الفصل الرابع

مكتبة الغابة

رَجَّت هَزةٌ زجاجَ النوافذ الذي اهتز مِثل صباح يوم ١٤ يوليو عندما فَجَّرَت دورية فرنسا رأس الباريسيين. دقُّوا على باب الغرفة الجراج. فتح السيد روش، ناداه شخصٌ صغيرٌ مؤنِّبًا، مُبرزًا الورقة التي كان يُمسِك بها في يده:

يوجد اسم الشارع، لكن لا يوجد الرقم. هل أنتَ السيد ريش؟

– روش. رَدَّ السيد روش.

اكتشف السيد روش مقطورةً نصفيةً واقفةً أمام المكتبة. فَهِمَ على الفور، وقام عامل النقل بفتح الأبواب الخلفية، كانت الكُتب تملأ المقطورة. الأمر حقيقيٌّ إذن! حتى تلك اللحظة، كان السيد روش غير مصدقٍ. إنَّ مكتبة جروسروفر هنا!

– إيه، أتسمعني؟ صاح الرجل في أذنَي السيد روش. كنتُ أقول إنك كِدتَ ألا تستلمها، سفينة الشحن التي كانت تنقلها كادت تغرق في وسط الأطلنطي. سفينةٌ حربيةٌ كوبيةٌ هي التي أنقذَتها. لقد قامت بقَطْرها في قلب العاصفة. كانت سفينة الشحن مُحمَّلةً أكثر مما ينبغي. لقد قال لي أحد البحارة إنه تحديدًا في اللحظة التي أمر الربان برمي الحمولة في البحر وصل المركب الكوبي. يمكنك القول إنها معجزةٌ أن تكون الكُتب هنا.

وقف مُنْتَصِبًا أمام السيد روش:

«أنا، لا أعتقد في المعجزات. إذا لم يحدث أمرٌ ما، فذلك لأنه ما كان له أن يحدثَ.»

وتكدَّست الصناديق في المرسم.

– الكُتب، لا يوجد أثقل من ذلك، غمغمَ أحد عُمَّال النَّقْلِ مُتذمِرًا أثناء مروره أمام السيد روش، بالإضافة إلى أنهم يملئونها حتى حافتها. مِن الواضح أنهم ليسوا مَن يحملونها!

جَلَسَ، جَفَّفَ وجهه، ومُشِيرًا إلى كتابةٍ على الغطاء:

«إنها قادمةٌ مِن البرازيل. في العادة، يأتي من هناك جذوع أشجارٍ، في الميناء، رأيت قطعًا ضخمةً، وحوشًا شيطانيةً، أقول لك إنَّ أشجار بلُّوطنا إلى جانبها، أعوادُ ثقابٍ!»

– لم تُبلِّلها المياه، على الأقل؟ سأل السيد روش فجأة.

– لسنا داخلَها، نحن نكتفي بنقلها.

لقد حَدَثَ لصديقٍ للسَّيدِ روش، عاد إلى وطنه مِن الجزائر، عام ١٩٦٢م، أنْ سقَط صندوقٌ في الماء أثناء نقلِ البضائعِ من سفينةٍ إلى أخرى، في ميناء مارسيليا. وتم استِعادة الصندوق دون أن يقولوا له شَيئًا. عندما فتحه، كان كُلُّ شَيْءٍ داخله قد تعفَّن، الملابس، الكُتب، العُلب … قام السيد روش بفحص كل صندوقٍ بدقةٍ. كان يدور، بيسرٍ مدهشٍ، حول الصناديق بمقعده المتحرك، مُمررًا يده على ألواح الخشب. لا أثر لرطوبة، كان الخشبُ سليمًا.

غادر الحمَّالون المرسم، سمع السيد روش صوت المحرك يرنُّ في شارع رافينيون، ثم ساد الصمتُ الشارعَ.

كانت الأرفف الجديدة جدًّا، التي طُلِبَت من نَجارِ شارع الإخوة الثلاثة، تُبطِّن الجدران. وكانت النافذة الزجاجية الكبيرة تُدخل دفقًا مِن الضوء البارد. مثل كل مراسم الفنانين، كان هذا المرسم متوجهًا نحو الشمال. سرعان ما ستمتلئ هذه الأرفف بِالكُتبِ. ستكون في حالةٍ جيدةٍ هنا، فكَّر السيد روش، لا شمس ولا رطوبة.

أدخلَت بيرت كلَّابة تحت الغطاء. صَرَّ لوحُ الخشبِ بصوتِ تهشُّمِ بُندقةٍ، لم يتسنَّ للسيد روش سوى الوقت الذي سمح له فقط برؤية الغطاء يرتفع.

الكُتب!

امتلأ بها الصندوق حتى حافته، لقد وُضِعَت الكُتب الواحد فوق الآخر.

– القذر! صاح السيد روش. ستكون الكُتب في أسفل الصندوق قد تهشَّمَت!

التقطَت بيرت كتابًا، فحصَتْه طويلًا، رَفَعَت رأسها نحو السيد روش، غير مصدقة. كانت تمسك بين يدَيها جوهرةً، عملًا مِن القرن السادسَ عشرَ في حالةٍ ممتازة. مدَّت الكتاب للسيد روش وهي متأثرةٌ. رفض أن يأخذه، وضعَته على أقرب رفٍّ. أول كتابٍ!

كان السيد روش يتابع باهتمامٍ شديدٍ حركاتِ بيرت. فتحَت صناديق أخرى، دائمًا بصوت تحطُّم البندق.

أزيز المقعد خرق الصمت، تقدم السيد روش نحو الأرفف. وببطءٍ، وببطءٍ جدًّا، وباهتمامٍ شديد، استعرض الأعمال التي وضعَتها بيرت على الأرفف. لم يلمس أي واحدٍ منها، مكتفيًا بملامستها بالنظر، قارئًا، عندما يكون ذلك ممكنًا، الاسم المكتوب على الظَّهر. لم يكُن ذلك سوى جزءٍ صغيرٍ جدًّا من مكتبة جروسروفر! الباقي كان في الصناديق.

