحريق، لقد قلتَ ذلك بنفسك، حدث مباشرةً قبل موعدكما. مباشرةً قبل أن يردَّ على ما يجب تسميته إنذارك. وأن هذا الحريق هو الذي تسبب في موته. لا تستطيع إنكار ذلك. وسواء كان قد انتحر للهروب أو كان الحريق حادثًا طارئًا — كان يريد حرق أوراقه لكيلا تستولي عليها. يبقى أنك مسئولٌ عن موته. إنك لم تحترم رغباته؛ لأن رغباتك مقدمة على رغبات الآخرين. لم تحترم إرادته، ولم تحبه بشكلٍ جيد.
جلس دون أوتافيو. لقد آلمته جملة بيير روش الأخيرة.
كان لا يزال لدى السيد روش شيءٌ ليقوله. أن ما دفعه للكلام هو نوعٌ من الأمانة، والإخلاص لشبابه. لقد كان متعبًا، وكان الوقت متأخرًا، وكان الأمر زائدًا عن حده. وفضلًا عن ذلك، إن تدخل قصة دون أوتافيو في حياته حدث بطريقةٍ غير مباشرة. ولقد أصابته هذه الطريقة بعنفٍ رهيبٍ. كان ماكس لا يزال محجوزًا في هذا القصر الرائع الواقع على مرتفعات سراقوصة، الذي يرجع إلى القرن الثامن عشر!
– لديَّ شيء آخر لأقوله لك. بصدد ما رويته لي عصر هذا اليوم بشأن مدرسك وأرخميدس، لكنه يتعلق أيضًا بما تحدثنا عنه توًّا. إنني أتفهم أشياء كثيرة بخصوصك، ولقد تأثرتُ أحيانًا بذلك. وأعتقد أنك لم تتكلم عن ذلك مع أحد قط. أفهم ثورتك والكرامة المستردة بفضل هذا المدرس وبفضل … أرخميدس. لكن الطريقة التي اخترتها لكي تنتقم، والوسائل التي تبنَّيتها لم تغير العالم في شيء، يا تافيو.
– وهل تعرف أفعالًا؟ وأناسًا؟ غيَّروا العالم؟
– ما أريد قوله، أن انتقامك لم يحسِّن من حال العالم، لكنه أفسده أكثر بعض الشيء. يوجد دائمًا في شوارع سراقوصة القدْر نفسه من صغارٍ مثل تافيو وكذلك في ريف جزيرتك ذات النقاط الثلاث. وإذا كان أرستقراطيو فترة شبابك الرومان قد خفضوا رءوسهم قليلًا، فإن زعماء المافيا أصبحوا الطغاة الجدد لباليرمو، أو كاتان أو كورليون. إن أموالك تسيل مثل السم. بالطبع، لقد أصبحتَ دون أوتافيو، الناس تحييك، وتقطن في الأعالي، في قصر الكونت! يرتعش الناس أمامك. والصبية، في مثل سنِّ الصغير، مدمنون على الحقن. ويسيل الهيروين في أوردتهم مثل مصل قطارة يقتلهم.
– أمنعك من أن تقول ذلك! أنا لم أمدَّ يدي للمخدرات. أبدًا! أنا أيضًا، يا بيير روش، لديَّ حدودٌ، كل ما في الأمر أنني وضعتها أبعد قليلًا من حدودك.
– يبقى أنه في نظامك المحاسبي ما قمتَ به لم يفعل سوى زيادة العجز، حتى وإن كنتَ أنت شخصيًّا قد تخلصتَ من ذلك. انظر لكي تشبع متعتك، لم تتردد في خطف حفيدي. مجرد صبي!
– تنسى الببغاء! قال بفخرٍ.
