الفصل الثالث

طاليس، رجل الظِّل

– كان ذلك في زمن ابن الملك جوجو Gugu. قُرب مدينة ميليه، في إيوني، على ضفاف بحر إيجة، كان طاليس، ابن أكسامياس وكليوبولين، يسير عَبْر الريف.

مَن كان يجرؤ على إيقاظ جوناثان فجر يوم الأحد؟ بربرية! إنَّها ليا. فاتحًا عين إنسانٍ شرس، بدأ جوناثان يدغدغ الحبة التي لديه تحت الذقن. كان الباب الفاصل بين غرفتَيْهما مفتوحًا، كما هو دائمًا. تابع الصوت الأجش والأخن:

«كان طاليس يتقدَّم عبْر الحقول، وخادمةٌ تمشي إلى جواره.»

لم تكُن ليا. كان المذياع. مذياعه!

«كان طاليس يتفحَّص السماء، وهو يمشي.»

لم يكُن مذياعه.

قفَز جوناثان مِن السرير واندفع نحو الباب: إني أهلوس!

مُتشبثًا بإطار الباب، كان الببغاء! ومِن الناحية الأخرى مِن الباب، كانت ليا، مشدوهةً مثله، اكتشفَت الطائر المستعد لمواصلة مقطعه. تجاهلاه ونزلا السلالم مسرعَين.

في غرفة الطعام والاستقبال، كانت ساعة الحائط تشير إلى الحادية عشرة، بينما كان ماكس يرتِّب بقايا الإفطار، كان السيد روش يتظاهر بقراءة صحيفته.

عنَّفَته «ليا»: أتجد أنه مِن الذكاء إيقاظنا يوم أحد، في الفجر، بببغاء؟ ببغاء يكرر بصوتٍ أخن كُلَّ ما أقحمتَه في رأسه؟

ضارِبًا جناحَيه، تجاوزَها الببغاء وهو يصدر نقيقًا: أنا لا أُكرر، أنا لا أشي، أنا لا أخبر، أنا لا أعلم، أنا أحكي!

حول جرحه الذي التأم حاليًّا، كان الريش المُنتَصِب مِثل الرماح يؤكد إلى أي درجةٍ كان غاضبًا. أعادت ليا إحكام رداء الحمَّام المفتوح الذي كان يُظهر النهدَين العاريَين، وسأل جوناثان، وهو يدغدغ قرطه: لماذا تكلمنا عن طاليس؟ على الريق!

وضع السيد روش الصحيفة، مُتجاهلًا الأسئلة: كما كان نوفيوتشر يحكي لنا، مُشدِّدًا على فعل يحكي، كان طاليس يتفحَّص السماء، لكي يكتشف أسرارًا عن دوران النجوم. عندما لمَحَت الخادمة الشابة التي كانت تُرافقه حفرةً كبيرةً وسط الحقل، وتفادتها. أما طاليس، مستمرًّا في فحص السماء، فوقع فيها. «لا تستطيع أن ترى ما تحت قدمَيك، وتعتقد أنك تستطيع معرفة ما يدور في السماء!» قالت له وهي تساعده على الخروج مِن الحفرة.

وختم السيد روش كلامه قائلًا:

«نعم، كُلُّ شيءٍ يبدأ بسقطة.»

فتح الباب، ودخلَت بيرت محملةً بسلال تبضُّع ثقيلة. لقد سمعَت الجملة الأخيرة.

نظَر جوناثان وليا إليها وعادا إلى غرفتهما. لقد فَهِما الرسالة، لم تستطع ليا أن تمنع نفسها من أن تطلق بنبرةٍ ساخرة: وكان لديه أطفالٌ كُثُر.

– تنحي جانبًا، ليا! قال السيد روش مهللًا، لم يكُن لطاليس ولا طفلٌ واحدٌ. لقد تبنَّى ابن أخته كيبيستوس.

مثل كل تلاميذ العالم، كان جوناثان قد قابل طاليس عدة مرات. كُلَّ مرة، كان المُدرِّس يكلمهم عن النظرية، وليس عن الرجل. من جهةٍ أخرى، في دروس الرياضيات، لا أحد يتحدث أبدًا عن الشخص. من وقتٍ إلى آخر، كان اسمٌ يسقط، طاليس، فيثاغورس، باسكال، ديكارت، لكن كان مجرد اسمٍ فقط، مثل اسم نوعٍ مِن الجُبن واسم محطة مترو، لا أحد يتحدَّث أيضًا عن أين ومتى صُنِعَت. كانت الصيغ الرياضية والبراهين والنظريات تهبط على السبورة، كما لو أنْ لا أحد قد ابتكرها، كما لو أنها كانت موجودةً منذ الأزل، مثل الجبال أو الأنهار. مع أن الجبال لم توجد منذ الأزل. وكان يتم الوصول إلى أن النظريات تبدو أكثر أبديةً مِن الجبال والأنهار! إنَّ الرياضيات ليست مثل التاريخ، أو الجغرافيا، أو الجيولوجيا. ما هي تحديدًا؟ لم يكُن السؤال يثير اهتمام عددٍ كبيرٍ مِن الناس.

– لقد كنتَ عبقريًّا. (كان ماكس يملِّس على ريش نوفيوتشر.) كان ذلك جيدًا، الكيفية التي أجبتَ بها عليهما. (مَدَّ فمه، وهو يتمايل مُقلِّدًا الببغاء.) «أنا لا أكرر، أنا أحكي.» أحسنْتَ، لقد كانا مذهولَيْن. على أيَّة حالٍ، إنَّ لكَ ذاكرةً شيطانية.

كان ذلك تحديدًا هو ما فكَّر فيه جوناثان في الطابق الأعلى.

– بالنسبة إلى ببغاء أخرس، أجد أنه يستدرك بشكلٍ جيد، هل سمعتِ من قبلُ ببغاء يتكلم مِثل هذه المدة الطويلة؟ سأل ليا.

لم تَرُد.

– أتذْكُرين، لقد اصطحبَتْنا بيرت إلى محلات الحيوانات على أرصفة نهر السين. لقد مكثنا ساعةً أمام أقفاص الببغاوات! لم ينطقوا كلمةً واحدة.

– ربما لم يكونوا مِمَّن يتكلمون. اقترحَت ليا.

لكن ذهنها كان في مكانٍ آخر.

– هو، إنَّه ليس مُتكلمًا، بل ثرثارًا!

تركَتْه فجأة ونزلَت إلى غرفة الطعام والاستقبال، اندفعَت نحو السيد روش الذي كان ينتظرها، كأن شيئًا لم يكن: ما الذي بدأ مع سقطة طاليس؟ سألَتْه بعدوانية.

جلسَت لتناول إفطارها. كانت بيرت تستمع وهي منشغلةٌ في المطبخ ذي الطراز الأمريكي. لم يكُن السيد روش في عجَلةٍ من أمره. وأخيرًا، أجاب: كان طاليس أوَّل «مفكرٍ» في التاريخ. لا أقول إنه لم يكُن هناك أحدٌ قبله قد فكَّر قَط! أوه، لا، المرء يفكِّر منذ وقتٍ طويل! كان يُوجد قبله، كهنةٌ، وكُتَّابٌ ناسخون، ورجال دين، ومحاسبون، ورُواة، يتلون الصلوات، ويُجرون الحسابات، ويَروون الأساطير. أمَّا طاليس فكان يفعل أشياءَ أخرى: كان يتساءل، على سبيل المثال: ما هو التفكير؟ أو: ما هي الروابط بين ما أفكر فيه وما هو موجودٌ؟ أو أيضًا: هل توجد أشياءُ لا يدركها الفكر؟ ومم تتكون الطبيعة؟ إن مثل هذه الأسئلة لم يكُن قد تم طرحها قَط من قبلُ، وهو ما يُدهشنا حاليًّا.

كان السيد روش يجد متعةً كبيرة، وهو يسبح في قلب الفلسفة. انضم إليهما جوناثان، مُرتديًا نوعًا من الساري الهندي لونه بنفسجي وخُفًّا مِن النسيج. صَبَّ لنفسِه كوبًا من اللبن ومزج به حفنتَين مِن الحبوب الكاملة.

– أليس ذلك بالفلسفة، يا سيد روش؟ سألَت ليا، وظاهرها جوناثان على الفور: كنتُ أعتقدُ أن طاليس عالِم رياضيات.

ابتهج السيد روش، لقد «استَدرَجهما». أسرع بالرد: في زمن طاليس؛ أي في القرن السادس قبل عصرنا، كانت الفلسفة والرياضيات مُتداخلتَين بالكامل، ومن جهةٍ أخرى، لم تكُن هذه الكلمات موجودةً بعدُ، لقد اختُرعَت بعد ذلك. ولقد انفصلَت بعد ذلك أيضًا، لكن الآن كُل الناس يريدون نسيانَ أنهما كانتا مُتحدتَيْن عند ميلادهما.

الآن وقد ألقى السيد روش بطاليس بين أيديهما، لم يكُن يستطيع التوقف في مُنتصفِ الطريق. كان يعرف جيدًا هذا المفكِّر، حتى إنه كان واحدًا ممَّن وضعهم في أعلى مرتبة من مجمع المشاهير لديه. لكنه كان يحتاج إلى إنعاش ذاكرته فيما يتعلق بمساحة الرياضيات في أعماله.

أين التنقيبُ عن هذه المعلوماتِ؟ في المكتبة الوطنية! اﻟ B.N.، كما كانت تُسمى في زمنه. وكما تُسمى حاليًّا أيضًا. لقد أمضى أسابيعَ فيها وهو طالب، مع جروسروفر، بالطَّبع.

لا يدخل المرءُ المكتبة الوطنية كما يدخل دار سينما. يستلزم الأمر بطاقةً. ولا يتم الموافقة على التسجيل، أو رفضه، إلا بعد مقابلةٍ صارمةٍ مع عضوٍ مِن الإدارة، أمينة المكتبة التي استقبلَتْه سألَتْه إن كان معلمًا أو باحثًا، وإذا كان يُجري بحثًا وما هو هذا البحثُ، وتحت إشراف أي أستاذ، وإذا كانت لديه بطاقةٌ طلابية، وإذا … ومدركةً فجأة سنَّ محدِّثها، ارتبكَت وقالت معتذرةً: إننا نطرح هذه الأسئلة على الجميع.

هل يستطيع أن يقول لها: «إذن، أنا أقيم مع سيدةٍ شابة، بيرت ليارد، عندما كانت في العشرين من عُمرها، سقطَت في فتحة بالوعة … إلخ؛ ومن ثَم قرَّرتُ أنْ أقوم بأبحاث؛ لأن التوءم …» لن تفهم شيئًا من ذلك.