– لا بُدَّ أنه كان ثرِيًّا لكي يتمكَّن من دفع ثمنها! أفلَت السيد روش.

– كان؟ سألت بيرت مُندهِشةً، لم يَعُدْ كذلك؟ أتعتقد أنه أفلس … أو مات؟

– لا بالمرةِ! ماذا تقولين؟ سنتلقَّى أخباره في القريب العاجل، أكد السيد روش بغموض.

أمام هيئة بيرت المتشككة، أصرَّ: «أنا متأكدٌ أننا سنتلقَّى منه فورًا ….»

قاطعَتْه بعنفٍ: على وجه الخصوص، لا تقل: «عمَّا قليلٍ.»

– نظَر إليها، مُتحيرًا. استدركَت: «لا تقلْ: «فورًا عما قليلٍ»، ليس أنتَ أرجوك. في البداية كانت مزحةً، والآن الجميع يستعملها دون أن يدرك أنها حشوٌ لغويٌّ مضحك، «سأرسله لكَ فورًا عما قليلٍ»، «سأعود فورًا عما قليلٍ»، إنَّ الزبائن، والمُورِّدين يكرِّرون ذلك لي على امتداد اليوم، إنه وباءٌ حقيقي.»

– لم أعرِفْكِ حساسةً لهذه الدرجة فيما يتعلق بالبلاغة، لكني أُعلمك أنني لم تكُن لديَّ النية أن أقول: «عما قليلٍ.»

لماذا هي غاضبةٌ بيرت؟ ببساطةٍ لم تَكُنْ لديها الرغبة في العودة إلى المكتبة، وكان الوقت قد حان لفتح المحل. كانت تريد المكوثَ في المرسم مع هذه الكُتب بجوار السيد روش. فَهِمَ الأمر وقرَّر مرافقتَها، كان ذلك أمرًا استثنائيًّا. منذ حادثَته لم يَضَع السيد روش قدمه في المكتبة.

دخلَت المحل سيدةٌ شابةٌ أنيقةٌ بوجهٍ مبقع، توجَّهت مباشرةً نحو طاولةِ عرْض الكُتب المنشورة حديثًا، أخذت نسخةً مِن «سيكون لي جلدك»، كتاب الدكتور لوراي عن الأمراض الجلدية، وهو من أكثر الكُتب مبيعًا، دفعَت ثمنه وخرجَت بوقار.

عادت بيرت نحو السيد روش: لم ألاحظ أية بطاقةٍ ملصقةٍ توضِّح محتوى الصناديق.

– لا يوجد، أكَّد السيد روش.

– إنَّ ذلك لن يسهِّلَ لنا المهمة.

– في خطابه، نبَّهَني جروسروفر أنه لم يكُن لديه الوقت لترتيب الكُتب، صندوقُ بصندوق.

توقَّفَ عن الكلام: «لقد قُلْتَ «لنا».»

احمرَّ وجهها: إذا كنتَ موافقًا، فسأُساعِدكَ في ترتيبها.

– إذا كنتُ موافقًا؟ بالطَّبْعِ، لم أكن أجرؤ أن أطلب منك ذلك، مع كل العمل الذي تتولينه في المحل … سيكون الأمر بعض الشيء مثل الحال عندما بدأتِ وكُنَّا نعمل معًا.

– هل ستحتفظ بها؟

– بماذا؟

– الكُتب.

– على أية حالٍ، سأحتفظ بها إلى أن يبعث جروسروفر إشارةً ويقول لي ما ينتوي أن يفعل بها.

– في جميع الأحوال، إنه غريبٌ، صديقُكَ. أتثق فيه أنتَ؟ ما الذي استوجب العجلة لدرجة أنه لم يكُن لديه الوقت لترتيب الكُتب في الصناديق؟

– أنا لا أكفُّ عن طرح السؤال على نفسي، وهو ليس السؤال الوحيد، لماذا يرسل لي فجأة مكتبته؟ ودون أن يسألني عن رأيي. لو أنني تُوفِّيت منذ سنوات، هه، وعاد إليه خطابه مع «لم يَعُدْ يقطن في العنوان المذكور»؟ على أية حالٍ، لقد كاد أن يحدث ذلك له، لقد كتَب ١٠٠١ ورقة بدلًا من ألف ورقةٍ وورقة.

أعادت ابتسامة ماكرة لمسة شبابٍ إلى وجهه: «ولو أنني أعدتُ له كُلَّ صناديقه.»

استمتع السيد روش بفكرة انتقامه، مُتخيلًا جروسروفر في أملاكه في وسط الغابة، مُستقِبلًا حمولة الصناديق مكتوبًا عليها: «إعادة إلى المُرسِل!»

لم يَدُمْ سروره طويلًا.

– ألديك عنوانه؟ سألَته بيرت ببراءة.

ظَلَّ السيد روش مذهولًا، لم يكُن لديه العنوان! كما لم يكُن لديه رقم هاتفه لم يفكر قَط في طلبهما. كما لو أن الاتصال، في ذهن جروسروفر، لا يمكن إلا أن يكون في اتجاهٍ واحد. في النهاية، لم يكُن لديه أية وسيلةٍ للاتصال بجروسروفر. اندفعَت بيرت نحو الدليل. ١٩٣٣١٢، استعلامات دولية، ثم ٢١، للبرازيل. كانت عاملةُ الهاتف حاسمةً، لا يوجد الجار جروسروفر في مانوس!

عندئذٍ، تذكَّر السيد روش أن جروسروفر قال في رسالته إنه يقطن في ضواحي مانوس. دون أية إيضاحاتٍ.