– صبيٌّ زائد ببغاء. شيءٌ آخر، بشأن مسلَّمة أرخميدس، المسلَّمة التي أعطتك هذه القوة لقد قرأتُ توًّا في أحد هذه الكتب، مباشرة قبل أن تأتي، انتظر، لقد كتبتها على قطعة ورقٍ صغيرة. عجبًا، أين هي؟ آه، ها هي: «كل قطعةٍ مستقيمة، مهما كانت كبيرةً، يمكن إذا تم تقسيمها إلى اثنين بشكلٍ متتالٍ، أن تصبح أصغر من أية قطعةٍ مستقيمةٍ أخرى، مهما كانت صغيرةً.»
لقد تأثَّر وجه دون أوتافيو بالمجهود لكي يفهم، لكن كانت عيناه تلمعان بالبريق الذي رآه السيد روش من قبلُ في كل مرةٍ كان الأمر يتعلق بأرخميدس.
– وهو ما يعني أنه يمكن جعلك أدنى وأصغر من أي شيءٍ. إنه الوجه الآخر لمسلَّمة أرخميدس، أعلن السيد روش بصوتٍ بارد.
بعد أن غادر دون أوتافيو، اقترب السيد روش من سرير ماكس. كان الصغير ينام «مطمئن البال». لو أن بيرت كانت قد تبنَّت ماكس في سنٍّ أصغر، ربما كان يمكن إصلاح صممه أو على الأقل تحسين سمعه. إنها المرة الأولى التي ينام فيها في الغرفة نفسها مع أحد أبناء بيرت. منذ كم من السنوات لم يوجد أحد في غرفته؟ هذا هو ما يعني أن يكون المرء أعزب؛ حيث لا يسهر المرء بالمعنى الحرفي، على نوم أحد. إن سماع تنفس ماكس البطيء والمنتظم يربكه … إنه يحب حقًّا هذا الصبي. اليوم، لقد كسب شيئًا لا يُقدَّر بثمن. هذا الصباح، في المنتزه، قال: «إنه مثل حفيدي»، ومنذ لحظات قليلة قال توًّا: «حفيدي».
حرك السيد روش مقعده حتى الشرفة. يا له من آية هذا الجنوب! درجة الحرارة اللازمة تمامًا، والعطور المختلطة التي تصعد من البستان، والقمر، متفتحًا أكثر من الليلة السابقة، كان يضيء البحر بشكلٍ أوسع قليلًا، ذلك البحر الذي دارت على مياهه المعارك الرهيبة التي رواها له دون أوتافيو. جذبت انتباهه أضواء تتراقص في المنتزه الكبير. إنها أضواء مصابيح الجيب القوية الخاصة بالحراس الذين يقومون بدوريتهم، ترافقهم كلاب الحراسة المولوسية الذين استقبلوا الشاحنة الصغيرة يوم وصوله.
لقد أخرجته هذه الأضواء فجأة من أحلامه. كان يفكر في معارك قديمة دارت منذ ٢٠٠٠ عامٍ، وقد نسي أنه سجين في هذا القصر الفاخر، وتحت حراسةٍ مشددة. في الواقع، كان الأمر أكثر دقة، لم يكن سجينًا، لكنه كان لا يستطيع مغادرة المكان. لقد ذكَّره ذلك بما حدث لأفلاطون، في هذه المدينة نفسها، قبل قرن من وجود أرخميدس. ديونيشيوس الابن، ابن صاحب القلعة، شغف بالفلسفة، وطلب من أفلاطون أن يحضر لكي يحدثه في الفلسفة. قام أفلاطون بالرحلة. لكن لأسبابٍ سياسيةٍ غامضة، احتجزه ديونيشيوس في سراقوصة، مانعًا إياه من العودة إلى أثينا. أرخيتاس، الذي كان يحكم مدينة تاراس القريبة جدًّا والذي كان صديقًا لأفلاطون، أرسل سفينةً حربيةً إلى سراقوصة لإعادته. لم يجرؤ ديونيشيوس أن يعترض على ذلك واستطاع أفلاطون أن يعود إلى أثينا.