ابتسم ابتسامةً كبيرةً لأمينة المكتبة.

– اسمي بيير روش، أنا صاحب مكتبةٍ في مونمارتر، عمري ٨٤ عامًا. مشرف أبحاثي ماتَ عام ١٩٤٤م، ولم أُنْهِ قطُّ أطروحتي. ومنذ ذلك الحين، أحاول أن أتدبَّر أمري وحدي. إنَّ أبحاثي شخصيةٌ تمامًا، ليس منظورًا أن يكون لي مُؤلَّفٌ مطبوع. أريد الاطِّلاع على أعمالٍ عن طاليس وعن بدايات الرياضيات الإغريقية.

رفعَت يدها لتقول إنَّ ذلك كافٍ جدًّا.

– أتريد بطاقةً لعشرِ مراتِ دخولٍ أم بطاقةً سنوية؟

– في سنِّي، كان عليَّ أن آخذ بطاقة عشر المرات دخول. سيكون الأمر مَنْطِقيًّا أكثر، لكني أوافق على البطاقة السنوية!

دفَع السيد روش، ثم توجَّه إلى التصوير، الصورة، التي حُمضَت فوريًّا، طُبعَت مباشرةً على بطاقة المطالعة المصنوعة مِن البلاستيك المُقوى، ودون أنْ ينظر إليها، أمسك السيد روش الصورة باعتزازٍ ودسَّها في جيب سترته.

عند مدخل قاعة المطبوعات، تم استبدال صفيحةٍ معدنيةٍ ببطاقته مكتوبٍ عليها رقم مكان. إن قاعة المطالعة لم تتغير حقًّا.

كان السيد روش في سالف الزمان يخب في الممرات، حاليًّا، تطرح تنقلات المقعد المتحرك بعض المشكلات. أثناء مروره، علَّق بمقعد، داس على حافظة وثائقَ متروكةٍ على الأرض، وخدش رفًّا مكتظًّا بالكُتبِ المألوفة، وفي النهاية وصل إلى مكانه الواقع وسط رفوف مكتبةٍ بين عارضتَين. مستعيدًا ردودَ الفعل الغابرة، شَعر على الفور بالألفة مع المكان. أضاء المصباح، كانت تلك من عادات المكتبة الوطنية، المصابيح مضاءة، أيًّا كانت الساعة ودرجة الإشراق. إنَّ القاعة التي يوجد بها مجموع الفهارس وعُلب البطاقات تقع في البدروم، وللوصول إليها يجب استخدام السُّلم! حانقًا، كان يستعد للاحتجاج لدى أمين المكتبة عندما تذكَّر أن الفهرس العام للكُتبِ المطبوعة مُتاحٌ أيضًا في قاعة المطالعة، إذن، يستطيع بسهولةٍ مراجعة الفهرس الذي يضم الكُتب المطبوعة حتى بداية القرن العشرين، لقد دوَّن أرقام الكُتب، ومَلأ بطاقاتِ طلبِ الأعمال.

أكل سندوتشًا وشرب كوب نبيذٍ في شارعٍ صغيرٍ مجاور، مُتقاسمًا مائدته مع مجموعةٍ من رُواد المكان.

عند الساعة الواحدة والنصف ظُهرًا أصبحت الحانة خالية. لقد ظلَّ السيد روش وقتًا طويلًا يتذوق الصمت المُسْتعاد. كان يشعر أنه طالبٌ من جديدٍ، طالبٌ عجوز.

أَخرج بطاقة المُطالعة الخاصة به، ونظر إلى الصورة. كانت صغيرةً جدًّا لكن وضوحها كان مُدهشًا، رأى عينَين فاتحتَين، فاتحتَين جدًّا، شفافتَين تقريبًا، وشَعرًا ناعمًا وغزيرًا، مشدودًا إلى الوراء، ووَجنتَين هزيلتَين، وذقنًا واضحًا، وأنفًا مستقيمًا وجِلدًا أملس تقريبًا، بدون تجاعيدَ، ابتسم: إنَّ التجاعيد في الداخل! لقد مرَّ وقتٌ طويلٌ جدًّا لم ينظر فيه إلى نفسه، وضع البطاقة في محفظته.

في محل الأدوات القرطاسية الواقع في الجانب الآخر من الميدان، جعلَهم يقدمون له دفاتر مُختلِفة. إنه شدُيد الهوس بكل ما يتعلق بلوازم الكتابة، وانتهى بأن اختار دفترًا سميكًا بغلافٍ مقوًّى، وصفحاته ذات المربعات الكبيرة تمنح هامشًا عريضًا، ثم عاد إلى شارع رافينيون في تاكسي.

توجَّه مباشرةً إلى المرسم الثاني، الذي كان نجَّار شارع الإخوة الثلاثة قد انتهى من إعداده، كانت أفكاره قد تحدَّدَت عن طريقة تحويل المكان لكي يتطابق مع أهدافه. لقد أطاع النجار توجيهاته بدقة.

عاد السيد روش إلى الغرفة-الجراج وأمضى فترة بعد الظُّهر في مباشرة المشروع الذي كان في ذهنه. كُل شيءٍ يجب أن يكون جاهزًا يوم الأحد القادم.

بعد بضعةِ صباحاتٍ في المكتبة الوطنية، كان الدفتر قد امتلأ تمامًا. جلس السيد روش في أحد الممرات بين الأرفف في الجانب الأيمن لقاعة المطالعة، وأعاد قراءة الملحوظات التي دوَّنها من قبلُ.

القرن السابع قبل عصرنا، سواحل الأناضول. بينما كان ابن الملك جوجو Gugu يحكُم «سارْد» عاصمة مملكة ليدي، لم يكُن في إيوني القريبة جدًّا، أي ملِك يحكم ميليه. كانت المدينة من أوائل المدن-الدول. مدينة حُرَّة! لقد وُلدَ طاليس فيها في السنة ٦٢٠ قبل الميلاد تقريبًا. إننا نَدين له بالقاعدة الشهيرة: «اعرفْ نفسَك بنفسِك!» كان أحد الحُكَماء السَّبعة لليونان القديمة، وأول مَن أعلن نتائجَ عامةً تتعلق بالموضوعات الرياضية.

لم يهتمَّ طاليس كثيرًا بالأعداد، كان اهتمامه الأساسي بالأشكال الهندسية، دوائر، خطوط مستقيمة، مثلثات. وكان أول مَن اعتبر الزاوية كائنًا رياضيًّا كامل العضوية، وجعَل منها الكمِّية الهندسية الرابعة، مُنضمةً بذلك إلى الثلاثي الموجود من قبل، الطول والمساحة والحجم.

لقد أكَّد طاليس أن الزاويتَين المتقابلتَين بالرأس المتكونتَين من مستقيمَين مُتقاطعين، تكونان مُتساويتَين.

وقام السيد روش برسمهما:

كَمْ كان هذا الرسم كَئِيبًا! إنه متماثلٌ إلى درجةٍ كبيرةٍ مع الرسومات التي كدَّرَت شبابه. تابع السيد روش قراءته، ثم سَجَّلَ ملاحظة:

الارتباط بين الدوائر والمثلثات، لقد برهن طاليس أنه يمكن مطابقة دائرة لِكل مُثَلَّثٍ: الدائرة التي تمر بالرءوس الثلاثة لهذا المثلث، الدائرة المحيطة التي اقترح لها رسمًا عامًّا.

فكَّر السيد روش، ثم كتَب في هامش الدفتر:

«وهو ما يعني أن هناك دائمًا دائرةً تمرُّ بثلاث نقاطٍ، ولا تمرُّ بها سوى دائرةٍ واحدة.»

أعاد القراءة، لا، لا! أضاف ثانيةً: «ليست على خطٍّ واحدٍ»؛ لأنه إذا كانت النقاط الثلاث على صفٍّ واحد، لن تمرَّ بها دائرةٌ وإنما مستقيمٌ. يجب أن يكون المرء دقيقًا جدًّا، وإلا فسيكتب سخافاتٍ، ثم أضاف: «وهو ما يعني أن ثلاث نقاط غير مصفوفةٍ على خطٍّ واحدٍ تحدِّد ليس فقط مثلثًا، الذي هو بديهيٌّ، لكنها تحدِّد دائرةً أيضًا، وهو ما ليس بديهِيًّا.» وأثناء ما كان السيد روش يقوم بالرسم، استَرعَى انتباهَه الاهتمامُ الذي كان يُوليه طاليس للعلاقات التي تربط الموضوعات الرياضية فيما بينها. لا يقل كآبةً تقريبًا عن الرسم السابق!

بدأ بالقلم الرصاص يلوِّن بالرمادي داخلَ الدائرة. هكذا كان الشكل أقلَّ قُبحًا.

ثم أخرج من محفظته معدَّاته، ورسم إطارًا حول الشكل، زامًّا عينَيه لتقدير التأثير المحرَز. كان فخورًا بفكرته؛ عرض الأشكال الهندسية مثل لوحات رسام!

الشابة الجالسة إلى الطاولة المواجِهة له تنظر إليه بدهشة، متحيرةً من سلوك هذا الرجل العجوز المُنهمِك في عمل رسوماتٍ في دفتره الكبير. براحة يده، كنَس السيد روش الصفحة لطَردِ كشطات الممحاة، ثم استَغرَق من جديدٍ في دفتره، وكتَب:

لقد برهَن طاليس أن المُثلث المُتساوي السَّاقَين له زاويتان مُتساويتان. واضعًا بذلك علاقةً قويةً بين الأطوال والزوايا: ضلعان متساويان، زاويتان متساويتان!

عند قراءته السطور التالية، لم يتمكن السيد روش من منْع نفسِه مِن الابتسام، كان قد كتَب:

للحديثِ عن الثور الأمريكي، يقول هنود أمريكا «ذو القرنَين». وبالنسبة إلى الدراجات العادية والدراجات النارية، يُقال «ذات العجلتَين». وبالنسبة إلى شَكْلٍ له ثلاث زوايا يُقال «مُثلَّث». لكن كان يُمكِنُ أن يُقال أيضًا «ثلاثي الأضلاع»، وهو ما كان يفعله القدماء الذين كانوا يتكلمون عن مضلع ثلاثي، وهي كلمةٌ صِيغَت على النموذج نفسه لمُضلعٍ رباعي.

مُواصِلًا انطلاقته الاشتقاقية، أضاف السيد روش:

ومتساوي الساقين (أيزوسيل)؟ أيزو معناها نفس، وسكيلوس: ساقان. إنَّ مُثلثًا مُتساوي الساقين هو مُثلَّثٌ له ساقانِ متماثلتان! ونتيجةً لذلك، فإنَّ المثلثات العادية، التي أضلاعها الثلاثة غير متساوية، كانت تُوصَف بالمُثلثات الأخمعية؛ أي العرجاء.

