أفراد الرياضيات في كل العصور
مِن المستحيلِ الإفلاتُ من ذلك! رغْم تلهُّفه على رؤية الكُتب وقد تحرَّرَت أخيرًا مِن الصناديق التي تتلفها، وهي محشورةٌ مثل السردين المُعلَّب، كان السيد روش يعرف أن للمُضي أبعد من ذلك في ترتيب مكتبة الغابة عليه أن يعود إلى المكتبة الوطنية.
طلب ألبير ليقلَّه إلى هناك في اليوم التالي مباشرةً.
طِبقًا للتصنيف الموضوع، خطَّط السيد روش لنفسه برنامجًا مختصرًا، لكنه طموحٌ بإفراط. كان عليه إعداد نوعٍ مِن الإحصاء لأفراد الرياضيات في كل العصور. ٢٥٠٠ عام مِن الرياضيات! مع استبعاد الشمولية، سيتعيَّن عليه القيام باختيار. وقام به.
عاد بكل سرور إلى المكتبة الوطنية. لكن مع اختلاف هذه المرة عن المرات السابقة. لم يعُد من حقه التسكع عبْر الأعمال والكُتب، كان عليه أن يكون عمليًّا على الفور. التوجه إلى ما هو أساسي. كان ذلك تحديدًا هو الأمر الأصعب، فتجربته كفيلسوفٍ علَّمَته ذلك.
أخرج السيد روش دفتره ذا الغِلاف المقوَّى، كان ثقيلًا، وفتحَه، قلَّب صفحاته. لحُسن الحظ أنه اشترى دفترًا كبيرًا؛ لأنه أصبح ممتلئًا. إنه دفترٌ كبيرٌ وثقيل، أخرج مقبض ريشته الجديد تمامًا، كانت إحدى زبائنه القُدامى قد أرسلَته له من فينيسيا. إنه مصنوعٌ بالكامل مِن الزجاج! ليس المقبض فقط، لكن الريشة أيضًا كانت مِن الزجاج المجدول، وارد مباشرة من مورانو، «تمَّ صُنعه أمام عيني»، أكَّدَت له في رسالتها القصيرة المرفَقة به.
وضع محبرته، فكَّ غطاءها، غمس الريشة و… توقَّف الجميع حوله عن العمل. كان جيرانه ينظرون إليه نظرةً عجيبةً. في هذه اللحظة فقط، لاحظ السيد روش أنه كان في ركن «أجهزة الحاسوب المحمول». كانت تحيط به أجهزة حاسوب شخصية سوداء متصلة بمكابس بيضاء، بأسلاك رمادية!
لحسن الحظ، كان قد أحضر قواميسَ رياضياتٍ ضخمةً وأبحاثًا في تاريخ العلوم لا تقلُّ ضخامة، شكَّلَت له متراسًا احتمى خلفه، غمس ريشته الزجاجية في المحبرة وبدأ يكتب. أصدَرَت الريشة صريرًا، على الفور، طقطقَت حوله من كل جهة طلقاتٌ متواترة. أرادت الأصابع العصبية، على لوحات المفاتيح حوله، أن تُذكِّره بتفوق الإلكتروني على الميكانيكي.
أهملَهم السيد روش. وقرَّر ألا يضيع الوقت في الكتابة، بعض الملاحظات ستكون كافية.
القسم الأول: الفترة الأولى: الرياضيات الإغريقية
القرن السادس قبل عصرنا، المؤسسون: طاليس، هندسة، فيثاغورس، حساب.
وأشار إلى أن أعمال الثلاثة المذكورين آنِفًا رياضِيَّة فقط تقريبًا.
نهاية الرياضيات الإغريقية.
كان المساء قد هبط، ويوم الإثنين قد انتهى. لم يعُد هناك سوى اثنَين في صف المقاعد، والأماكن حول السيد روش، في قاعة المطالعة الكبيرة لمطبوعات المكتبة الوطنية، قد خلت. بعد أن ألقي نظرةً سريعةً على ما دوَّنه، لم يُحصِ السيد روش، ولدهشته الكبيرة، سوى عشرين اسْمًا. على امتِدادِ ألف عام! هذه الحفنة مِن الرجال، الراقدون على أوراق دفتره، صنعوا الرياضيات الإغريقية!