– في تلك الأركان، مع المسافات، يمكن أن تصل الضواحي إلى مئات الكيلومترات، قالت بيرت، لافتةً نظرَه دون أن تترك سماعة الهاتف. ماذا؟ قالت ردًّا على عاملة الهاتف: «تحتاجين إلى اسم مدينةٍ أو قرية، بدون ذلك لا تستطيعين عمل أي شيء؟»

ووَضعَت سماعة الهاتف، هَزَّ السيد روش أكتافه مُخفقًا. لقد وَقَعَ في الفخ. كان الأمر كذلك منذ أنْ كانا في السوربون، كان جروسروفر يُقرِّر، دون أن يطلب رأي أحد، ثم يتدبر أمره لكي يُدخل المرء في حيلته. كان الأمر ينجح بشكلٍ عامٍّ، وكان ما يقرِّر أن يجعلك تفعله يتم كما قرر تمامًا.

– هل أنتَ متأكدٌ أن الأمر يتعلق بصديقك؟ أصرَّت بيرت.

۔ لماذا أشكُّ في ذلك؟

وبشكلٍ ملهمٍ: «عن نفسي، أو عن الجميع، يبدو الأمر كذلك، ولا يستتبع ذلك أنه كذلك، لكن ما يمكننا تمامًا أن نتساءل عنه، هو لو أن هناك معنًى للارتياب في ذلك.»

نظرَت بيرت إليه مُندهِشةً. قال السيد روش:

«ويتجينشتاين، يا بيرت! أي معنًى سيكون للشك في الأمر، أليس كذلك؟»

دفَعَت سيدة في الخمسينيات من عمرها الباب وطلبَت «قاموسًا عن الصيد أو شَيئًا من هذا القبيل». لتقديمه هديةً إلى زوجها الذي أُحيل إلى المَعاشِ مُؤخرًا، أضافت موضحةً. تَركَ السيد روش بيرت وسط عملية البيع التي تقوم بها، وفكَّر وهو عائدٌ إلى المَرسَم، أن الأفضل مِن القاموس لو أنها قدَّمَت له قصبة صيد مُجهزةً بالكامل وطعومًا طازجةً تمامًا.

أدخل يده في صندوق الكُتب الأقرب إليه. تشوَّشَت رؤيته، وفي ومضة، لمح الصناديق غارقة في قاع المحيط، مدفونةً تحت مائة متر مِن المياه، أُصيب السيد روش بدوارٍ، كان يحدث له ذلك من وقت إلى آخر، ومثل أول مترٍ معياري كانت قد أرسلَته الجمعية التأسيسية الوطنية للكونجرس الأمريكي في عام ١٧٩٤م، وغرق في البحر الكاريبي مع السفينة التي كانت تحمله، كانت أجمل مكتبة في العالم لكُتب الرياضيات تسكُن قاع المُحيطات. كانت الرؤية ذات دقةٍ غير محتمَلة.

في هذه الكارثة، كان هناك شيءٌ يُريحه: الصناديق سليمة! ولا صندوقَ واحِدًا مبقورٌ. كانت الكُتب ترقُد في مأمنٍ مِن المياه، والأسماك، والقواقع، والطحالب. بعد ٢٠٠٠ عامٍ، ربما، سيجدونها، مثلما يجدون القِطَع الذهبية في قاع الجرار الإغريقية في المياه الدافئة في عرض البحر عند مارسيليا. «ياه، لا!» صاح صارِخًا، أو ظَنَّ أنه صرَخ، لقد انفتح أحد الصناديق! دخل الماء إلى داخله. ظهر ركن كتاب، ثم الغِلاف، غِلافٌ جميلٌ أحمرُ رمانيٌّ، من جلد الماعز المحبَّب، ثم الكتاب كاملًا، الذي انزلق خارج الصندوق وارتفع في الماء.

مَدَّ السيد روش ذراعه، في جُهْدٍ خارق، وتمكَّن من استرجاع الكتاب الذي كان يُسرِع نحو السطح، تسحبه الدواماتُ المتلألئة، لكن كُتب أخرى كانت تفلِت بدورها مِن الصناديق الأخرى الفاغرة، كان السيد روش يغرق.

وصلَته النجدة من خلال الكتاب، ذاك الحقيقي تمامًا، الذي كان يمسك به، أيضًا، في يده، والذي كان يتشبث به مثل طوَّافة إنقاذ، في مرسم شارع رافينيون. انتزع السيد روش نفسه من كابوس غرق السفينة هذا. انمحت الرؤية، لكن الهلع دام بأثرٍ رجعيٍّ، قبل أن يزول بالملامسة المطمئنة للغِلاف المصنوع من جلد الماعز المحبَّب الذي داعبه بسعادة.

واستقرَّت نظرته المتماثلة للشفاء على أرفف المرسم، كانت الكُتب التي نجت بأعجوبة هناك. وفي الصناديق المنفرجة، كانت توجد كُلُّ الكُتب الأخرى التي كانت تنتظره. لقد عهد جروسروفر بها إليه، وأقسَم لنفسِه أنْ يحرص على ألا يَحدث لها أي مكروه.

عندما دخَل جوناثان وليا إلى المرسم، اكتشفا السيد روش في حالة مِن الإثارة الشديدة، كانت عيناه الشفافتان تقريبًا عادة، تلمعان ببريقٍ مُدْهِشٍ بالنسبة إلى رجُلٍ في هذه السِّن، وكانت يداه النحيلتان تتحركان ببطء وهي تطوِّق إطار عجلات مقعده.

لقد وُلِدَ جوناثان وليا وسط الكُتب، وعاشا معها. كانت أليفةً بالنسبة إليهما مثل هياكل السيارات بالنسبة إلى صبية الضواحي الذين يحتلون أماكن تجمع السيارات المستعملة. لكن هذه المرة كان الأمر مُختلِفًا. كانت تفتنهما رؤية السيد روش وقد بدَّلَته هذه المكتبة القادمة من نهاية العالم. وفي الحال، أطلقا عليها مكتبة الغابة.