وحلم السيد روش بمسألةٍ رياضيةٍ تبدأ ﺑ: «لنفرضْ أن مُثلَّثًا أعرج». لقد رنَّ ذلك في رأسه، وفكَّرَ في بيرت، في خلفتها الثلاثية الأضلاع، «توءم زائد واحد». ظَلَّ وقتًا طويلًا يُفكِّر، مُتذكِّرًا ما كشفته بيرت لهم بشأن سقوطها. في الواقع، إنها لم تقلْ شيئًا تقريبًا، دون أنْ يُدرِكَ، عاد السيد روش إلى نقطة البداية، إلى ما أثار بحثه حول طاليس.

بعد أن عالجَ الروابطَ التي وضعها طاليس بين الدوائرِ والمثلثات، ثم بين الزوايا والأضلاع، تناول العلاقاتِ التي تربط الخطوطَ المستقيمةَ بالدوائر، وكان عليه، من أجل ذلك، التعمُّق في قراءة عملٍ عن بدايات الرياضيات الإغريقية.

وفي اللحظة التي كان سيُدوِّن على الورق ما كان قد جمعه، تذكَّر مَقطعًا من رسالة جروسروفر: يوجد في هذه الأعمال قصصٌ تساوي قصصَ أفضل روائيينا. الرياضيات: قصص لزولا، وبلزاك، وتولستوي! لقد بالغ كعادته. إلا أن السيد روش أقرَّ أنه كان يقترح بذلك طريقةً مُبتكرةً لرؤية الرياضيات.

لماذا لا يتبع نصيحته للحظة؟ ما هي القصة التي ترويها لي هذه الصفحات؟

تدور القصة في مستوًى ويقوم بالمشهد مستقيمٌ ودائرة، ما الذي يمكن أن يحدث لمستقيمٍ ودائرة؟ إما أن يقطع المستقيمُ الدائرةَ أو لا يقطعها. يستطيع أيضًا أن يلامسها، لاحظ السيد روش. إذا قطعها، فإنه يقسمها بالضرورة إلى قسمَين. كيف يجب أن يكون موقع المستقيم لكي يكون القسمان متساويَين؟ لقد أعطى طاليس الإجابة: لكي يقطع المستقيم الدائرة إلى قسمَين متساويَين، يجب أن يمرَّ إجباريًّا بالمركز، ويكون المستقيم في هذه الحالة قطرًا! إنَّ القطر هو أطول قطعةٍ مستقيمةٍ تسكُن داخل الدائرة، إنها تقطعه على امتداد طوله. ولذلك يمكن القول بأن القطر «يقيس» الدائرة.

فرجار، ومسطرة، وقلم رصاص، ونتج عن ذلك:

اسْتَأنف السيد روش مطالعته. ثم كتَب:

إنَّ إجابة طاليس لا تتعلق بدائرةٍ بعينها، لكن أيَّة دائرة. إنه لا يقوم بأية دعوةٍ إلى نتيجةٍ رقميةٍ موضوعةٍ انطلاقًا من جسمٍ مُفردٍ، كما كان الحال قبله، بالنسبة إلى المصريين والبابليين. كان طموحه التعبير عن حقائق متعلقةٍ برُتبةٍ كاملةٍ مِن الكائنات، رتبة غير محدودة! يريد تأكيد حقائق بالنسبة إلى عددٍ لا محدود من أشياء العالَم. إنه طموح يتميز بجدةٍ مطلقة، ولكي يستطيع الوصول إليه، سيُضْطر طاليس إلى أن يتصور، بواسطة فكره فقط، كائنًا مثاليًّا، «الدائرة»، التي هي بطريقةٍ ما ممثلةٌ لكل دوائر العالم! ولأنه يهتم بكل دوائر العالم، وليس بحفنةٍ من بينها، ولأنه فيما يتعلق بموضوع الدوائر يدَّعى تأكيد حقائق ترجع إلى طبيعتها كدائرة؛ لذا يمكن منحه لقب «أول عالِم رياضيات في التاريخ». لقد كانت طريقةً جديدة تمامًا لرؤية الأشياء، إنَّ المرء يجد صعوبةً في تصوُّر ما هي الجدة في جملة مثل: كُلُّ مستقيمٍ يمرُّ بمركز دائرة يقطعها إلى قسمَين متساويَين.

غادر المكتبة الوطنية ورأسه مشحون بمستقيماتٍ ودوائرَ.

جاثمًا على فرعٍ من شجرة الغار في الفناء الدَّاخلي، كان نوفيوتشر يقوم بشقلبات، مثيرًا الضحكات.

كانت بيرت الجالسة إلى إحدى طاولات الحديقة، ترشف عصير كينا بالفراولة، تجد صعوبةً في الحفاظ على جديتها. كان السيد روش يَغلي، مُستعدًّا أن يتوقَّف عن قراءة ما دوَّنه من ملحوظات. غادر نوفيوتشر، أسفًا، فَرْعَه وحَطَّ على كتفِ ماكس. وعندما نطَق السيد روش جملة: «يُريد طاليس تأكيد حقائق لعددٍ لانهائيٍّ من أشياء العالم»، لم يتمكن جوناثان من تمالك نفسه: إنَّ ما تؤكده هنا، يا سيد روش، أمرٌ مرعبٌ، ألن يكون هناك دائرةٌ صغيرةٌ مختفيةٌ في مكانٍ ما مِن العالم، دائرةٌ مستترة، هربَت إلى الأدغال وأفلتَت من نظريَّتك؟

– ولا واحدة! أبدًا! ولا في أي مكان! ردَّ السيد روش بحدَّة.

– ألم تَسمَع؟ صاحت ليا. لقد قال كُل الدوائر! لا استثناء!

– إنَّ في ذلك تصلُّبًا، على أية حال! قال جوناثان صارخًا: تريد أن تقول إنَّ ذلك شموليٌّ!

لم يرُدَّ السيد روش، كان مُعْجبًا بسخطهما المراهق. كان يُحبهما هكذا، مُتمردَين على نظام العالم. لقد ذكَّره ذلك بالمناقشات الرهيبة مع جروسروفر، في القاعة المملوءة بالدخان في مقهى تاباك السوربون.

– لا يفلِت المرء من نظرية تنطبق عليه! أعلنَت ليا، مُنتصِبةً مثل دلفية.١

نظرَت بيرت إلى ليا، مشدوهةً من كل هذا القَدْر من الحِدَّة، صَبَّت كأسًا من الكينا في كوبها الفارغ وخفَّفَته بقليلٍ من عصير الفراولة.

– ألا تجد أن رياضياتك، مثل القدَر في التراجيديات، يا سيد روش؟ قالت بيرت بهدوء.

– رياضياتي؟ (كان غاضِبًا). إنَّ جروسروفر هو الذي سيكون مسرورًا! لقد نجح في مشروعه!

لكن تابعَت بيرت فكرتها:

ألن تكون هناك علاقةٌ بين التراجيديات والرياضيات؟ الاثنان وُلِدا في اليونان؟ في الفترة نفسها تقريبًا، أليس كذلك؟

نظَر إليها السيد روش، مبهورًا. لم يقم قَط بمثل هذا التقارب. التراجيديا والرياضيات! إسخيلوس Eschyle، يوريبيدس   Euripide،٢ سوفوكليس   Sophocle٣ … يجب التعمُّق في الموضوع!

رَدَّ على جوناثان:

اطمئن، إنَّ النظريات لا تخصُّ إلا الكائنات المثالية.

– إذن، فهو لا يخشى شيئًا، وانفجرَت ليا ضاحكة.

– لا شيء على الإطلاق، أكَّد السيد روش. إنَّ النظريات لا تنطبق على الكائنات البشرية.

– وعلى الببغاوات؟ سأل ماكس.

– كذلك.

عند الفجر، كان الجوُّ قد أصبح حارًّا. ولم تكُفَّ درجة الحرارة عن الارتفاع على امتداد فترة الصباح. كانت السينما الحل الوحيد للبقاء على قيد الحياة. غادر جوناثان وليا متجهَين إلى ميدان كليشي، القريب جدًّا، متجاهلَين مجموعات القاعات الصغيرة، التي مرَّا أمامها باحتقارٍ، وجلسا في قاعة سينما حقيقية. مقاعد ليِّنة، وموكيت سميك، وستارة تستغرق ساعةً لكي تنفتح، وشاشة كبيرة مثل الشراع الكبير لمركب ذات ثلاثة صوارٍ.

في الاستراحة، اتَّخما بالمثلجات وهما يُدندِنان عديةً عبيطةً من اختراعهما، ألَّفاها عندما كانت بيرت مُفلسة، تصطحبهما إلى حفلةٍ بعد ظهر الأحد المزدحمة.

في الإسكيمو
الحار جدًّا،
أفضل شيءٍ هي العصاة؛
لأنها تدوم وقتًا أطول.

يا لها من صدفة برنامج مُنْذِرة، لقد كانت السينما تعلن عن فيلم أرض الفراعنة لهوارد هاوكس. فيلم فخم من عام ١٩٥٥م، مع جاك هوكنز، وديوي مارتن، وجون كولينز، وسيناريو وليم فولكنر. يتناول الفيلم سرَّ بناء الأهرامات.

لقد حمَّسَهما الفيلم. غادرا القاعة الباردة آسفين. رجع جوناثان وليا نحو الهضبة، مقتربَين بدون حماسٍ من جِسْر كولانكور.

إنَّ جِسْر كولانكور هو جِسرٌ فريد من نوعه. إنه يتخطَّى مقبرةً، مُجبِرًا المُشاة الذين يسلكونه إلى السير فوق القبور! يدافع أنصاره بأنه مِن الأفضل السير على جِسرٍ فوق مقبرةٍ عن السير في نفقٍ تحتها، مجادلين بأنه مِن المفضَّل أن تكون المقابر تحت الأقدام عن أن تكون فوق الرأس.

– ولا شجرة واحدة للاحتماء بها بينما تكثر في الأسفل! غمغمَت ليا. القصة نفسها دائمًا، لا يُعطي إلا لِمَن لا يحتاجون!

كانت تكره هذا الجِسْر.

نظر إليها جوناثان وهي تتقدَّم بخطوة مَنْ يسيرُ أثناء نومه، رأسٌ تَعِبٌ مستديرٌ بالكامل نحو الداخل، أكتافٌ محبوسةٌ معلقةٌ على جذعها الأشبه بخيطٍ مِن السلك الشائك. غُرابٌ بجسم مالك الحزين، هكذا فكَّر بحنوٍّ وهو يغرز مرفقه في الضلوع. قفزَت جانبًا وكادت أن تقع تحت السيارة الوحيدة التي كانت تسير في المدينة، في هذا العصر الحار.

