الفصل الخامس والعشرون

ماماجينا

كان الإقلاع صعبًا جدًّا بالنسبة لماكس. مزَّق الضغط طبلة أذنه، وتقلص وجهه. أغمض عينَيه، لاحظَت ألمه جيوليتا التي تدبرت أمرها لكي تجلس إلى جواره، مسببةً إحباطًا للشخص الصغير الأنيق الذي كان يغلي على مقعده، في مؤخرة الطائرة. وقد قبض ذلك الألم قلبها. تنفس ماكس بعمقٍ نافخًا بطنه كما علمته بيرت. بدأ توتره يقلُّ.

أخذت الطائرة النفاثة التي استأجرها دون أوتافيو ترتفع.

لم يُعجَب نوفيوتشر هو أيضًا بالإقلاع. انتفش ريشه. وتشبث بقوةٍ بمجثمه المثبَّت على المسند. في الواقع كان هو النجم. ألم يقوموا بالرحلة من أجله فقط؟! لا شك أنه لم يحظ طائرٌ قط بهذا القدْر من التودد. والغريب أن هناك مَن يجرؤ على وصفك ﺑ «رأس طائر» ليقول لك أن لا شيء لديك داخل رأسك! في هذه الرأس، يوجد اثنان من أهم البراهين في تاريخ الرياضيات!

كان الشخص الكبير الأنيق يجلس وراء ماكس تمامًا، وكان يشغل مكانين لكي يستطيع فرد ساقيه الطويلتين. ومن هذا الموقع كان يمكنه مراقبة نوفيوتشر.

لم يتوقف دون أوتافيو والسيد روش. الجالسان قربهم، عن الثرثرة خلال الجزء الأكبر من الرحلة.

لو كان هناك مَن يتنصت عليهما لسمعهما يتكلمان عن الاحتمالات والفروق بين «غير محتمل» و«مستحيل». ويحكى كلٌّ منهما للآخر مفاجأته. دون أوتافيو، عندما اكتشف أن الصبي الذي استولى على ببغاء جروسروفر يعيش مع بيير روش، والسيد روش عندما اكتشف أن الببغاء الذي أحضره ماكس إلى المنزل هو ببغاء جروسروفر. لم يقل السيد روش بالطبع أية كلمة عن التحقيق وعن ذهوله عندما علم أن مَن كانوا يسمونه فيما بينهم «الرفيق المخلص»، وكانوا يحاولون تحديد هويته منذ شهور، هو الببغاء ذاته.

كان لقاء الصدفة بين ماكس ونوفيوتشر هو الذي أحدث أثرًا. استدارا معًا دون أوتافيو والسيد روش، بشكلٍ مؤثِّرٍ لينظرا إلى بطلَي الرواية: يفصل بينهما الممر. نوفيوتشر جاثمًا على مسنده وماكس جالسًا على مقعده.

كيف حدث أن ببغاء من مانوس يملكه باحثُ رياضيات عجوزٌ ومنقبٌ عن الذهب يتواجد في مكتبة في مونمارتر يملكها صديقه الذي لم يرَه منذ خمسين عامًا؟! وأن يحدث ذلك دون أن يقرر أحد حدوثه، أو يريده، أو يخطط له؟!

لماذا، في ذلك الصباح من شهر أغسطس دخل ماكس هذا المستودع في سوق السلع المستعملة؟ كان يمكن تتبع تسلسل الأسباب. لماذا، في ذلك الصباح نفسه من شهر أغسطس، تواجد نوفيوتشر في هذا المستودع؟ كان يمكن تتبع تسلسل الأسباب. لماذا تواجد الصبي والببغاء في المكان نفسه في اللحظة نفسها؟ كان يمكن تتبع تسلسل الأسباب، لكن ما كان لذلك أن يفسر شيئًا. لقد وقع حقًّا حدث احتماله ضعيف جدًّا، لكنه ليس صفرًا. حدث غير محتملٍ أبدًا، لكنه ليس مستحيلًا.

طريقان انطلقا من حانة تاباك السوربون منذ عقودٍ سابقةٍ تلاقيا هنا. الطريق الأول، طويل جدًّا، باسطًا خيطه حتى النصف الآخر من الكرة الأرضية، لكي يعود بعد ذلك أمد بعيد على مسافة بضعة كيلومترات من نقطة انطلاقه. الطريق الثاني، أقصر بكثير جدًّا، عبر، خلال الفترة نفسها، باريس من الجنوب نحو الشمال، مارًّا بمونمارتر، لكي يصل إلى المكان نفسه. مثل القوس الكبير والقوس الصغير للدائرة نفسها.