دون أن يريد أن يعتبر نفسه أفلاطون، فإن وضعه ووضع المواطن الأثيني كانا متقاربَين بشكلٍ غريب. مع فارق ٢٤٠٠ عام، احتُجز فيلسوفان على غير رغبتهما في سراقوصة وبشكلٍ منطقيٍّ تمامًا، تابع متسائلًا مَن سيكون أرخيتاس الذي سيحررهم هم الثلاثة، ماكس، وهو ونوفيوتشر؟
علم السيد روش أن رحلته في مجال الرياضيات انتهت هنا. كان قد بدأها مع عالم يوناني من بحر إيجة، وأنهاها مع عالم يوناني من البحر الإيوني. احتاج طاليس إلى هرم، وإراطوستنيس إلى بئر، وأرخميدس إلى مغطس ومرايا مقعرة محرقة، وإلى أيدٍ معدنية … إلخ. إن هرم الأول، مثل بئر الثاني، مثل أدوات الثالث ليست ضرورية لإثبات الحقيقة العلمية، كما أنها لا تُحسن دقة البراهين، إنها هنا لكي تثير الخيال وتسمح بالإجابة على هذا السؤال: «فيمَ تعنينا هذه الحقيقة؟»
تحتاج حقائق العلم إلى قصص جميلة لكي يرتبط بها البشر، إن الأسطورة، هنا ليست موجودةً لكي تدخل في منافسة مع الحقيقة، لكن لربطها بما يتعلق به البشر ويجعلهم يحلمون.
ارتعش السيد روش. كان الجو قد بدأ يصبح بردًا قارسًا. عند مغادرته الشرفة، سمع غناءً عميقًا وجميلًا قادمًا من المنتزه. الشخص الكبير الأنيق كان يغني لفتاته اليابانية.
تذكَّر السيد روش، الذي كان ينظر إلى المشهد من بعيدٍ، جملة لأفلاطون تقول: «مُربِّي طيور يحبس في مطيرة طيورًا ذات ألوانٍ براقة.» هكذا كان يعرف علماء الرياضيات!
خرج ماكس ونوفيوتشر من المطيرة برأسٍ عالية، بهر الضوء نوفيوتشر.
بمجرد أن أصبح خارجًا وضع نهايةً لإضرابه عن الطعام، وانقضَّ على حفنة الحبوب التي ملأ بها ماكس باطن يده.
حل اليوم الكبير. وضع دون أوتافيو كل الفرص المواتية لصالحه. بعد أن تكلم مع ماكس اقتنع برغبة الصغير في التعاون. إن الشيء الوحيد الذي كان يهم ماكس هو أن يطلقوا سراح ببغائه.
توجهوا نحو ملحقٍ للقصر. بعد عبور بهوٍ كبير، توقفوا أمام بابٍ مبطن، فتحه دون أوتافيو. وعندما أراد السيد روش الدخول على أثر نوفيوتشر، وماكس ودون أوتافيو، منعه الأخير من الدخول.
– كلما قلَّ عدد مَن سيسمعون هذه البراهين، سيكون ذلك أفضل للجميع.
اضطُرَّ السيد روش أن يوافق على ذلك.
ستوديو تسجيل آخر صيحة؛ منضدة تحكم ضخمة، بها عددٌ كبيرٌ من المقابض والأنوار الصغيرة، ومجموعة من المسجلات الصوتية، وجهاز عرض أفلام، والجدران مبطنة بالقماش والأرض مغطاة بالموكيت.
في وسط الحجرة، يتدلى ميكروفون. أمام الميكروفون، مجثم مزود بمعلف ثلاثة نجوم. لقد أحسن دون أوتافيو ترتيب الأشياء. مقعد أمام الميكروفون. وضع ماكس نوفيوتشر على المجثم، ثم جلس على المقعد. بينما جلس دون أوتافيو أمام أجهزة توجيه منضدة التحكم. لم يكن هناك أي تقني. وكان دون أوتافيو قد قرر ألا يتحدث مباشرةً مع الببغاء. كل شيء سيمر من خلال ماكس؛ ومن ثم فقد أعطاه دفترًا صغيرًا مدونًا عليه كل ما كان عليه أن يسأله للببغاء.