اجتاحت السيد روش رغبة صبيٍّ يريد أن يفُك تغليف كل لعبه مرةً واحدة. كان لديه توقٌ مجنون إلى أن يُخرج كُلَّ الكُتب، ويضعها على الفور على الأرفف لكي يستطيع بنظرةٍ واحدة أن يأخذ قياس المكتبة كاملة. كان ذلك جُنونًا صِرْفًا. لو أنه تصرَّف بهذه الطريقة، فكيف يمكن بعد ذلك استخدام مكتبة كُتبها موضوعة كيفما اتفق؟ كان بين نارَين! إنَّ اختيار الكلمة غير موفقٍ.

تغلَّبَت الحِكْمة.

أرجأ السيد روش رغبته، قبل التمكن من تأمل إجمالي الكُتب، كان عليه وضْع مبدأ ترتيب مكتبة الغابة.

عندما افتتح السيد روش مكتبة الألف ورقةٍ وورقة، تطلب الأمر وضع تصنيف لترتيب الأعمال المعروضة للبيع؛ بوليسي، خيال علمي، سياحة، أنشطة الحياة اليومية، مع رَفٍّ صغيرٍ للشِّعر، ورف أيضًا للأعمال الأجنبية، عارِضًا الروايات السهلة للسياح الذين يتوقفون على طريق القلب المُقدس، وتذكَّر أنه مع الوقت، اضطر لتعديل التصنيف عدةَ مرات.

إنَّ جروسروفر لم يسهِّل له حقًّا المُهمة. «لو أنني أستطيع على الأقل الاتصال به — قال لنفسه — كنتُ سأسأله كيف نَظَّمَ مكتبته. وكنتُ سأطالبه بأنْ يرسل لي مجموعة بطاقاته ومصطلحاته، كيف يمكن وضع مبدأ تصنيفٍ فعالٍ عندما يكون المرء غير معتاد على الموضوعات المراد تصنيفها؟ كيف يمكن تصنيف كُتب رياضيات إذا لم يَكُن المرء يعرف شَيئًا عن الرياضيات؟

إنَّ ما رفضتُه عندما كان عمري عشرين عامًا، يُجبرني على أنْ أفعلَه في الثمانين من عمري! لقد تلاعب جروسروفر بكل شيءٍ لكي يجعلني أغوص في رياضياته! الدنيء.» انزلق الغطاء مِن المَقْعد، وانحنى السيد روش، واسْتغل ذلك لتلميع حذائه بثنية الكم ووضع الغطاء على ساقَيه الميتتَين.

في النهاية، بعد أنْ زال الغضب، استَبعَد السيد روش فرضية أنْ يكون جروسروفر قد نصَب له فخًّا. رغْم مقاطع الرسالة الساخرة، كانت النبرة جادةً، كان هناك بين السطور حالةُ استعجالٍ حقيقية. بدأ السيد روش يدرك أن هناك شيئًا ما أجبَر جروسروفر أن يرسل له على عَجلٍ مكتبته. ماذا؟

«سيَتعينُ عليكَ، عزيزي بيير، أنْ تُصنِّفها ثانيةً، وتُرتِّبها تبعًا للمبادئِ التي تُناسِبُكَ بشكلٍ أفضل، لكن لم يَعُدْ ذلك شأني بعد الآن.»

«نعم، بما أنه أصبح شأني! برطم السيد روش، إنَّ ذلك بالتحديد ما كان يريده!»

اختار السيد روش الترتيب الزمني مَدْعومًا بالترتيب الموضوعي؛ سيتوقف مكان كتاب ما أولًا على تاريخ صدور النسخة الأصلية، ثم بعد ذلك على الموضوع الذي يعالجه.

تحديد الفترات الكُبْرى لتاريخ الرياضيات، ستُشكِّل هذه الفترات الأقسام. وبعد ذلك وضع قائمة العلوم الرياضية المُختلِفة، التي ستُكوِّن الأقسام الفرعية، بالنسبة إلى الفروع التي تطوَّرَت مع الزمن، لن تكون الأقسام الفرعية بالضرورة هي نفسها تبعًا للفترات الزمنية. تنضبُ بعض الفروع وتختفي، وقد اسْتوعبَتْها فروعٌ جديدة، وأخرى تتحول متشعبةً إلى فروعٍ أخرى، وأخِيرًا، هناك بعضُ الفروع، مستحدثة تمامًا، تظهر لأول مرة.

ألا يعني وضع هذا التصنيف إعادة تكوين الِمعْمار الكامِل للرياضياتِ؟! كان على السيد روش لكي يحقق ذلك أن يجعل من نفسه جُغْرافِيًّا ومُؤرِّخًا. وسيتعين عليه رسم خريطة الكون الرياضي، ليست خريطةً جامدةً، لكن خريطة تاريخية.

«ذهَب جروسروفر ليستقرَّ في وسط الأمازون، وأنا، في قلبِ مرسمي، يجب أنْ أجعل من نَفْسِي مُسْتكشِفًا! أرغى السيد روش وأزبد.»

قرَّر قبول التحدي.

بعد بحثٍ مقتضب، اختار ثلاث فتراتٍ كُبرى، قد تزيد بعد ذلك.

«القسم الأول: رياضيات العصور الإغريقية القديمة». عصور قديمة موسَّعة بعض الشيء، لِنقُلْ ما بين عام ٧٠٠ قبل الميلاد إلى عام ٧٠٠ بعد الميلاد.

«القسم الثاني: الرياضيات في العالم العربي»، من عام ٨٠٠م إلى عام ١٤٠٠م.

«القسم الثالث: الرياضيات في الغرب»، ابتداءً من عام ١٤٠٠م.

والأقسام الفرعية؟ إنَّ وضع قائمة بالمجالات المُختلِفة التي تتناولها الرياضيات يعني ببساطة طرح السؤال التالي: ما هي موضوعات علم الرياضيات؟ شيءٌ بسيط!