وبشكلٍ آليٍّ رسم السيد روش على فوطته الورقية.

لماذا التقت هاتان المجموعتان من الأحداث من جديدٍ في أحد مستودعات سوق السلع المستعملة في كلينيانكور بباريس؟ عندما يتفحصون الأحداث بكل الطرق، لا يجدون لها أي تفسيرٍ. قد يكون سوق السلع المستعملة، مكانًا للقاءات غير المحتملة والمرجوة.

إن استعراض سلسلتَي الأحداث لن يستطيع تفسير التقائهما، ولا استبعاد، ولا استنفاد مقدار احتمال حدوث الحدث. يمكننا إعطاء أسباب لتفسير لماذا لم يكن مستحيلًا أن تظهر الحياة على الأرض، لكن ليس لماذا ظهرت. إن السيد روش لا يؤمن بالله ولا بالقدر. إن اللقاء في سوق السلع المستعملة لم يكن مكتوبًا في أي كتابٍ كبيرٍ، وليس جزءًا من أي برنامج، وكان يمكن أيضًا ألا يحدث بتاتًا، لقد حدث اللقاء بالطريقة الأكثر عرضية في العالم. هكذا حدث الأمر وكان جميلًا، مثل الالتقاء العارض لمظلة وآلة خياطة على طاولة عمليات. كما قال لوتريامون Lautréamont. من المظلة؟ ومن آلة الخياطة؟ استدار السيد روش في اتجاه ماكس ونوفيوتشر. كانا قد ناما.

كان السيد روش يرفض تلك القراءة للعالم التي تقضي بأن كل شيءٍ في مكانه. في هذه اللحظة، تذكَّر مناقشته مع ليا بشأن ميلاد الرياضيات الإغريقية، عندما كان يحضر طبق الأوسو بوكو الشهي. لقد قال: «عندما يحدث شيءٌ ما، فذلك لأن هناك أسبابًا لحدوثه.» كان عليه أن يضيف أن هذه الأسباب لا تعلل دائمًا ما حدث.

لقد أحدث تلاقي هذَين السلكَين، اللذَين مُدَّا انطلاقًا من المصدر نفسه، في هذا المستودع، انقطاعًا للتيار. إن قواطع التيار الرصاصية ذابت، مما أغرقهم في الظلام. وكان يتعين إخراج الشموع والاستضاءة بأنوار أخرى، وتغيَّر الواقع نتيجةً لذلك.

بينما كانت الطائرة في منتصف المحيط الأطلنطي، على بُعد عدة ألاف من الكيلومترات شرقًا، فردَت بيرت كما هي عادتها في بداية فترة ما بعد الظهر، صحيفة لوموند. وبعد أن القت نظرة على العنوان الرئيسي، تصفحت الصفحة الأولى وفجأة: «لا، هذا غير ممكنٍ!»

في اللحظة نفسها، كانت المضيفة تقدِّم وجبةً شهيةً للركاب. وإذا حكمنا بتغضنات عينَي السيد روش وهو يتذوق كأسه الأولى، كانت الشمبانيا من نوعيةٍ ممتازة.

من الكوة، لمح بعيدًا في الأسفل، خلال السجادة الكثيفة للغابة، التعرجات العريضة للنهر التي كانت تطيل مجرى الأمازون π، لقد أخبرهم بذلك المحاضر في قصر الاكتشاف.

في الواقع، لماذا تواجد نوفيوتشر في سوق السلع المستعملة لباب كلينياكور بباريس، في تلك الساعة، بينما، قبل ذلك ببضعة أيام، لحظة الحريق، كان موجودًا في منزل مانوس؟ كانت تلك هي الحلقة المفقودة. أجاب دون أوتافيو على السؤال.