كانت هناك كلماتٌ بسيطةٌ، لكنها منتقاةٌ لشحنتها الانفعالية المرجوة. طبقًا لنصائح المتخصصين الذين فحصوا نوفيوتشر، يجب أن تفتح هذه الكلمات أبواب الذاكرة، مثل المفاتيح، تلك الأبواب التي أُغلقت فجأة نتيجةً للصدمة. كان لا بد أن تكون كلمات من فترة ما قبل الإصابة، كلمات من العالم المنسي. تلعب هذه الكلمات دور الصنارة، بحيث لو تلقف نوفيوتشر واحدة منها فسيتمكنون من البدء في جذب خيط الذكريات.
ضغط دون أوتافيو على زرٍّ، أضاء نورٌ أحمر صغيرٌ فوق الاستوديو. علم السيد روش أن الجلسة بدأت، في ضميره كان السيد روش يتمنى أن يستعيد نوفيوتشر ذاكرته. وبذلك تنتهي إذن كل هذه القصة. سيكون ذلك بمثابة مكافأة للأنذال، بالطبع، لكن لم يكن في مقدور شارع رافينيون أن يقاوم ضد قصر سراقوصة.
وفي الوقت نفسه، لم يستطع أن يخفي عن نفسه الحقيقة التي يعرفها جيدًا، إذا تكلم نوفيوتشر فلن يتركه دون أوتافيو يرحل أبدًا. إلا إذا جعله يختفي بكل بساطة. أثارت هذه الفكرة ثورة السيد روش، الذي بدأ يتمنى نقيض ما تمناه قبل ذلك بلحظة. وبالقوة نفسها. المهم ألا يستعيد نوفيوتشر الذاكرة. إن فقدانه لذاكرته سيكون حمايته، سيحافظ له على حياته، حتى وإن كان سيحرمه من حريته. تربيع الدائرة، كان الموقف لا مخرج منه، في جميع الاتجاهات.
بإشارةٍ من دون أوتافيو، بدأ ماكس قراءة كلمات القائمة التي وضعها صاحب القصر. قرأ الكلمة الأولى، وانتظر رد فعل نوفيوتشر، كررها بنبراتٍ مختلفةٍ، مازجًا بها ألفاظ ودٍّ ومحبة. لم يتفاعل نوفيوتشر. ثم انتقل إلى الكلمة التالية، مراقبًا ردود الفعل. ليس هناك ردود فعلٍ أكثر مما مع الكلمة الأولى، وعلى النقيض، في كل مرةٍ كان ماكس يتكلم فيها مباشرة مع نوفيوتشر، كان يرد عليه كما كان يفعل دائمًا. بعد كل كلمةٍ جديدة، كان ماكس يشجعه طالبًا منه أن يتذكَّر.
واضعًا السماعات على أذنيه، كان دون أوتافيو يتابع سير التحقيق، وفي كل مرةٍ تخفق فيها كلمة من كلمات القائمة كان يصعب عليه إخفاء إحباطه. لقد أكد متخصصو أمراض الذاكرة أنه يتعين التحلي بالصبر، وأنهم لا يعرفون أبدًا كيف بالتحديد تنبثق الذكريات مجددًا. كان هذا العجز يثير حنق دون أوتافيو. هنا، لا توجد مرآةٌ يكفي الضغط عليها باليدَين لكي ينفتح الجدار. إن الوصول إلى المكان المحبوسة فيه البراهين أصعب بكثيرٍ من الوصول إلى المصلى التي تتواجد فيها التحف المسروقة.