صرخَت قائلةً:

لا تلمسني!

– توقفي! قال جوناثان. تفوح منك رائحةُ عفنٍ؟

إنها صيغةٌ مُستعمَلة كان يوجِّهها إلى أخته عندما «تتقيأ على العالَم.»

واقفًا أمام مدخل المَكْتبة، كان ماكس يراقبهما. أشار لهما أنْ يُسْرِعا وجذبهما نحو المرسم.

كانت الغرفة قد تغيَّر شكلها تمامًا، الأرضية مغطَّاةٌ بسجَّادٍ، أكثر سُمْكًا من موكيت سينما ميدان كليشي، وعلى السَّجَّاد، في أماكنَ متفرقة، حصيرٌ رفيعٌ من ورق الحَلْفاء، كان نوفيوتشر يجلس متفاخِرًا على مقعدٍ عالٍ لا ظهر له ولا ذراعَين ومغطًّى بمخملٍ أرجواني. في آخر الغرفة تمامًا، استقبلَهما السيد روش بابتسامةٍ رزينة. أجلسَهما ماكس على الحصير وانسحب. تلى ذلك صمتٌ طويل، وفي قلب هذا الصمت تصوَّرا أنهما يسمعان صوت الأمواج. كانت تلك هي الإشارة. ارتفع صوتُ نوفيوتشر الأجش: «مُستندًا إلى درابزين السفينة، كان طاليس ينظر إلى أرضٍ أيونية؛ حيث عاش حتى ذلك اليوم، وهي تبتعد. اختفت ميليه في مكانٍ بعيد. لقد رحل متجهًا إلى مصر.» كان نوفيوتشر، جاثمًا على مقعده العالي، يتكلم بجديةٍ جديرة بالبابا. عند كل كلمة، كان عنقُه ينتفخ، وعيناه تبرقان، كان ينتصب على ساقَيه لكي يتخذ مرتكزًا أفضل، من أجل — يمكن افتراض ذلك — تأكيد صوته، وكأنه تلقَّى دُروسًا في الإلقاء. «مَدْفُوعًا بالرياح الصيفية، التي لا تهبُّ إلا في الصيف خلال فترات القيظ، أكمل المركبُ الرحلة دفعةً واحدةً بلا توقُّف، ووصل على مرأًى مِن السواحل المصرِيَّة، ودخل في بحيرة مريوط؛ حيث أبحر طاليس في زَوْرقٍ كان سيصعد مع نهر النيل نحو الجنوب.»

توقَّف صوتُ نوفيوتشر، كان قد استنفَد جميع وسائله. ربَّت عليه ماكس بلطفٍ وقدَّم له عطيةً. صَبَّ له، في قدحٍ صغير، خليطًا بمستوى ثلاثة نجوم؛ فول سوداني مُعَد ومُملَّح بمهارة، ولَوز، وبندق، وجَوز!

واسْتَطرد السيد روش: بعد بضعة أيامٍ مِن السفر، الذي تخلَّلَه العديد مِن المحطات في المدن المُطِلة على النهر، اكتشفه. مُنتَصِبًا وسط هضبةٍ شاسعة، ليس بعيدًا عن الشط، هرم خوفو! لم يكُن طاليس قد رأى من قبلُ شيئًا بمثل هذه الضخامة والجلال، كان هناك هرمان آخران يرتفعان على الهضبة، هرم خفرع وهرم منقرع، كان الهرمان إلى جواره يبدوان صغيرَين ومع ذلك … طوال الرحلة على النيل، كان المسافرون مع ذلك قد حذَّروه. كانت أبعادُ هذا الأثر تفوق كُلَّ ما تخيَّله. غادر طاليس الزوْرق، وكلما اقترب، كانت خطوته تغدو أبطأ، كأن الأثر، بكتلته وحدها، قد تمكَّن من إبطاء خطوته. جلس مهزومًا. جلس القرفصاء إلى جواره فلاحٌ لا سنَّ له. «أتعرف، أيها الغريب، كم مِن الموتى تكلَّف هذا الهرم الذي يبدو عليك الإعجابُ به؟» آلافٌ، بلا ريب. «قُلْ: عشرات الآلاف.» «عشرات الآلاف!» «قُلْ: مئات الآلاف.» «مئات الآلاف!» نظر إليه طاليس مُتشَككًا، أضاف الفلاح، «ربما أكثر، لماذا كُلُّ هذا العدد مِن الموتى؟ لحفر قناةٍ؟ للسيطرة على النَّهْرِ؟ لوضع أساس جِسْرٍ؟ لبناء طريقٍ؟ لبناء قصرٍ؟ لإقامة مَعْبدٍ إكرامًا للآلهة؟ لفتح منجمٍ؟ لم تنجح في التوصل إلى الإجابة. لقد أقام الفرعون خوفو هذا الهرم بهدفٍ وحيدٍ وهو إرغام البشر على إدراك ضآلتهم. كان لا بُدَّ أنْ يفوق البناءُ كُلَّ قاعدةٍ أو معيارٍ لإذلالنا؛ كلما كان الهرم عِملاقًا، كُنَّا نحن تافهين. وقد تم تحقيق الهدف. لقد رأيتُك تقترب، ورأيتُ تأثير هذه الضخامة يرتسم على وجهِك. أراد الفرعونُ ومهندسوه إرغامَنا على الإقرار بأنه لا سبيل إلى مقارنة هذا الهرم بنا!»

«كان طاليس قد سمع تفكيرًا مماثلًا عن نيَّة الفرعون خوفو وقصده، لكن لم يتم التعبير عن ذلك قَط بمثل هذه الدقة والوقاحة. «لا سبيل للمقارنة!» كان هذا الأثر المُفرِط في الضخامة بشكلٍ متعمدٍ يتحداه. منذ ألفَي عامٍ، وهذا البناء المُشيَّد بأيدي البشر يظل مع ذلك خارج طاقة إدراك معرفتهم. مهما كانت أهداف الفرعون، تظل هناك حقيقةٌ واقعة: مِن المستحيل قياس ارتفاع الهرم. لقد كان البناء الأوضح للرؤية في العالم المسكون، وكان الوحيد الذي لا يمكن قياسه! أراد طاليس قبول التحدي.»

«لقد تكلم الفلاح طوال الليل، ما رواه لطاليس، لم يعرفه أحدٌ قَط.»

«عندما أضاءت الشمسُ الأفقَ، استيقَظ طاليس. رأى ظلَّه يمتد في اتجاه الغرب. فكَّر أنه مهما كان صغرُ شيءٍ ما، يوجد دائمًا إضاءةٌ تجعله كبيرًا. ظل واقفًا، لمدةٍ طويلة، بلا حَراكٍ، وعيناه مثبَّتتان على البقعة الداكنة التي يكوِّنها جسمه على الأرض. رأى أن هذه البقعة تصغرُ كلما ارتفعَت الشمس في السماء.»

«طالما أن يدي لا تستطيع إجراء القياس، فإن تفكيري سيُجريه، لقد عَزمَ على ذلك. حدَّق طاليس طويلًا في الهرم. كان عليه أن يجد حليفًا «على مقاس» عدوه. انتقلَت نظرته ببطء من جسمه إلى ظلِّه، ومن ظلِّه إلى جسمه، ثم اتجهَت إلى الهرم، ورفع عينَيه، أخيرًا، كانت الشمس تطلق أشعتها الرهيبة. كان طاليس قد وجَد في هذه اللحظة حليفَه!»

«سواء كان هِليوس إله الإغريق أو رَعْ إله المصريين، فإنَّ الشمسَ لا تُفرِّق أبدًا بين كل أشياء العالم؛ فهي تعاملها بالطريقة نفسها، إن ذلك ما سيطلقُون عليه بعد ذلك في اليونان اسم الديمقراطية، فيما يتعلق بالبشر فيما بينهم.»

بمعاملتها الإنسان الصغير جدًّا والهرم الهائل بطريقةٍ متماثلة، تضع الشمس إمكانية القياس العام.

«لقد تشبَّع طاليس بهذه الفكرة: إنَّ النسبة التي تربطني بظلِّي هي نفسها التي تربط الهرم بظلِّه، واستنتَج ما يلي: في اللحظة التي يكون فيها ظلِّي مساويًا لطولي، يكون ظل الهرم مُساويًا لارتفاعه! ها هي، الفِكْرة المَنْشودة، يظل أنه يتعين التمكُّن من وضعها موضع التنفيذ.»

«كان طاليس لا يستطيع إجراء العملية وحده؛ إذ يتطلب الأمر شخصَين. لقد قَبِل الفلاح أنْ يساعده. ربما هكذا جرت الأمور بالفعل. كيف نعرف ذلك؟»

«في اليوم التالي، منذ الفجر، توجَّه الفلاح نحو الأثر وجلس في الظلِّ الضخم للهرم. رسم طاليس في الرمل دائرة نصف قطرها مساوٍ لارتفاع قامتِه هو، واتخذ مكانه في مركزها، وانتصب لكي يكون مستقيمًا تمامًا، ثم ركَّز عينَيه على طرف ظله.»

«عندما مس هذا الظل محيط الدائرة؛ أي عندما أصبح طول الظل مساويًا لطول قامته، أطلق الصيحة المتفق عليها، وغرز على الفور الفلاح، الذي كان يراقب، وتدًا عند المكان الذي وصلَت إليه نهاية ظل الهرم. ركض طاليس نحو الوتد.»

«معًا، ودون تبادل كلمةٍ، قاسَا، بمساعدة حبلٍ مشدودٍ جدًّا، المسافة التي تفصل الوتد عن قاعدة الهرم، وعندما حسبا طول الظل، عَرَفا ارتفاع الهرم!»

«هَبَّ الرمل تحت خطواتهما، كانت ريح الجنوب قد بدأَت تعصفُ. مشى الإيوني والمصرِيُّ نحو الضفة حيث كان زورقٌ قد رسا. اختفت قمة الهرم بالنسبة إلى عيونهم المُتعَبة، قفز طاليس إلى الزورق. على الضفة، كان الفلاح يبتسم. ابتعد الزورق.»

«كان طاليس فخورًا؛ فبمساعدة الفلاح، ابتكر حيلةً. لا أستطيع بلوغ الرأسي؟ سأحصل عليه عن طريق الأفقي. لا أستطيع قياس الارتفاع لأنه يتوه في السماء! سأقيس ظلَّه مُسطحًا على الأرض. قياس «الكبير» بواسطة «الصغير». قياس «ما لا يمكن بلوغه» بواسطة «ما يسهل بلوغه». قياس «البعيد» بواسطة «القريب».»

