الفصل السادس والعشرون

أحجار المعبر

في شارع رافينيون؛ حيث مكتبة الألف ورقة وورقة، الساعة التاسعة مساءً، كان لا بد من الاحتفال بشكلٍ لائقٍ بعودة ماكس والسيد روش.

كان الطعام فاخرًا.

أثناء تناول التحلية، أخذَت بيرت الكلمة بطريقةٍ تتسم بدرجةٍ كبيرةٍ من الاحتفالية: لقد تجمَّعنا من جديد، بالطبع ينقصنا نوفيوتشر ونحن نفتقده. ها هو الوقت قد حان لتقييم الوضع. لقد تم حل اثنتَين من القضايا الثلاث لشارع رافينيون. لم يتم حلُّهما بواسطتنا، أوافقكم الرأي، لكنهما حُلَّتا، أما فيما يتعلق بالقضية الثالثة، أسباب موت جروسروفر، فلقد كشف لنا السيد روش توًّا أن دون أوتافيو أسرَّ له بأن: الحريق ليس جنائيًّا. لا يبقى سوى افتراض وقوع حادث أو الانتحار. في الوضع الحالي لمعلوماتنا، لا شيء يسمح لنا باختيار إحدى الفرضيتَين.

تبقى في المقابل، قضيةٌ مفتوحةٌ تمامًا: هل جروسروفر حل الحدسيتَين؟ خلال الفترة المضطربة التي مرَّت؟ حاولتُ التقدم في هذه المسالة. كانت هناك حُجتان تناضلان، مسبقًا، للرد بالنفي. سِنُّ جروسروفر وحقيقة أنه كان معزولًا تمامًا عن علماء الرياضيات الآخرين. لقد استعلمتُ عن أندرو ويلز.

بينما يكون من المعقول تأكيد أن على عالم الرياضيات أن يكون قد بنى عملَه في سن الخامسة والعشرين إلى الثلاثين على أقصى تقدير، لقد علمتُ أن أندرو ويلز كان في الأربعين عندما حلَّ النظرية الأخيرة لفيرما، أما جروسروفر فهو لم يكن قد تجاوز الستين.

من ناحيةٍ أخرى، فيما يتعلَّق بعزلته، ما الذي تقوله لنا عنها، يا سيد روش؟ فيما عدا الوقت الذي يعملون فيه وحدهم، واقفين أمام سبورتهم السوداء، أو جالسين أمام ورقةٍ بيضاء أو أمام شاشة حاسوب، يقضي علماء الرياضيات جزءًا كبيرًا من وقتهم في المنتديات، والمناقشات، والندوات، والمؤتمرات الدولية، وبشكلٍ أكثر انتظامًا في الاجتماعات الأسبوعية للأقسام أو مراكز البحوث التي ينتمون إليها. يناقشون، ويتكلمون عن تقدُّم أعمالهم، يختبرون أفكارهم الجديدة لدى زملائهم. باختصار، يتبادلون، ويتبادلون علنًا.

بينما رجلٌ ضائعٌ في قلب الغابة الأمازونية، لا يتصل مباشرةً بأي أحدٍ من زملائه ينجح حيث فشل مئاتٌ من علماء الرياضيات، ومن بين الأكثر موهبةً في التاريخ — إنك تجد صعوبةً في تصديق ذلك. أليس كذلك؟

أقرَّ السيد روش مُشجِّعًا بيرت أن تُواصِل.

«علمتُ، أعلنَت بيرت أن أندرو ويلز، بالرغم من أنه مرتبطٌ بجامعة، لم يشارك طوالَ السنوات السبع التي سبقَت إعلان نجاحه في أية ندوة، أو أي لقاء، أو أي مؤتمر. كما لم ينشُر شيئًا في الصحف والمجلات المتخصِّصة. لدرجة أن زملاءه اعتقدوا أنه ضاع في سبيل البحث. إذن، لقد حل النظرية الأخيرة لغفير ما دون علاقاتٍ حميمةٍ ومستمرةٍ مع جماعة الرياضيات. إن روابطه الوحيدة مع الباحثين الآخرين تحقَّقَت من خلال قراءة الأعمال والمجلات.

وجروسروفر؟ لدينا مكتبة الغابة. إنها تتكون بالطبع من أعمالٍ قديمةٍ لا تُقدَّر بثمَن، لكنها تحتوي أيضًا على العديد من الأعمال الحديثة. من المعروف أن الكتب في هذا المجال تكون متأخرةً بعضَ الشيء عن الأحداث الجارية، وأن المجلات المتخصصة تسبقها دائمًا؛ ففي هذه المجلات تُنشر آخر الأبحاث، بل إن النشر في إحدى المجلات التي تحظى بالاحترام تكون له أهميةٌ تاريخية. إن هذا النشر هو الذي يسمح بأن ينسب أُبوَّة اكتشافٍ ما إلى صاحبه أو أصحابه …»

– لأن الباحثين لا يحتفظون بنتائجهم سرًّا، مثل جروسروفر. ذكَرَت ليا.