إذن، ما هي مجالات بحوث الرياضيات؟

الأشكال والأرقام، الحيز والكمية، تلك كانت إجابته الأولى؛ هندسة، حساب. أقرَّ أن ذلك بدائي بعض الشيء. قبل اللجوء إلى القواميس ودوائر المعارف، حاول أن يتذكَّر عناوين الدروس المُختلِفة التي تابعها أثناء دراساته، بالإضافة إلى الفرعَين السابق ذكرهما، توصَّل السيد روش، بعد مُضي سِتين عامًا، إلى تذكُّر: الجبر، حساب المثلثات، الاحتمالات، الإحصاء، الميكانيكا. إنَّ الهندسة تهتم بالأشكال، والحساب بالأرقام، وحساب المثلثات بالزوايا، والميكانيكا بالحركة وتوازن الأشكال.

في المرسم، وسط الصناديق المفتوحة، هبط ماكس ومعه عدةٌ كاملة، ورقُ كانسون، وممحاةٌ كبيرةٌ مثل ثمرة السفرجل، ومِسطرةٌ مسطَّحة، وأقلام ألوان — كان يمقت أقلام اللباد — لاصِقًا عِدة ورقات مع بعضها، جهَّز لوحةً علَّقها على الجدار.

قدَّم السيد روش للحضور، ودفتر ملاحظاته على ركبتَيه، مبدأه لترتيب مكتبة الغابة للحصول على الموافقة عليه. وراغِبًا في اختيارٍ ديمقراطي، دعا بيرت والتوءم، الذين حضروا، وألبير الذي رفَض. لقد تمَّت الموافقة على الهندسة بالإجماع. رسَم ماكس خانةً على الورق، وكتَب داخلها هندسة.

لكن الأمر لم يجرِ بهذه السهولة مع الحساب. أراد البعض مطابقته مع الجبر، ولتبرير وجود قسمَين فرعيَّين، عرَض السيد روش نوعية كُلٍّ منهما: إنَّ كلمة حسابٍ تأتي من أريثموس؛ أيْ عدد باليونانية.

«إنه لا يفوِّت فرصةً لاستخدام لُغَته اليونانية أو اللاتينية.» قالت ليا لنفسها وهي تسأل بنفاق: والجبر مما يأتي؟

لم يكُن لدى السيد روش أدنى فكرةٍ، استأنف قراءة ملاحظاته: إنَّ الحساب هو عِلْم الأعداد الصحيحة الطبيعية: ١، ٢، ٣ … الجبر هو علم المعادلات. إنَّ ذلك ليس الأمر نفسه. في الحساب، تتم دراسة شَكْل الأعداد الصحيحة، وخواصها، إذا كانت زوجية أم فردية، قابلة للقسمة أم لا. في الجبر، يجري البحث عن حَلِّ المعادلات، دون الاهتمام بطبيعة ما يبحث عنه. ما يهم، إذا أمكن القول، هو فقط شَكْل القيود التي تفرض على الموضوعات مجال البحث.

اضطَرتْه الهيئة غير المُقتنِعة لجمهوره إلى إضافة: «إنَّ مجموع عددَين زوجيَّين صحيحَين هو عددٌ زوجيٌّ صحيح، هي جملةٌ من علم الحساب، بينما المعادلة ا س٢ + ب س وإلخ لها جذران … وإلخ هي جملةٌ من عِلْمِ الجبر.»

اعتقد أنه لَمَحَ بارقةَ فهْمٍ على الوجوه.

ولتقديم حجةٍ حاسمةٍ لصالح التمييز بين المجالَين، أعلن السيد روش أن الحساب وُلِدَ في اليونان، في القرن السادس قبل عصرنا، بينما الجبر لم يَرَ النُّور إلا بعد ذلك بكثير.

رسَم ماكس خانتَين.

انتقَل السيد روش إلى حساب المثلثات.

– كما يشير اسمه إليه، فإنَّ حساب المثلثات هو قياسٌ للمثلثات. تُقاس المثلثات انْطِلاقًا من زواياها وليس من أضلاعها. أحيانًا يُقالُ إنَّ حساب المثلثات هو عِلْم الظِّلال، أترون إلى ماذا أشير؟

أطلق جوناثان صيحةً «ياه، تليس!» باللهجة الأمريكية لسياح اللوفر.

«إنه عِلمُ ميل الأجسام، استأنف السيد روش، وعِلْم التوجه والاتجاه، وكل الأشياء التي يمكن قياسها بزاوية. يمكن معرفة زاويةٍ ما بدون الحاجة إلى قياسها مباشرةً وذلك بفضل جيب هذه الزاوية وجيب تمامها. إنَّ جيب زاويةٍ ما وجيب تمامها هما أعداد.»

وظهَر معسكران؛ مُعسكر الاسْتقلال، ومُعسكر الضم، وفي مُعسكر الضم، كان يوجد اختياران؛ اختيار جوناثان الضم إلى الهندسة، «طالما أنه يتناول جيب الزاوية وأن الزوايا في الهندسة، فإن حساب المثلثات ينضَم إلى الهندسة». أما ليا فقد اختارت، بالطَّبع، الموقف المعاكس، مطالبةً بضمِّه إلى الحساب «طالما أن جيب الزاوية عدد وأن الأعداد في الحساب». ربح السيد روش الصفقة معلنًا: «تمامًا! بما أن حساب المثلثات هو تزاوج الاثنَين معًا، يجب أن يكون للزوج الجديد غرفةٌ منفصلة.»

ودون أنْ ينتظر، رسَم ماكس خانةً أخرى.

ثم انتقل السيد روش إلى الاحتمالات، لاحظَت بيرت أن كُلَّ الفروع الأخرى في صيغة المفرد، بينما الاحتمالات وحدها في صيغة الجمع.

– وإذن؟ سأل جوناثان.

– وإذن، لا شيء. أجابت بيرت.