لقد تخلص مِن الورطة بشكلٍ جيد، إن ما دوَّنه كان موجزًا بعض الشيء، لكنه كافٍ لترتيب أعمال هذه الفترة. كان عليه أن يضع قائمته «حتى أيامنا». مستحيلٌ. قرَّر أن يتوقف عند عام ١٩٠٠م. أمرٌ بسيط! أكثر من ١٥٠٠ عام! شَعر بالغيظ وهو يفكر في كل كُتبِ مكتبة الغابة المُحْتجزة في توابيتها الخشبية.
في يوم الثلاثاء، قام ألبير بتوصيل السيد روش أمام أبواب المكتبة الوطنية، قبل الساعة التاسعة بوقتٍ كافٍ. وقال لكي يعتذر إن عليه أن يكون موجودًا حتميًّا في مطار رواسي عند الساعة التاسعة و٤٥ دقيقة.
بسرعةٍ أصبح السيد روش عمليًّا وفعالًا. كان البارحة، قد أخذ الاحتياط بأن طلب الأعمال التي سيحتاج إليها للقسم (٢).
القسم (٢): الرياضيات في العالم العربي. مِن القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر
توقَّف، كان يدخل إلى أرضٍ مجهولة. هل كان يستطيع ذِكر عالِم رياضيات عربيٍّ واحد؟ مدفوعًا بإحساس الاستعجال، غاص السيد روش في بحثٍ ضَخْم وفَهِمَ بسرعةٍ أن الأمر لا يتعلق بعُلماء رياضياتٍ عرب، وإنما بعلماء رياضيات كَتَبوا أعمالهم باللغة العربية. كان يُوجَد بينهم فُرس، ويهود، وبربر. كانوا في الغالب علماء «ذوي مجالٍ معرفي واسع» يعملون على حدٍّ سواء في مجالات الطب، والفلك، والفلسفة، والفيزياء، والرياضيات. كانوا يشبهون في ذلك المُفكِّرِين الإغريق الأوائل الذين كانت المَعْرفة بالنسبة إليهم لا حدود لها.
كان القسم يُغطي سبعة قرون، انتشَرَت الرياضيات خلالها على امْتِداد العالَم العَربِيِّ كله. مُنطَلقةً من بغداد، ووصلَت إلى خُراسان، وخوارزم على ضفاف بحر أرال، ومصر، وسوريا، والمغرب وشبه الجزيرة الأيبيرية.
بعد بضعةِ قرونٍ مِن الخمود، استرجع عُلماء الرياضيات العرب، ما بين القرنَين الخامس والثامن من عصرنا، المعرفة الإغريقية، وبعد أن استوعبوها، جعلوها تثمر، إنَّ رياضيات الإسكندرية الوثنية وصلَت إلى بغداد، عاصمة الإسلام، بعد مرورها ببيزنطة المسيحية.
كان العُلماء العرب، خاصةً عُلماء القرنَين التاسع والعاشر، يتميزون بأنهم من كبار علماء الرياضيات، وفي الوقت نفسه مترجمون ممتازون. لقد انطلقوا في مشروع ترجمةٍ ضخمٍ لنصوص علماء الرياضيات الإغريق، إقليدس، أرخميدس، أبولونيوس، مينيلوس، ديوفانتوس، بطليموس. وهو ما سمح لهم باستيعاب المعرفة الرياضية للعصور القديمة، ثم التوسُّع فيها بشكلٍ كبير، مع خلْق مجالاتٍ رياضيةٍ جديدةٍ كانت غائبةً عن المعرفة الإغريقية. كما نهلوا أيضًا من مصادر أخرى، المصدر الهندي أساسًا.
ها هو قد بدأ يصوغ جملًا، كما لو كان لديه الوقت لذلك!