– هذا صحيحٌ، لكن فيما يتعلق بويلز، لقد علمتُ … (توقفَت مؤمِّنةً تأثيرها) … علمتُ أنه عمل في سريةٍ تامة، وأنه طوال تلك السنوات السبع، لم ينشر أية نتيجةٍ وسيطةٍ بشأن أبحاثه. إنها أبحاثٌ لم يقرأ أحدٌ من محيطه سطرًا واحدًا منها قبل أن يجعلها علنية.

– لكنه نشرَها!

– لنعُد إلى جروسروفر. كان مشتركًا في أغلب المجلات الدولية في مجال الرياضيات. لديَّ القائمة. وعلى الرغم أنه كان بمعزلٍ عن العالم، كان جروسروفر إذن مطلعًا على ما يدور في مجال الرياضيات. مع تأخير بضعة شهور، على الأكثر، عن علماء الرياضيات الآخرين. إن حُجة العزلة ليست مبطلةً إذن ولا تشكِّل مبررًا كافيًا لجعل نجاح مشروعه مستحيلًا.

كانت تبدو وكأنها تترافع، لكن ضد مَن؟

ما هي الفرضيات الموجودة ومَن الذي كان يدعمها؟

كان جوناثان وليا يعتقدان، ويرغبان في ألا يكون جروسروفر قد حل الحدسيتَين، لم يسامحا له السرِّية التي لجأ إليها. لكنهما لا يستطيعان المُضي لأبعد من ذلك حاليًّا، أصبحا يعرفان مدى صعوبة إثبات حالة الاستحالة، حتى في الحياة.

كان السيد روش منقسمًا على نفسه. في البداية، كان مقتنعًا بأن جروسروفر قد حلَّهما. ثم، مع مرور الوقت، ومدركًا الصعوبة القصوى للقضيتَين المطروحتَين، اقتنع بأن جروسروفر لم يتمكَّن من حلِّهما.

أما ماكس، فكان الأمر لا يهمُّه. بالنسبة له هناك في الحياة عددٌ كبيرٌ من الأشياء الأكثر أهمية. وقرَّر أن يقرِّر بنفسه ما هو الأمر المهم. ولا توجد في القائمة، النظرية الأخيرة لفيرما ولا حدْسية جولدباخ.

وبيرت؟

تحديدًا، كانت تتكلم عن ذلك الآن: بمجرد أن تلقَّى السيد روش الخطاب الثاني، فكَّرتُ أن جروسروفر كان في حاجة إلى الحدْسيتَين لكي يستمرَّ على قيد الحياة في مانوس؛ لقد صنع لنفسه أسطورةً كان يحتاج إلى تصديقها. كان مقتنعًا إذن بأنه حقًّا قد برهَن الحدْسيتَين. ثم صدَّق شخصٌ آخر ذلك؛ دون أوتافيو! إنها طريقة عمل الأسطورة، يجب أن يصدِّقها آخرون. وانتشرَت الأسطورة حتى هنا على بعد آلاف الكيلومترات.

في البداية، قلتُ لنفسي ليس مهمًّا معرفة هل برهَن جروسروفر الحدْسيتَين؛ لأن مسألة الحقيقة ليست جوهريةً في الأسطورة، لكن عندما كنتما في سراقوصة أنتما الاثنان، تغيَّر رأيي جذريًّا، لقد، كيف أعبِّر عن ذلك؟ تبنَّيتُ موقف الرياضيات، وإنه لأمرٌ مدهشٌ أن أكون أنا مَن يتخذ هذا الموقف. بالنسبة للرياضيات، مسألة الحقيقة لا يمكن أن تكون غير مهمة، بل إنها رئيسية. قلتُ لنفسي إنه يتعيَّن معرفة الأمر على حقيقته.

رنَّ جرس المدخل.

– في هذه الساعة؟ قال السيد روش مندهشًا.

نزل جوناثان ليفتح وعاد مع ألبير وحبيبي اللذَين دخلا ساخرَين: «لقد رأينا النور؛ وبالتالي طرقنا الباب!» شعر السيد روش بانقباضٍ بسيطٍ في قلبه عندما تذكَّر آخر مرةٍ سمع فيها هذا الرد.

– جننا نحتفل بعودتكما، لم نستطع أن نحضُرَ قبل ذلك.

قدَّمَت لهما ليا مشروبًا.