– لقد قلتُ لك إن هناك، في الواقع مهربي حيوانات في هذه القصة. لقد تدخلوا. في هذه النقطة. بعد حريق المنزل، وبمجرد أن أدركتُ أن جروسروفر قد عهد ببراهينه إلى الببغاء، بحثنا عنه في كل مكانٍ. كان قد اختفَى. عند هروبه من المنزل بلا شكٍّ، لحظة أن اشتعل كل شيء، احتمى بالحانة التي كان جروسروفر معتادًا عليها. وهناك انطلق في الحديث، ويبدو أنهم لم يتمكنوا من إيقافه. لم يفهم أحد ما كان يقوله. على إحدى الموائد، كان يجلس مهربو حيوانات كانوا يحضرون بانتظام إلى الأمازون للتزود بالأنواع المحمية، المحظور بيعها. لقد أدركوا على الفور أي مبلغٍ ضخمٍ يمكنهم الحصول عليه مقابل هذا الببغاء. أسروه. عندما علمنا بالأمر، كان الوقت متأخرًا جدًّا، كانوا قد غادروا مانوس. أوه، لم يستغرق العثور عليهم وقتًا طويلًا! كانوا في باريس، مركز نشاط توزيع الحيوانات المهربة. أرسلتٌ اثنين من رجالي. لقد توليا أولًا أمر مهربي الحيوانات، ثم بعد ذلك الببغاء، وقاما باستعادته. وكان يمكن أن ينتهي كل شيءٍ عند هذا الحد، لكن أحد رجالي، استدار دون أوتافيو، وأشار إلى الشخص الصغير الأنيق في آخر الطائرة، ترك الطائر يهرب. كان يستحق أن … لكنه قناصٌ مميزٌ. إن ذلك هو كل ما يميزه، ولهذا أهمية كبيرة في مهنتنا. حسنٌ، أين وصلت؟ آه نعم، هذا الغبي تركه يهرب، لاحقاه عبر سوق السلع المستعملة حتى ذلك المستودع. كانا على وشك الإمساك به عندما.. صادفهما حفيدك، شيطان! أنت تعرف الباقي.

كان السيد روش يشرب لبنًا رايبًا.

بعد ذلك بقليلٍ، بعد أن ساعدته المضيفة على الذهاب إلى الحمام وبينما كان يجلس مجددًا في مقعده، فكَّر فيما قاله له دون أوتافيو. كان هناك شيء يحيِّره فيما يتعلق بنوفيوتشر. بعد الحريق، احتمى في حانة جروسروفر وانطلق يتحدث، ولم يتمكن أحد من إيقافه … مثل جهاز التسجيل الذي يكر كل ما فيه. كان الأمر واضحًا، إن نوفيوتشر كان ببساطة يهذي! إن فقدان الذاكرة الذي أصابه لم تسببه الضربة المادية، التي تلقاها في سوق السلع المستعملة، كما كان يعتقد الجميع، لكن سببها الصدمة، النفسية، التي تعرض لها قبل ذلك ببضعة أيامٍ أثناء الحريق.

طلب قائد الطائرة من الركاب ربْط الأحزمة. تم رفع الأطباق. لقد دخلت الطائرة في منطقة أعاصير.

أصبحت نظرة الشخص الصغير الأنيق زائغةً. وبدأت قطرات عرق تقطر من جبينه. في أسوأ كوابيسه، الذي كان يعاوده كثيرًا، كان يرى نفسه يقود طائرةً انتحاريةً وقد تعطلت أجهزة القيادة بها، وتنقضُّ الطائرة على برج شينجوكو إن إس، في وسط طوكيو، الذي وصفه له الشخص الكبير الأنيق.

إن المضيفة، التي كان بإمكانها الاستدلال على الركاب الذين يُحتمل أن يوسخوا المقاعد، مدت له في الوقت المضبوط كيسًا انفصل فيه بجلبة عن كافيار إيران الذي أكله لتوه، ثم سُمع وهو يشخر.

لم يكن ماكس يشخر، كانت رأسه تتأرجح على جذعه بهدوءٍ، عدلتها له جيوليتا ماري. ظل لحظة مستندًا على المسند، ثم بشكلٍ غير محسوسٍ انزلقت رأسه واستقرت على كتف جيوليتا. تسمَّرت، واحمرَّ وجهها، وتوقفت عن التنفس، خوفًا من أن تجعله أبسط حركة يغيِّر وضعه. كان شَعره الأحمر الكثيف يلامس وجهها بخفة. منذ كم سنةً لم تشعر بمثل هذا القدر من السعادة؟

مانوس، مدينة الأسطورة. أمضوا ليلتهم الأولى في قصرٍ كبيرٍ، احتفظ البناء ببقايا جميلة من فخامة بداية القرن الماضي.