نقطة مشتركة مع سابقيهم الإغريق، هي أن العلماء العرب يتمتعون ﺑ «مجالٍ معرفيٍّ واسع»، رياضيات، طب، فَلك، فلسفة، فيزياء. لقد ابتكر علماء الرياضيات العرب الجبر، والتحليل التوافيقي، وحساب المثلثات.
بداية القرن التاسع، بغداد، الخوارزمي (جبر، معادلات الدرجة الأولى والثانية بمجهولٍ واحدٍ). مصر، أبو كامل، وسَّع مجال الجبر (أنظمة من عدة معادلات ذات مجاهيل عدة). الكاراجي، أول مَن اعتبر الكميات غير الجذرية أعدادًا. الفارسي، وضع أُسُس النظرية الأولية للأعداد. وأثبت أن «كُلَّ عددٍ يتحلل بالضرورة إلى عوامل أولية من أعدادٍ مُحدَّدةٍ، يكون هو حاصل ضربها.»
النصف الثاني مِن القرن التاسع. الهندسة، في بغداد دائمًا، الإخوة الثلاثة بنو موسى. ثم ثلاثة علماء آخرون؛ ثابت بن قرة، النيروزي، وأبو الوفا (حسابات المساحات؛ القطع المكافئ، القطع الناقص، نظرية الكسور، بناء جدول جيب الزاوية، مؤسس علم حساب المثلثات كمجالٍ رياضيٍّ مستقل).
ابن الخيَّام تثبَّت مما سوف يصبح بعد ذلك فرضية فيرما الشهيرة: لا يمكن لمُكعبٍ أنْ يكون مجموع مُكعبَين، المعادلة.
ليس لها حَلٌّ بأعْدادٍ صَحيحة.
عالمان كبيران آخران في مجال الرياضيات، الكراجي، في نهاية القرن العاشر، والسموءل، الذي تابع عَمَله في القرن الثاني عشر. وضع السموءل نظامًا من ٢١٠ معادلات ذات عشرة مجاهيل. وقام بحلِّه! إضفاء صفات علم الحساب على الجبر.
يتطلب ذلك تفسيرًا وشرحًا.
إضفاء صفات علم الحساب على الجبر: تطبيقات العمليات الحسابية (+، −، ×، ÷، التجذير التربيعي) على المجهول، وهي العمليات التي كان علم الحساب يستخدمها فقط على الأعداد، توسيع الحساب على الأعداد ليمتد إلى الحساب الجبري.
واستخدم السموءل الكميات السلبية، مبرهنًا القاعدة الأساسية لحساب الأسس:
في هامش دفتره، بدأ السيد روش يكتب: «١ + ٢ +»، لا يوجد مكانٌ كافٍ! عاد إلى كامل الصفحة ووضع إطارًا حول المعادلة:
لم يستطع أن يمنع نفسه من التأكد من صحة المعادلة. حاول مع ن = ٥ جمْع أول خمسة أعداد صحيحة، أعطى ذلك العدد ١٥ وباستخدام المعادلة ماذا يعطي؟ يعطي …
تسير الأمور!
انتقل إلى المعادلة التالية: أكثر تعقيدًا بخبث!
مجموع مربعات أول ن من الأعداد الصحيحة
ثم إلى التالية:
مجموع مكعبات أول ن من الأعداد الصحيحة يساوي مربع مجموع هذه الأعداد ن.
«لكني أضيِّع وقتًا طويلًا! قال السيد روش لنفسه، لن أتسلى بالتأكد من صحة المعادلات التي تقع تحت يدي.» وقرَّر ألا يسجِّل أيًّا منها.
شَعر برغبة في احتساء القهوة، ليست قهوة الآلة، قهوة حقيقية كثيرة الماء. ذهب إلى الحانة عند التقاطع وعاد وقد استعاد نشاطه، وهو يقترب من مكانه، بحث بعينَيه عن ريشته. لم يرَها اندفع، دافعًا بقوة بضعة مقاعد في طريقه، نظر إليه بؤساء الحاسوب بدون ودٍّ. بحث بعصبية، لم تكن موجودة فعلًا. قد تكون وقعَت على الأرض. يا للفظاعة! في هذه الحالة، تكون قد تحطمَت بلا ريبٍ، وهو ينحني لينظر تحت الطاولة، لاحظ انتفاخ أحد الكتب الضخمة التي تبحث في مجال الرياضيات. فتحَه. كانت ريشة المورانو هناك، منزلقة بين صفحتَين.