قالا: «لقد كنتم في قلب المناقشة، استمرُّوا، استمرُّوا.»

غادر ماكس المائدة وهو يُلقي نظرةً حزينةً على المكان الذي كان يرتفع فيه مجثم نوفيوتشر لأكثر من ستة أشهر، وحبس نفسه في غرفته.

استأنفَت بيرت. وصفت رزمتَي مجلات مكتبة الغابة والمقالات الموضوعة تحت عنوانها خطوط.

– قلتُ لنفسي قد تكونُ الإشارات التي كنتُ أبحث عنها، الدلائل التي أرسلها لك جروسروفر. لكن كيف يمكن معرفة ذلك؟ ثم جاء نبأ حلِّ النظرية الأخيرة لفيرما على يد أندرو ويلز. الآن وقد عرفنا كيف تَعامَل شخصٌ من أجل تحقيق هذا البرهان، نكون تقدَّمنا قليلًا. بالطبع، هناك أحيانًا عدة وسائل لإثبات نتيجةٍ ما، لكن مع ذلك كنتُ أُمسِك بخيط، أسأل مَن؟ لا أعرف أي عالم رياضيات. فكَّرتُ في محاضر قصر الاكتشاف، أتتذكرونه؟

نسختُ عناوين كل المقالات الموضوعة تحتها خطوط من كل رزمةٍ وذهبتُ لأقابله، وسألتُه إذا كان هناك ارتباطٌ بين قوائم المقالات هذه وبرهان أندرو ويلز. اندهش من طلبي. كان في عَجلةٍ من أمره؛ إذ كانت مجموعة زائرين في انتظاره في قاعة π. تركتُ له رقم هاتفي.

في اليوم التالي، رنَّ جرس الهاتف. وهُرعتُ إلى قصر الاكتشاف. كان في انتظاري وأعلن لي: «كل مقالٍ مدوَّنٍ في هذه القائمة — وعرض عليَّ أطول قائمة في القوائم — يحتوي النتائج أو الطرق التي أفادت ويلز في وضْع برهانه!»

سألتُه ماذا يعني ذلك؟ أجابني بصورة. «تخيلي نهرًا معروفًا عنه أنه من المتعذر عبوره في إحدى هذه القوائم التي قدَّمتِها لي، توجد أحجار المعبر، كلها! ونحن نعرف أنه معبر، بما أن ويلز، سالكًا هذا المعبر تمكَّن فعلًا من بلوغ الضفة الأخرى.» هذا هو ما قاله لي.

تحمَّسَت بيرت:

«وهو ما يعني أن جروسروفر اكتشف وحده تمامًا موقع المعبر. هل سلكه فعلًا؟ إنه أمرٌ محتمل، لكن بكونه قد سلكه، هل بلغ الضفة الأخرى، أم غرق في الطريق؟ لا شيء يثبت أنه بلغ الضفَّة الأخرى، ولا شيء يُثبِت أنه غرق. لا شيء يثبت أنه فعلًا برهن نظرية فيرما الأخيرة، لكن …»

كادت أن تتوقَّف هنا. كفَى أسرارًا، هذه المرة ستتكلم.

لقد التقينا مجددًا، سيأتي لتناول العشاء ذات مساء. وسألته عن القائمة الثانية.

– إذن؟ سأل جوناثان مستثارًا.

– تتعلق كل المقالات المدوَّنة في هذه القائمة بحدْسية جولدباخ. أجابت بيرت.

– «المقالات الموضوع تحتها خطٌّ هل هي أحجار معبرٍ سمحَت لجروسروفر أن يعبُر نهر الذهب.»

لم يكن سؤالًا.

انطفأ النور.

غرق حبيبي وألبير في الضحك ملء شدقيهما وصاحا: رأينا النور، وبالتالي صعدنا!

انفتح باب غرفة ماكس. وظهر ماكس، مضاءً كما في العيد. كان يمشي ببطءٍ. حاملًا كعكةً كبيرةً غرزت فيها غابة من الشموع.

انفجرت الصرخاتُ: عيدُ ميلادٍ سعيد!

تقدَّم ماكس نحو السيد روش مع الكعكة المضاءة ﺑ ٨٥ شمعة. ديوفانتوس، الخيَّام، جروسروفر! بلغ السيد روش عامه الخامس والثمانين؛ منتصرًا على قانون المجموعات وساخرًا منه.

في جيبه على الورقة المكتوبة على عَجلٍ في مانوس كتب دون أوتافيو: «في حريق كروتونا الذي أشعله سيلون، تمكَّن أحد الفيثاغورسيين أن يهرب، جر…» قرَّر السيد روش ألا يخبر أحدًا بهذه الرسالة الصغيرة. سيكون ذلك. سرَّه الخاص به.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