إنَّ الرياضيات حِيلةٌ من حيَل الفكر. ختَم السيد روش حديثه مُنهَكًا.

لقد نطق الجملة الأخيرة لنفسه بقَدْر ما هي لمستمعيه.

مُنتَصِبًا دائمًا على مقعده العالي مِن المخمل الأرجواني، كان نوفيوتشر محتفظًا بسكونٍ تامٍّ؛ بحيث يمكن للمرء أن يظن أنه نائم.

– في الواقع، هل هذا فيلمٌ تاريخيٌّ ذلك الذي رويتَه لنا يا سيد روش؟ لاحظَت ليا.

– إن ذلك ثناءٌ يتوجه مباشرةً إلى قلبي، إنني أعبد فيلم الوصايا العشر لسيسيل دي ميل، وبن هور …

الصوت لم يكُن سيئًا، لكنَّ هناك نقصًا في الصور، تظارفَت ليا. لكن على أية حالٍ فهي أسطورةٌ جميلة.

– أسطورة! قال السيد روش موبخًا. إن طاليس كان موجودًا بحق، كذلك مدينة ميليه، والأهرامات ما زالت موجودةً هناك، والشمس ما زالت تتوهج، والرياح الصيفية تهب كُلَّ صيفٍ في فترة صميم الصيف، والنيل يجرى دائمًا، وفي الاتجاه نفسه.

توقف فجأة: «ولماذا لا تكون أسطورةً! هل لديك شيءٌ ضد الأساطير؟ أسطورةٌ رواها بلوتارك. أما فيما يتعلق بنظرية طاليس، فهي أيضًا حقيقية.»

– نظرية طاليس؟ طاليس، أوافقك الرأي، لكن تعبير نظرية، فإني لا أرى ذلك.

ابتسم ماكس ابتسامةً ماكرة، لقد قال الملحوظة نفسَها للسيد روش في العصر عندما تدرَّبوا على الجلسة.

كُلُّ شيءٍ تمَّ بسرعة، نزلَت ستارةٌ ثقيلةٌ سوداء أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، مما أغرق الغرفة في الظلام، بينما على الجدار الخلفي نزلَت ملاءةٌ بيضاء، قام ماكس بتشغيل مسلاطٍ، أصدر المحرك خريرًا. تم إضاءة مصابيحَ صغيرةٍ في أماكنَ متفرقة، مولِّدةً عددًا من مشكاة النور في الليل. وظهر على الملاءة شيءٌ ما. غير واضحٍ في البداية، ثم أصبح ما يلي:

– هل ذلك يشبه نظريتكم؟ سأل السيد روش ساخِرًا.

– كثيرًا. أقرَّ جوناثان.

وافقَت ليا.

التالية! أمر السيد روش.

قام ماكس بعرْض الصورة الشفَّافة التالية.

– مقرفٌ، عبَّرا بمطِّ الشفتَين اشمئزازًا. لم يَعُدْ فيلمًا تاريخِيًّا، يا سيد روش، إنه فيلمٌ تجريبي. بعد هاوكس عصر اليوم، يكون ذلك حقًّا باﺋ…

قاطعَهما على الفور صوتٌ معدني: «انتباه، انتباه، هذه نظريةٌ.» لم يكُن نوفيوتشر! تم إضاءة نور.

قُرْب النافذة الزجاجية الكبيرة، مكبِّرُ صوتٍ مثبتٌ بقوةٍ إلى الجدار، قُرْب السقف. كان مُكَبِّرًا قديمًا للصوت من طراز مُعسكرات السُّجناء أثناء الحرب الأخيرة، فتحتُه الواسعة كبيرةٌ، كان ماكس قد جلبَه من سوق السلع المُستعمَلة، وبدأ يخشخش قائلًا: هذه نظريةٌ، هذه نظريةٌ. تقطع مجموعة مِن الخطوط المتوازية ، ، ، على قاطعين د و ، قطعٌ مستقيمةٌ في حالة تناسب. على تساوي على .

ظلَّ جوناثان وليا صامتَين، وقد خُدعا تمامًا. إنه عرض صوتٍ وضوءٍ حقيقي! وحده نوفيوتشر بدا غير مستحسنٍ مكبر الصوت. لأول مرةٍ في حياته كببغاء، يجد نفسَه في مواجهة كائنٍ آخر غير آدميٍّ قادر، هو أيضًا، على الكلام. إنه لا يفعل، بالطَّبعِ، سوى التكرار ولا يفهم كلمة مما يخرج من فتحته. بالإضافة إلى ذلك، ألا توجد جملة صوت سيده محفورةً على المعدن؟ إنه تَحدٍّ حقيقيٌّ لنوفيوتشر، الببغاء نصير الحرية المطلَقة.

ضغط ماكس على زر المسجل، وسكت مكبر الصوت.

– بالنسبة إلى بدايةٍ، هي بدايةٌ جميلةٌ! قال جوناثان وليا موجهَين ابتسامةً مشجعةً للسيد روش.

– لقد قلنا ذلك! بهذه النظرية يبدأ ما سوف يصبح أحد أجمل ما لدى الرياضيات الإغريقية، علم النِّسَب. نظرية طاليس أو نظرية النِّسَب. ومنذ لحظةٍ، قبل الاسْتِراحة، عندما أدرك طاليس أن الشمس تُعامِل كُلَّ الأشياء في العالم بمماثَلةٍ، كان يسبح في قلب التماثل. وخلف التماثل، يوجد الشكل! كُلُّ الأشكال المتماثلة لها الشكل نفسه! إنَّ الحفاظ على النِّسَب، هو الحفاظ على الشكل. هه! يمكن القول أيضًا، وسيكون ذلك صحيحًا بدرجةٍ أكبر: إنَّ الشكل هو ما يتم الحفاظ عليه عندما نحافظ على النِّسَب وتغير الأبعاد.

توقف لتقييم تأثير خطابه. كان جوناثان وليا يستمعان حقًّا. ظهرت بقعةٌ حمراء صغيرة غير واضحةٍ على الشاشة، وبدأَت ترتعش حول المعادلة مثل ذبابة حول جرحٍ.

– اجعل الصيغ الرياضية تتكلم! صاح مُتَشجِّعًا.

لقد تذكَّر توًّا ما كان جروسروفر يُردِّده دون توقُّف عندما كان يستذكر نصًّا رياضِيًّا: «يجب جعل المعادلات تتكلم! إذا كنتَ تريد معرفة ما لديها في جوفها، عَرِّضْها للسؤال!» في ذلك الحين لم يفهم السيد روش ما كان يعنيه بذلك.

«ماذا كنتُ أقول؟»

– لقد قُلْتَ: «اجعلها تتكلم»، ثم بعد ذلك مباشرةً توقفْتَ، ذكره جوناثان.

– آه، نعم، «اجعل الصيغ الرياضية تتكلم». ما الذي تقوله صيغة طاليس؟ (صمت).

أكرر السؤال.

۔ على تساوي على ، مع خطوط في كل مكانٍ، أجابت ليا، مدعية الطاعة.
– لا! أنا أسألكم: ما الذي تريد قوله؟ في الحياة، عندما يقول المرء شَيئًا، فذلك للتعبير عن فكرة، في أغلب الوقت على أية حالٍ. في الرياضيات، أيضًا. إن صيغة طاليس تريد أن تقول. البقعة غير الواضحة توقفَت على أب. إنها تريد أن تقول إنَّ هي ﻟ ما تكون .

«إنني لك كما هي له»، فكَّرَت ليا، لكنها احتفظَت بالفكرة لنفسها.

– إنَّ صيغة طاليس تُعْلن لنا، تابع السيد روش، إنَّ الزوج الأول والزوج الثاني تربطهما النِّسبة نفسها. لقد تم إطلاق الكلمة! إن هذه النظرية، التي لا يبدو عليها شيءٌ، تجرُّ في عقبها كُلَّ المسائل المتعلقة بالنِّسَب؛ تغيرات المقاييس، النماذج المصغرة، الرسوم البيانية، الخرائط، عمليات التصغير، وعمليات التكبير.

أشار السيد روش لماكس الذي ترك المسلاط ليتوجَّه نحو قطعة أثاثٍ متوارية في آخر الغرفة، إنها ناسخة مستندات رسم ماكس، بثلاث ضرباتٍ من قلم رسمٍ، على ورقةٍ بيضاء هيئة ببغاء، وضع الورقة أعلى الزجاج، ثم ضغط على الزر المكتوب عليه ٥٠٪ وانتظر، أمسك بالصورة الأصلية وعرضَها في الوقت نفسه مع الصورة المنسوخة. وأعلن السيد روش: «تصغير. الشكل نفسه، لكن أصغر. ببغاء أصغر مرتَين.» أعاد ماكس وضع الصورة الأصلية على الزجاج وضغط على ١٥٠٪ وانتظر، وعرض الصورة الأصلية والصورة المنسوخة الجديدة. وأعلن السيد روش: «تكبير. الشكل نفسه، لكن أكبر، ببغاء أكبر مرةً ونصفًا.»

نهض جوناثان فجأة، أخذ الصورة المكبَّرة من يد ماكس، أمسك بالصورة المصغرة، وعرض الورقتَين، وأعلن، مقلدًا السيد روش: «الشكل نفسه، لكن أكبر.» ومشيرًا بإصبعه إلى ليا: «الببغاء المكبَّر، كم مرةً هو أكبر مِن الببغاء المصغَّر؟» أُخذَت على حين غِرَّة، تلعثمَت ليا، ثم قالت، وقد احمرَّ وجهها: «لن أتكلم إلا في وجود محامٍ!» ارتعد نوفيوتشر، لا سيما أن هذه التدريبات التربوية المنفَّذة على حسابه وبواسطة رأسه لم تعجبه قط. ولتغيير الموضوع، تابعت ليا: كُلُّ ذلك لا يقول لنا كيف نفَّذ طاليس ذلك ماديًّا؛ لأن الأمر كان يتعلق بقياس الهرم فعليًّا، أليس كذلك؟ وليس باختراع صيغةٍ رياضيةٍ على الورق.

– تقصدين: على البَرْدِي. صحَّح لها جوناثان المتطلَّب.

– بَرْدِي أو ورق، الصيغة الرياضية لا تتغير. إنها لا تتوقف على الدعامة.

بدأ ماكس يحلم بصيغٍ تعتمد على المادة المسجَّلة عليها. علامة «الزائد» تصبح علامة «ناقص» بانتقالها مِن النسيج إلى القصدير، وعلامة الصليب الخاصة بعملية الضرب تصبح خط الكسر بانتقالها مِن الرَّق إلى ورقٍ من نوعٍ ممتاز.