دون أن ينتبه، كان السيد روش قد دسَّها هناك قبل أن يغادر مباشرةً لتناول القهوة، التقطها بحذر ومرَّر إصبعه بحبٍّ في حز الجدائل التي تمتد على امتداد المقبض، وغنيٌّ عن البيان الفرحة التي كتب بها:
نهاية القرن الحادي عشر، عمر الخيَّام، عالم رياضياتٍ، وشاعرٌ، وعالم جبرٍ كبيرٌ.
نهاية القرن الثاني عشر، شرف الدين الطوسي، عالم جبرٍ كبيرٌ أيضًا. استخدم طريقة جسَّدَت مقدمًا مفهوم المشتقة، خمسمائة عام قبل علماء الرياضيات الغربيين.
القرن الثالث عشر، ناصر الدين الطوسي (عالم فلكٍ، مصحِّح نظام بطليموس).
وهو يكتب هذا الاسم، قال السيد روش لنفسه إنه سمعه من قبلُ، لكن أين؟ كان متعجلًا جدًّا لكي يحاول معرفة ذلك.
بداية القرن الخامس عشر. نهاية الرياضيات العربية، القاشي، مدير مرصد سمرقند، قام بعرضٍ شاملٍ وتجميعٍ للرياضيات العربية طوال سبعة قرونٍ؛ علاقات بين الجبر والهندسة، علاقات بين الجبر ونظرية الأعداد، حساب مثلثات وتحليل توافيقي (دراسة للطرق المختلفة لتوفيق عناصر مجموعٍ ما). حل معادلات بالجذور (حساب حلول المعادلات باستخدام العمليات الأربع فقط والجذور التربيعية والتكعيبية … إلخ، ولا شيء آخر).
في الموعد بالضبط! أول جرسٍ، دقَّ جرس الساعة السابعة و٤٥ دقيقةً، كان قد انتهى لتوِّه من القسم رقم ٢، من الصعب التقدم بسرعةٍ أكبر. سيرى عند الاستخدام إذا كانت الملاحظات التي دوَّنها كافيةً لترتيب مكتبة الغابة.
سيتصدى في الغد للقطعة الكبيرة، الرياضيات في الغرب ابتداءً من القرن الخامس عشر، دقَّ الجرس الثاني، دفع السيد روش عجلات مقعده، واتجه نحو باب الخروج من قاعة مطالعة مطبوعات المكتبة الوطنية. كانت الساعة الثامنة مساءً.
على رصيف شارع فيفيين، أمام مدخل المكتبة الوطنية، انتظر طويلًا حتى توقفَت سيارة أجرة، كان الجو باردًا ورطبًا.
من الواضح أن السيد روش لم يكن يفهم كل ما كان يدوِّنه في دفتره، بل إنه في بعض الأحيان لم يكن يفهم شيئًا؛ وبالتالي كان ينقل كلمةً بكلمة. إن هذه الرحلة التاريخية عبْر المجال الرياضي، التي انطلق فيها بحماسة، لا يفترض أنها ستفتح له أبواب المضامين، ولا بالأحرى التقنيات المستخدمة، كان لهذه الرحلة هدفٌ أكثر تواضعًا بكثير؛ أن تصبح هذه المجالات مألوفةً له، ومنحه بعض المعالم الاستدلالية التي تسمح له بالتعرُّف على حركات الأفكار الكبرى التي عبَرت هذا العلم.