– إنَّ احتِمال أنْ يَقعَ ماكس على ببغاء يجري ضربها بشدة في مستودع للسلع المستعملة يكاد يكون صفرًا، أليس كذلك؟ سألَت ليا. ومع ذلك، وقَع على نوفيوتشر. وهو ما أكسبنا السعادة الغامرة بأن نعتبره واحدًا منا منذ ذلك الحين.

لقد كافح نوفيوتشر من أجل أن يكون للاحتمالات خانة، وكان ذلك كافِيًا لماكس لكي يرسم لها واحدة.

عند تناوله القسم الفرعي التالي، اعتقد السيد روش أن مِن المفيد تحديد أن ما يسمِّيه علماء الرياضيات بالميكانيكا هو معرفةٌ نظريةٌ وليست يدوية.

تهتم الميكانيكا بأسباب الحركة. ما الذي يسبِّب حركةً ما؟ (كان السؤال شكليًّا تمامًا) إنها القوى، أجاب السيد روش دون انتظار. سيحاول عالِمُ الرياضيات الميكانيكي أن يُعبِّر عن القوى بصِيَغ، بواسطة دوالَّ مختلفة.

ولا كلمة. أسف السيد روش لغياب ألبير.

رسَم ماكس خانةً أخرى.

سألَت بيرت لماذا الإحصاء غير موجودٍ في القائمة، أعلن السيد روش أنه يجده تجريبيًّا جدًّا بعض الشيء لكي يقبل به كقسمٍ فرعيٍّ للرياضيات، لقد سقَط الإحصاء في الامتحان!

– أتعرف ما الذي نسيتَه؟ صاحت بيرت: اﻟ-مَنْ-طِق!

– لم أنْسَه، رَدَّ السيد روش بثقة. إنَّ المَنْطِقَ جزءٌ مِن الفلسفة، وأرسطو الذي أسَّسَه كان — على حَدِّ علمي — فيلسوفًا، وليس عالِمَ رياضيات.

– إذا لم يكُن هناك مَنطِقٌ في الرياضيات، فإني أتساءل أين يمكن أن يوجد؟

– في الفِكْر، يا بيرت!

– وفي البرهان بشكلٍ خاص، وبدون برهانٍ لا توجد رياضيات.

– هذا هو المَنْطِق يا أمي. صاح ماكس مُصفقًا ورسَم خانةً جديدة.

هُزِمَ السيد روش شَرَّ هزيمة!

– والرياضيات الحديثة؟ سأل ماكس.

تَبعَ ذلك مناقشةٌ صاخبة، حيث لفتَت بيرت النظر إلى أن «حديثة» ليست موصوفًا يُشِير إلى فرع من فروع العلم، لكنها صِفةٌ زمنية.

– صِفةٌ أم لا، اعترض جوناثان، إنَّ «المجموعة» ليست شَكْلًا، ولا عَددًا، ولا تَمام زاوية، ولا احتمالًا، ولا برهانًا، إذن …

لا مجال للمناقشة. قبِلَت بيرت بشرط أن تكتب في كلمةٍ واحدة، مثل موصوفٍ ما. رسَم ماكس خانة كُتبٍ فيها رياضياتٌ حديثة.

أبدَوا إعجابهم باللوحة:

تم إجراء الحساب. ثلاثة أقسامٍ رئيسية وثمانية أقسامٍ فرعية، أربع وعشرون خانة لترتيب مكتبة الغابة!

حمام طاووس، وديوك قزمة، وبط بلون الصلصال الأصفر المائل للخضرة، وطيور ترغلة١ ويمام، وطيور نفر٢ صغيرة جدًّا من موزمبيق، بشريطٍ أزرق، وبطنٍ برتقالي، وذيل بلون الخل. وطيور كناري من كل نوعٍ مغنُّون وصافرون، حمامة صغيرة جدًّا، بمنقارٍ بلون المرجان، وخدودٍ برتقالية اللون، وهدهد ملكي أبيض بلون اللبن، مع ثلاث ريشاتٍ ذات لونٍ أصفر فاتح مغروزةٍ في أعلى الجمجمة، وعلى الذيل الداخلي مسحةٌ خفيفةٌ بلون البيضة، وطائر طورق،٣ جسمه بنفسجي، ومنقاره برتقالي، وتغطي رأسه قطعٌ صغيرةٌ أرجوانيةٌ في الخلف، وصفراء في الأمام، وأرانب أنجورا، وأرانب حمل، وقوارض من نوع الهمستر والجربيل.٤ وزوجٌ من حصان البحر مُجفَّفٌ ومضغوطٌ بين لوحَين مِن البلاستيك، وإغوانة،٥ وحرباء وثعبان أصَلة عمره ثلاث سنوات في قفصه الزجاجي، لقد وقف ماكس أمامه جامدًا، مراقبًا أقل حركةٍ مِن الثعبان، لكنه لم ينتقل حتى هنا لكي يتأمل كُلَّ هذه الحيوانات. لقد ترك الأصَلة أسفًا.

كان ماكس، قبل أن يغادر، قد اتخذ احتياطه بأن لبس «بيريهًا» كبيرًا ليُخفيَ شَعره الأحمر. إنَّ المرء لا يعرف أبدًا ما يمكن أن يحدث. من مونمارتر، دخل حتى الجادات الكُبْرى.

مباشرةً قبل أنْ يصلَ إلى السين، وجَد ماكس نفسَه في شارعٍ صغير، كان مكتوبٌ على اللوحة: «شارع جان-لنتييه، نسبةً إلى اسم أحد السكان مِن القرن الثالث عشر، يُقال له جان لوانتييه.»

سبعمائة عام، زمنٌ طويل! حتى بالنسبة إلى الببغاوات، كان ماكس قد عَلِمَ توًّا أن بعض الأنواع تبلغ القرن بسهولة. كم يمكن أنْ يكون عمر نوفيوتشر؟ لقد انتقل لكي يتمكَّن مِن الرد على هذه الأسئلة.