كان النبأ الذي يحتل الصفحة الأولى لجميع الصحف هو اختفاء الأرة١ الأزرق الصغير. قدَّم دون أوتافيو الصحيفة للسيد روش الذي مررها لماكس.

«لا يوجد أي خبرٍ حتى الآن عن الأرة الأزرق الصغير!»

لم يُسْفر البحث عن الأرة الأزرق الصغير عن أي نتائج. ولا بد من تسجيل أن هذا الاختفاء أعقب محاولات، تمت في العام الماضي، للتزاوج بين هذا الطائر الثمين على غير رغبته وأُنْثَى تربت في الأَسر وأُطلق سراحها بهذه المناسبة.

كان المقال يذكِّر بالحقائق.

«إن أرة سبيكس أو الأرة الأزرق الصغير، الذي يُعرف برأسه ذي الألوان الفضية الخفيفة، هو الببغاء الأندر في العالم. والمعروف أنه لا يوجد سوى نموذجٍ واحدٍ فقط يعيش حرًّا في الطبيعة. إن الخبراء الذين عينوا موضعه كانوا يراقبون منذ سنوات تنقلاته في منطقةٍ محددةٍ تمامًا. كان قد اعتاد التزاوج من فصائل أخرى من ببغاوات المنطقة. ومن أجل تأمين ذرية، بحث الخبراء في مخزون السبع عشرة أنثى الأرة الأزرق الصغير اللاتي تعشن حاليًّا في الأَسر. وقبل إطلاق سراح الخطيبة في الأنحاء، في قلب الطبيعة، من أجله، كان عليها أن تتعرض لعملية إعادة تربية قاسية. تتعلَّم البحث بمفردها عن غذائها، والتدريب على الطيران الطويل، والعيش وحدها.

لكن على ما يبدو لم يحالف هذه الرفقة المفروضة الحظ لكي تنال الرضا؛ فالأرة الأزرق الصغير فضَّل الهروب إلى ركنٍ آخر من الغابة البرازيلية، وعلى الأرجح بصحبة أنثى أرة ماكارينا، وهي نوعٌ أكثر شيوعًا، إلا أنه اختارها بحرية. ومنذ ذلك الحين اختفَى الأرة الأزرق الصغير. وعادت الخطيبة المرفوضة إلى حديقة الحيوان.»

قرر ماكس ألا يقول شيئًا لنوفيوتشر.

في صباح اليوم التالي، رحلوا مبكرًا في اتجاه أملاك جروسروفر. كانت تقع على امتداد النهر في فرجة الغابة. لا بد أنها كانت فازندا٢ فخمة. لم يتبقَّ سوى أطلالٍ من المنزل ذاته، الذي كان ماكس قد رآه في فيلمٍ صغيرٍ في ستوديو دون أوتافيو في سراقوصة. ولم ينجُ من النيران سوى ملحقٍ، على مسافةٍ صغيرةٍ من المنزل. كانت تقيم فيه جماعةٌ من الهنود.

شاحنتان مقفلتان رائعتان مثل مقصورات السكك الحديدية كانتا واقفتين قُرب الماء، سيكون ذلك سكنهم. أراد دون أوتافيو أن يبدأ فورًا استجواب نوفيوتشر. كان واثقًا، بما أنه وفر هذه المرة كل الفرص لصالحه كما نصحه بذلك خبراء فقدان الذاكرة. أخيرًا، يتواجد الببغاء في المكان نفسه الذي عاش فيه طوال أكثر من نصف قرنٍ. هنا حيث نقل إليه جروسروفر البراهين. إنها الفرصة هذه المرة … أو لن تكون أبدًا!

بدأ ماكس يقرأ قائمة كلمات مختلفة قليلًا عن قائمة سراقوصة.

كان السيد روش يستعد للدخول في إحدى الشاحنتين، كان متعبًا، عندما اتجهت نحوه سيدة هندية في الخمسين من عمرها.

– هل أنت صديق السيد الجار، صديقه من باريس؟ قرب النهاية كان يحدثني كثيرًا عنك. في البداية، لم يحدثني عنك قط.

نظرت إلى المقعد.

«لم يقلْ لي شيئًا عن الساقين.»