ما القضايا الكبرى لعصرٍ ما؟ مجالات العمل الكبرى؟ الرجال العظماء؟ ما الأسئلة الشهيرة التي طُرحَت عبْر القرون الماضية ووجدَت في لحظةٍ معينةٍ من التاريخ حلًّا نهائيًّا لها؟ وحينئذٍ، ما الأسئلة الجديدة التي طُرحَت؟ ما حقول البحث الجديدة التي بدأَت؟ هذا ما كان عليه أن يدركه ولو بشكلٍ تقريبيٍّ. ليس كمتخصصٍ، لكن كهاوٍ مستنيرٍ.
لكن كان هناك سؤالٌ مهمٌّ، هل يمكن أن يكون المرء هاويًا مستنيرًا في الرياضيات؟ طرح السؤال نفسه بعنفٍ على السيد روش، وفي اللحظة التي كان يحاول الإجابة عنه، أدرك أنه ينسى أن هدفه من الانطلاق في قراءة هذه الأعمال لم يكُن التثقيف الذاتي. كانت لديه مهمة عليه أن ينجزها؛ ترتيب مكتبة الغابة، وهو ما يمرُّ بالتحرير العاجل للكتب المسحوقة في قاع الصناديق في المرسم.
في اليوم التالي، لم يتمكن السيد روش من مغادرة الفراش. حمَّى، وألمٌ في كل جسمه، لقد أصابه بردٌ شديد، بلا شكٍّ البارحة وهو ينتظر سيارة أجرة في قلب الريح أمام المكتبة الوطنية.
ألغت بيرت موعد ألبير، وعالجَت المحموم ودلَّلَته، يجب القول إنها لم ترَ كثيرًا السيد روش مريضًا، ثلاث أو أربع مرات منذ أن عرفَتْه. يومان في السرير! بقبة أو بدون، لم يكن ذلك وقته.
أخيرًا نزل من السيارة ٤٠٤، وهو يسعل ويتمخَّط، مغطيًا رأسه، وأسرع مباشرةً إلى قاعة المطبوعات، أخرج كل عدَّته.
حاليًّا، القطعة الكبيرة، كتب:
القسم (٣): الرياضيات في الغرب ابتداءً من عام ١٤٠٠م
إن هذا القسم، في الواقع، ممتدٌّ بشكلٍ مفرطٍ، وكان لا بد من تقسيمه، في الوقت الحالي، أكتفي بذلك.
كانت رأسه تطن. لم يكن ذلك يلائم سنَّه. كان يريد العودة إلى المنزل، وأن ينام قيلولةً صغيرة، أغمض عينَيه، لقد ذكَّره ذلك بفترة امتحاناته عندما كان يكد بلا انقطاعٍ مثل مجنون، دائمًا في يونيو، في قلب الربيع، في اللحظة التي يتفجر المرء فيها من الطاقة! يا له من تبذيرٍ! هنا، كنَّا لحسن الحظ في بداية الخريف، لكنه لم يعُد في العشرين من عمره وكان مريضًا.
كان لا يمكنه أن يسمح لنفسه بضياع يومٍ إضافي. إن صورة كل هذه الكتب القيمة مسحوقة في الصناديق في المرسم جدَّدَت نشاطه.
إن حل المسائل التي طرحها ليبنتز ونيوتن في بداية القرن، التربيعات، تكامل المعادلات التفاضلية، حقَّقَت خطواتٍ واسعةً.
قرنٌ واحدٌ بعدُ!
لم يعُد يَحتمل. كان واثقًا أن كمياتٍ كبيرة قد فاتَتْه … لا يهمُّ، كانت رأسه ستنفجر. لقد استخدم السيد روش ثلاثة مناديل وكتَب عشر صفحات، منهك، كان لديه ٢٥٠٠ عام من الرياضيات بين يدَيه!
كانت بيرت قد ارتدَت ملابس مزاولة رياضة الهرولة لتكون على راحتها، أما السيد روش، فقد ارتدى بلوفرًا لتكون حركته حرَّةً، وهو يسعل دائمًا ويتمخط. لقد منحا نفسَيْهما عطلة نهاية الأسبوع لترتيب مكتبة الغابة.