على امتداد السين، بين اللوفر وميدان شاتليه، يمتدُّ رصيف المجيسري، رُكْنُ تجارة الحيوانات وتجارة الكُتب القديمة. الكُتب، على الطوار المشرف على السين، يفصلها عن الحيوانات سيل السيارات المستمر المنطلق من حافة طريق الضفة اليمني.

تُوجَد هناك كُلُّ طيور العالم، باستثناء الأنواع المحمية بالطَّبْع، التي وضَع اتفاقُ واشنطن قائمةً بها، وهي أنواعٌ محظورٌ بيعُها، لكن لو كان المرءُ مُستعدًّا أن يضعَ فيها الثمن …

دخَل ماكس في أحد أكبر محلات بيع الطيور الموجودة على رصيف المجيسري. في المدخل، كما في المخابز، لوحةٌ كُتبَ عليها: «ممنوع دخول الحيوانات.» انفجر ماكس في الضحك! بعد كلمة «حيوانات»، أضافت يدٌ مجهولةٌ بغضبٍ شديدٍ «حتى في قفصٍ.»

كانت القاعة الأولى مُخصَّصة للكلاب. مَرَّ ماكس أمام جماعةٍ من كلاب القلطي٦ (كانيش) الصغيرة ذات النُّباح الفظِّ، ثم أمام كلب يوركشير وجار،٧ وكلب بكيني مجعَّد الشَّعر بالكامل ممدَّد إلى جوار روكر ذهبي، قاعات أخرى، كلاب أخرى، لافتة تحذير: «أنتَ تدخل في هذا النطاق على مَسْئوليتِكَ». على كتفه، انتفش نوفيوتشر، وانغرزَت مخالبه في لحمه، تفادى ماكس المكان، ودخل في الحيز المخصَّص للببغاوات.

هناك، حصل على أول اكتشاف. إنَّ الدرة ليست أنثى الببغاء. هناك درة ذَكر وببغاء أنثى، تلَى ذلك سؤالٌ، ولدهشته الكبيرة أقرَّ أنه لم يطرحه على نفسه قَط، هل نوفيوتشر ذكرٌ أم أنثى؟ بالطَّبْع، لن يغير ذلك شَيئًا، غير أنني أُحبُّ جدًّا أنْ أعرفَ.

– إنَّ للذكور رأسًا أكبر مِن الإناث، كان البائع يشرح لزوجٍ مِن الزبائن.

– ألا يمكن معرفة ذلك مباشرةً، أنا لا أعرف، بفحص العضو التناسلي مثلًا؟ سألَت السيدة.

– لا، وإلا ما كنتُ حَدثْتُكِ عن الرأس، رَدَّ البائع بجفاء. لا نستطيع معرفة جنس الببغاء، لا بالنظر ولا باللمس؛ وذلك بسبب ازدواجية الشكل بالنسبة إلى الببغاوات.

نظر الزوجان بعضهما إلى بعض بذهول، ثم قالت المرأة: ازدواجية الشكل أو لا، هناك ذكورٌ وإناثٌ، أليس كذلك؟ يجب على أية حال معرفة ما نشتريه!

– الطريقة الوحيدة للتأكُدِ مِن الجنسِ هي إجراء عمليةٍ جراحيةٍ صغيرة، أجاب البائع.

أدار لهما ظَهرَه وذهَب للحاق بزبائنَ آخرين.

قاس ماكس خلسةً رأسَ نوفيوتشر: على أية حالٍ، رأسُكَ ليس صغيرًا، اطمئن، لن تُجْرى لك عمليةٌ.

من أيِّ ركن في العالم قَدِمَ نوفيوتشر؟ إلى أي نوعٍ ينتمي؟ لوحة إعلانية تظهر الأنواع المُختلِفة من ببغاوات البرازيل، الأرة قدمَت له إجابةً أولى. إنَّ نوفيوتشر ليس أرة. لقد كان ذلك شَيئًا، لكن بما أن هناك أكثر من مائة نوع ببغاء، كان ذلك قليلًا.

كانت المناطق الجغرافية للببغاوات مبيَّنةً على خريطة لنصفَي الكرة الأرضية، إنَّ وسط أفريقيا وأمريكا الجنوبية هما المنطقتان الرئيسيتان المأهولتان بالببغاوات، كذلك شرق آسيا والهند أيضًا.

تسلَّل ماكس نحو قسم الطعام.

كان هناك الخيار بين الخليط المُميز والخليط العادي، كان المُميز خلِيطًا مِن الحبوب؛ عباد شمس، دخن، أرز، ذرة بيضاء، حنطة سوداء، قمح، فول سوداني، أرز غير مقشور، وجريش الشوفان، بينما كان العادي خليطًا من عباد الشمس، والبشتة، والدخن، وجريش الشوفان، وبذور القنب. أخذ ماكس عبوةً كبيرةً مِن المميز مُزدريًا العجائن الجاهزة، «خليط متوازن مع بروتيناتٍ نباتية»، أخذ حفنةً من أعواد العسل، الحلوى الأسمى. كان نوفيوتشر مُهْتاجًا مثل عقعق.

توقف ماكس أمام مُلصَقٍ يعرض قائمةً بالأطباء البيطريين في باريس، أُعدَّت من قِبل إدارة الشرطة، تجمَّد في مكانه، إنَّ ما كان يقرؤه توًّا خطيرٌ: ملصق رسمي ينبه إلى أن كُلَّ الحيوانات التي تدخل الأراضي الفرنسية يجب أن يكون لديها شهادة «تحت طائلة مصادرة الحيوان»، كما يتعين أن تخضع لحَجْرٍ صحيٍّ عند وصولها الأراضي الفرنسية، لا بُدَّ مِن الرحيل على وجه السرعة.