«الجار»، «مانوس» … لقد مرَّت القائمة بذلك. ثم وصل ماكس إلى آخر كلمة في القائمة. قرأَها لنفسه. كانت الكلمة التي يعتمد عليها دون أوتافيو أكثر من غيرها. نظر ماكس إلى دون أوتافيو متسائلًا، أكد له الأخير الكلمة بإشارةٍ من الرأس، ونطق ماكس: ماماجينا. لم يحاول ماكس أن يفهم. حبس دون أوتافيو أنفاسه وراقب.
نظر نوفيوتشر إلى ماكس، لقد انزلقَت الكلمة عليه.
كرر ماكس الاسم عدة مرات. لم يتذكَّر نوفيوتشر أن اسمه ذات يوم كان ماماجينا! كان الأمر وكأن نوفيوتشر وُلد منذ تسعة أشهر في مستودع سوق كلينيانكور للسلع المستعملة. لقد مُحيت الخمسون عامًا التي عاشها في مانوس، كما يحدث في حالة أسطوانة تالفة. كان فقدان الذاكرة عميقًا حقًّا، وغير قابل للانعكاس دون شكٍّ. أصبح دون أوتافيو شاحبًا.
انطفأ النور. وظهر على الشاشة منزلٌ كبيرٌ من الخشب وسط الغابة. أمام المنزل رجلٌ يتوجه إلى الكاميرا. كبيرٌ، بشَعرٍ أسود، في السبعين من عمره، يرتدي سروالًا واسعًا وسترة من التيل الأبيض مثل سترات المكسيكيين. ومن خلال القميص المفتوح يظهر جذعٌ قويٌّ، جروسروفر أمام منزله في مانوس. كان الفيلم صامتًا. نوفيوتشر لم يرمش.
تم إضاءة النور مجددًا.
نزع دون أوتافيو سماعته الرأسية، وهو عابس الوجه. شرب نوفيوتشر كاسًا كبيرةً من الماء وبلع جرعتَين من الحبوب. لم يكن ماكس يعرف إن كان عليه أن يكون سعيدًا. أم حزينًا.
في الردهة الحمراء انطفأ النور.
– لا يمكنك أن تغادر قبل أن ترى البحر!
أركب دون أوتافيو السيد روش في الليموزين.
– هل سنعود إلى باريس؟ سأل السيد روش.
– لم يعد هناك شيءٌ تفعله هنا. إن تجربة هذا الصباح كانت حاسمةً، لن يسترد الببغاء الذاكرة هنا، لا جدوى من الإصرار.
تنفَّس السيد روش الصعداء وغاص في المقعد الجلدي الطري الذي بدأ يعتاد فعلًا عليه.
سارت الليموزين بمحاذاة نهرٍ صغيرٍ تحف به أشجار الليمون وأشجار الأوكالبتوس. كان الجو في هذا المكان أبرد من الأماكن الأخرى.
«انظر جيدًا إلى هذه الفروع في الماء. هل هي فروع بوصٍ عاديٍّ؟ لم تعرف. إنها نبات بردي!»
– توقف! أريد أن آخذ واحدًا منها.
– إن ذلك محظورٌ رسميًّا!
– ما هذا؟! تخطف صبيًّا وتمنعني من أخذ فرع نبات بردي لأن القانون يحظر ذلك. من أجل القانون ذي الهندسة المتغيرة، قال مقهقهًا.
– إنه المكان الوحيد في أوروبا حيث لا يزال نبات البردي ينمو في حالته البرِّية، برَّر لنفسه دون أوتافيو. في مصر، لم يعُد هناك شتلةٌ واحدة. كانت مقاومة البردي أقلَّ بكثير من مقاومة الأهرام. وهنا أيضًا لن يدوم طويلًا. إن الماء مالحٌ جدًّا والجذور تكاد تكون مكشوفة، بلا حماية. يجب أن يكون النبات مغمورًا في الماء، إنه الوسط الخاص به. لقد كُتبت كل أعمال أرخميدس على ورق بردي! لكن لم يُعثر على أيٍّ منها، فقط نسخ على ورقٍ أو رقٍّ.