جلست على الأرض ساحبة ملابسها تحتها. ودون أن تنظر إلى السيد روش، بدأت تتكلم وعيناها تائهتان:

«عندما وصل إلى قريتنا، هناك، في الغابة، كنتُ فتاةً صغيرةً في وسط الساحة، كان هناك عملاق، قذر، بلحيةٍ. كان جميلًا! كان حجامًا للمطاط، سيرنجيرو، وهي مهنةٌ قاسيةٌ، يقصد أشجار المطاط طوال اليوم. لكن هو، كان قوةً، قبل أن يشعر بالإنهاك يكون قد فصد كمًّا هائلًا من الأشجار! الآخرون همج، لا يحبون الهنود، لا يعاملوننا بشكلٍ جيدٍ. أما هو، فلم يكن مثلهم. لم يهدد قط، لم يغتصب قط. وتقول باعتزازٍ لا تخفيه إنه كان يستطيع ذلك. وعندما كان يأخذ كان يدفع.

لقد عاد عدة مرات واستقر؛ كان مثلنا، نحن الهنود. كان فقيرًا أيضًا مثلنا. لقد كبرت. كان رأسه، وأشارت إلى البعيد كان رأسه مسافرًا، كان ذلك واضحًا. كان يكتب على أوراق يضعها في جيب سرواله. وكأنْ كان ذلك يريحه قال الساحر: «إنها أعشابه الخاصة به».»

ذات يومٍ، قال لي: «سأذهب إلى نهر الذهب. سأبحث عن الذهب والماس.» وأصبح جاريمبيرو، ولم أرَه مجددًا لسنواتٍ طويلة. وكنتُ قد أصبحتُ شابةً، وكانوا يقولون «مليسا ليست دميمةً». أراد أهلي أن أتزوج، لكني رفضت.

ثم ذات مساءٍ، خرج من الغابة. لم أتعرَّف عليه. كان نظيفًا تمامًا، وبلا لحيةٍ، وبدا كأنه أصبح أكبر حجمًا عما قبلُ. رافقته إلى مانوس. لقد كسب مالًا. مالًا كثيرًا! وكان طوال الوقت يشتري كتبًا. كانت الأمور جيدة بيننا، ثم بدأ شيء يأكل رأسه. في الليل لم يعد يأتي ليلحق بي. كان يكتب في غرفته في الأعلى حتى الصباح. وكان ينام في الصباح. لم يكن ماماجينا يتركه قط. كنت أشعر بالغَيرة.

تكلمت مليسا طويلًا. قالت إنها بعد اختفاء جروسروفر، لم ترجع إلى قريتها بسبب ابنتها.

بمجرد أن تتزوج، أعود إلى قريتي، في الغابة. عجبًا، ها هي ابنتي!

كانت امرأةً شابةً تسير في اتجاه الطريق، خلاسية رائعة، طويلة، ممشوقة، جسمٌ لينٌ، في العشرين من عمرها.

– سوربون! نادت مليسا.

أشارت الفتاة لتقول إنها في عَجلة وابتعدَت.

– بماذا ناديتها؟ سأل السيد روش.

– سوربون!

أمام وجه السيد روش المتفاجئ، شرحت: كان السيد الجار يقول طوال الوقت: «كم كانت جميلةً، السوربون! كم كانت جميلةً السوربون!» ومن ثم، عندما وُلدت ابنتي أسميتها سوربون؛ لكي تكون أجمل من الجميع!

انفجر السيد روش ضاحكًا، متأثرًا أكثر مما كان يريد أن يبدي، تابع بعينيه تقصع مشية سوربون الجميلة، وهي تخب نحو حافلةٍ كبيرةٍ مبرقشةٍ كانت تزمر على الطريق.

دخل السيد روش الشاحنة. ترفٌ لا يصدق، جوٌّ مكيفٌ وكل أسباب الراحة. تمدد على سريرٍ ليِّن، ونام على الفور.

كان هناك مَن يهزُّه، إنها جيوليتا ماري منحنيةً عليه: دون أوتافيو يطلبك. يجب أن تأتي. إنه ليس على ما يرام.

قادَتْه إلى الشاحنة الأخرى وخرجَت، تاركةً إياه مع دون أوتافيو. كان ممدَّدًا. شاحب الوجه.

– أه، بيير روش كنت أريد أن أقول لك شيئًا … ومن المهم أن تصدِّقه. لم أُشعلِ النار في المنزل، ولم أقتُلِ الجار. أوه، لقد أثار غضبي الشديد عندما رفض أن يعطيني براهينه. أتتخيل؟ يفضِّل عليَّ ببغاء! لا أعرف ما الذي وقع، حادث، مع كل كُتبه.