اقترب ماكس مِن الخزينة، والأكياس تملأ يدَيه، كان هناك طابورٌ، عندما لمحَت إحدى البائعات الواقفات قرب الخزينة نوفيوتشر، لم تتمكن من إخفاء اهتمامها: ها هو ببغاء رائع مِن الأمازون بجبَّهةٍ زرقاء! إني أهنئك، أيها الشاب. إنهم مع ببغاوات الجابون أفضل الببغاوات المُتكلِّمة التي يمكن العثور عليها، أتعرف أنه ليس من حقك أن تدخل المحل مع ببغائك؟ لكَ أن تتخيل لو كان مريضًا وأن … لديك شهادةً، بالطَّبع، قالت بابتسامةٍ مطمئنة، مِن الواضح أنه يتفجر صحة. (ثم، بصوتٍ خفيضٍ:) إنني أعرف هواة جمع طيور مُستعدين لدفع ثروات من أجل ببغاء يتكلَّم جيدًا. هل يتكلم جيدًا؟

– اسأليه!

– قُلْ لي شَيئًا. طلبَت منه بصوتٍ متملق.

أدار نوفيوتشر رأسه. شعرت البائعة بالإهانة.

– «ماذا لديك هنا؟»

مَدَّتْ يدها. صار نوفيوتشر مُتوعدًا.

– «ندبة قبيحة حقًّا.»

ثم إلى ماكس: «هل هو لديك منذ وقتٍ طويل؟»

كان دور ماكس أن يدفع الحساب. دفع، جدَّدَت البائعة محاولتها، قال: إني مستعجلٌ، والِدَتي تنتظرني، بالإضافة إلى أنها حذَّرتْني مِن الحديث مع مَنْ لا أعرف. تكلَّفَت الضحك: السيد الصغير لديه حس الدعابة.

أسرع ماكس بالخروج.

لم يكونا قد خرجا بعدُ عندما بدأَت البائعة في التفتيش في جيب قميصها، وأخرجَت ورقةً، وقربَتْها من عينَيها لكي تقرأ رقم هاتف كان مكتوبًا فيها، تحدث بصوتٍ منخفضٍ إلى نوفيوتشر، وهو يغادر المحل: أجد أنها نظرت إلينا بطريقةٍ غريبة، خاصةً أنت، إني أجد هيئتها مريبةً.

كانت البائعة أيضًا قد خفضَت صوتَها. كانت تقول وفمها ملصق بسماعة الهاتف: نعم، صبي في الثانية عشرة مع ببغاء أمازون بجبهة زرقاء. طائرٌ رائع.

– …

– نعم، نعم، بجبهة زرقاء مع ندبة على الرأس.

– …

– لا أعرف، لم أرَ شَعره جيدًا.

– …

– كيف، لماذا؟ لأنه كان يرتدي «بيريهًا».

– …

– أبقيهما في المحل؟ … لكن … (نظرت نحو الباب.) لقد رحلَا، ستصل على الفور.

وضعَت السماعة. واندفعَت إلى الطوار، دافعةً الزبائن بقوة، متفحصةً الأرصفة المليئة بالناس.

مِن الجانبِ الآخر للرصيف، وأمام منضدة أحد باعة الكُتب القديمة، رأى ماكس، المختبئ وراء لافتةٍ قديمةٍ مُتظاهِرًا بأنه يتفحصها، البائعة تعود إلى المحل، حانقةً، «لقد قلتُ لك، إنها مريبةٌ، همس لنوفيوتشر، لنركض، إني متأكد الآن، هناك تهريب حيواناتٍ». توقف عن الكلام. «وجدتها! لقد فهمت، الشخصان في سوق السلع المستعمَلة، كانا مهربي ببغاوات! قالت البائعة إنَّ ببغاءً يُحسِنُ الكلام يساوي ثروة. وبما أنك تُجيد الكلام، يا صديقي، لك أن تتغطرس، إنك تساوي ثروةً، يا نوفيوتشر! ربما تكون حتى قد فُزتَ في مسابقات. كانا ساخطَين لأنهما رأيا كنزهما يطير. تخيَّل، كانا قد وجدا مشتريًا، ودفَع لهما مَبْلغًا مُقدَّمًا، وأنت، بمغادرتهما بدون اسْتئذان، أجبرتهما على رَدِّ كل النقود التي حصلا عليها، أتفهَّم أن يكونا حانقَين. عبقري، إنك عبقريٌّ، يا نوفيوتشر. مِن الأفضل ألا يبقى المَرْء في هذه النواحي. لقد أحسنت صُنعًا بأن وضعت قبَّعتي.»

عند مروره مجددًا في شارع جان-لنتييه، أحصى ماكس حصيلة نزهته في رصيف المجيسري، ما الذي عرفه أكثر مما كان يعرف؟ لا يعرف إنْ كان نوفيوتشر ذكرًا أم أنثى، ولا يعرف سنَّه، لكنه يعرف أن نوفيوتشر لا يملك شهادةً طبيةً وأنه يجب أن تكون لديه واحدة، ويعرف أنه ببغاء مِن الأمازون بجبهةٍ زرقاء، وأنه متكلمٌ ممتاز.

بعد أن غادر ماكس ونوفيوتشر رصيف المجيسري بلحظاتٍ قليلة، وقفَت سيارة مرسيدس كبيرة أمام مدخل محل بيع الطيور. أحد الرجلَين الأنيقَين، الأكبر سِنًّا، نَزَل منها.

١  جنس طير مِن القواطع من فصيلة الحماميات. (المترجم)
٢  جنس عصافير غريدة من فصيلة الشرشوريات. (المترجم)
٣  طائر أفريقي كبير له عرف على شَكْل قلنسوة. (المترجم)
٤  لبون مِن الفأريات. (المترجم)
٥  نوع مِن الزواحف رباعية القوائم مستطيلة الذنب، تقطن البلاد الحارة. (المترجم)
٦  كلب صغير كثيف الوبر أجعده يُربَّى في البيوت. (المترجم)
٧  كلب صيد يصطاد الحيوانات من جحورها أو مِن الحفر التي تختبئ فيها. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