انطلقَت الليموزين نحو الساحل الشمالي لسراقوصة. كان الطريق يحاذي البحر على امتداد كيلومترات. لا توجد شواطئ رخوة، لكن عشرات الخلجان الصغيرة المنشطة، ذات الصخور الهابطة مباشرة في الماء. تحديدًا هذا ما يحبه السيد روش. لقد مضى حوالي عشرين عامًا لم يرَ البحر من قربٍ لهذه الدرجة. في المرة الأخيرة سبح، بل وغاص أيضًا. الآن سيغرق مثل قطعة حجر.
أخرجه صوت دون أوتافيو من أفكاره: لديَّ اقتراحٌ أطرحه عليك. إننا سنسافر جميعًا إلى مانوس. أنت، والصغير والببغاء وأنا..
انتفض السيد روش: لقد جُننت. هذا غير قابلٍ للنقاش، أنا أريد أن أُترك وشأني، سياحة العمر الثالث، لقد تجاوزتُ السن، أتسمعني؟ وبيرت! ستُجن من القلق. وستُبلغ الشرطة، أنا متأكد، لقد تماسكَت حتى الآن، لكن …
تجمَّد وجه دون أوتافيو وقال بصوتٍ باردٍ: ليس من مصلحتها أن تفعل ذلك. كل شيء مر بشكلٍ جيدٍ حتى الآن …
– آه، تجد الأمر كذلك!
– قلْ لها ألا تقترف حماقاتٍ. سوف ينتهي ذلك قريبًا.
– لماذا الذهاب إلى هناك؟ أعاد السيد روش الكرَّة وقد فهم أن دون أوتافيو في الواقع قد اتخذ قراره ويتصرف وكأنه يترك له الخيار، معتمدًا على ذكائه لكي يدرك أن من الأفضل القبول عن طيب خاطرٍ.
إنك ترى بوضوحٍ، إنه مغلق تمامًا، هذا الببغاء. لن تستخرج منه شيئًا.
– لقد أكد المتخصصون ذلك. يجب أن يغمس مجددًا في وسطه، في الأماكن التي كان يعيش فيها قبل أن يفقد الذاكرة.
– لكن المنزل احترق ولم يتبقَّ منه شيءٌ.
– في النهاية، لقد عاش خمسين عامًا في ضواحي مانوس، قُرب هذه الغابة، على بُعد خطوتَين من النهر. حتى وإن كان المنزل قد احترق، فإن المكان يشبه المكان الذي عاش فيه أكثر من قصر سراقوصة هذا أو مكتبتك في باريس، أليس كذلك؟! إنني أعدك، إذا لم يتكلم الببغاء هناك، فسأترككم تعودون أنتم الثلاثة. لقد قلتُ ثلاثتكم جميعًا؛ أي والببغاء أيضًا، ولن تسمع أي حديثٍ عني أبدًا.
وإذا رفضت الذهاب إلى مانوس؟
– أحتفظ بالببغاء. وإذا احتفظتُ بالببغاء، فسيرفض ماكس أن يتركه.
– أنت كريهٌ حقًّا.
صاح السيد روش وهو لا يجد ما يقوله:
ليس من حقك الاحتفاظ بالببغاء.
– آه حسنٌ؛ لأنه ملكك؟ أين هي الشهادات؟ ممن اشتريته؟ ليس لديك أي مستند يثبت أي شيء يتعلق بهذا الببغاء، يا بيير روش المسكين.
وقع السيد روش في الفخ، كان يريد أن يصرخ من الغضب. لقد احتاط دون أوتافيو لكل شيء.
أنا، في المقابل، تابع دون أوتافيو، ملتزم بالأصول تمامًا، لديَّ كل الشهادات التي أحتاجها.
ركن الليموزين على جانب الطريق. وسحب من درج السيارة حافظة أوراقٍ جلديةً، أخرج منها عدة أوراق ذات هيئة رسمية تحمل العديد من الأختام، في اللحظة التي كان سيعيدهم، أوقف السيد روش حركته. وفحص الأوراق. بقدر ما يستطيع الحكم، كانت أوراقًا رسميةً صادرةً من دوائر الصحة ومكتب جمارك باليرمو. كان السيد روش في موقفٍ حرج.