توقف، استراح قليلًا:

«أتعتقد أنه هو الذي فعل ذلك عمدًا؟»

وضع يده على صدره.

– يجب استدعاء طبيب.

– دَعْك، يا بيير روش! تأتي لحظة حيث مهما تضاعفنا، لا نذهب إلى أبعد من ذلك. كنتُ أعرف جيدًا، كان لا بد ألا أترك صقلية. سيحدث لي مثلما حدث لوالدي. سأموت بعيدًا عن وطني. يتدبر المرء الأمر دائمًا لكي يحدث ما يخشاه أكثر من أي شيءٍ آخر.

– أنا أيضًا كنتُ أريد أن أقول لك شيئًا، أسرَّ له السيد روش وهو منحنٍ نحوه: الجار عاود الاتصال بي. أوه، ليس من وقتٍ طويل.

– أتعتقد أنني لا أعرف ذلك؟ لقد قمتُ بتحرياتي بمجرد أن علمتُ أنك في هذه القصة. وعرفتُ أنه أرسل لك مكتبتَه.

نظر إليه السيد روش مذهولًا، واحمرَّ وجهه.

– إنك تكذب بشكلٍ جيد، يا بيير روش. هل الفلسفة هي التي علَّمَتْك ذلك؟ كنتُ أعتقد أنها تُعلِّم الحقيقة.

توقَّف منهكًا. ثم: اعتنِ جيدًا بالمكتبة، إنها كل ما سيبقى منه. أعتقد أن الببغاء لن يتكلم.

انطلَق صوتُ طلقٍ ناري على مقربةٍ منهما. نظر السيد روش نحو النافذة، قلقًا.

– بيير، انظر ماذا يحدث، طلب دون أوتافيو بصوتٍ خفيض.

غادر السيد روش الشاحنة بأسرع ما يستطيع. على بعد خمسين مترًا، كان هناك تجمهرٌ صاخب.

قبل ذلك بلحظات، كان ماكس مع نوفيوتشر عندما وصل الشخص الصغير الأنيق، مهتاجًا جدًّا، وهاجم الببغاء.

– إذن، كوكو، لم تتكلم! إنك تسخر منا! انظر الحالة التي أوصلتَ إليها الرئيس. ازداد هيَجَانُه درجة:

«إذا لم تتكلم وحدث له مكروه، فلن تتكلم بعد ذلك أبدًا.»

ومدَّ يده ليُمسِك بنوفيوتشر.

– اترُكْه! صرخ ماكس.

– أوه، أقفِل فمك، أنت.

نوفيوتشر الذي كان يُرفرِف حوله، انطلق يصرُخ: أقفِله (فيرم لا)،٣ أقفِله (فيرم لا) فيرما، فيرما!

ثم طار.

ارجع ارجع، توسَّل الشخص الصغير الأنيق مذعورًا، مدركًا الغباء الذي اقترفه.

صاح ماكس: لا يا نوفيوتشر، لقد وعدت …

لكن نوفيوتشر لم يعُد يسمع شيئًا. كان يحلِّق عاليًا في الفضاء في اتجاه الغابة وصاح مجددًا، وسط قهقهة ضحكٍ ضخمة: «فيرما، فيرما!»

واختفت براهين الحدسيتَين في سماء الأمازون …

– إنه يهرب، هذا المغفَّل! سيذهب يحكي كل ما يعرفه في كل مكانٍ!

أخرج الشخصُ الصغير الأنيق مسدَّسه، وصوَّب وأطلَق النار. إنه الطلقُ الناري الذي سمعه دون أوتافيو.

ارتمى ماكس على الشخص الصغير الأنيق ليمنعه من معاودة إطلاق النار. دفعه الشخص الصغير الأنيق بعنف. كان الأوانُ قد فات. تسمَّر ماكس. في السماء توقَّف نوفيوتشر عن الطيران. وقع مثل حجرٍ واختفَى في الأشجار الضخمة المحيطة بالمنزل.

– لقد قتلتَه، أيها القذر، قتلتَه! كان ماكس يصرخ وأمسك بحصاة.

إن الشخص الصغير الأنيق الذي رأى، مثل ماكس، نوفيوتشر يسقط في الأشجار، برطم بين شفتَيه: لن تذهب لتحكي أي شيء لأحدٍ الآن!