– كم مرةً أكبر؟ أصرَّ جوناثان.

لم يُكَلِّفْ أحدٌ نَفْسهُ بالرَّد عليه.

اختفت الصيغة الرياضية من على الشاشة، وصاح السيد روش: إذا كان الأمر يتعلق بشجرة أو … بمسلة الكونكورد، التي كانت في مصر قبل أن يتم نقلها إلى باريس، لو كان الأمر يتعلق بجسمٍ مشيقٍ، لأصبح مشروع طاليس أبسط، ولكان القياس الذي أجراه كافيًا، لكن الهرم عريضٌ، بل إنَّ خصوصيته الهندسية أن يكون كذلك، أن يكون له قاعدةٌ يرتكز عليها. إن لهرم خوفو قاعدةً مربعةً، ومحوره يقع في منتصف المربع تمامًا.

إن ارتفاع الهرم، هو طول هذا المحور. وإن طول ظِل المحور، هو طول المحور. بسيط! الصورة الشفافة!

– والحالة هذه، فإن طاليس لا يستطيع أن يقيس فعليًّا (وجَّه السيد روش نظرةً مُلِحةً نحو ليا) سوى الجزء الممتد خارج القاعدة، الجزء الآخر الموجود داخل المبنى، يتعذَّر عليه بلوغه.

– إذن، لم ينفعه كُلُّ ذلك في شيءٍ! صاحت ليا محتجةً.

– هذا ما اعتقدتُه، ثم فكَّرَت ووجدَت الحل … في كتابٍ آخر. لا بُدَّ أن طاليس تخلصَ من هذه المشكلة بإجراء قياسه في لحظة ما كانت الشمس متعامدةً تمامًا على ضلع القاعدة!

– ماذا يعني ذلك؟ سألت ليا.

– هو لا، لا! دعيني أتذكَّر. عمودية على ضلع القاعدة، يستتبع ذلك أن يكون الجزء المتواري مساويًا لنصف الضلع؛ وبالتالي، يكون ارتفاع الهرم مساويًا لطول الظل زائدًا نصف الضلع، ختم السيد روش بسرعة.

– إيه، حسنٌ، لم أفهم شَيئًا. أعلنَت ليا.

– وأنا أقلُّ منها أيضًا. أعلن جوناثان.

– لنأكل!

«جاء الإنقاذ بواسطة الصنجة!»٤ فكَّر السيد روش. بيرت دعتهم للعشاء.

– كنتُ قد بدأتُ أشعر بجوعٍ شديد، أعلن السيد روش.

إنَّ ذلك لم يخدع أحدًا.

في اليوم التالي، لم يكُن لدى جوناثان وليا دُروسٌ في فترة العصر. عند عودتهما من مطعم المدرسة، نادى عليهما: أسرِعا، لقد طلبتُ ألبير.

دق جرس الباب، كان ألبير. «كسكيت» رمادية قذرة ذات مربعاتٍ كبيرة، نظارات سميكة مثل عدساتٍ مكبرة، وسيجارة مطفأة في الفم، يحمل برشاقة تحدُّب سنوات عمره الستين. «صباح الخير أيها الصحبة!» استَحوَذ على السيد روش، الرجل والمقعد المتحرك، كان يعرف كيف يتصرف معه. كان يرافق صاحبَ المكتبة في كل تنقُّلاته، في سيارته اﻟ ٤٠٤ القديمة الرمادية اللون ذات البريق المعدني، والمقاعد الجلدية بالكامل والسقف القابل للفتح. هو الذي قام بتوصيله إلى المكتبة الوطنية، مُؤخرًا.

عندما كان السيد روش يتكلم عن ألبير، كان يقول: «إنه شخصٌ مستقلٌّ.» كان يتعيَّن رؤية المتعة التي يشعر بها لنطق الكلمة! هو أيضًا كان مستقلًّا، على طريقته. لقد رفض ألبير دائمًا أن يكون سيارة أجرة مزوَّدة بجهاز لاسلكي لتلقِّي طلبات الزبائن، وكان ذلك موضعَ فخرٍ له. كان يتساءل كيف يستطيع الزبائن احتمال القيام برحلة مع هذا الصوت المعذب: «١٠٥ شارع فوجيرار، ٨٣ جادة بلفيل، شارع جيمينيه المسدود أمام الثامن، ١٠٥ شارع فوجيرار، ٣٤ شارع فوبور سان – دنيس، شارع جيمينيه المسدود أمام الثامن …» كان يعمل لالتقاط الزبائن بأن يجعل السيارة تسير ببطءٍ أو بالتوقف في المحطات، كما كان لديه بعض الزبائن المعتمدين مثل السيد روش.

لقد جعلَهما الحادث الذي وقع للسيد روش يتقاربان. عندما كان ألبير يمنح نفسه يومًا إجازةً، يأتي ليأخذ السيد روش في الصباح الباكر، ويرحلان طوالَ اليوم للقيام بنزهة في الريف، وعلى المقعد الخلفي، كانت توجد سلة طعامٍ مليئة بالأشياء الطيبة، كما في أفلام رينوار.

كان لدى ماكس دروسٌ، لكنه تبع الجماعة، بعد موافقة بيرت. دلف الجميع في السيارة ٤٠٤، بما في ذلك نوفيوتشر. واقفةً في مدخل المكتبة، نظرت إليهم بيرت بحسد وهم يرحلون. رفض السيد روش أن يقول إلى أين هم ذاهبون، ميدان بيجال، نوتردام دي لوريت، الترينيتيه، الأوبرا جارنيه؛ حيث كانت تعرض أوبرا الاختطاف في السراي، ثم دخلوا في جادة الأوبرا. تدبِّر ألبير أمره لخفض سرعته عند مروره أمام فتحة المترو الخاصة بالخط ٥، محطة الأهرامات.

بعد أن تجاوزَت السيارة قصر الباليه رويال، دلفَت اﻟ ٤٠٤ تحت أقواس اللوفر، ودخلَت فناء ميدان الفروسية، توقَّف ألبير فجأة وبسرعةٍ ركن السيارة ٤٠٤ بموازاة الرصيف. في وسط فِناء نابليون، كان الهرم الزجاجي يتلألأُ تحت الشمس. واستَقرُّوا في الساحة.

– ٤٦٣٩ عامًا تفصل ما بين هرم خوفو غير الشفَّاف وهرم اللوفر نصف الشفَّاف. أحدهما يرتفع على ضفاف النيل، والآخر على ضفاف السين.

أخرج السيد روش، وهو يتحدث، دفتر رسمٍ وأقلامًا.

«بالنِّسبة إلى طاليس، فإن فكرة تعامل الشمس مع كل الأشياء بشكلٍ متماثل تعبِّر عن نفسها بحقيقة أن كُلَّ أشعة الشمس متوازية. إنَّ النجم بعيدٌ جدًّا ونحن صغارٌ جدًّا بحيث يكون هذا التقدير مبررًا. هكذا كان الموقف لحظة أن أجرى طاليس القياس.»

منذ الضربات الأولى لقلم السيد روش، استَقرَّ نوفيوتشر على كتفه كما لو كان يريد رؤيةَ ما كان يرسمه بشكلٍ أفضل.

«طالما أن الهرم الذي كان على طاليس قياسه لم يكُن شفافًا، مثل هذا الهرم، فسوف أقوم بعملية تشريح، أنزع كُلَّ ما يمنع من رؤية داخل الهرم، وأحتفظ بالظل وأرسم المحور.»

محا السيد روش الأسطح المُختلِفة الرمادية اللون، ورسم خطًّا عموديًّا من رأس الهرم حتى منتصف القاعدة:

«إنَّ ارتفاع الهرم هو طول المحور، أعلن السيد روش، وهو ما كان طاليس يبحث عنه.»

– لنواصل التشريح!

غادر نوفيوتشر كتف السيد روش الذي كان كثير الحركة، وذهب إلى كتف ماكس. محا السيد روش الأسطح بالكامل. ثم، رسم خطًّا أُفقِيًّا، ابتداءً من قَدم المحور حتى طرف المثلث الداكن الذي كان يمثل الظِّل المَنْقول للهرم: «إذا كان الهرم شفافًا، فهذا هو ظِل المحور الذي كان يريد طاليس تحديد طوله.»

«إنَّ جُزء الظِّلِ الذي يقع داخل القاعدة؛ أي داخل الهرم، مرسومٌ بالنقط، يتعذَّر الوصول إليه، لا يستطيع طاليس قياسه. أما الجزء الآخر، الممتد من ضلع القاعدة حتى طرف الظِّلِ، مرسوم بالخط الثخين، يستطيع طاليس قياسه، حتى إنه، في كل هذه القصة، الشيء الوحيد الذي يستطيع قياسه.»

محا السيد روش المثلث الداكن، ورسم بخطٍّ متواصلٍ المحورَ، ثم كتب الحرف ا عند أسفل المحور، والحرف ﻫ عند الموضع الذي يقطع الظِّل فيه ضِلْع القاعدة والحرف م عند طَرف الظِّل. ووضع الرسم الأول والأخير جنبًا إلى جنبٍ.

«قبل! وبعد! مثل إعلانات منتجات التخسيس!»

«تجريد الأشياء مِن اللحم. نسيان كتلة المَبنى، محوها، والاحتفاظ منها فقط بتأثيراتها في المسألة المطروحة. المحو والتنقية والتبسيط، والاختصار، والنسيان، هذا ما فعله طاليس. أعتقد أن كُلَّ علماء الرياضيات يتصرفون بهذا الشكل، إن هذا ما يُسمُّونه «تجريدًا». بالنسبة إلى عالم الرياضيات تنتهي المسألة عند هذا الحد.» قال السيد روش مُنهِيًا كلامه.

– ماذا! صاح جوناثان وليا ثائرَين.

– إذا كان طاليس قد تعامل مع مسلَّةٍ، لكانت مهمتُه انتهت، كان سيقيس مباشرةً طول (أم) على الأرض. لكنه أراد أن يقارن نفسه بهرمٍ، يخفي داخله الجزء المترجم (أﻫ)، داخل القاعدة، مما يجعل مِن المتعذَّر الوصول إليه.

– إذن، لقد فشل. صاح جوناثان وليا منتصرَين.

تجاهل السيد روش المقاطعة. رافِعًا رأسه، لمح بعض السُّياح وقد توقَّفوا وتابعوا المنظر من بعيد. عاد إلى طاليس.