«تأكد تمامًا، أن الناس من أمثالنا دائمًا ما نكون ملتزمين بالأصول.»
وانطلق مجددًا بالليموزين.
– انظر.
أشار دون أوتافيو وهو هادئٌ إلى صخرةٍ ذات شكلٍ غريبٍ على بُعد بضعة أمتار من الضفة، مفرغة من منتصفها وتبدو وكأنها ترتكز على عمودين مربعين ضخمين.
«صخرة الأخين!»
وبعد برهة:
«كان الصغير جيدًا جدًّا حقًّا الآن، إنه يحبك جدًّا، هذا واضحٌ. إنه يكنُّ لك احترامًا وحبًّا. أنت محظوظٌ.»
لم يستطع السيد روش أن يمنع نفسه من أن يرد: إن ذلك لا يُشترى، مثل اللوحات أو حتى مثل البراهين الرياضية. إنه يُكتسب.
تلقى دون أوتافيو الضربة.
– قررتُ أن أؤمن مستقبله. سوف أوصي له بشيء.
– أنت قررت؟ مَن أنت لتقرر لنا؟
– ليس لكم. له.
– لسنا في حاجة إلى مالٍ.
– لا تستطيع منعي أن أوصي له بشيء.
– لا تستطيع أن تجبرنا على قبول نقودك.
كاد دون أوتافيو أن يقول له: «بأية حالٍ، ليس من حقك أن تقرر، فأنت لست من العائلة.» صمت. ثم: لا أحد يستطيع أن يقرر قبل بلوغه سن الرشد. عندئذٍ هو الذي سيقرر. ربما في ذلك الحين، لا أحد يعرف. إن التقدم في مجال الطب يسير بسرعةٍ كبيرةٍ … بأية حالٍ، سيكلف ذلك غاليًا. بأي حق الآن تسمح لنفسك أن تحرمه من هذه الإمكانية؟!
على الطاولة الوحيدة للحانة كان ألبير جالسًا أمام كأس مارسالا. لم تكن أول كأسٍ. اتجه الشخص الكبير الأنيق نحو الطاولة وجلس. رفع ألبير رأسه في لغةٍ فرنسيةٍ ملونةٍ بلكنةٍ صقلية، سأل الشخص الكبير الأنيق: هل يمكنني أن أعرف ما نوع سجائرك؟
– لمَ تتدخل فيما لا يعنيك؟
كانت نظرة ألبير مهددةً وغامضةً بعض الشيء مثل مَن يتعرض للإزعاج أثناء لعب البليار الكهربائي، لكن قامة محدثه الضخمة نزعت منه أية محاولة عنف.
«هذا لا يعنيك.»
– ألدو، أحضر كأس مارسالا أخرى للسيد …
ناظرًا إلى ألبير متسائلًا: «السيد؟»
– السيد ألبير، أجاب ألبير بنظرةٍ سوداء.
– إنها سيارتك هذه اﻟ ٤٠٤ الرائعة في الخارج؟ إني عاشق لهذه السيارة، لم نعد نراها تقريبًا. يعلم الله أن لدينا سياراتٍ جميلة هنا، في إيطاليا، لكننا لم نصنع شيئًا بمثل نجاح هذه السيارة.
بدأ ألبير يهدأ.
– إنها سيارة تاكسي، لا بد أنك قطعت كيلومترات كثيرة جدًّا! واصل الآخر.
– بهذا الشأن، نعم إنها مخلصةٌ. قال ألبير.
بصق عقب سيجارته في المنفضة، وأخرج علبة سجائره، فتحها وقدمها لمحدثه الذي رفض.
– أنا لا أدخن.