إن الوجود غير المتوقَّع لكُتبٍ حديثةٍ أجبرهما على إضافة قسمٍ جديد:
القسم (٤): رياضيات القرن العشرين
ومع ذلك فقد فوجئا بوجود عددٍ كبيرٍ من الأعمال الحديثة، والحديثة جدًّا، إن الأمر لا يتعلق إطلاقًا بكتبٍ كان يمكن أن يحصل عليها هاوي جمْع كتبٍ من المكتبات المتخصصة بالحي اللاتيني، مثلًا، لقد حيَّرتْهما هذه الحقيقة. إن هذا الوجود المكثف لأعمالٍ حديثةٍ قد حوَّل وضع مكتبة الغابة من مكتبة هاوي جمع كتبٍ، كما كان الاعتقاد في أول الأمر، لتصبح أيضًا مكتبة باحثٍ.
لا سيما أنهما اكتشفا صندوقًا مليئًا بمجلاتٍ متخصصةٍ في مجال الرياضيات صادرة في السنوات الأخيرة. قرَّر السيد روش ألا يرتِّبها على الأرفف، معتقدًا أنه لن يحدث لها شيءٌ لو ظلت في صندوقها. أغلقَت بيرت صندوق المجلات ووضعَتْه بمحاذاة الحائط، قُرْب مكتبة الغابة.
القسم الرابع.
وتواصل الترتيب.
القسم الثالث.
– بحث عن رباعي الأضلاع الكامل، ناصر الدين الطوسي. القسم الثاني.
– مفتاح الحساب، القاشي. القسم الثاني.
كم من الدرر مرَّت بين أيديهما! امتلأَت الأرفف.
في صباح الإثنين، لم يكن الترتيب قد انتهى. قبل أن تفتح المكتبة، ذهبَت بيرت إلى المرسم. اكتشفَت السيد روش نائمًا في مقعده وسط الصناديق. لقد أمضى الليلة هناك، كان الغطاء الإنجليزي الذي يغطي عادةً فخذَيه قد انزلق، كاشفًا عن سروالٍ ذي كسرةٍ مثاليةٍ وحذاءٍ ملمَّعٍ بعنايةٍ، بدا مسرورًا. كانت رأسه المنحنية، المائلة إلى الجنب، قد أظهرَت، العنق النحيف والمجعَّد للمسنِّين مشدودًا بالأحبال الصوتية، تحت تأثير التنفس، كان الجلد يخفق مثل شراعٍ يرفرف. تذكَّرَت بيرت أن السيد روش قد شاخ فجأة بعد الحادث الذي وقع له مباشرةً، لقد كبر عشر سنوات في بضعة أيامٍ. منذ ذلك الحين لم يتحرك، تركَتْه ينام.
لقد اتضح أن عملية التحقق من كُتبِ مكتبة جروسروفر والتعرُّف عليها أصعب بكثيرٍ مما كان يعتقده السيد روش. كان يمسك بالكتاب الذي بين يدَيه منذ بعض الوقت. لم يكن قد سمع قَط عن المؤلف، ولم يفهم شيئًا من المضمون، كان الفهرس مبهمًا تمامًا بالنسبة إليه، تصفَّحه مرةً أخرى، أفلتَت منه ورقة، وبالطبع انطلقَت تحت الأرفف. مستحيل استعادتها! كان السيد روش لا يريد طلب العون من أحد، بأية حال، لم يكن هناك سوى بيرت في المنزل، لكنها كانت في غمرة العمل في المكتبة.
فكَّر السيد روش. أشرق وجهه، لن يحتاج إلى أحدٍ. حرَّك مقعدَه نحو خزانة حائط المرسم، وأخرج مكنسةً كهربائية، وصلَها بالتيار، مد السلك حتى المكان الذي اختفت فيه الورقة. حرك المكنسة التي شغلها بأقصى طاقة، وفي غضون لحظةٍ استرد بطاقةً صغيرةً، ملتصقةً بالمكنسة.
إن الحيلة ليست مقصورةً على الرياضيات وحدها! إذا لم تكن تستطيع الذهاب إلى الشيء، فسيأتي الشيءُ إليك! حيَّا نفسه كطاليس منزلي.