مستوعبًا ما قاله توًّا، أصبح وجهه شاحبًا. لقد أدرك ما فعله. خطأٌ فادح! لن يسامحه عليه دون أوتافيو وقد يكلِّفه حياته. بدأ يرتجف وهدَّد بمسدسه ماكس الذي كان مستمرًّا في الصراخ: قتلتُه، قتلتُه!

جُنَّ جنونُه، كانت إصبعه ترتعش على الزناد. سمع صوتًا وراءه. لم يُتَح له الوقتُ لكي يستدير، سقط صريعًا.

اندفعَت جيوليتا ماري، وفي يدها مطرقةٌ: لم تُصَب بمكروهٍ يا صغيري، لم تُصَب بشيء؟

– شكرًا سيدتي، قال ماكس وهو ينهض.

كان يبتسم. اعتقدَت جيوليتا ماري أنه يبتسم لها. لقد كان لديه الوقت، وهو ممدَّدٌ على الأرض، أن يلمحَ شيئًا مثل نوفيوتشر يظهر مجددًا فوق الأشجار، في المكان الذي رآه يسقط فيه، ويبتعد نحو الغابة العميقة.

لم يقُلْ ماكس شيئًا مما رآه للسيد روش. سيكون ذلك سِرَّه، هو! فكَّر السيد روش، أنه لم يعُد ضروريًّا، بما أن نوفيوتشر اختفَى، إخبار ماكس أنه كان يُسمى ماماجينا. إلا أنه كان مندهشًا من قلة حزن ماكس، الذي أرجعه إلى تكتُّمه المعتاد.

توجَّه السيد روش إلى الشاحنة، كان يتعيَّن الذهاب لإخبار دون أوتافيو بما حدث. دفع السيد روش باب الشاحنة. على السرير، كان دون أوتافيو ميتًا.

على طاولة السرير، ورقةٌ مكتوبةٌ على عَجلٍ بخطِّ يده. انفتح الباب، تسللَت مليسا إلى الشاحنة، وهي تلهث. انحنَت وهمسَت بهدوءٍ في أذن السيد روش، نظرًا لوجود المُتوفَّى: تُوجَد رسالةٌ في فندقك. يجب الاتصال في الحال بالسيدة بيرت في باريس. لقد قالت إن الأمر عاجل.

عاجل! قفز قلب السيد روش. بعد موت دون أوتافيو ومقتل نوفيوتشر …

اقترحَت جيوليتا اصطحابه إلى الفندق.

طلب المندوب رقم هاتف ألف ورقةٍ وورقة.

– آلو، بيرت، هذا السيد روش!

كان الوقت في باريس في قلب الليل. لقد أيقظَها. نهضَت من سريرها.

– هل حدث شيءٌ للصغير؟ سألَت.

– لكن لا، اهدئي. إنكِ أنتِ التي طلبتِ مني أن أتصلَ بكِ على عَجل. هل حدث شيءٌ للتوءم؟

– لا.

– المكتبة؟ …

فكَّر على الفور في النار.

– لا. لو تركتَني أتكلَّم. في الصحيفة، في الصفحة الأولى، قرأت …

استمع السيد روش وشحبَ لونُه: اللعنة! إنه خبرٌ سيِّئ!

نظرَت إليه جيوليتا متسائلةً، ضغط السيد روش على الزِّر لكي تتمكَّن من سماع الحديث: «لقد تم إثبات النظرية الأخيرة لفيرما، قالت بيرت، نقلًا عن مقال صحيفة لوموند. إن عالِمَ رياضياتٍ إنجليزيًّا، هو أندرو ويلز Andrew Wiles، قد أثبت أشهر حدْسية في تاريخ الرياضيات …»

ضغطَت جيوليتا على زِرِّ الجهاز. اختفَى صوت بيرت.

بهدوءٍ تامٍّ، قالت لنفسها: لحُسن الحظِّ أن الرئيس تُوفِّي دون أن يعرفَ النبأ.

وبابتسامةٍ صغيرةٍ حزينة، أضافت:

«كان كفيلًا بإنهاء حياته.»

١  ببغاء برازيليٌّ كبيرٌ. (المترجم)
٢  مزرعةٌ كبيرةٌ في البرازيل. (المترجم)
٣  أقفِلها بالفرنسية تعني فيرم لا، وهي قريبةٌ من اسم العالم فيرما. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