– ماذا كان يحدث على الرمل المحيط بهرم خوفو؟ عندما كان اتجاه أشعة الشمس يكوِّن زاويةً عادية مع ضلع القاعدة — وهو ما كان يحدث طوال الوقت تقريبًا — يكوِّن الظل مثلثًا عاديًّا و… ولم يكُن طاليس يستطيع أن يفعل شَيئًا.

«لا تنسوا، إنَّ الرياضيات حيلةٌ! سيبحث طاليس عن وضعٍ خاصٍّ يسمح له بالتخلص من ذلك المأزق. ووجد هذا الوضع بأن حل مسألته في لحظةٍ معينةٍ مِن اليوم، لحظة تعامد الأشعة على ضلع القاعدة. إنَّ الأمر يتعلق بالوضع الذي حدثتُكم عنه في البيت، والذي لم تفهموا منه شَيئًا، على ما يبدو. هيَّا!»

لم يكُن واثقًا من قدرته على أن يكون واضحًا. ومع هذه الكتلة مِن السيَّاح الذين بدءوا يتزاحمون حوله!

«ما كان طاليس عاجزًا عن بلوغه بالقياس المباشر، فسوف يستنتجه بالمنطق. ما هي أسلحته؟ عن الهرم، لم يكُن يعرف سوى شيءٍ واحدٍ، ضلع القاعدة. سيستخدمه.»

عرض السيد روش رسمًا جديدًا أنجزه بسرعةٍ مدهشة.

نظر إلى الحضور راضِيًا، كان عدد السياح قد تزايد حوله، أغلق ببطءٍ دفتر الرسم الخاص به عندما …

– كيف كان طاليس يستطيع أن يعرف أن الظل متعامدٌ مع الضلع؟ سأل جوناثان. يا لها من مصيبةٍ! رشقه السيد روش بنظرةٍ سوداءَ.

– هذا سؤالٌ جيد … لقد سألتُه أيضًا لنفسي.

وأعاد فتح دفتره على مضَضٍ.

«لم يكُن لدى طاليس مُثلَّثٌ بزاويةٍ قائمة، كان لديه ما هو أفضل: اتجاه الهرم. لقد شيَّد المهندسون المعماريون الأثر بحيث تتجه إحدى واجهاته نحو الجنوب تمامًا.»

أكمل السيد روش رسمه الأخير.

«يكون الظلُّ مُتعامدًا على الضلع لحظة ما تكون الشمس في سمتها. عند الظُّهر تمامًا.»

~ تحديدًا في اللحظة التي يكون فيها الجوُّ أشد حرارةً! لاحظ جوناثان.

– يجب أن يعاني المرء لكي يعرف، تفلسفَت ليا. هل تقول النصوص إنَّ طاليس قد أصابته ضربة شمسٍ؟ في الظهيرة، في قلب الصحراء، سيكون ذلك أقل ما يمكن أن يحدث له!

ظُهرًا، بالطَّبع، لكن في الظل، ليا. أذكِّرك أن طاليس كان يقيس الظِّل، وليس الشمس، وعندما يُقاس الظِّل، فذلك يعني أن هناك ظِلًّا، وإذا كان هناك ظِلٌّ يمكن للمرء أن يقف في الظِّل.

انتاب الجمعَ ضحكٌ متواصل.

– بمناسبة الظِّل، ألم تبالغ قليلًا، يا سيد روش؟ هل يكون للهرم ظِلٌّ في كل أيام السنة في وقت الظهيرة؟

– لا! أجاب السيد روش.

قال جوناثان مُنْتَصِرًا: أولًا، يجب أن يكون هناك ظِلٌّ مرئي؛ أي يمتد خارج الهرم. إذا كنتَ قد فهمتَ جيدًا، في نهاية الأمر.

– وأن يمتد تحديدًا في وقت الظهيرة؛ لأنه لو حدث في وقتٍ آخر مِن اليوم، فلن يكون لطاليس أية علاقة بذلك، تابعَت ليا.

– وأن يكون الظل مساويًا للهرم، أضاف جوناثان: «إنَّ ذلك يشكِّل قطيعًا مِن الشروط لا يسهل تحقُّقها.»

انتظر السيد روش إلى أن يتوقف الاندفاع: إنَّ الهرم لا يكون ظِلًّا مَرْئِيًّا، مُتعامِدًا على الضلع، كُلَّ ظهيرة، وهنا تكمن الصعوبة كلها. لكي يكون هناك ظِل، يجب ألا تكون الشمس شديدة الارتفاع في السماء طوال جولتها أثناء اليوم.

– لنُلخِّص الأمر. هناك شرطان؛ يجب أن يكون الظل مساويًا للهرم، ويجب أن يكون مُتعامِدًا مع القاعدة. ولتلبية هذَين الشرطَين، يتعين الخروج مِن الهندسة الصرفة والدخول في علم الفلك، وعلم مساحة الأرض وعلم الجغرافيا. يجب العودة إلى الميدان.

إن هرم خوفو يقع في الجيزة، عند خط عرض ٣٠ في نصف الكرة الشمالي، مثلنا، لكن أسفل عنا بكثيرٍ، تقع الجيزة أعلى المدار؛ لكي يكون الظل مساويًا للجسم، يجب أن تكون الأشعة مائلةً بدرجة ٤٥. غير أن في الصيف، وعند الظهيرة، في الجيزة، تكون الأشعة عمودية تقريبًا؛ وبالتالي لن يكون هناك ظلٌّ بالمرة خلال فترةٍ كاملةٍ مِن العام، بالإضافة إلى ذلك، لكي يكون الظل متعامدًا مع القاعدة، يجب أن تكون القاعدة في اتجاه شمال-جنوب، ولا تجتمع هذه الشروط إلا يومَين في السنة، ويؤكد علماء الفلك أن طاليس لم يتمكن من إجراء قياسه إلا … (أخرج مفكرةً من جيبه وتصفَّحها) … إلا في يوم ٢١ نوفمبر ويوم ٢٠ يناير. لديكم الخيار. كما ترين يا ليا، لقد حدث ذلك ظهرًا، بالطَّبع، لكن في الظل وفي الشتاء، وإذا كان طاليس قد أصابه شيءٌ أثناء قياسه، فهو بالأحرى زكامٌ وليس ضربة شمس.

تدافعَت مجموعةٌ مِن اليابانيين حول السيد روش، أراد بعضهم شراء الرسومات. والتقط أحدهم صورة.

– إنَّ النظرية عامةٌ بلا شكَّ، لكن القياس خاصٌّ للغاية، كم وجد طاليس، واقعيًّا؟ لأن الأمر يتعلق دائمًا بتحديد ارتفاع الهرم، أليس كذلك؟ سألَت ليا.

– لم يكُن لديه تحت يده سوى حبلٍ وكان يحتاج إلى وحدة قياس. لقد اسْتَخْدم الطاليس؛ أي ارتفاعٍ قامته هو نفسه. وبمساعدة الحبل، الذي تم ضبطه على ارتفاع قامته، قاس الظِّل. ووجد أنه يساوي ١٨ طاليسًا، ثم قاس ضلع القاعدة، وقسَّم طوله على اثنَين ووجد ٦٧ طاليسًا. قام بعملية جَمْعٍ وكتَب بخطٍّ كبيرٍ النتيجةَ على ورقة. هرم خوفو طوله ٨٥ طاليسًا.

«إذن، بالقياس المحلي، كان الطاليس يساوي ٣٫٢٥ أذرعٍ مصرية، وهو ما يعطي ٢٧٦,٢٥ ذراعًا إجمالًا. إننا نعرف الآن أن ارتفاع هرم خوفو يساوي ٢٨٠ ذراعًا؛ أي ١٤٧ مترًا!»

«لم يقُلْ لهم الوقت الذي قضاه، الليلة الماضية، لإجراء كل هذه الحسابات. وكم مرةٍ أخطأ!»

«هذا، قال مُشيرًا إلى هرم اللوفر، أبعاده …»

كان يستعد للبحث في مفكرته، عندما ارتفع صوتُ ألبير: ارتفاعه ٢١,٦٠ مترًا وطول ضلعه ٣٤,٤٠ مترًا.

نظر إليه الجميعُ مذهولين. عدَّل وضع «الكسكيت» الذي يضعه على رأسه، محرجًا.

وأضاف مُعْتَذِرًا: «إنني أسمع ذلك كُلَّ مرةٍ أقوم بتوصيل سُيَّاحٍ هنا.»

– ولوضع نهاية للأسئلة، أعدَدتُ لكم مجموعةً مِن الرسومات.

فَكَّ السيد روش الأوراقَ وعرضَها.

وهو ما يُعْطِي أيضًا:

مدَّ سُيَّاحٌ يابانيون أيديهم، ولكن السيد روش اعتذر.

– هنا، ستجدون رسم الصوت والضوء الخاص بالمرة السابقة، ممثلًا لنظرية طاليس، كما احتفظ بها جوناثان في ذاكرته.

ثم عَرَضَ آخر رسمٍ. كان التجريد قد قام بعمله، هنا، لم يَعُدْ هناك لحمٌ، ولا مادةٌ، لقد بلغ الرسم المنجز أوجَهُ حقًّا. كان تحت أعين الجميع رسمٌ تخطيطيٌّ رياضيٌّ حقيقيٌّ.

واختتم السيد روش قائلًا: «تَرْوي هذه النظرية في الواقع ما يحدث عندما تقوم مجموعةٌ مِن الخطوط المستقيمة المتوازية بقطع زوجٍ مِن الخطوط القاطعة.»

حيَّت عاصفةٌ مِن التصفيق جملةَ السيد روش الأخيرة، واندفعَت الهتافات بجميع النبرات واللهجات الممكنة «طيليس»، «طالايس». لقد تم نطق اسم طاليس بكل الطُّرُق اللغوية، حتى إن سائحًا أمريكيًّا متحمسًا صاح قائلًا: «ياه! تليس!»

كان السياحُ اليابانيون مفتونين بشكلٍ خاصٍّ، وأرادوا تقديم نقود. إنها باريس.

بعد بعض الوقت، ظهر السيد روش في صورةٍ تحتل قلب الصفحة الثقافية لصحيفةٍ يوميةٍ في طوكيو، متصدرًا على مقعده المتحرك، وإلى جواره ماكس، مع نوفيوتشر على كتفه، وألبير الذي في ردِّ فعلٍ لا إراديٍّ، خلَع الكسكيت الذي يضعه على رأسه، لكنه احتفظ بعقب سيجارته، في المستوى الثاني للصورة، في الخلفية، كان يمكن لقرَّاء طوكيو أن يلمحوا هرم اللوفر الشهير، وصاحب الصورة تعليق:

كانت الشمسُ قد اختفت وراء جدران التويليري، وبدأ الجوُّ يبرد. بدلًا مِن العودة مباشرةً نحو الشمال، حاذت السيارة ٤٠٤ السين، وتسلَّلَت إلى ميدان الكونكورد لحظة إضاءة المصابيح. قامت السيارة بلفتَين كاملتَين لتتيح للجميع الوقت لقياس حجم المسلة. ثم سالكًا شارع سان-أونوريه، أتاح ألبير الفرصة للإعجاب بعمود فاندوم.