كانت بطاقةٌ من الورق المقوى مكتوبةً بخط اليد. تعرَّف على خط جروسروفر، خط دقيق بالحبر الشيني، مثل خط الرسالة، لكن هنا كانت المسافة بين السطور أصغر. كانت البطاقة ملخصًا للعمل، مزينة بتعليقات جروسروفر. وكانت قديمةً، مكتوبةً منذ وقتٍ طويلٍ جدًّا.
أخذ السيد روش كتبًا أخرى. في آخر كلٍّ منها، وفي ظهر الغِلاف، كانت تُوجَد بطاقةٌ مماثلةٌ ممسوكةٌ بشريط من البلاستيك، اندهش أنه لم يلاحظها. لقد أفلتَت البطاقة من الكتاب؛ لأن الشريط البلاستيك الذي كان من المفروض أن يُثِّبتها قد انفَك.
حاليًّا، سيتمكَّنان من ترتيب المكتبة. إن هذه البطاقات ستساعدهما بشكلٍ كبير.
بعد العَشاء الذي تناولَته بيرت وهي واقفة، انضمَّت إلى السيد روش في المرسم. وبدأَت ليلةً بدون نومٍ. كان يُوجَد حاليًّا صناديقُ فارغةٌ أكثر من الممتلئة. وسرعان ما لم يعُد هناك سوى صندوقٍ واحدٍ ممتلئ. ومثل كل الكتب التي سبقَتها والتي ملأَت الأرفف، أخذَت كُتب الصندوق الأخير مكانها في مكتبة الغابة.
أخرجَت بيرت الصندوق إلى الفناء.
بزغ النهار. لم يرَيا قَط هذا الكم الكبير من الكتُب القديمة معروضةً في مكانٍ واحد، إلا بالطبع في المكتبة الوطنية، أو مكتبة الأرسنال، لقد حضر السيد روش العديد من مزادات البيع، لكن لم يكن يعرض بها قَط أكثر من بضع عشراتٍ من الأعمال الجادة. كان يقصد بالجادة أعمالًا قديمةً وفي الوقت نفسه يستحق محتواها الاهتمام.
لقد شعرا بالرغبة في أن يتعانقا.
كان شيء لا يُصدَّق! فكَّر السيد روش باعتزاز في صديقه القديم. لا يوجد إلا هو مَن يستطيع إنشاء مثل هذه المكتبة، كانت كل الأعمال المعروضة تقريبًا نسخًا أصلية. عمَّر بعضُها أكثر من خمسة قرون، وتُسمَّى هذه النسخ، في الوسط، بالطبعات الاستهلالية، أعمال «المهد»، التي طُبعت قبل عام ١٥٠٠م. وهو ما يعني أنه لا يوجد سوى القليل منها في جميع أنحاء العالم، وكم منها في مكتبة الغابة؟
آلاف الأعمال، مكتوبةٌ باليونانية، واللاتينية، والعربية، والإيطالية، والألمانية والإنجليزية، والروسية، والإسبانية، والفرنسية. برج بابل رياضي!
«في الصناديق التي ستستقبلها قريبًا يوجد ما يمثل في نظري أفضل مجموعةٍ رياضيةٍ لكل الأزمنة. كل شيءٍ موجودٌ فيها. إنها، ولا تشك في ذلك، المجموعة الخاصة الأكمل من الأعمال الرياضية التي جمعَت أبدًا». إن جروسروفر لم يكذب. إنه لم يكذب إلا بالنسبة إلى التفاصيل، بالمقابل إذا أكد لك شيئًا غير قابل للتصديق، شيئًا حقًّا غير قابلٍ للتصديق، يمكنك أن تكون متأكدًا أنه حقيقيٌّ. معه، كلما كان الأمر ضخمًا، كان حقيقيًّا! هنا، لم يكن الأمر قَط بهذا القَدْر من الضخامة، ولا حقيقيًّا بهذا الشكل.»
أقفَلا باب مكتبة الغابة. وكانا أول زبائن لحانة الناصية حيث التهما إفطارًا شهيًّا.