– لا تدخن! لماذا إذن تريد معرفة نوع سجائري؟
– الأمر بسيط للغاية، كانت لديَّ صورة لك وفي فمك عقب سيجارة، ولم أكن أعرف نوعَ هذا العقب. الآن أعرف. جيتان زرقاء!
ونهض.
وضع ألبير يده على ذراعه ليمنعه من الانصراف. ونظر إليه الآخر كما لو كان حشرةً وقفت على كمِّه. وتخلص منه بلطفٍ.
– آه لا. لا يمكنك أن تتوقف هنا، أصر ألبير رغم كل شيء، وببعض شجاعة، أية صورة؟
– هذه!
أخرج الشخص الكبير الأنيق من جيبه صورة هرم اللوفر المنشورة في الصحيفة اليابانية.
– انقضَّ ألبير عليها.
– كيف حصلتَ عليها؟ لم أرَ قط هذه الصورة، لكن …
بذل مجهودًا.
«إني أتذكَّر منذ متى كان ذلك.»
انحنى الشخص الكبير الأنيق منقسمًا إلى نصفَين وهمس، بنبرة مَن يبوح بسرٍّ، في تجويف أذن ألبير: لقد تمكنتُ من اقتفاء أثر الببغاء، بفضل عقب سيجارتك، ومن الببغاء حتى الصبي.
نهض ألبير مثل صاروخٍ: كيف ذلك، كيف ذلك، عقب سيجارتي؟
– ذات صباحٍ، في مطار رواسي راكبٌ قادمٌ من طوكيو … ورفضت أن تجعله يركب … كان ذلك الشخص هو أنا، والسائق بعقب سيجارته وراء مقود اﻟ ٤٠٤، كان أنت. عقب السيجارة نفسه الذي في الصورة!
– زفت، رفت وزفت!
انهار ألبير على مقعده.
– ألدو، كأس مارسالا آخر للسيد، قال الشخص الكبير الأنيق.
شربها ألبير دفعةً واحدةً غارقًا في خزيه. لقد كان مسئولًا عن كل هذا الخطف والسرقة. بسبب عقب سيجارته اللعين في الحال اتخذ قرارًا رهيبًا — ليس قبل أن يكون قد آخذ آخر نفس من سيجارته. لقد قرر التوقف عن التدخين!
– عجبًا، ها هو صديقك يصل، أعلن الشخص الكبير الأنيق.
توقفت الليموزين أمام مدخل الحانة. نهض ألبير واندفع نحو السيد روش الذي لمحه عند نافذة السيارة.
دون أن يترك له الوقت ليقول كلمةً، أعلن السيد روش: كل شيءٍ على ما يُرام ألبير. سنمضي بضعة أيام إجازة في مانوس. وأنت، تعود إلى باريس. وقلْ لبيرت إنه لا مدعاة حقًّا لأن تقلق. ستصدقك بسهولةٍ أكثر مني. سأتصل بها هاتفيًّا، بالطبع.
– والصغير؟
– إنه في حالةٍ طيبة. وأنت، ارجع بهدوءٍ. احذر، إنهم يقودون هنا مثل المجانين. بالمناسبة، أنت الذي كنت تريد بشدةٍ مشاهدةَ سراقوصة، هنا، كان لديك كل الوقت لذلك.
لم يقل ألبير للسيد روش، إنه منذ وصوله لم يغادر قاعة هذه الحانة الملعونة. لقد ظل جالسًا إلى هذه الطاولة، يشرب كئوس المارسالا. لم يقلْ له مثل ممثل هيروشيما حبي: «لم أرَ شيئًا في سراقوصة.»
عندما جلس إلى مقود اﻟ ٤٠٤. قرأ ألبير اسم المكان الذي قضى فيه ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ: باحة أرخميدس.
عندما علم التوءم أن السيد روش، وماكس ونوفيوتشر سافروا إلى الأمازون أدركا أن رحلتهما لمانوس قد غرقت في الماء نهائيًّا. انتهى النهر! انتهت الغابة!