– كما ترون، قال السيد روش الذي بدأ يشعر بالتعب، يتم نقل الأعمدة والمسلات، أما الأهرامات فإن مِن الأصعب نقلها.

– وقياسها. همس ماكس.

– إنَّ الأمر هكذا دائمًا، أضاف السيد روش لنفسه. في المدرسة، كان مدرس الرياضيات يقول: «وبعد، يكفي تطبيق النظرية … إلخ.» ويضع طباشيرته. كان يمزح! يكفي …

– إنَّ الرياضياتِ بسيطةٌ، يا سيد روش. أعلنَت ليا. لكن تطبيقها هو المعقَّد.

– أنا كنتُ سأقول: «إنَّ الرياضياتِ معقدةٌ وتطبيقاتها أكثر تعقيدًا»، قال جوناثان مُصححًا.

– إنك تبالغ دائمًا. انظر إلى طاليس، إنَّ قوة نظريته تتخطَّى بكثيرٍ كُلَّ التطبيقات، ومع ذلك فإنه استَخدم حالةً خاصة تمامًا لقياس هرمه، الحالة التي تكون فيها النسبة بين الهرم وظلِّه تساوي واحِدًا صحيحًا؛ لأن ذلك كان أبسط.

– أبسط لكن أقل تكرارًا. قال جوناثان.

– إنه أمرٌ طبيعيٌّ، الحالة الخاصة أقل تكرارًا مِن الحالة العامة. إنَّ ذلك كما في الحياة، يجب أن تختار: مُعَقَّدًا ومُتكرِّرًا، أو بسيطًا ونادرًا. قال الفيلسوف السيد روش.

– أنا أفضِّل بسيطًا ومُتكرِّرًا، قال جوناثان وليا في صوتٍ واحدٍ وقد اجتمعا مُجدَّدًا.

انتصب ماكس:

سيد روش، في المرة الأولى، في المنزل، قُلْتَ إنَّ طاليس غادر ميليه في عِزِّ الصيف، وإنه لم يتوقف تقريبًا قبل الوصول إلى خوفو؟ والآن، قلتَ إنه أجرى القياس في الشتاء. إنَّ الرحلة لم تستغرق بأية حالٍ ستة شهور!

شَعَرَ السيد روش بالذهول. لقد وقع في الفخ!

– ربما توقف قليلًا في الطريق، أنا لا أعرف، لزيارة الإسكندرية مَثلًا، لا، ماذا أقول؟ ليست الإسكندرية: لقد شُيدت المدينةُ بعد ذلك. لزيارة طيبة، إذن، في الواقع، أعتقد أن طاليس بالأحرى قد أقام عند سفْح الهرم، وانتظر اللحظة المناسبة للقيام بقياسه.

– والفلاح؟ سأل ماكس. ما الذي حدَث له، فلاح طاليس؟

هزَّ السيد روش رأسه، لقد نسي الفلاح تمامًا.

– بدون الفلاح، لا يكون هناك قياسٌ! أكد جوناثان وليا.

– معكما حقٌّ. بدونه، ما كان طاليس ليستطيع إجراء القياس. لن يستطيع التأكد من أن ظله مساوٍ لارتفاع قامته، وفي الوقت نفسه يُحدِّدُ طرف ظِل الهرم. يجب أن يكون هناك اثنان لتطبيق نظرية طاليس.

– إذن، كان يتعين أن يُقال نظرية طاليس والفلاح، استَخلصَت ليا، يجب الاعتراف للفلاح بما هو له!

عزم السيد روش أن يطرح على نفسه، في كل مرةٍ سيتعلق الأمر فيها بنظرية، السؤال التالي: مَنْ هو فلاح هذه النظرية؟

غاص الجميع في المقاعد الجلدية. وساد الصمت في السيارة اﻟ ٤٠٤.

بينما كانوا يعودون إلى مُرْتفعات مونمارتر، كان السيد روش يستخلص الإرشادات مما حدث منذ قرَّر أن يروي لهم طاليس الأهداف، فلنقُلْ، شخصية.

كان يجب أن تكون هذه الحكايات في توافقٍ مع كل ما نعرفه عن الواقع، ويجب أن تتطابقَ مع التاريخ. لقد كشف التوءم عن أنهما محاوران صعبَا المراس، وأدرك أنهما لن يتركا شَيئًا يمرُّ. لقد اتضح أن ذلك أصعب مِن المتوقع، لكنه أكثر إثارةً.

وبمهارة، دائمًا عند حدود الاصطدام، كان ألبير ينزلقُ وسط اختناقات المرور.

– سيد روش، هل كنتَ تعرف أن طاليس توقع كسوفًا؟ سأل جوناثان فجأة، قاطعًا الصمت.

– نعم.

– لم تَقُلْ لنا ذلك.

– لا.

– لقد قرأتُ أن ما جعله مشهورًا في زمنه، لم يكُن على الإطلاق نظريته. استَطرد جوناثان. إنها واقعة الكسوف الذي توقَّعه وحدوثه في اللحظة التي توقَّعه فيها تمامًا.

وجَّهَت ليا نظرةً غاضبةً لجوناثان، لقد حيَّرها هذا التصريح، لكنها تداركَت على الفور، موجِّهة كلامها للسيد روش:

كان الأفضل للخادمة البلهاء التي كانت ترافق طاليس أن تصمت. لقد حادت ملحوظتُها عن الهدف (ضحكَت ساخرةً)، إنْ أمكنني قول ذلك: «لا تستطيع أن ترى ما تحت قدمَيك وتعتقد أنك تستطيع معرفة ما يدور في السماء»، صاحت ليا بصوتٍ فظٍّ، محاكية البلهاء الإيونية. لقد كانت مخطئةً تمامًا.

أوقف ألبير السيارة فجأة، واصطدمَت ليا بالزجاج، لكنها استَمرَّت رابطة الجأش.

– إنَّ الأمر ليس: «بما أنك لا ترى الحفرة لا تستطيع أن ترى السماء»، ولكن العكس: «لأنك أمضيتَ وقتك تحاول معرفة ما يدور في السماء، سقطتَ في حفرة الطريق!»

دون أن تترك للسيد روش الوقت للرد، طلبَت مِن ألبير أن يتوقف ونزلَت، وتبعها جوناثان.

بينما كانت السيارة اﻟ ٤٠٤ تصعد نحو مونمارتر، تساءل السيد روش لماذا لم يتحدث عن الكسوف؟ لم يجد أية إجابة، ما الذي يحدث عندما يقع الكسوف؟ الضوء الذي كان يفقأ العيون في اللحظة السابقة يختفي فجأة. نمرُّ، في لحظةٍ مِن الصباح إلى الليل. طاليس، الرجل الذي يكوِّن علاقاتٍ … باختفائها في عين البالوعة المفتوحة وسط الطوار، منذ سبعة عشر عامًا، ما الذي كانت بيرت لا تريد أن تراه أبدًا، وكانت تراه بوضوحٍ جدًّا في اللحظة السابقة؟ تساءل السيد روش.

إنَّ السيارة اﻟ ٤٠٤ تركَت «ج ول» في جادةٍ بين بيجال وبلانش. على الفور سألت ليا: لماذا لم تروِ لي أولًا هذه القصة الخاصة بالكسوف؟ أنتَ تلعبُ مُنْفرِدًا!

– لقد كُنتِ حرةً في أن تقومي ببحثكِ من جانبكِ. إني أُذكِّركِ أن اثنَين هما أيضًا واحد مرتَين.

كانا يتقدَّمان على السطح المركزي، ومرَّا أمام الطاحونة الحمراء، التي كانا يكرهان مراوحها الكبيرة الصارخة. كان جوناثان يسير في الأمام، حانقًا: «لن أخبرها، بأية حالٍ، بكل ما أفعل، سيتعين عليها أن تُقرَّ أننا يجب أن يحيا كُلُّ واحدٍ منَّا أيضًا من جانبه»، ثم عاد إلى الخسوف. إن طاليس بتوقُّعه للخسوف، بفضل دراسة السماء، تحرَّر مِن الفزع الذي سيثيره الاختفاءُ المفاجئُ للشمس.

انتظر حتى وصلَت ليا إلى مستواه:

فيما يتعلَّق بالحفرة، هذا ما أعتقده. لقد قبِل طاليس المجازفة بالسقوط في الحفرة بأن يغرق في ظلامٍ، كيف أسمِّيه …

– محليٌّ؟ اقترحَت ليا.

– محليٌّ، كرَّرَ جوناثان، شريطة أن يستطيعَ دراسةَ السماء والإفلات مِن الظلام الشامل الذي كان سيغمُر الأرض كلَّها ويُرعب البشرَ.

نظرَت ليا إلى جوناثان، في حَيرة. هل يجب أن يُبدِّله ما كشفَته لهما بيرت بشأن أصلهما؛ بحيث يُعبِّر عن نفسه بطريقةٍ بعيدةٍ تمامًا عن طريقة كلامه المعتادة؟ مَشيا جنبًا إلى جنبٍ. لأول مرةٍ، تقول ليا في نفسها إنهما محظوظان أنْ يُولَدا كتوءمٍ، لكي يتمكنا من تحمُّل هذه المشكلة معًا، وفكَّرَت: «اثنان، هما أيضًا واحد زائد واحد.» توقفَت، دلكَت التورم، ثمرة فرملة ألبير، وجذبَت جوناثان من ذراعه:

كانت الحفرة هي الثمن الذي يتعيَّن دفعه للتحرر مِن الخوف مما سيحدث، هل هذا ما تريد قوله؟

بعد موازنة كل شيءٍ كان طاليس ملائمًا للقضية، لقد قرر جوناثان وليا تبنِّي هذا الجد الأكبر الذي سيطر على الظِّل ورَوَّضَ ظلام العالم.

١  عرَّافة تأتي بمعجزات باسم أبولون في معبد دلف. (المترجم)
٢  كاتب مسرحي يوناني، يُعَدُّ أحد أعظم شعراء التراجيديا اليونانيين. (المترجم)
٣  مؤلِّفٌ مسرحيٌّ يوناني، يُعدُّ أحد أعظم المسرحيين التراجيديين في الأدب اليوناني القديم. (المترجم)
٤  قرعة للدعوة إلى الطعام. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